| التعريف العام | |
| الاسم الرسمي | British Empire (الإمبراطورية البريطانية) |
| الطابع السياسي | ملكية دستورية + إمبراطورية استعمارية |
| اللغات الرسمية | الإنجليزية + لغات المستعمرات المحلية |
| الدين | البروتستانتية (أنغليكانية)؛ تعددية في المستعمرات |
| العملة | الجنيه الإسترليني |
| الجغرافيا والسكان | |
| العاصمة | لندن |
| أقصى مساحة (1920) | 35,500,000 كم² — 24% من مساحة الأرض [1] |
| أقصى عدد سكان (1913) | 412 مليون نسمة — 23% من سكان العالم [2] |
| عدد المستعمرات | أكثر من 50 مستعمرة وإقليمًا |
| التاريخ | |
| بدايات التوسع | 1497م — رحلة جون كابوت إلى كندا |
| أول مستوطنة دائمة | 1607م — مستوطنة جيمستاون، فيرجينيا |
| الذروة الإقليمية | 1920م — بعد الحرب العالمية الأولى |
| بدء الانحسار الكبير | 1947م — استقلال الهند وباكستان |
| النهاية الرمزية | 1997م — إعادة هونغ كونغ إلى الصين |
| الملوك والمراحل | |
| الإمبراطورية الأولى | 1583–1783م (أمريكا الشمالية والكاريبي) |
| الإمبراطورية الثانية | 1783–1945م (آسيا وأفريقيا والمحيطات) |
| أبرز الملوك | إليزابيث الأولى، جورج الثالث، فيكتوريا، جورج الخامس |
| الإرث الدائم | الكومنولث (56 دولة)، اللغة الإنجليزية العالمية |
| المؤسسات المحركة | |
| شركة الهند الشرقية | تأسست 1600م؛ أُلغيت 1874م |
| البحرية الملكية | أكبر أسطول بحري في العالم (القرنان 19–20) |
الإمبراطورية البريطانية هي أضخم إمبراطورية عرفها التاريخ الإنساني بلا منازع؛ فقد بلغت في ذروتها عام 1920م ما يزيد على خمسة وثلاثين مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل ربع مساحة اليابسة على وجه الكرة الأرضية، وضمّت تحت مظلتها عام 1913م نحو أربعمئة واثني عشر مليون نسمة يُشكّلون ثلاثة وعشرين بالمئة من مجموع سكان العالم آنذاك[3]. وقد اشتُهرت بمقولة صارت من أكثر العبارات رسوخًا في وعي عصرها: «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، إذ كانت في كل لحظة من لحظات النهار والليل شمسٌ ما تُضيء بقعةً من أراضيها المنتشرة في كل قارة وعلى كل محيط.
نشأت الإمبراطورية البريطانية من بذرة متواضعة في أواخر القرن السادس عشر، حين شرعت إنجلترا التيودورية في التنافس على الحضور خارج حدودها الجزيرية استجابةً للنموذجين الإسباني والبرتغالي اللذين سبقاها في بناء الإمبراطوريات العابرة للمحيطات. لكن الإمبراطورية البريطانية سرعان ما تجاوزت كل نظيراتها الاستعمارية، وأرسى تفوّقها سلاحان لا يُقاومان: الأسطول البحري الملكي (Royal Navy) الذي أصبح منذ مطلع القرن التاسع عشر سيد البحار الذي لا يُنازَع، وشركة الهند الشرقية (East India Company) التي جمعت بين دور التاجر ودور الإدارة الاستعمارية ودور الجيش في كيان واحد مذهل[4].
تُقسَّم الإمبراطورية البريطانية تقليديًا إلى مرحلتين كبيرتين: الإمبراطورية الأولى (1583–1783م) التي تمحورت حول أمريكا الشمالية والكاريبي وانتهت بخسارة المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة إثر ثورة الاستقلال؛ والإمبراطورية الثانية (1783–1947م) التي انبثقت على الفور من ركام الأولى وتوجّهت شرقًا نحو الهند وآسيا وأفريقيا لتبني صرحًا استعماريًا أضخم وأعمق أثرًا[5]. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهد العالم أعظم حركة إنهاء استعمار في التاريخ، إذ نالت عشرات المستعمرات استقلالها في غضون عقود، وكان استقلال الهند عام 1947م فاتحتها الكبرى ورمزها الأبلغ.
يبقى إرث الإمبراطورية البريطانية من أشد الموضوعات إثارةً للجدل في التاريخ الحديث؛ فمن ناحية نشرت اللغة الإنجليزية الأوسع انتشارًا في العالم، وأسّست أنظمة قانونية وبرلمانية وتعليمية في كل أرجائها، ومهّدت لشبكات تجارية عالمية. ومن ناحية أخرى مارست استعبادًا ممنهجًا لملايين الأفارقة ونقلتهم قسرًا عبر المحيط الأطلنطي، وأحدثت مجاعات مُتعمَّدة أو مُهمَلة راح ضحيتها ملايين الأرواح في الهند وإيرلندا، ورسمت بالقلم الاستعماري حدودًا جائرة في أفريقيا والشرق الأوسط لا تزال بؤر صراعاتها تشتعل حتى يومنا هذا.
الجذور: إنجلترا التيودورية والانطلاق البحري
قبل أن تُرسي الإمبراطورية البريطانية ركائزها الكبرى، كانت إنجلترا في القرن الخامس عشر دولةً هامشية جزيرية تنظر باهتمام وحسد إلى إسبانيا والبرتغال وهما تُقسّمان العالم فيما بينهما بموجب معاهدة توردسيياس (1494م). كانت إسبانيا تُدرّ ذهب المكسيك والبيرو، والبرتغال تُمسك بطريق التوابل الشرقي، بينما إنجلترا لا تزال تبحث عن موطئ قدم لها في هذا العالم الجديد. وكانت المحاولات الإنجليزية الأولى شبه ارتجالية: أرسل الملك هنري السابع البحّار الإيطالي جون كابوت عام 1497م إلى الشمال الأطلنطي، فوصل إلى سواحل كندا وأعلنها لإنجلترا دون أن يُفضي ذلك إلى استعمار فوري[3].
جاء العهد الإليزابيثي (1558–1603م) ليُعطي الطموح البحري الإنجليزي زخمًا جديدًا؛ فالملكة إليزابيث الأولى شجّعت -بصورة شبه رسمية- قراصنة البحر كفرانسيس درايك وجون هوكينز لمهاجمة السفن الإسبانية والمستعمرات الأمريكية، محوّلةً القرصنة إلى أداة سياسة خارجية. وفي 1577–1580م أتمّ فرانسيس درايك رحلته حول العالم، ليكون الثاني بعد ماجيلان في ذلك. كذلك أرسل النبيل والتر رالي بعثتين لتأسيس مستعمرة في فيرجينيا (1585، 1587م)، فشلت كلتاهما، وكانت الثانية منهما «المستعمرة الضائعة» التي عاد إليها بعد سنوات ليجد مستوطنيها قد تلاشوا دون أثر[6]. غير أن هذه الإخفاقات لم تُثبّط الهمم بل راكمت الخبرات التي ستُكلَّل بالنجاح في العقد الأول من القرن السابع عشر.
في عام 1600م، أسّست إليزابيث الأولى «شركة الهند الشرقية البريطانية» (East India Company) بمنحها امتياز التجارة الحصري مع منطقة ما وراء رأس الرجاء الصالح شرقًا حتى مضيق ماجيلان غربًا. ولم يكن أحد يتوقع أن هذا الكيان التجاري المتواضع سيتحول خلال القرنين التاليين إلى دولة داخل دولة تمتلك جيشًا تجاوز مئتي ألف مقاتل وتحكم قارة بأسرها[4]. وفي العام ذاته تقريبًا، بدأت القوى الأوروبية المتنافسة -هولندا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال- تُشكّل موازين القوى التجارية في المحيط الهندي وبحار الجنوب.
الإمبراطورية الأولى: أمريكا والكاريبي وتجارة العبيد (1607–1783م)
تأسّست أول مستوطنة إنجليزية دائمة في أمريكا عام 1607م في جيمستاون بفيرجينيا، وعلى الرغم من المعاناة الهائلة التي لقيها المستوطنون الأوائل من المجاعة والأمراض والصراعات مع السكان الأصليين، فإن المستوطنة صمدت وأصبحت النواة الأولى لما سيصبح الإمبراطورية الأمريكية. تبعتها في العقود التالية مستوطنات في ماساتشوستس (حاملو الميثاق الديني، 1620م)، وماريلاند، وبنسيلفانيا، وكارولينا والمستعمرات الأخرى حتى اكتملت الثلاث عشرة مستعمرة على الساحل الشرقي الأمريكي في النصف الأول من القرن الثامن عشر[3].
وفي منطقة الكاريبي، استولت إنجلترا على جزيرة بربادوس عام 1627م وجامايكا عام 1655م، ليصبحا لاحقًا قلب إمبراطورية السكّر المدرّة للأرباح التي قامت في مجملها على العمل القسري للعبيد الأفارقة المختطفين. وهنا تكشف الإمبراطورية البريطانية وجهها الأكثر قتامةً: فقد أسهمت بريطانيا في نقل ما يزيد على ثلاثة ملايين أفريقي عبر المحيط الأطلنطي في إطار ما عُرف بـ«التجارة المثلثة» (Triangular Trade) التي ربطت إنجلترا بأفريقيا وأمريكا: تُصدّر إنجلترا البضائع المصنّعة إلى أفريقيا، وتُستبدل ببشر مُستعبَدين يُنقَلون إلى المزارع الأمريكية، ومنها يُصدَّر السكّر والتبغ والقطن إلى إنجلترا[7]. وقد وصف المؤرخ المتخصص في التاريخ الاستعماري كيث تشيزهولم هذه التجارة بأنها «الدعامة الاقتصادية الخفية للثروة الصناعية البريطانية».
حرب السنوات السبع وذروة الإمبراطورية الأولى (1756–1763م)
مثّلت حرب السنوات السبع (1756–1763م) أول حرب كونية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وقد خرجت منها بريطانيا المنتصرة بمكاسب استعمارية هائلة على حساب منافستها الكبرى فرنسا. بموجب معاهدة باريس (1763م) انتزعت بريطانيا من فرنسا كندا بأسرها وأجزاءً كبيرة من الهند، وغدت القوة الأوروبية المهيمنة في أمريكا الشمالية وشبه القارة الهندية في آنٍ معًا. وكان الجنرال روبرت كلايف قد حقّق عام 1757م انتصار پلاسي التاريخي في البنغال الذي فتح أبواب الهند أمام الهيمنة البريطانية الكاملة[8].
ثورة الاستقلال الأمريكي وخسارة الإمبراطورية الأولى (1776–1783م)
جاء الردّ التاريخي على توسع الإمبراطورية من داخلها؛ إذ ثارت المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة على الضرائب المفروضة عليها دون تمثيل برلماني (No Taxation without Representation)، وأعلنت استقلالها في الرابع من يوليو 1776م. بعد حرب استنزاف دامت سبع سنوات مع تدخل فرنسي وإسباني داعم للثوار، اضطرت بريطانيا بموجب معاهدة باريس (1783م) للاعتراف باستقلال الولايات المتحدة[5]. لكن هذه الخسارة المدوّية لم تُنهِ الإمبراطورية بل وجّهت طاقتها نحو الشرق توجيهًا حاسمًا سيُفضي إلى ميلاد إمبراطورية أضخم وأعمق.
الإمبراطورية الثانية: الهند وأستراليا وصعود الباكس بريتانيكا (1783–1914م)
كان فقدان المستعمرات الأمريكية -كما وصفه المؤرّخون- «أكبر الهزائم التي أصابت الإمبراطورية وأوفر فوائدها في الوقت ذاته»؛ إذ حرّر الطاقة البريطانية من الانهماك الأمريكي ووجّهها نحو آفاق أبعد. ففي العام ذاته الذي وقّعت فيه بريطانيا معاهدة الاعتراف بالاستقلال الأمريكي، أرسل الكابتن جيمس كوك بعثاته الثلاث (1768–1780م) التي رسمت ملامح استراليا ونيوزيلندا وجزر المحيط الهادئ، ممهّدًا لاستعمارها. كذلك كانت شركة الهند الشرقية تُحكم قبضتها على شبه القارة الهندية خطوةً بعد خطوة[9].
الهند: الجوهرة في التاج البريطاني
لم تكن الهند مجرد مستعمرة في المنظور الاستراتيجي البريطاني، بل كانت -بعبارة الملكة فيكتوريا وسياستها- «الجوهرة في التاج»، المصدر الأكبر للثروة والقوة والنفوذ الإمبراطوري. بدأت شركة الهند الشرقية بتأسيس بؤر تجارية في سورات وبومباي ومدراس وكلكتا في القرن السابع عشر، ثم مضت في توسّعها العسكري والسياسي بصورة متسارعة في القرن الثامن عشر، مستغلّةً ضعف إمبراطورية المغول المتداعية وانقسام الأمراء الهنود وصراعاتهم. وبحلول عام 1800م كانت الشركة تُهيمن على معظم السهل الغانجي وسواحل الهند، وكان جيشها الخاص يتجاوز مئتي ألف مقاتل، أي ضعفَي الجيش البريطاني النظامي في ذلك الوقت[10].
كانت الشركة تستنزف الهند بنظام الاستغلال الاقتصادي المنظّم: فرضت الضرائب الباهظة على الفلاحين، ودمّرت صناعة المنسوجات الهندية العريقة بإغراق السوق بالمنسوجات الإنجليزية الأرخص، وحوّلت الأراضي الزراعية المخصصة للغذاء نحو الزراعة التصديرية للقطن والأنديغو والأفيون. وقد قدّر الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سن أن بريطانيا نقلت من الهند ثروةً تُقدَّر بثلاثة وأربعين تريليون دولار بالقيمة الحديثة على مدار قرنين من حكمها[11].
ثورة سيباهيين 1857م ونهاية الشركة
في عام 1857م، اشتعلت ثورة عسكرية-شعبية واسعة عُرفت بـ«ثورة السيباهيين» أو «الثورة الهندية الكبرى»، بدأت شرارتها من الجنود الهنود الذين رفضوا استخدام ذخيرة زُعم أنها مدهونة بشحم الخنزير والبقر، وسرعان ما اتسعت لتشمل فئات اجتماعية وسياسية واسعة استشعرت الخطر البريطاني على هويتها وحقوقها. صمدت الثورة ثمانية عشر شهرًا قبل أن تُخمدها قوات الشركة وما انضم إليها من قوات بريطانية بالغة القسوة[11]. كانت نتيجتها تأسيس «الراج البريطاني» (British Raj)، إذ حلّت الحكومة البريطانية المباشرة محل شركة الهند الشرقية التي أُلغيت رسميًا عام 1858م، وتحوّلت الهند لأول مرة إلى مستعمرة تاج رسمية. وفي عام 1876م أُعلنت الملكة فيكتوريا «إمبراطورةً للهند» في مشهد رمزي بالغ الدلالة.
الباكس بريتانيكا: قرن الهيمنة البريطانية (1815–1914م)
بعد هزيمة نابليون في ووترلو عام 1815م، لم تنازع قوةٌ بريطانياَ السيادةَ البحرية الكاملة حتى مطلع القرن العشرين؛ فكانت البحرية الملكية (Royal Navy) تحرس بأساطيلها المنتشرة في كل بحار العالم ممرّات التجارة الدولية، وتُنفّذ ما عُرف بـ«دبلوماسية المدافع» (Gunboat Diplomacy) لفرض الشروط التجارية البريطانية على الدول الأضعف. وسُمّيت هذه الحقبة «الباكس بريتانيكا» (Pax Britannica، السلام البريطاني) في إشارة إلى هيمنة بريطانيا الشاملة على النظام الدولي شأن روما يوم كانت تسمّي هيمنتها «الباكس رومانا»[9].
كانت بريطانيا في هذه الحقبة المصنع الأول للعالم وأكبر مُصدّر للسلع الصناعية، ومركز رأس المال العالمي الذي يُموّل مشاريع السكك الحديدية والمناجم والمزارع في كل قارة. وكان الجنيه الإسترليني العملةَ الاحتياطية العالمية الفعلية وقياس قيمة التبادل الدولي. وبحلول عام 1870م كانت بريطانيا تُنتج نحو ثلث الإنتاج الصناعي العالمي بأسرها بمفردها[1]. وقد خدمت شبكة المستعمرات الإمبراطورية كأسواق مفتوحة للبضائع البريطانية ومصادر ضخمة للمواد الخام الرخيصة: قطن الهند، وماس جنوب أفريقيا، وجوت البنغال، ومطاط ماليزيا، وذهب أستراليا.
حربا الأفيون مع الصين: دبلوماسية المخدرات (1839–1860م)
من أكثر فصول التاريخ البريطاني-الصيني إثارةً للجدل الأخلاقي حربا الأفيون (1839–1842م و1856–1860م)؛ إذ كانت شركة الهند الشرقية تُنتج الأفيون في البنغال وتهرّبه إلى الصين لتموّل بعائداته استيراد الشاي الصيني الذي أدمن عليه الإنجليز. حين حاول الإمبراطور الصيني تطبيق حظره على الأفيون ومصادرة شحنات ضخمة منه، ردّت بريطانيا بقوة عسكرية ساحقة واضطرت الصين إلى توقيع معاهدات إذعان سلبت سيادتها على موانئها وفرضت عليها تعويضات ضخمة وأجبرتها على فتح أسواقها للبضائع البريطانية. وبموجب معاهدة نانجين (1842م) انتزعت بريطانيا جزيرة هونغ كونغ التي ستظل في حوزتها حتى عام 1997م[12].
التهافت على أفريقيا وذروة الإمبراطورية (1880–1914م)
جاء الربع الأخير من القرن التاسع عشر بموجة استعمارية لم تشهد لها أفريقيا نظيرًا قبلها، عُرفت في التاريخ بـ«التهافت على أفريقيا» (Scramble for Africa). ففي غضون ثلاثة عقود فقط (1880–1914م)، قفزت نسبة القارة الأفريقية الخاضعة للسيطرة الاستعمارية الأوروبية من عشرين بالمئة إلى تسعين بالمئة، وكانت بريطانيا الحصة الكبرى منها[13]. وفي مؤتمر برلين (1884–85م) الذي استضافه المستشار الألماني بسمارك، جلس ممثلو أربع عشرة دولة أوروبية وأمريكا ليقتسموا القارة الأفريقية دون أن يُدعى إليهم أفريقي واحد، وكانت قواعد اللعبة بسيطة: من يُثبت «الانتفاع الفعلي» بالأرض يمتلكها.
في هذه الحقبة وسّعت بريطانيا وجودها ليشمل: مصر (1882م بالاحتلال العسكري)، والسودان، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ونيجيريا، وغانا، وزيمبابوي، وزامبيا، وجنوب أفريقيا وما حولها. وكان الطموح الذي عبّر عنه رجل المستعمرة سيسيل رودس هو مدّ خط من القاهرة إلى كيب تاون يمرّ كله عبر الأراضي البريطانية، وهو مشروع لم يكتمل لكنه عكس روح الحقبة الاستعمارية في أجلى صورها[14].
حروب البوير وأول معسكرات الاعتقال الحديثة (1899–1902م)
في جنوب أفريقيا، صطدمت بريطانيا بالمستوطنين الأفريكانيين (البوير)، أحفاد المستوطنين الهولنديين الذين يسكنون ترانسفال ودولة أورانج الحرة. بعد اكتشاف الذهب والألماس في أراضيهم، أصرّت بريطانيا على ضمّها فنشبت حرب البوير الثانية (1899–1902م). وكانت من أصعب حروب بريطانيا الاستعمارية؛ إذ لجأ البوير إلى حرب العصابات في البراري الجنوب أفريقية فأنهكوا الجيش البريطاني. ردّت القيادة البريطانية باستراتيجية مثيرة للجدل: أحرقت القرى وخرّبت المزارع، ثم أنشأت معسكرات اعتقال (Concentration Camps) حبست فيها النساءَ والأطفال البوير، فمات فيها أكثر من عشرين ألف مدني معظمهم أطفال بسبب الأوبئة وسوء التغذية[15]. وقد وصفت العديد من المصادر التاريخية هذه المعسكرات بأنها كانت من أوائل معسكرات الاعتقال في تاريخ الحروب الحديثة، قبل أن يُشيع مصطلحها النازيون في الحرب العالمية الثانية.
تجارة العبيد وإلغاؤها: الجريمة والتوبة
لا يمكن كتابة تاريخ الإمبراطورية البريطانية دون التوقف مطوّلًا عند تجارة العبيد عبر المحيط الأطلنطي، التي مثّلت من وجهة نظر المؤرخين الحديثين جريمةً ضد الإنسانية من الدرجة الأولى. وقد أسهمت بريطانيا في نقل ما يقارب من ثلاثة ملايين ومئة ألف أفريقي عبر المحيط الأطلنطي بوصفها الناقل الاستعماري الأضخم للرقيق في ذلك العصر. وكانت المعاناة على متن سفن تجارة الأرواح هذه -التي كان فيها السجناء مُكدَّسون في حيزات ضيقة دون هواء نقي ولا غذاء كافٍ لأسابيع وأشهر- وحشيةً بلا حدود، وتُشير التقديرات إلى أن ما بين عشرة وعشرين بالمئة من المُشحونين كانوا يلقون حتفهم خلال الرحلة[16].
وعلى الرغم من ذلك كله، كانت بريطانيا أيضًا أول القوى الكبرى التي تُلغي تجارة العبيد قانونيًا عام 1807م بموجب قانون إلغاء تجارة العبيد (Slave Trade Act 1807)، ثم ألغت العبودية ذاتها بالكامل في مستعمراتها عام 1833م بموجب قانون الإلغاء (Slavery Abolition Act 1833). وكانت نتيجة هذا القانون الأخير مثيرةً للدهشة والتساؤل في آنٍ معًا؛ إذ خصّصت الخزانة البريطانية عشرين مليون جنيه إسترليني تعويضًا لأصحاب العبيد لا للعبيد أنفسهم، وهو مبلغ يعادل نصف دخل الخزانة السنوي[17]. واللافت أن القرض الذي اقترضته الحكومة البريطانية لتمويل هذه التعويضات لم يُسدَّد بالكامل إلا عام 2015م، أي بعد مئة وثمانية وسبعين عامًا.
الحربان العالميتان وانحسار الإمبراطورية
دخلت الإمبراطورية البريطانية الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) في أوج مجدها الإقليمي، وخرجت منها منتصرةً مُثقَلةً بديون ضخمة وخسائر بشرية فادحة (قُرابة مليون قتيل بريطاني)، لكنها استعاضت عن ذلك بانتزاع المستعمرات الألمانية والعثمانية: المنتدب البريطاني على فلسطين والعراق والأردن، ومستعمرات ألمانية في أفريقيا وآسيا. وبذلك بلغت مساحة الإمبراطورية عام 1920م ذروتها التاريخية البالغة خمسة وثلاثين مليونًا ونصف مليون كيلومتر مربع، لكن الاقتصاد البريطاني كان في أسوأ أحواله[1].
كشفت الحرب العالمية الثانية (1939–1945م) بجلاء أن بريطانيا لم تعد قادرة على الحفاظ على إمبراطوريتها؛ فقد تحمّلت الديون الهائلة من الولايات المتحدة (بموجب قانون الإيجار والإعارة) ودفعت ثمنًا باهظًا من قوتها الاقتصادية. كذلك كشف الزحف الياباني الخاطف في 1941–1942م الذي التهم سنغافورة وماليزيا وبورما عن هشاشة الوجود البريطاني في آسيا أمام قوة إقليمية مصمّمة[18]. وكانت مجاعة البنغال عام 1943م، التي أودت بحياة ما بين مليونين وثلاثة ملايين هندي في ظل السياسات البريطانية القاصرة وقرارات تحويل الغذاء للجهد الحربي، قد عمّقت الكراهية الشعبية للوجود البريطاني في الهند.
إنهاء الاستعمار: من الهند إلى هونغ كونغ (1947–1997م)
في الخامس عشر من أغسطس 1947م، رفرف عَلَم الهند المستقلة فوق دلهي الجديدة بعد قرن ونصف القرن من السيطرة البريطانية، مُعلنًا انطلاق أكبر موجة إنهاء استعمار في التاريخ. لم يكن هذا الاستقلال ثمرةً طبيعية عفوية، بل كان نتاج عقود من النضال القيادي والجماهيري الهندي، في مقدمته المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو. والمفارقة المحزنة أن استقلال الهند قُرن بتقسيمها إلى دولتين: الهند ذات الغالبية الهندوسية، وباكستان ذات الغالبية الإسلامية، في تقسيم عجول رسم حدوده السير سيريل رادكليف في خمسة أسابيع دون معرفة كافية بالجغرافيا السكانية. وخلّف هذا التقسيم أحد أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث: اثنا عشر مليون إنسان اضطُرّوا للانتقال بين الجانبين، وراح ضحيته مئات الآلاف في أعمال العنف الطائفية[19].
تسارعت وتيرة الاستقلالات في الخمسينيات والستينيات، وتُعرف حقبة الستينيات خصوصًا بـ«عقد أفريقيا» إذ نالت سبعة عشر دولة أفريقية استقلالها عام 1960م وحده. وفي عام 1957م كانت غانا (غولد كوست) قد سبقتهم جميعًا لتكون أول مستعمرة بريطانية في أفريقيا جنوب الصحراء تنال استقلالها بقيادة كوامي نكروما[3]. وعلى الرغم من محاولات بريطانيا التشبّث ببعض مستعمراتها كما في أزمة قناة السويس عام 1956م التي وصفها المؤرخون بأنها «لحظة الإذلال» التي أثبتت أن بريطانيا لم تعد قوة عظمى مستقلة الإرادة، فإن موجة الاستقلالات كانت غير قابلة للوقف.
«لقد هبّت رياح التغيير عبر هذه القارة. سواء أحببنا ذلك أم لا، هذا النمو من الوعي القومي هو حقيقة سياسية».
— هارولد ماكميلان، رئيس الوزراء البريطاني، خطاب كيب تاون، فبراير 1960م
في الأول من يوليو 1997م، في منتصف الليل بالضبط، رفرفت راية الصين فوق هونغ كونغ في حفل تسليم بالغ الرمزية شهده الأمير تشارلز ومسؤولون بريطانيون وصينيون. وبذلك أُسدل الستار رسميًا على آخر المستعمرات البريطانية الكبيرة، ومعه على حقبة تاريخية امتدت أربعة قرون وصنعت ملامح العالم الحديث بصورة لا مثيل لها[18].
الإرث الحضاري: الجدل المستمر
لا يوجد إرث استعماري في العالم الحديث أكثر إثارةً للجدل من الإرث البريطاني؛ فمؤيدوه يُشيرون إلى اللغة الإنجليزية التي غدت أكثر لغات البشر تداولًا وأداةَ التواصل الدولي الأولى، وإلى الأنظمة القانونية المبنية على القانون العرفي البريطاني (Common Law) التي تعمل في أربعين دولة على الأقل، وإلى الديمقراطيات البرلمانية التي أُسّست في مستعمرات عديدة، والبنى التحتية من سكك حديدية وموانئ ومستشفيات ومدارس[13].
في المقابل، يُشير المنتقدون -وفي مقدمتهم مؤرخون من الهند وأفريقيا وآيرلندا وسواها- إلى المجاعات المُتعمَّدة أو المهملة كمجاعة أيرلندا الكبرى (1845–1852م) ومجاعة البنغال (1943م)، وإلى الإبادات والقمع الوحشي كمذبحة أمريتسار (1919م) وانتهاكات كينيا إبان تمرد الماو ماو (1952–1960م)، وإلى رسم الحدود الاستعمارية التعسفي الذي أنجب نزاعات لا تزال مشتعلة في الشرق الأوسط وأفريقيا. ويُشير الاقتصادي أتول كوهلي إلى أن السياسات الاقتصادية البريطانية عمدت بصورة منهجية إلى تثبيط التصنيع المحلي في المستعمرات للحفاظ على أسواقها لصالح المنتج البريطاني[20].
أما الكومنولث (Commonwealth of Nations)، الذي يضم اليوم ست وخمسين دولة وأكثر من مليارين وأربعمئة مليون إنسان، فهو الإرث المؤسسي الأكثر إيجابيةً للإمبراطورية؛ وإن كان مؤرخون كثيرون يرون فيه مجرد غلاف ديبلوماسي رقيق يُبقي على علاقة التبعية اللدنة بصور جديدة[21]. كذلك تبقى اللغة الإنجليزية بوجهيها آثارَ الإمبراطورية الأعمق والأبعد مدى: فهي لغة العلم والتكنولوجيا والطيران والتجارة الدولية والإنترنت وأدب نوبل، وتُحكى كلغة أولى أو ثانية من نحو مليار ونصف المليار شخص على هذه الأرض.
«إن الإمبراطورية البريطانية أعادت رسم خريطة العالم بالقوة، وتركت في الأرض جروحًا لم تبرأ بعد. لكنها في الوقت ذاته نشرت لغةً ونظامًا وأفكارًا أصبحت اليوم المادة الخام للحضارة العالمية المشتركة، بكل ما في ذلك من تناقض صارخ ومأساة حقيقية».
— نيل فيرغسون، «الإمبراطورية: كيف بنت بريطانيا العالم الحديث»، 2003م