تُعدّ ثورة العشرين، أو الثورة العراقية الكبرى لعام 1920، أول انتفاضة شعبية واسعة النطاق في تاريخ العراق الحديث، إذ اندلعت في صيف ذلك العام احتجاجاً على قرار عصبة الأمم منح بريطانيا انتداباً كاملاً على العراق عقب سقوط الحكم العثماني، وشارك فيها ما يُقدّر بنحو 130 ألف عراقي من مختلف المناطق والطوائف[2]. وقد اتسمت هذه الثورة بتعاون لافت وغير مسبوق بين العشائر العربية السنية والشيعية على امتداد الفرات الأوسط، وهو تعاون فاجأ المندوب السامي البريطاني آرنولد ويلسون الذي لم يكن يتصور إمكانية اجتماع الطائفتين على هدف وطني مشترك، أو أن يكون للعراقيين أصلاً شعور بهوية وطنية جامعة[2]. وقد امتد لهيب الثورة خلال صيف 1920 ليشمل معظم أنحاء البلاد باستثناء المدن الكبرى بغداد والبصرة والموصل حيث تمركزت القوات البريطانية بكثافة[1]. ورغم أن القوات البريطانية تمكنت في نهاية المطاف من إخماد الثورة عسكرياً، فإن كلفتها البشرية والمالية الباهظة دفعت لندن لإعادة النظر جذرياً في أسلوب إدارتها للعراق، فاستبدلت الحكم المباشر بنظام حكم غير مباشر تُوّج بتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على البلاد عام 1921.
| معلومات عامة | |
| التسمية المحلية | ثورة العشرين |
| الفترة الزمنية الرئيسية | يونيو – أكتوبر 1920 (مع استمرار بؤر متفرقة حتى 1922) |
| عدد المشاركين المقدَّر | نحو 130,000 عراقي[2] |
| الطرف المحتل | القوات البريطانية، تحت إدارة المندوب السامي آرنولد ويلسون |
| مسار الأحداث | |
| منطقة الاندلاع الأولى | شمال العراق ثم مناطق الفرات الأوسط[1] |
| تعيين برسي كوكس مندوباً سامياً | أكتوبر 1920 |
| مؤتمر القاهرة | 12–30 مارس 1921، برئاسة ونستون تشرشل[4] |
| النتائج | |
| تتويج فيصل الأول ملكاً | 23 أغسطس 1921[3] |
| استقلال العراق الرسمي وانضمامه لعصبة الأمم | 3 أكتوبر 1932[5] |
أولاً: نهاية الحكم العثماني ونشأة الانتداب البريطاني
دخلت القوات البريطانية الأراضي العراقية اعتباراً من عام 1914 في إطار عملياتها العسكرية ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، وأكملت احتلالها للولايات العثمانية الثلاث، البصرة وبغداد والموصل، بحلول نهاية الحرب عام 1918. وقد جرى دمج هذه الولايات المتباينة إثنياً ودينياً وجغرافياً في كيان سياسي واحد تحت الإدارة العسكرية البريطانية، تمهيداً لتحويله لاحقاً إلى دولة موحدة، وذلك في مهمة وصفتها المصادر التاريخية بأنها تحدٍ إداري بالغ التعقيد نظراً لتنوع سكان هذه المناطق بين عرب سنة وشيعة وأكراد وأقليات مسيحية ويهودية[1]. وفي أبريل 1920، وفي مؤتمر سان ريمو الذي وزّع بموجبه الحلفاء المنتصرون أراضي الدولة العثمانية المهزومة، مُنحت بريطانيا انتداباً رسمياً كاملاً على العراق من قبل عصبة الأمم، وهو قرار جاء متزامناً مع تصاعد نشاط قومي عربي واسع في دمشق حيث كان الأمير فيصل بن الحسين، قائد الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، قد أُعلن ملكاً على سوريا في مطلع العام نفسه، فيما نادى قوميون عراقيون مجتمعون في دمشق بشقيقه الأمير عبدالله ملكاً على العراق[1].
ثانياً: أسباب اندلاع الثورة والتعبئة الشعبية
تفاعلت في أصل اندلاع ثورة العشرين عوامل سياسية ودينية واجتماعية متشابكة؛ فمن الناحية السياسية أثار إعلان الانتداب البريطاني الكامل خيبة أمل واسعة لدى القوميين العراقيين الذين كانوا يأملون في استقلال فعلي بعد التخلص من الحكم العثماني، لا استبداله بوصاية أجنبية جديدة، خصوصاً في ظل تأثرهم بأصداء الحركة القومية العربية في دمشق. ومن الناحية الدينية، أسهمت فتاوى صادرة عن مراجع دينية شيعية بارزة في مدينة النجف، وعلى رأسها المرجع محمد تقي الشيرازي، في إضفاء شرعية دينية على مقاومة الحكم الأجنبي، وهو ما ساعد على تجاوز الانقسام التاريخي بين الطائفتين السنية والشيعية إبان الثورة. أما من الناحية الاجتماعية، فقد لعبت البنية العشائرية القوية في مناطق الفرات الأوسط دوراً محورياً في تعبئة المقاتلين وتنظيم صفوفهم ميدانياً، بينما أضاف ضباط عراقيون سابقون في الجيش العثماني، الذين وجدوا أنفسهم بلا موقع في النظام الجديد، خبرة عسكرية ساهمت في تنظيم بعض جوانب المقاومة المسلحة[2].
ثالثاً: اندلاع الثورة واتساع رقعتها الجغرافية
بدأت مظاهر الاستياء الشعبي في صورة اجتماعات واحتجاجات سلمية في بغداد خلال شهر مايو 1920، شملت تجمعات مشتركة في مساجد السنة والشيعة على حد سواء، رفعت مطالب باستقلال البلاد وتشكيل حكومة وطنية، قبل أن يرفض المندوب السامي آرنولد ويلسون هذه المطالب واصفاً إياها بغير الواقعية. وسرعان ما تحوّل هذا الاستياء السلمي إلى تمرد مسلح مع مطلع صيف 1920، منطلقاً من مناطق شمال العراق قبل أن ينتقل بقوة إلى عشائر الفرات الأوسط، حيث تمكن الثوار من عزل حاميات بريطانية صغيرة والسيطرة على مناطق واسعة من الريف[1]. وبحلول منتصف الصيف كانت الثورة قد اتسعت لتشمل معظم أنحاء البلاد، محاصرةً القوات البريطانية داخل المدن الكبرى الثلاث بغداد والبصرة والموصل، في وضع دفع لندن لإرسال تعزيزات عسكرية إضافية ضخمة لإخماد التمرد المتصاعد[1].
رابعاً: قمع الثورة وإعادة تقييم السياسة البريطانية
تمكنت القوات البريطانية، بفضل تفوقها العسكري الساحق وامتلاكها سلاح الطيران الذي لم يكن للثوار مثيل له، من قمع الثورة عسكرياً بحلول نهاية عام 1920، وإن استمرت بؤر مقاومة متفرقة في بعض المناطق حتى عام 1922. غير أن الكلفة البشرية والمالية الباهظة التي تكبدتها بريطانيا لإخماد هذا التمرد الواسع أحدثت صدمة سياسية كبرى في لندن، ودفعت الرأي العام البريطاني والدوائر الحكومية لإعادة النظر جذرياً في جدوى الاستمرار بأسلوب الإدارة العسكرية المباشرة المكلف في العراق[1]. وقد أُوفد السير برسي كوكس إلى بغداد في أكتوبر 1920 ليتولى منصب المندوب السامي خلفاً لويلسون، وكانت أولى خطواته تشكيل حكومة عراقية مؤقتة برئاسة السيد عبدالرحمن الكيلاني، في خطوة أولى نحو نقل واجهة الحكم إلى العراقيين أنفسهم مع بقاء السلطة الفعلية بيد المستشارين البريطانيين.
خامساً: مؤتمر القاهرة وتتويج فيصل الأول ملكاً على العراق
عقدت بريطانيا في مارس 1921 مؤتمراً في القاهرة برئاسة وزير المستعمرات ونستون تشرشل، ضم عدداً من كبار الخبراء والمسؤولين البريطانيين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط، لبحث مستقبل الانتداب على العراق في ضوء الدروس القاسية المستفادة من ثورة 1920[4]. وقد خلص المؤتمر إلى ترشيح الأمير فيصل بن الحسين، الذي كان قد أُطيح به قبل ذلك من عرش سوريا على يد القوات الفرنسية، لتولي عرش العراق، شريطة أن تكون “حكومته دستورية وتمثيلية وديمقراطية”، وذلك في إطار ما عُرف بـ”الحل الشريفي” الذي أقام في الوقت نفسه شقيقه الأمير عبدالله إمارة على شرق الأردن[3]. وقد نُظّم استفتاء شعبي أعلنت نتائجه تأييداً ساحقاً لترشيح فيصل، قبل أن يُتوَّج رسمياً ملكاً على العراق في 23 أغسطس 1921، ليبدأ بذلك عهداً ملكياً هاشمياً سعى فيه فيصل، رغم اعتماده الكامل على الدعم البريطاني، إلى الحفاظ على قدر من المصداقية الوطنية عبر تعزيز الوحدة بين المكونات العراقية المختلفة[3].
سادساً: الأثر التاريخي لثورة العشرين وطريق الاستقلال
تُعدّ ثورة العشرين، رغم إخفاقها في تحقيق الاستقلال الفوري الذي كان الثوار يطمحون إليه، حدثاً مؤسِّساً في الذاكرة الوطنية العراقية، إذ شكّلت أول تجربة تاريخية لتعاون سياسي وميداني واسع بين المكونين السني والشيعي في العراق الحديث، كما أرغمت بريطانيا على التخلي عن نموذج الحكم الاستعماري المباشر لصالح نظام حكم غير مباشر أفضى في نهاية المطاف إلى قيام مملكة عراقية، وإن ظلت خاضعة عملياً للنفوذ البريطاني عبر معاهدات متعاقبة. وقد استغرق الطريق من هذه الثورة إلى الاستقلال الرسمي أكثر من عقد كامل، حين نجحت الحكومة العراقية بقيادة فيصل الأول في التفاوض على معاهدة أنهت الانتداب رسمياً، ليُقبل العراق في 3 أكتوبر 1932 عضواً في عصبة الأمم بوصفه أول دولة عربية تنال هذا الاعتراف الدولي بالاستقلال الشكلي، وإن ظلت قضايا السيادة الكاملة، وعلى رأسها ملف النفط والوجود العسكري البريطاني، موضع جدل سياسي داخلي طويل الأمد استمر لعقود لاحقة[5].