🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة السياسة والعلاقات الدولية
الرئيسية / التاريخ / الطاعون الأسود
التاريخ

الطاعون الأسود

👁 1 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 20/8/2026 ✏️ 21/8/2026
100%
Plague Pestsäule Vienna.jpg

الطاعون الأسود هو الجائحة الوبائية التي اجتاحت أوروبا وأجزاء واسعة من آسيا وشمال أفريقيا بين عامي 1347 و1351م، وأودت بحياة ما يُقدر بنحو خمسة وعشرين مليون إنسان في القارة الأوروبية وحدها، أي ما يقارب ثلث سكانها، لتصبح بذلك أكثر الأوبئة فتكاً في التاريخ المسجل نسبة إلى عدد السكان. نشأ الوباء، الذي تسببت فيه جرثومة يرسينيا الطاعونية المنقولة عبر براغيث الجرذان، في أواسط آسيا والصين مطلع القرن الرابع عشر، ثم انتقل إلى أوروبا عام 1347م حين حاصر جيش من القبيلة الذهبية بقيادة الخان جانيبك ميناء كفة الجنوي في شبه جزيرة القرم، وقذف بجثث موتاه المصابين بالوباء داخل أسوار المدينة المحاصرة في محاولة لنشر العدوى بين أعدائه. ومن كفة حملت السفن الجنوية الوباء غرباً إلى موانئ البحر المتوسط، فانتشر خلال أربع سنوات متتالية في صقلية وشمال أفريقيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا والنمسا وسويسرا واسكندنافيا، تاركاً وراءه تحولات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية ودينية عميقة أعادت تشكيل ملامح أوروبا في أواخر العصور الوسطى.

بيانات عامة
الاسم الطاعون الأسود (الفناء العظيم)
الفترة الزمنية 1347م – 1351م
مكان النشأة الصين وأواسط آسيا
نقطة الدخول إلى أوروبا ميناء كفة، شبه جزيرة القرم (1347م)
بيانات المرض
العامل الممرض جرثومة يرسينيا الطاعونية
الناقل الأساسي برغوث الجرذان الشرقي
أشكال المرض الطاعون الدملي، الرئوي، الإنتاني
الحصيلة
عدد الوفيات في أوروبا نحو 25 مليون شخص
النسبة من سكان أوروبا نحو الثلث
عودة السكان لمستوى ما قبل الوباء مطلع القرن السادس عشر
موجات لاحقة 1361-1363، 1369-1371، 1374-1375، 1390، 1400
COSMALORE · الموسوعة العربية

الأصل الآسيوي للوباء وحصار كفة

تشير الأبحاث التاريخية والوراثية الحديثة إلى أن الطاعون الأسود نشأ في الصين وأواسط آسيا خلال العقود الأولى من القرن الرابع عشر الميلادي، حيث ترافقت موجات الجفاف والفيضانات والمجاعات المتكررة مع تنقلات سكانية واسعة هيأت الظروف المثالية لانتقال الجرثومة من القوارض المصابة إلى البشر عبر شبكات التجارة والهجرة الممتدة على طول طريق الحرير[1]. وقد وصل الوباء إلى منطقة القرم عام 1347م حين كان جيش القبيلة الذهبية بقيادة الخان جانيبك يحاصر ميناء كفة التجاري الجنوي، فتفشى المرض داخل صفوف الجيش المحاصر نفسه، وفي محاولة يائسة لنشر العدوى بين سكان المدينة المحاصرة، أمر جانيبك بقذف جثث جنوده الموتى بالمرض فوق أسوار كفة بواسطة آلات المنجنيق[2]. ومن كفة، حملت سفن التجار الجنويين الفارين الوباء غرباً نحو موانئ البحر الأبيض المتوسط، لتصبح هذه الحادثة إحدى أقدم الأمثلة الموثقة لاستخدام الأوبئة سلاحاً بيولوجياً في التاريخ العسكري.

طبيعة المرض وأشكاله الثلاثة

يُعتقد أن الطاعون الأسود نتج عن الإصابة بجرثومة يرسينيا الطاعونية التي تنتقل من القوارض المصابة إلى الإنسان عن طريق لدغة براغيث الجرذان، وقد أظهرت التحاليل الجينية الحديثة أن السلالة الجرثومية التي تسببت في الطاعون الأسود هي السلف المباشر لجميع سلالات يرسينيا الطاعونية المعروفة اليوم التي لا تزال تسبب المرض في البشر، وهو ما يعني أن أصل أوبئة الطاعون الحديثة يعود إلى هذه الحقبة الوسيطة بالتحديد[3]. وقد اتخذ المرض ثلاثة أشكال سريرية رئيسية: الطاعون الدملي الذي يتسبب في تورمات ليمفاوية مؤلمة تُعرف بالدمامل، والطاعون الرئوي الذي ينتقل مباشرة عبر الهواء بين المصابين ويصيب الجهاز التنفسي، والطاعون الإنتاني الذي ينتشر عبر مجرى الدم ويُعد أشدها فتكاً. وقد سُمي الوباء “الأسود” نظراً لما كان يصيب جلد المصابين من بقع وتغيرات لونية داكنة نتيجة النزف الداخلي الذي كان يرافق الحالات المتقدمة من المرض[4].

انتشار الطاعون في أوروبا

من ميناء كفة، حملت السفن الجنوية الوباء إلى موانئ البحر المتوسط، فبلغ صقلية عام 1347م، ثم امتد خلال عام 1348م إلى شمال أفريقيا وأرض إيطاليا الرئيسية وإسبانيا وفرنسا، قبل أن يصل بريطانيا حين نقلته سفينة من ميناء كاليه إلى ميناء ملكومب ريجيس في مقاطعة دورست الإنجليزية في أغسطس من العام نفسه، فانتشر سريعاً في مقاطعات جنوب غرب إنجلترا وبلغ مدينة بريستول على الفور تقريباً[5]. وعانت مدينة لندن أشد الأضرار بين فبراير ومايو من عام 1349م، بينما اجتاح الوباء في الصيف ذاته إقليمي أنجليا الشرقية ويوركشاير. وبحلول عام 1349م بلغ الطاعون النمسا والمجر وسويسرا وألمانيا والأراضي المنخفضة، ثم امتد عام 1350م إلى أقصى شمال إنجلترا واسكتلندا واسكندنافيا ودول البلطيق، ليكتمل بذلك اجتياحه لمعظم أرجاء القارة الأوروبية في غضون أربع سنوات فقط.

الآثار الديموغرافية والاقتصادية

تباينت معدلات الوفيات الناجمة عن الطاعون تبايناً كبيراً بين الأقاليم الأوروبية المختلفة، إذ تراوحت وفقاً لدراسة السجلات المعاصرة بين ثمن السكان وثلثيهم في بعض المناطق، وقد رجّح المؤرخون الأوروبيون المعاصرون للحدث، وعلى رأسهم المؤرخ الفرنسي جان فرواسار، أن نحو ثلث سكان أوروبا هلكوا في هذه الجائحة، وهو تقدير يُعتقد أنه قريب من الواقع إلى حد بعيد[6]. وقد انخفض عدد سكان إنجلترا بحلول عام 1400م إلى نحو نصف ما كان عليه قبل مئة عام، وأدى الطاعون الأسود وحده إلى اندثار ما يقارب ألف قرية إنجليزية بالكامل أو تراجع عدد سكانها إلى حد الزوال الفعلي. ولم تستعد أوروبا الغربية مستويات سكانها التي كانت عليها قبل عام 1348م إلا مع مطلع القرن السادس عشر. وعلى الصعيد الاقتصادي، أدى النقص الحاد في الأيدي العاملة الزراعية إلى تقلص مساحات الأراضي المزروعة بشكل كبير، ما ألحق خسائر فادحة بكبار ملاك الأراضي الذين اضطروا لاستبدال نظام السخرة بالأجور النقدية للاحتفاظ بمستأجريهم، فارتفعت أجور الحرفيين والفلاحين ارتفاعاً ملحوظاً منح المجتمع الطبقي الجامد آنذاك مرونة لم يعهدها من قبل.

الأثر النفسي والديني

خلّف الطاعون الأسود أثراً نفسياً عميقاً تجلى شمال جبال الألب، خلافاً لإيطاليا، في هوس واضح بالموت وما بعده انعكس في الشعر والنحت والرسم، إذ فقدت الكنيسة الكاثوليكية جانباً من احتكارها لمسائل الخلاص الروحي فيما اتجه كثير من الناس نحو التصوف وأحياناً نحو ممارسات متطرفة[7]. ومن أبرز هذه الظواهر بروز حركات “الجلادين” أو الإخوة المجلودين، وهي جماعات دينية تجوب المدن الأوروبية وهي تجلد نفسها علناً تكفيراً عما اعتقدت أنها خطايا استوجبت غضب الرب المتمثل في الوباء، معتقدة أن هذا العقاب الجماعي إنما هو رسالة إلهية تستوجب التوبة الجماعية الصارمة.

معاداة السامية وموجات الاضطهاد

شهدت أوروبا خلال سنوات الطاعون تصاعداً حاداً في معاداة السامية، إذ ألقت جماعات كثيرة باللوم في انتشار الوباء على اليهود، متهمة إياهم زوراً بتسميم آبار المياه، فاندلعت موجة عنيفة من المذابح طالت مجتمعات يهودية بأكملها التي أُبيدت على يد الغوغاء أو أُحرق أفرادها جماعياً على الخوازيق في العديد من المدن الأوروبية[8]. وقد أصاب هذا الانهيار في النسيج الاجتماعي مدناً بعينها بأضرار خاصة، فمدينة سيينا الإيطالية على سبيل المثال تلقى اقتصادها ضربة حاسمة جراء الوباء، حتى اضطرت السلطات للتخلي عن مشروع توسيع كاتدرائيتها الكبرى، بينما أدت وفاة كبار رساميها، وعلى رأسهم أمبروجيو وبييترو لورنزيتي، إلى إنهاء مبكر لازدهار المدرسة الفنية السيانية الأولى.

موجات الطاعون المتكررة

لم تكن جائحة 1347-1351م الموجة الأخيرة من هذا الوباء، إذ عاد الطاعون للظهور في أوروبا بموجات متلاحقة خلال العقود التالية، سُجلت أبرزها في الأعوام 1361-1363م و1369-1371م و1374-1375م، ثم مرة أخرى عامي 1390م و1400م، وقد رجحت الأبحاث الحديثة أن الطاعون أُعيد إدخاله إلى أوروبا مرات متعددة عبر طرق التجارة القادمة من أواسط آسيا في موجات متتابعة، ارتبطت بتقلبات مناخية أثرت على أعداد القوارض الحاملة للبراغيث الناقلة للمرض[9]. وقد شكلت هذه الموجات المتكررة، إلى جانب الجائحة الأولى، ما يُعرف علمياً بالجائحة الثانية للطاعون، والتي استمرت تداعياتها المتقطعة قائمة في أنحاء متفرقة من أوروبا والشرق الأوسط حتى القرن التاسع عشر تقريباً[10].

الإرث التاريخي والعلمي

يُجمع المؤرخون على أن الطاعون الأسود كان من أكثر الأحداث تأثيراً في تشكيل أوروبا في أواخر العصور الوسطى، إذ أعاد رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية للقارة، وأسهم بشكل غير مباشر في تفكك النظام الإقطاعي التقليدي عبر إضعاف قبضة كبار الملاك على العمالة الفلاحية. وقد ظل الطاعون الأسود لقرون طويلة لغزاً طبياً غامضاً، إلى أن مكّن التحليل الجيني الحديث للحمض النووي المستخرج من رفات ضحاياه العلماء أخيراً من تحديد جرثومة يرسينيا الطاعونية كسبب مؤكد للجائحة، وتتبع سلالاتها وصولاً إلى منشئها الآسيوي في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، لتُغلق بذلك واحدة من أعقد القضايا الوبائية في التاريخ الإنساني[11].

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الإمبراطورية البريطانية
الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس
الإمبراطورية البيزنطية
ألف عام من القسطنطينية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الحرب العالمية الأولى
صراع صنع العالم المعاصر ودمّره
الإمبراطورية الروسية
إمبراطورية عملاقة حكمت ثلاث قارات.
الحرب العالمية الثانية
أضخم نزاع مسلح في التاريخ
🔍