| بيانات عامة | |
| التاريخ | 4–11 فبراير 1945م |
| المكان | قصر ليفاديا، مدينة يالطا، شبه جزيرة القرم، الاتحاد السوفيتي |
| السياق | المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية في أوروبا |
| المؤتمر السابق | مؤتمر طهران (نوفمبر–ديسمبر 1943م) |
| المؤتمر اللاحق | مؤتمر بوتسدام (يوليو–أغسطس 1945م) |
| المشاركون الرئيسيون | |
| الولايات المتحدة | الرئيس فرانكلين دي. روزفلت |
| المملكة المتحدة | رئيس الوزراء ونستون تشرشل |
| الاتحاد السوفيتي | الزعيم جوزيف ستالين |
| أبرز القرارات | |
| ألمانيا | تقسيمها إلى مناطق احتلال أربع (أمريكية، بريطانية، فرنسية، سوفيتية) |
| بولندا | الاعتراف بحكومة لوبلين الموالية لموسكو مع وعدٍ بانتخابات حرة |
| الأمم المتحدة | الاتفاق على آلية التصويت في مجلس الأمن (حق النقض الفيتو) |
| اليابان | تعهد سوفيتي سري بدخول الحرب ضد اليابان بعد استسلام ألمانيا |
| أوروبا المحررة | إعلان بشأن أوروبا المحررة يضمن حق الشعوب في اختيار حكوماتها |
| تداعيات لاحقة | |
| وفاة روزفلت | 12 أبريل 1945م، بعد نحو شهرين من المؤتمر |
| الأثر السياسي | إخلال ستالين بوعوده بشأن الانتخابات الحرة في أوروبا الشرقية |
يُعدّ مؤتمر يالطا واحدًا من أكثر المؤتمرات الدبلوماسية تأثيرًا في تشكيل النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إذ عُقد في الفترة الممتدة من الرابع إلى الحادي عشر من فبراير عام 1945م في مدينة يالطا الواقعة على ساحل شبه جزيرة القرم، وجمع بين قادة الحلفاء الثلاثة الكبار: الرئيس الأمريكي فرانكلين دي. روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، في ثاني لقاءٍ ثلاثي شخصي يجمعهم بعد مؤتمر طهران عام 1943م. جاء هذا الاجتماع في مرحلةٍ حاسمة من الحرب، حين باتت هزيمة ألمانيا النازية مسألة وقتٍ لا أكثر، وهو ما جعل جدول أعمال المؤتمر يتمحور حول رسم ملامح النظام العالمي التالي للحرب، من تقسيم ألمانيا المهزومة، إلى مصير أوروبا الشرقية، وصولًا إلى تأسيس هيئة الأمم المتحدة. وقد ظل هذا المؤتمر منذ انعقاده محل جدلٍ تاريخي وسياسي واسع، إذ اعتبره كثيرون نقطة الانطلاق الفعلية لتقسيم القارة الأوروبية إلى معسكرين متنافسين، مهّدت لعقودٍ من الحرب الباردة اللاحقة.[1]
السياق العسكري والسياسي لانعقاد المؤتمر
جاء مؤتمر يالطا في لحظةٍ فارقة من مسار الحرب العالمية الثانية، حين كانت القوات السوفيتية تتقدم بسرعة عبر أوروبا الشرقية باتجاه برلين، بينما كانت القوات الأمريكية والبريطانية قد عبرت نهر الراين ودخلت الأراضي الألمانية من الغرب، ما جعل هزيمة ألمانيا النازية وشيكة الحدوث خلال أشهر معدودة. وفي ظل هذه المعطيات الميدانية، أدرك القادة الثلاثة ضرورة الاجتماع لتنسيق السياسات المشتركة تجاه ألمانيا المهزومة ومصير الدول التي حررتها القوات السوفيتية في أوروبا الشرقية، إضافة إلى معالجة الملفات العالقة المتعلقة بمواصلة الحرب في جبهة المحيط الهادئ ضد اليابان، التي كانت لا تزال تقاوم بشراسة رغم تراجعها العسكري المتزايد.[2]
وقد اختير قصر ليفاديا، المقر الصيفي السابق للقيصر الروسي نيقولا الثاني، مكانًا رئيسيًا لانعقاد الجلسات، إلى جانب قصري فورونتسوف ويوسوبوف القريبين، وذلك بعد أن أصرّ ستالين على عقد المؤتمر داخل الأراضي السوفيتية، متذرعًا بحالته الصحية التي لم تسمح له بالسفر لمسافات طويلة، وهو ما اضطر روزفلت المتعب صحيًا هو الآخر، وتشرشل، إلى قطع رحلةٍ طويلة ومرهقة وصولًا إلى شبه جزيرة القرم التي كانت لا تزال تحمل آثار الدمار الذي خلّفه الاحتلال الألماني السابق لها.[4]
مسار المداولات والقضايا المطروحة
امتدت جلسات المؤتمر ثمانية أيام، شملت ثماني جلسات عامة رئيسية بين القادة الثلاثة، إلى جانب اجتماعات موازية لوزراء الخارجية ورؤساء الأركان العسكرية لمناقشة التفاصيل الفنية للقضايا المطروحة. وتركزت المناقشات حول محاور رئيسية عدة، أبرزها مستقبل ألمانيا المهزومة، إذ اتفق القادة الثلاثة على تقسيمها إلى مناطق احتلال عسكري منفصلة تخضع كل منها لإدارة إحدى الدول المنتصرة، على أن تُخصص منطقة رابعة لفرنسا لاحقًا بناءً على إصرار تشرشل رغم تحفظ ستالين المبدئي على إشراك الفرنسيين في هذا الترتيب.[2]
وقد تباحث القادة أيضًا في مسألة التعويضات الحربية التي ستفرض على ألمانيا، ونزع تسليحها الكامل، ومحاكمة كبار مجرمي الحرب النازيين أمام محكمة دولية، وهو المبدأ الذي أرسى لاحقًا الأساس القانوني لمحاكمات نورمبرغ التاريخية. كما اتُّفق على تشكيل لجنة في موسكو لدراسة حجم التعويضات المستحقة، دون التوصل إلى رقمٍ نهائي محدد، إذ ظل هذا الملف مصدر خلافٍ مستمر بين الحلفاء في الأشهر التالية للمؤتمر.[2]
المسألة البولندية وأزمة أوروبا الشرقية
شكّلت القضية البولندية أشد الملفات حساسية وتعقيدًا خلال المؤتمر، وأكثرها إثارة للجدل التاريخي لاحقًا. فقد كانت القوات السوفيتية قد سيطرت فعليًا على كامل الأراضي البولندية خلال تقدمها نحو ألمانيا، ونصّبت حكومة موالية لها عُرفت بـ”لجنة لوبلين”، في مقابل حكومة بولندية أخرى في المنفى مقيمة في لندن ومعترف بها من الحلفاء الغربيين منذ اندلاع الحرب. وقد وجد روزفلت وتشرشل أنفسهما أمام أمر واقع صعب، إذ تخلّيا عمليًا عن دعمهما الكامل لحكومة لندن، وقبلا بأن تكون لجنة لوبلين، المعترف بها سلفًا من موسكو، نواة حكومةٍ وحدة وطنية موسّعة تضم شخصيات بولندية أخرى، على أن تُجرى بعدها انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي.[2]
وترافق هذا الاتفاق مع توقيع “إعلان أوروبا المحررة”، وهي وثيقة عامة التزم فيها القادة الثلاثة بمساعدة شعوب أوروبا المحررة من النازية على تشكيل مؤسسات حكم ديمقراطية عبر انتخابات حرة، وحل مشكلاتها السياسية والاقتصادية بالوسائل الديمقراطية. غير أن الوقائع اللاحقة أثبتت أن هذا الإعلان ظل حبرًا على ورق فيما يخص أوروبا الشرقية، إذ عمدت القوات السوفيتية إلى قمع أي معارضة سياسية لحكومة لوبلين فور انسحاب الجيوش الغربية من المنطقة، وحين أُجريت الانتخابات البولندية أخيرًا عام 1947م، جاءت نتائجها لتؤكد هيمنة الشيوعيين المدعومين من موسكو على الحكم بشكلٍ كامل.[3]
لقد فعلنا كل ما بوسعنا في تلك المرحلة من الحرب لإنقاذ بولندا الحرة، لكن السؤال الذي سيظل يطاردنا هو: هل كانت وعود ستالين تستحق الورق الذي كُتبت عليه؟
— ونستون تشرشل، الانتصار والمأساة (الحرب العالمية الثانية، الجزء السادس)، 1953
الاتفاق السري بشأن الحرب ضد اليابان
إلى جانب القضايا الأوروبية، تضمّن مؤتمر يالطا اتفاقًا سريًا بالغ الأهمية يتعلق بجبهة المحيط الهادئ، إذ تعهّد ستالين بأن يدخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر من تاريخ استسلام ألمانيا، وذلك في مقابل مجموعة من التنازلات الإقليمية والسياسية في الشرق الأقصى، شملت استعادة الاتحاد السوفيتي لجنوب جزيرة سخالين التي خسرتها روسيا لصالح اليابان عام 1905م، والاعتراف باستقلال منغوليا الخارجية عن الصين، إلى جانب حقوق إيجارية واستخدامية في بعض الموانئ والسكك الحديدية بمنشوريا. وقد أُبقي هذا الاتفاق طي الكتمان التام عن الرأي العام، ولم يُكشف عنه رسميًا إلا بعد انتهاء الحرب، نظرًا لحساسيته الشديدة ولرغبة الأطراف في عدم استفزاز اليابان قبل الأوان.[3]
تأسيس هيئة الأمم المتحدة وآلية التصويت
من أهم الإنجازات الدبلوماسية طويلة الأمد لمؤتمر يالطا، التوصل إلى اتفاقٍ حاسم بشأن آلية التصويت داخل مجلس الأمن للمنظمة الدولية الجديدة التي كانت لا تزال قيد التأسيس، والتي عُرفت لاحقًا باسم هيئة الأمم المتحدة. فقد وافق القادة الثلاثة على منح الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا والصين، حق النقض “الفيتو” على القرارات الجوهرية، وهو الترتيب الذي أُريد منه ضمان عدم اتخاذ المنظمة الجديدة قرارات مصيرية تتعارض مع مصالح إحدى القوى الكبرى، تفاديًا لتكرار إخفاقات عصبة الأمم التي سبقتها. وقد شكّل هذا الاتفاق الأساس الذي انعقد عليه مؤتمر سان فرانسيسكو لاحقًا في يونيو عام 1945م، والذي أُعلن خلاله رسميًا ميثاق الأمم المتحدة.[1]
التداعيات التاريخية والجدل اللاحق
لم يمض على انعقاد مؤتمر يالطا سوى شهرين تقريبًا حتى توفي الرئيس روزفلت في الثاني عشر من أبريل عام 1945م، إثر نزيفٍ دماغي مفاجئ، تاركًا خلفه إرثًا دبلوماسيًا مثيرًا للجدل ظل محط نقاشٍ تاريخي حاد لعقودٍ لاحقة. فقد اتهم منتقدو المؤتمر، خصوصًا في الأوساط السياسية الأمريكية المحافظة، الرئيس روزفلت بأنه قدّم تنازلاتٍ مفرطة لستالين بشأن مصير أوروبا الشرقية بسبب تدهور حالته الصحية آنذاك وسعيه لضمان الدعم السوفيتي في حرب المحيط الهادئ، بينما رأى مؤرخون آخرون أن الاتفاقيات كانت تعكس ببساطة موازين القوى العسكرية الفعلية على الأرض في تلك اللحظة، إذ كانت القوات السوفيتية تسيطر بالفعل على معظم أوروبا الشرقية قبل انعقاد المؤتمر أصلًا، وأن أي مؤتمرٍ دبلوماسي لم يكن قادرًا على تغيير هذا الواقع الميداني.[5]
وبحلول عام 1946م، بات واضحًا أن الوعود التي قطعها ستالين في يالطا بشأن الانتخابات الحرة في أوروبا الشرقية لن تتحقق، إذ أحكمت الأحزاب الشيوعية المدعومة من موسكو قبضتها تدريجيًا على السلطة في بولندا ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، لترسم بذلك الخطوط الأولى لما عُرف لاحقًا بـ”الستار الحديدي”، حسب التعبير الشهير الذي استخدمه تشرشل نفسه في خطابه بمدينة فولتون الأمريكية عام 1946م. ومنذ ذلك الحين، تحوّل اسم “يالطا” في الأدبيات السياسية الغربية إلى رمزٍ يُستحضر غالبًا للدلالة على بداية تقسيم أوروبا وانطلاق الحرب الباردة، رغم أن كثيرًا من المؤرخين المعاصرين يرون في هذا التوصيف تبسيطًا مفرطًا يتجاهل تعقيد الظروف العسكرية والسياسية التي أحاطت بالمؤتمر.[5]