🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب الأهلية الروسية
التاريخ

الحرب الأهلية الروسية

👁 3 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 14/6/2026 ✏️ 14/6/2026
100%
Ukraina1919.jpg

تُمثّل الحرب الأهلية الروسية (1917-1922م) أحد أضخم الصراعات الداخلية في تاريخ القرن العشرين وأعمقها أثراً في مسار التاريخ الإنساني، إذ لم تُحدّد نتيجتها مصير روسيا وحدها بل رسمت ملامح النظام الدولي للقرن العشرين بأسره. نشبت الحرب في أعقاب ثورة أكتوبر 1917م التي أطاحت فيها فصائل البلاشفة بزعامة فلاديمير لينين بالحكومة الانتقالية المؤقتة وأعلنت الدولة الاشتراكية السوفيتية، فواجهت على الفور تحالفاً واسعاً متنافراً من الأعداء: البيض — وهو مصطلح جامع لكل المعارضين من ملكيين ومحافظين وليبراليين ومن اليمين إلى وسط الطيف السياسي — والاشتراكيين الثوريين الرافضين للهيمنة البلشفية، والفوضويين، وجماعات الفلاحين المسلحة، فضلاً عن تدخل عسكري أجنبي مباشر من أربع عشرة دولة على رأسها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان. امتدت الحرب على جبهات متعددة تمتد من أوروبا الشرقية حتى سيبيريا وآسيا الوسطى وأقصى الشرق الروسي، في مساحة جغرافية تضاهي قارة بأسرها. انتهت الحرب بانتصار الجيش الأحمر البلشفي وتأسيس الاتحاد السوفيتي في الثلاثين من ديسمبر 1922م — أول دولة اشتراكية في التاريخ وثاني أكبر قوة في العالم خلال القرن العشرين. غير أن ثمن هذا الانتصار كان فادحاً بما لا يُوصف: تتراوح تقديرات الضحايا بين سبعة ملايين واثني عشر مليون إنسان قضوا بين معارك وإعدامات وأوبئة ومجاعات، وكان بين ضحاياها النظام القيصري بمثاليه وعيوبه وقتلاه، والقيصر نيكولاي الثاني وعائلته، وطبقات اجتماعية كاملة محيت من الوجود، وعالم روسي قديم لم يعد إليه.
[1]

الحرب الأهلية الروسية
الاسم بالروسية Гражданская война в России (Grazhdanskaya voyna v Rossii)
التاريخ نوفمبر 1917 – أكتوبر 1922م
المدة نحو خمس سنوات
الموقع الإمبراطورية الروسية السابقة — من البلطيق إلى المحيط الهادئ
النتيجة انتصار الجيش الأحمر البلشفي — تأسيس الاتحاد السوفيتي (1922م)
أطراف النزاع الرئيسية
الجيش الأحمر (الحمر) البلاشفة — الحزب الشيوعي بقيادة لينين وتروتسكي
الجيش الأبيض (البيض) تحالف ملكيين ومحافظين وليبراليين ومعارضي البلاشفة
الخضر جماعات فلاحية مسلحة مستقلة رفضت الطرفين
السود (الفوضويون) حركة نيستور ماخنو الفوضوية في أوكرانيا
التدخل الأجنبي بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، اليابان، وأربع عشرة دولة أخرى
القادة الرئيسيون
قادة الحمر فلاديمير لينين، ليون تروتسكي (مفوض الحرب)، ميخائيل فرونزه
قادة البيض الأميرال الكساندر كولتشاك (الحاكم الأعلى)، أنطون دينيكين، نيكولاي يودينيتش، بيوتر فرانغل
قائد الفوضويين نيستور ماخنو (زعيم الحركة الفوضوية الأوكرانية)
الأرقام والخسائر
الجيش الأحمر (ذروة الحرب) 5 ملايين جندي
جيوش البيض (إجمالي) ~500,000 إلى 800,000 مقاتل
إجمالي الضحايا 7 إلى 12 مليون (قتال وإعدامات وأوبئة ومجاعة)
ضحايا الإرهاب الأحمر 250,000 إلى مليون وثلاثمئة ألف (تقديرات متباينة)
ضحايا المجاعة 1921-22 ~5 ملايين شخص
أطفال الشوارع (1922م) ~7 ملايين طفل بلا مأوى
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق التاريخي

روسيا القيصرية في عصر الأزمات

لفهم الحرب الأهلية الروسية، لا بدّ من استيعاب حالة الانهيار التدريجي التي كانت تعيشها الإمبراطورية الروسية في العقود الأولى من القرن العشرين. كانت روسيا القيصرية في عهد نيكولاي الثاني (1894-1917م) دولةً شاسعة الأرجاء يسكنها نحو مئة وخمسين مليون نسمة، تعيش في معظمها على الزراعة وتحت ظروف القنانة شبه الإقطاعية التي لم تُلغَ رسمياً إلا عام 1861م، ولكن دون أن يرافق الإلغاءَ الرسميَّ إصلاحٌ اقتصادي حقيقي يمنح الفلاحين أرضاً كافية أو فرصاً حقيقية. وكانت الثورة الصناعية قد وصلت روسيا متأخرة وبسرعة مضطربة، مُنتجةً طبقة عمالية حضرية تعمل في ظروف بائسة مع غياب شبه كامل للتمثيل السياسي والحقوق العمالية.
[2]
كشفت الهزيمة المذلّة أمام اليابان في حرب 1904-1905م عن عمق الأزمة، وأشعلت ثورة 1905م التي أجبرت القيصر على الإقرار بمجلس دوما تشريعي، غير أنه أبقى عليه بلا صلاحيات حقيقية. وحين دخلت روسيا الحرب العالمية الأولى عام 1914م، كانت تحمل كل هذه التناقضات المتفجّرة: جيش ضخم يفتقر إلى التسليح الكافي وقيادة كفؤة، وشعب يئنّ من الحرب ونقص الغذاء، وحكومة قيصرية أثبتت عجزها عن إدارة أزمة بهذا الحجم. ويُقدَّر أن روسيا فقدت في الحرب العالمية الأولى وحدها ما بين مليون وسبعمئة ألف وثلاثة ملايين قتيل في الميدان، وتدهورت حالتها الاقتصادية تدهوراً حاداً بلغ ذروته في موجات الاضطرابات الشعبية بمطلع عام 1917م.
[3]

ثورتا فبراير وأكتوبر: الشرارتان المتتاليتان

في فبراير 1917م، انفجرت الأزمة في ثورة شعبية عفوية في بتروغراد (سانت بطرسبرغ) بدأت باحتجاجات العمال والنساء على نقص الخبز، وما لبثت أن تحوّلت إلى تمرد عسكري حين انضمت وحدات الجيش إلى المحتجين بدلاً من قمعهم. أبدى القيصر نيكولاي الثاني في البداية عنادهُ المعهود، لكنه اضطر في مارس 1917م إلى التنازل عن العرش، مُنهياً ثلاثة قرون من حكم أسرة رومانوف. أسّست النخب السياسية في أعقابها حكومةً انتقالية مؤقتة استمدّت شرعيتها من مجلس الدوما، غير أنها وجدت نفسها فوراً في موازاة سلطة مزدوجة مع «السوفيتات» — أي مجالس العمال والجنود الشعبية — التي كانت البلاشفة يتمتعون فيها بنفوذ متنامٍ. قرّرت الحكومة الانتقالية الاستمرار في الحرب الأكثر شعبية الدولية حتى النهاية، فيما كانت الشعارات البلشفية الثلاثة — «الأرض والسلام والخبز» — تكتسح الأرياف والمصانع والثكنات.
[4]
في الخامس والعشرين من أكتوبر 1917م (وفق التقويم الروسي القديم)، نفّذ البلاشفة انقلابهم المسلح بسرعة خاطفة وكفاءة تنظيمية لافتة: استولوا على المرافق الحيوية في بتروغراد وداهموا مقرّ الحكومة الانتقالية في قصر الشتاء. أعلن لينين من فوره قيام سلطة السوفيتات، وشرع البلاشفة على الفور في إصدار مراسيم جذرية: مرسوم الأرض الذي أعلن تأميم الأراضي وتسليمها للفلاحين، ومرسوم السلام الذي طلب هدنةً فورية في الحرب العالمية. غير أن استيلاء البلاشفة على السلطة لم يُرافقه قبول أطياف واسعة من السكان والقوى السياسية، فكانت الحرب الأهلية حتميةً منطقية لصراع السلطة الذي خلّفه هذا الانقلاب.

الأطراف وموازين القوى

البلاشفة: الأقلية المنظّمة المدجّجة بالأيديولوجيا

في بداية الحرب، لم يكن البلاشفة يسيطرون فعلياً إلا على جيب ضيّق في قلب روسيا الأوروبية حول بتروغراد وموسكو — وهو ما جعل الوضع في تلك المرحلة يُشبه رقعةً محاصرة من كل الجهات بجيوش معادية وأجانب وحركات استقلالية. لكن البلاشفة مُيِّزوا بميزات بنيوية حاسمة جعلت انتصارهم في نهاية المطاف ممكناً رغم ضعفهم الأولي. أولاً: الإطار الأيديولوجي الموحّد الذي يمنح القتال معنى ويرسم هدفاً واضحاً، في حين افتقر خصومهم البيض إلى أي مشروع جامع. ثانياً: السيطرة على المركز الجغرافي الذي يحتوي المراكز الصناعية والسكك الحديدية الأساسية وخطوط الاتصال الداخلية، مما أتاح لهم نقل القوات بين الجبهات بمرونة لم تمتلكها جيوش البيض المتفرقة في الأطراف. ثالثاً: وجود ليون تروتسكي بوصفه مفوّضاً للحرب وعبقرياً تنظيمياً بنى الجيش الأحمر من شبه لا شيء: استعان بضباط من الجيش القيصري القديم — متجاوزاً التحفّظات الأيديولوجية على ذلك — وفرض عليهم مراقبة سياسية بلشفية صارمة عبر المفوضين السياسيين المُرافقين لكل وحدة.
[3]
وفي غضون أشهر من سقوط 1918م، كان الجيش الأحمر يضمّ 300,000 مقاتل، وبنهاية الحرب كان قد نما إلى خمسة ملايين جندي. وقد طبّق البلاشفة سياسة «شيوعية الحرب» (War Communism) التي صادرت الحبوب من الفلاحين قسراً لإطعام الجيش والمدن، وأممت الصناعة، وأخضعت الاقتصاد كله لحاجات الحرب — سياسة أنتجت كفاءة عسكرية على حساب كارثة إنسانية لاحقة.

الجيش الأبيض: قوة بلا مشروع

كان «الجيش الأبيض» تسميةً جامعة أُطلقت على تحالف فضفاض من القوى التي اتحدت في معارضة البلاشفة دون أن تتفق على ما تريده بديلاً. ضمّ هذا التحالف الملكيين الساعين لاستعادة النظام القيصري، والليبراليين الداعين إلى جمهورية ديمقراطية، والقوميين الروس، وضباط الجيش القيصري القدامى، والكوزاق من جنوب روسيا وسيبيريا الذين قاتلوا أحياناً لحسابهم المستقل. كان غياب الرؤية الموحّدة نقطة ضعف قاتلة: فبينما كانت الشعارات البلشفية تَعِد الفلاحين بالأرض والعمال بالمصانع، لم يكن لدى الجيش الأبيض ما يعرضه على هؤلاء سوى العودة إلى نظام قديم ثاروا عليه. بل إن بعض القادة البيض تصرفوا في المناطق التي سيطروا عليها بطريقة جعلت الفلاحين يُفضّلون البلاشفة على الرغم من قسوة «شيوعية الحرب»: استعاد ملاك الأراضي عقاراتهم في المناطق الخاضعة للسيطرة البيضاء، وانتشرت حوادث نهب وعنف طالت السكان المحليين.
[2]
وعلى الصعيد العسكري، كان القادة البيض متفرّقين على جبهات شاسعة بينهم تنسيق محدود: الأميرال الكساندر كولتشاك يقود الجبهة الشرقية من سيبيريا، والجنرال أنطون دينيكين يقود جنوب روسيا، والجنرال نيكولاي يودينيتش يُهدّد بتروغراد من الشمال الغربي، والجنرال بيوتر فرانغل يتحصّن في شبه جزيرة القرم. وكانت هذه الجيوش تعتمد على خطوط إمداد هشّة تمتد عبر مسافات شاسعة، وكلما تقدّمت نحو قلب روسيا تمدّدت خطوطها وتكثّفت هشاشتها في مواجهة ضربات الجيش الأحمر المتمركز في الداخل.
[5]

الأطراف الثالثة: الخضر والسود والجبهات القومية

كانت الحرب الأهلية الروسية أشد تعقيداً من الثنائية التبسيطية «أحمر ضد أبيض» التي كثيراً ما تُختزل فيها. فثمة طرف ثالث واسع الانتشار كان يُعرَف بـ«الخضر» — جماعات فلاحية مسلحة رفضت البلاشفة بسبب صادراتهم القسرية للحبوب، ورفضت في آنٍ معاً عودة ملاك الأراضي التي جاء بها البيض — وكانوا يسيطرون على مناطق ريفية واسعة ويشنّون حرب عصابات على الطرفين. وكان نيستور ماخنو (Nestor Makhno) يقود في أوكرانيا حركةً فوضويةً مسلحة — «السود» — بلغت ذروة قوتها مئة ألف مقاتل، وكانت تتحالف حيناً مع البلاشفة ضد البيض ثم تنقلب ضد البلاشفة حين يفرغون من البيض. فضلاً عن ذلك، كانت قوميات عديدة تستغل الفراغ لإعلان استقلالها: أوكرانيا والقوقاز وفنلندا ودول البلطيق وبولندا وغيرها، مما جعل الحرب في الأطراف ملحمةً متشعّبة من الصراعات القومية والطبقية والأيديولوجية في وقت واحد.
[6]

التدخل الأجنبي

في أبريل 1918م، شرعت قوات أجنبية من أربع عشرة دولة في التدخل المسلح في الأراضي الروسية، في ما أحدث من الناحية البلشفية أثراً نفسياً وسياسياً أعظم من أثره العسكري المباشر. كانت الدوافع متباينة: بريطانيا وفرنسا كانتا قلقتين من انسحاب روسيا من الحرب العالمية بعد معاهدة برست-ليتوفسك (مارس 1918م) التي أعطت ألمانيا موارد هائلة في الشرق، وكانتا تسعيان إلى إعادة تفعيل الجبهة الشرقية. وبعد انتهاء الحرب العالمية في نوفمبر 1918م، تحوّل الدافع الغربي إلى قلق أيديولوجي من انتشار الشيوعية. واليابان كانت تسعى إلى التوسع في سيبيريا والشرق الأقصى، فأرسلت أكثر القوات الأجنبية عدداً — نحو سبعين ألف جندي.
[7]
وقد استخدم البلاشفة التدخل الأجنبي استخداماً دعائياً بليغاً: صوّروا الحرب باعتبارها ليس صراعاً داخلياً بل هجوماً رأسمالياً دولياً على الثورة الروسية، وكان هذا الخطاب فعّالاً في حشد التعاطف الشعبي الوطني حتى بين من لم يكونوا بلاشفة بطبيعتهم. وكان التدخل الأجنبي محدود الجدوى الميدانية: الحلفاء المتعبون من الحرب العالمية الكبرى لم يكن عندهم رغبة شعبية في شنّ حرب جديدة بعيدة، وقوات الحلفاء أمضت معظم وقتها في مواقعها الساحلية دون أن تُحدث تغييراً استراتيجياً حقيقياً. انسحبت القوات الغربية بحلول عامَي 1919-1920م، وسحبت اليابان آخر جنودها من فلاديفوستوك في أكتوبر 1922م.

مجريات الحرب

عام 1918: الأزمة الوجودية للثورة

كان عام 1918م أشد أعوام الحرب خطورةً على البلاشفة. في مايو 1918م، أشعل فيلق تشيكوسلوفاكيا شرارة الطور الأول الكبير من الحرب: كان هذا الفيلق يتكوّن من أسرى حرب تشيكيين وسلوفاكيين كانوا يقاتلون ضد النمسا في صفوف الجيش الروسي، وكانوا يتجهون عبر سيبيريا نحو الخروج من روسيا للانضمام إلى جبهات الحرب الغربية، حين نشب خلاف مع البلاشفة وأعلن تروتسكي تجريدهم من السلاح. ردّ الفيلق بالسيطرة على السكة الحديدية عبر سيبيريا بأكملها، ما أتاح لقوى البيض المعارضة نقطة ارتكاز موسّعة شاسعة. وفي صيف 1918م، كانت بتروغراد وموسكو تبدوان شبه محاصرتين: دينيكين يتقدم من الجنوب، وكولتشاك يُحكم سيطرته على سيبيريا، ويودينيتش على الأبواب الشمالية الغربية.
[1]
وفي هذا السياق المأزوم، جاء حادثٌ بالغ الدلالة: في الليلة الممتدة بين السادس عشر والسابع عشر من يوليو 1918م، أعدمت الشيكا القيصرَ نيكولاي الثاني وزوجته وأولاده الخمسة وعدداً من المقرّبين في قبو منزل إيباتيف في يكاترينبورغ، مُنهيةً الأسرة الرومانوفية الحاكمة إنهاءً جسدياً حاسماً. وكان الدافع المُعلَن منع تقدّم القوات البيضاء من تحرير القيصر، لكن وراءه أيضاً رسالة أيديولوجية: لا عودة للماضي القيصري بأي شكل.

الإرهاب الأحمر: الترهيب كسياسة دولة

في الخامس من سبتمبر 1918م، أصدرت حكومة البلاشفة مرسوم «الإرهاب الأحمر» رسمياً، إثر محاولتَي اغتيال طالتا أبرز القادة البلشفيين في يوم واحد: اغتيال رئيس الشيكا في بتروغراد موسى أوريتسكي في أغسطس 1918م، ومحاولة اغتيال لينين ذاته بإطلاق الرصاص عليه أمضاه في مستشفى لأسابيع. أضفى المرسوم الغطاء القانوني لما كانت الشيكا تمارسه أصلاً: القبض دون محاكمة وإعدام الرهائن من الطبقات «المشبوهة» — البرجوازيين والكهنة والملاك وكل من يُشتبه في معارضته. وقد نفّذت الشيكا بقيادة «فيليكس دزيرجنسكي» الحديدية عمليات إعدام جماعية طالت طبقات اجتماعية كاملة لا أفراداً بعينهم، وقدّر المؤرخون الأرقام تقديرات متباينة: من مئتين وخمسين ألفاً إلى مليون وثلاثمئة ألف ضحية خلال سنوات الحرب.
[8]
وكان «الإرهاب الأحمر» مُصمَّماً كآلة ردع اجتماعية شاملة تستهدف «الأعداء الطبقيين» قبل أن يتحرّكوا، لا كأداة عدالة جزائية. وقد أسّست هذه الآلية لجهاز القمع السياسي الذي ورثته الدولة السوفيتية وطوّرته فيما بات يُعرَف بالـKGB لاحقاً. وفي المقابل، مارست قوات البيض هي الأخرى عنفاً وحشياً — «الإرهاب الأبيض» — غير أنه كان أقل تنظيماً وأيديولوجيةً وأقل ضراوةً بالأرقام المقدَّرة، وكانت مجازر اليهود في أوكرانيا وجنوب روسيا من أشدّ فصوله دموية.

1919: الجزر والمدّ — قمم البيض ثم انهيارهم

بلغ الجيش الأبيض ذروة قوته الميدانية عام 1919م ثم انهار انهياراً مثيراً. في الشرق، تقدّم الأميرال كولتشاك في شتاء وربيع 1919م نحو الغرب عبر جبال الأورال محققاً مكاسب جغرافية واسعة، فكان في أبريل 1919م على بُعد ستة أسابيع سيراً من موسكو. غير أن الهجوم المضاد الأحمر انطلق في الثامن والعشرين من أبريل وانتزع منه المبادرة، وانسحب كولتشاك عبر سيبيريا في تراجع تحوّل إلى انهيار ملاحقه فيه المسلحون الحمر والبارتيزانيون المتعاطفون معهم. وفي الجنوب، وصل دينيكين في أكتوبر 1919م إلى مدينة أوريول — على بُعد أقل من أربعمائة كيلومتر من موسكو — في أقرب نقطة وصل إليها أيٌّ من الجيوش البيضاء من القلب السوفيتي. غير أنه لم يكن يمتلك القوى الاحتياطية لاستمرار التقدم، فشنّ الجيش الأحمر هجوماً مضاداً أطاح بكل مكاسبه خلال أسابيع.
[5]
وفي الشمال الغربي، هدّد يودينيتش في أكتوبر 1919م بتروغراد ذاتها وأوشك مقاتلوه من رؤية أبراجها ليلاً — لكن تروتسكي نفسه توجّه شخصياً إلى المدينة على ظهر قطار مدرّع ونظّم دفاعها، مؤكداً أن بتروغراد لن تسقط. دُحرت القوى البيضاء في يودينيتش بحلول نوفمبر. وكان مشهد عام 1919م الكلي: البيض في أقصى مدّهم، ثم أقصى جزرهم، والحمر يستعيدون زمام المبادرة على المستوى الاستراتيجي.

1920-1922: تصفية المقاومة وضمّ الأطراف

بحلول عام 1920م، كانت نتيجة الحرب الأهلية شبه محسومة استراتيجياً وإن لم تُعلَن رسمياً. استسلمت القوات البيضاء في الجنوب تحت قيادة دينيكين وخلفه فرانغل، وأُجليت آخر فلول القوات البيضاء من شبه جزيرة القرم في نوفمبر 1920م في مشهد بالغ الدراما: أكثر من مئة وخمسين ألف جندي ومدني أُجلوا بحراً نحو المنفى في تركيا وباقي أوروبا — في ما يُعدّ أكبر موجة نزوح مسلّح من الأراضي السوفيتية في تاريخ الحرب. وكان قبلها قد شهد عام 1920م أيضاً الحرب السوفيتية-البولندية التي انتهت بهزيمة السوفيتية أمام قوات جوزيف بيلسودسكي في معركة وارسو، محرومةً البلاشفة من حلمهم بتصدير الثورة إلى أوروبا الغربية. في السنوات 1920-1922م، حوّل الجيش الأحمر جهوده نحو إخضاع الأطراف: أرمينيا وجورجيا وأذربيجان في القوقاز، وآسيا الوسطى، وسيبيريا. وفي أكتوبر 1922م، دخل الجيش الأحمر فلاديفوستوك بعد انسحاب اليابانيين، مُعلناً الانتصار التام.
[9]

الرعب والإبادة الجماعية

إبادة الكوزاق

من أشد صفحات الحرب الأهلية دموية وإثارةً للجدل التاريخي ما عُرف بـ«نزع الكوزاقية» (Decossackization) في عامَي 1919-1920م. أصدر المكتب السياسي البلشفي في يناير 1919م مرسوماً يدعو إلى إبادة النخبة الكوزاقية «بلا رحمة» بوصفهم «عملاء للثورة المضادة»، وقد نُفّذت الأوامر بمجازر جماعية وترحيل في مناطق الدون والكوبان الكوزاقية. تتباين التقديرات حول حجم الضحايا تبايناً كبيراً — بين عشرة آلاف منفَّذ إعداماً ونحو ثلاثمئة إلى خمسمئة ألف بين قتيل ومُهجَّر — وقد فتحت هذه الحادثة نقاشاً أكاديمياً حول ما إذا كانت تنطبق عليها تعريفات الإبادة الجماعية.
[10]
وكذلك كانت أحداث تمبوف (1920-1921م) حيث قمع البلاشفة تمرّد الفلاحين في منطقة تامبوف باستخدام غاز الكلور وعمليات المداهمة والإعدام الجماعي والترحيل الجماعي إلى معسكرات — ما أودى بحياة ما بين خمسة عشر ألفاً ومئتين وأربعين ألف إنسان وفق تقديرات متباينة، وهو ما استخدم فيه الجيش الأحمر بصورة موثّقة أسلحة كيميائية ضد تجمّعات مدنية.

المجاعة الكبرى 1921-1922م

حين خمدت نيران الحرب الأهلية، كانت روسيا قد استُنزفت حتى العظم من سنوات الحرب العالمية والثورة والأهلية، ومن سياسة «شيوعية الحرب» التي نهبت مخزونات الحبوب من الفلاحين لسنوات متواصلة. حين ضربت حالة جفاف شديدة عام 1921م مناطق الفولغا والأورال وأوكرانيا — وهي ذات نفس المناطق المنهكة من سنوات الحرب — تفاقمت إلى مجاعة رهيبة قتلت وفق التقديرات الأكثر اتساقاً ما لا يقل عن خمسة ملايين إنسان، وبلغت بعض مناطق الفولغا والأورال حد المجاعة الكارثية الشاملة. أصاب الوباء أبعاداً جائحية، إذ مات ثلاثة ملايين شخص من التيفوس وحده عام 1920م. [libguides](https://bruce-c-clarke.libguides.com/zuluwar?claude-citation-5f5c6424-bf97-4cea-8a14-1b8a2641ae76=e5f0740e-a381-48c2-982b-c11cc64de0d0) وقد اضطرّت الحكومة السوفيتية — التي أحجمت في البداية عن الاعتراف بالمجاعة خشية التداعيات السياسية — إلى قبول المساعدات الغربية في نهاية المطاف: فوصل فريق المساعدة الأمريكية (ARA) بقيادة هربرت هوفر ليُغذّي في ذروة عمله أكثر من عشرة ملايين إنسان يومياً.
[11]

تأسيس الاتحاد السوفيتي

في الثلاثين من ديسمبر 1922م، أُعلن رسمياً في موسكو تأسيس «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية» (الاتحاد السوفيتي / USSR)، وهو كيان انضمت إليه في البداية أربع جمهوريات سوفيتية: روسيا الاتحادية الاشتراكية، وأوكرانيا، وبيلاروسيا، والقوقاز عبر الجمهوريات الثلاث المتّحدة. كان الاتحاد من الناحية النظرية اتحاداً طوعياً بين الشعوب، غير أنه في الواقع كان بناءً امبراطورياً جديداً يمتدّ على مساحة الإمبراطورية الروسية القديمة مع خسارة بعض أطرافها (فنلندا، دول البلطيق، بولندا، الجزء الغربي من أوكرانيا). وقد فتح تأسيس الاتحاد صفحةً جديدة في التاريخ الإنساني ستمتد نتائجها حتى انهياره عام 1991م: منافسة مع المنظومة الرأسمالية الغربية، وتجربة جبارة في الاقتصاد المُخطَّط والدولة الشمولية، وحرب باردة رسمت جغرافيا السياسة العالمية لنصف قرن.
[4]

الأهمية التاريخية

في الفكر السياسي وتاريخ الأيديولوجيا

تحتلّ الحرب الأهلية الروسية مكانةً محوريةً في تاريخ الأيديولوجيا السياسية في القرن العشرين. فانتصار البلاشفة أثبت في عيون الشيوعيين في العالم إمكانية الاستيلاء على الدولة وتحويلها عبر الثورة المسلحة، وأسّس نموذج «الحزب الطليعي» اللينيني كبديل عن الديمقراطية الانتخابية. وفي الوقت ذاته، كان إخفاق المعارضة الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية في مواجهة البلاشفة درساً مرّاً قرأه المفكرون الغربيون بقلق عميق، وأثّر في مسيرة الفكر الديمقراطي الاجتماعي الأوروبي. وقد أنجبت الحرب أيضاً سجالاً فكرياً لا ينقضي: هل كان الإرهاب الأحمر ضرورة موضوعية فرضتها ظروف الحرب كما ادّعى تروتسكي؟ أم كان استمراراً طبيعياً لأيديولوجيا تُقدّس السلطة المركزية وتستهين بالحريات الفردية كما رأى معارضوه؟ ولا تزال هذه النقاشات تُغذّي الكتابة التاريخية حول الشيوعية والشمولية حتى اليوم.
[3]

في العلاقات الدولية وإرث الريبة الغربية

خلّف التدخل الأجنبي في الحرب الأهلية الروسية ندبةً في الذاكرة السياسية السوفيتية لم تُشفَ: فقد غذّت ذكرى الجنود البريطانيين والفرنسيين والأمريكيين الذين أُرسلوا لقتال الثورة السوفيتية ثقافةَ الريبة من الغرب التي سيُبقيها لينين ثم ستالين حيّةً ويُوظّفانها في تأجيج المشاعر الوطنية وتبرير الانغلاق. وقد أرست هذه الريبة المتبادلة جذور الحرب الباردة قبل نشوء حرب عالمية ثانية بعقدين: ففهم الغرب والاتحاد السوفيتي منذ مطلع العشرينيات أن التعايش السلمي المستدام بينهما عسير، وهو الفهم الذي ترسّخ وتعمّق في أعقاب الحرب العالمية الثانية في ما بات يُعرف بالحرب الباردة.
[9]
وكانت ذكرى كولتشاك ودينيكين وسائر قادة البيض مادةً خاماً لموجات من العاطفة القومية الروسية في ظل بوتين، إذ أعادت روسيا ما بعد السوفيتية استحضار شخصية الأميرال كولتشاك بوصفه بطلاً وطنياً يوازن الرواية البلشفية — وهو جدل ذو طابع سياسي راهن عميق حول كيف تُقرأ هزائم الماضي وانتصاراته في بناء هوية وطنية للحاضر.
[2]

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
حجة الوداع
آخر حج النبي محمد(ص) وكمال الدين
🔍