الكساد الاقتصادي الكبير أطول وأشد أزمة اقتصادية شهدها التاريخ الحديث، بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٢٩ وامتدت آثارها إلى معظم أنحاء العالم طوال عقد الثلاثينيات، واتسمت بانهيار حاد في الإنتاج الصناعي وتراجع الأسعار العام، وبطالة جماعية واسعة، وانهيارات مصرفية متكررة، وارتفاع حاد في معدلات الفقر والتشرد[1]. تفجرت الأزمة عملياً مع انهيار سوق الأسهم الأمريكية في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٢٩، الذي هزّ الثقة بالاقتصاد الأمريكي وأدى إلى تقليص حاد في الإنفاق والاستثمار، قبل أن تتفاقم الأزمة بفعل موجات متتالية من الذعر المصرفي وسياسات نقدية وتجارية متشددة، لتنكمش أرقام الإنتاج الصناعي الأمريكي بنحو سبعة وأربعين بالمئة والناتج المحلي الإجمالي بنحو ثلاثين بالمئة بين عامي ١٩٢٩ و١٩٣٣، وترتفع نسبة البطالة إلى أكثر من عشرين بالمئة[2].
| معلومات عامة | |
| التاريخ | ١٩٢٩ – أواخر الثلاثينيات (حتى نحو ١٩٤٠ في الولايات المتحدة) |
| نقطة الانطلاق | انهيار سوق الأسهم الأمريكية، تشرين الأول/أكتوبر ١٩٢٩ |
| النطاق | الولايات المتحدة، ثم عالمي (أوروبا، أمريكا اللاتينية) |
| انخفاض الإنتاج الصناعي الأمريكي | نحو ٤٧٪ (١٩٢٩-١٩٣٣) |
| انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي | نحو ٣٠٪ (١٩٢٩-١٩٣٣) |
| أعلى معدل بطالة أمريكي | أكثر من ٢٠٪ |
| محطات زمنية بارزة | |
| الخميس الأسود | ٢٤ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٢٩ |
| الثلاثاء الأسود | ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٢٩ |
| قانون تعرفة سموت-هاولي | حزيران/يونيو ١٩٣٠ |
| بداية الصفقة الجديدة | ١٩٣٣، مع تولي روزفلت الرئاسة |
انهيار سوق الأسهم: الخميس والثلاثاء الأسودان
شهدت أسواق الأسهم الأمريكية توسعاً تاريخياً متسارعاً طوال عشرينيات القرن العشرين، إذ ارتفعت أسعار الأسهم إلى مستويات لم تعد تُبرَّر بتوقعات معقولة للأرباح المستقبلية، ودفع ذلك حتى أصحاب الدخول المتوسطة إلى استثمار مدخراتهم أو رهن منازلهم لشراء الأسهم[3]. بلغت الأسعار ذروتها في آب/أغسطس ١٩٢٩، قبل أن تبدأ سلسلة أحداث محدودة في التسبب بانخفاضات تدريجية في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، فتراجعت السوق بنسبة ٤.٦٪ في الثالث والعشرين من الشهر، ثم جاء “الخميس الأسود” في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر ليبدأ رسمياً الانهيار الكبير[4]. وبلغ الذعر ذروته في “الاثنين الأسود” و”الثلاثاء الأسود” في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، حين تُووول أكثر من ستة عشر مليون سهم في يوم واحد وخسر مؤشر داو جونز نحو ١٨٣ نقطة في أقل من شهرين، فيما تهاوت أسهم شركات كبرى كجنرال إلكتريك ودوبونت ويو إس ستيل وراديو كوربوريشن بنسب هائلة[5].
من انهيار السوق إلى ركود اقتصادي شامل
تسبب انهيار سوق الأسهم في تقليص كبير للطلب الكلي الأمريكي، إذ تراجعت مشتريات الأسر من السلع المعمّرة والاستثمار التجاري بصورة حادة عقب الانهيار مباشرة، على الأرجح بفعل حالة عدم اليقين الواسعة التي ولّدتها الأزمة المالية بشأن الدخل المستقبلي، ودفعت المستهلكين والشركات إلى تأجيل مشترياتهم الكبرى[6]. ونتيجة لهذا التراجع الحاد في الإنفاق الاستهلاكي والتجاري، انخفض الناتج الفعلي الأمريكي، الذي كان يتراجع بالفعل ببطء قبل ذلك، بصورة سريعة في أواخر عام ١٩٢٩ وطوال عام ١٩٣٠، لتتحول الأزمة المالية المحدودة تدريجياً إلى ركود اقتصادي شامل طال الإنتاج والتوظيف في معظم القطاعات.
موجات الذعر المصرفي وتقاعس الاحتياطي الفيدرالي
شكّلت موجات الذعر المصرفي الأربع التي ضربت الولايات المتحدة بين عامي ١٩٣٠ و١٩٣٣ الضربة الكبرى التالية للاقتصاد الأمريكي، إذ فقد المودعون ثقتهم في سلامة البنوك وسارعوا لسحب أموالهم النقدية، ما أدى إلى انهيار حتى البنوك السليمة مالياً في ظل موجات ذعر واسعة النطاق[7]. وبحلول عام ١٩٣٣، كان خُمس البنوك التي كانت قائمة عام ١٩٣٠ قد أفلست، ما دفع إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت الجديدة لإعلان “عطلة مصرفية” أُغلقت خلالها جميع بنوك البلاد لأربعة أيام، مُددت لاحقاً ثلاثة أيام إضافية، ريثما تثبت البنوك ملاءتها المالية أمام المفتشين الحكوميين[8]. وفي غضون ذلك، لم يبذل مصرف الاحتياطي الفيدرالي جهداً يُذكر لوقف التدهور، بل سمح لموجات الذعر بتقليص المعروض النقدي الأمريكي، بل وشدد سياسته النقدية ورفع أسعار الفائدة في أيلول/سبتمبر ١٩٣١، في قرار وصفه كثير من الاقتصاديين لاحقاً بأنه عمّق الأزمة بدلاً من تخفيفها[9].
لا يوجد إجماع بين الاقتصاديين والمؤرخين حول الأسباب الدقيقة للكساد الكبير، غير أن كثيراً من الباحثين يتفقون على أن أربعة عوامل رئيسية على الأقل أسهمت فيه.
— من صياغة موسوعة بريتانيكا لتقديم أسباب الكساد الاقتصادي الكبير
قانون سموت-هاولي وانكماش التجارة العالمية
في خضم تصاعد الضغوط الحمائية من المزارعين الأمريكيين المتضررين من فرط الإنتاج ومنافسة المنتجين الأوروبيين، أقر الكونغرس الأمريكي قانون تعرفة سموت-هاولي عام ١٩٣٠، الذي فرض رسوماً جمركية مرتفعة بمعدل يقارب عشرين بالمئة على طيف واسع من السلع الزراعية والصناعية المستوردة، رغم تحذيرات علنية من عدد كبير من الاقتصاديين ضد هذه الخطوة[10]. أثار القانون موجة من الإجراءات الانتقامية من دول أخرى، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج في عدة بلدان وانكماش حاد في حجم التجارة العالمية، وقد رأى بعض المراقبين لاحقاً أن هذا التصعيد الحمائي، عبر تعميقه الكساد الاقتصادي، أسهم في تصاعد التطرف السياسي الذي مكّن قادة كأدولف هتلر من تعزيز نفوذهم السياسي والوصول إلى السلطة في ألمانيا[11].
معيار الذهب وانتقال الأزمة عالمياً
أدى نظام معيار الذهب، الذي كان يربط عملات معظم الدول الكبرى بالدولار الأمريكي عبر قيمة ثابتة من الذهب، دوراً محورياً في نقل الأزمة الأمريكية إلى بقية أنحاء العالم، إذ اضطرت المصارف المركزية الأجنبية لرفع أسعار الفائدة لديها لمواجهة اختلالات ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة، ما أدى إلى تقليص الإنفاق والاستثمار في تلك الدول أيضاً[12]. وقد سجلت بريطانيا انخفاضاً في إنتاجها الصناعي يقارب ثلث الانخفاض الأمريكي، بينما اقترب تراجع الإنتاج الألماني من مستوى التراجع الأمريكي نفسه تقريباً[13]. وقد أظهرت التجربة اللاحقة أن الدول التي بادرت إلى التخلي عن معيار الذهب في وقت أبكر، كبريطانيا عام ١٩٣١، تعافت من الأزمة عموماً بوتيرة أسرع من نظيراتها التي تمسكت به لفترة أطول.
الصفقة الجديدة ومسار التعافي
عقب تولي فرانكلين روزفلت الرئاسة الأمريكية عام ١٩٣٣ خلفاً لهربرت هوفر، أطلقت إدارته برنامج “الصفقة الجديدة” الاقتصادي، الذي أسس برامج فيدرالية للإغاثة والإصلاح الاقتصادي، وأنشأ نحو ٨.٥ مليون فرصة عمل عبر مشاريع بناء الطرق والمدارس والمطارات وغيرها من الأشغال العامة[14]. واقترنت هذه الجهود بتوسع نفوذ النقابات العمالية عبر تشريعات كقانون فاغنر، وتشديد الرقابة الحكومية على الأسواق المالية عبر إنشاء لجنة الأوراق المالية والبورصات، إلى جانب تخلي عدد متزايد من الدول عن معيار الذهب وخفض قيمة عملاتها، ما مكّنها من زيادة معروضها النقدي وتحفيز الإنفاق والإقراض والاستثمار من جديد[15]. ورغم هذه الإجراءات، لم يتعافَ الاقتصاد الأمريكي بصورة كاملة من آثار الكساد الكبير إلا مع بداية التعبئة الاقتصادية الواسعة المرتبطة بالحرب العالمية الثانية في مطلع أربعينيات القرن العشرين.