اندلعت ثورة السابع عشر من فبراير سنة 2011م، المعروفة أيضًا باسم ثورة 17 فبراير، في مدينة بنغازي شرق ليبيا، مستلهمة موجة الانتفاضات الشعبية التي عُرفت بالربيع العربي واجتاحت في تلك الفترة كلًا من تونس ومصر المجاورتين[1]. وقد طالب المحتجون برحيل معمر القذافي، الذي كان قد أمسك بالسلطة منذ أكثر من أربعة عقود، وبالإفراج عن المعتقلين السياسيين، غير أن الحكومة الليبية ردت بقوة مفرطة استخدمت فيها خراطيم المياه والذخيرة الحية ضد المتظاهرين، وهو ما حوّل الاحتجاجات السلمية سريعًا إلى تمرد مسلح شامل، ثم إلى حرب أهلية كاملة صاحبها تدخل عسكري دولي واسع النطاق[1]. وقد انتهت هذه الثورة بعد نحو ثمانية أشهر من القتال العنيف بمقتل القذافي نفسه في مسقط رأسه مدينة سرت في أكتوبر سنة 2011م، لتنهي بذلك حقبة حكمه الطويلة، وإن تركت خلفها في المقابل دولة ممزقة ستدخل لاحقًا في دوامة طويلة من الصراعات المسلحة والانقسام السياسي.
| معلومات عامة | |
| اسم الحدث | ثورة 17 فبراير 2011 (ثورة الربيع العربي الليبية) |
| المكان | بدأت في بنغازي، ثم امتدت لكامل الأراضي الليبية |
| التاريخ | 15 فبراير – 23 أكتوبر 2011م[1] |
| الطرفان | قوات القذافي مقابل المجلس الوطني الانتقالي المدعوم من حلف الناتو[2] |
| محطات حاسمة | |
| اندلاع الاحتجاجات | 15 فبراير 2011م في بنغازي[1] |
| قرار مجلس الأمن 1970 | 26 فبراير 2011م، تجميد أصول القذافي وحظر السلاح[2] |
| بدء عمليات الناتو | مارس 2011م، إنفاذ منطقة حظر الطيران[2] |
| مقتل القذافي | 20 أكتوبر 2011م في مدينة سرت[3] |
| انتهاء عمليات الناتو | 31 أكتوبر 2011م[2] |
أولًا: ليبيا القذافي عشية الثورة
بعد اثنين وأربعين عامًا من حكم شخصي مطلق أرساه عبر انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969م، كانت ليبيا تحت حكم القذافي قد تحولت إلى دولة يهيمن عليها نظام أمني صارم لا يسمح بأي معارضة سياسية منظمة، وسط توزيع غير متكافئ لثروة النفط أدى إلى تفاوت تنموي واضح بين الأقاليم، إذ ظل إقليم برقة شرقًا، ومركزه بنغازي، أقل حظًا من الاستثمار الحكومي مقارنة بالمناطق الغربية حول العاصمة طرابلس، وهو تفاوت غذّى استياءً تاريخيًا متراكمًا في الشرق الليبي[4]. ولم يكن مصادفة أن تنطلق شرارة الثورة تحديدًا من بنغازي، عاصمة هذا الإقليم الذي طالما شعر سكانه بالتهميش عن مركز القرار في طرابلس.
ثانيًا: اعتقال محامي حقوق الإنسان واندلاع الاحتجاجات
جاء الشرارة المباشرة لاندلاع الثورة في السادس عشر من فبراير سنة 2011م، حين اعتُقل الناشط الحقوقي فتحي تربل، وهو محامٍ كان يمثّل عائلات ضحايا مجزرة سجن أبو سليم التي وقعت سنة 1996م، فخرجت على إثر ذلك احتجاجات عفوية في بنغازي، سرعان ما تصاعدت زخمًا بعد أن أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين وقتلت خمسة عشر منهم في السابع عشر من فبراير وحده[4]. وقد استجابت الحكومة الليبية لهذه الاحتجاجات المتنامية بقمع عنيف استخدمت فيه خراطيم المياه والرصاص الحي ضد المحتجين، وهو ما أدى إلى تصعيد سريع للأزمة تحولت خلاله الاحتجاجات إلى تمرد مسلح واسع النطاق سيطر خلاله الثوار على مدينة بنغازي ومدن شرقية أخرى خلال أيام قليلة فقط[1].
سأطهّر ليبيا زنقة زنقة، دارًا دارًا، بيتًا بيتًا.
— من خطاب معمر القذافي المهدِّد للمحتجين، فبراير 2011
ثالثًا: تشكيل المجلس الوطني الانتقالي
مع سيطرة قوى المعارضة على معظم إقليم برقة بحلول منتصف فبراير 2011م، تأسس في بنغازي المجلس الوطني الانتقالي بوصفه الجسم السياسي الذي يمثّل المعارضة على المستوى الوطني، في وقت كانت فيه بنية الجيش الليبي النظامي تتفكك تدريجيًا، مع انشقاق ضباط وجنود بأعداد متزايدة عن صفوف قوات القذافي أو عودتهم ببساطة إلى ديارهم[4]. وفي المقابل، ردّ القذافي على هذه التطورات بمزيج من تجنيد مرتزقة من أفريقيا جنوب الصحراء وتهديدات مباشرة بملاحقة الثوار “زنقة زنقة، دارًا دارًا”، وهي عبارة أصبحت لاحقًا من أبرز الرموز التي ارتبطت بوحشية قمع الثورة في الذاكرة الشعبية الليبية والعربية عمومًا[4].
رابعًا: تدخل مجلس الأمن الدولي وحلف الناتو
مع تقدم قوات القذافي شرقًا مهددة مدينة بنغازي ذات السبعمائة ألف نسمة بمجزرة محتملة، أصدر مجلس الأمن الدولي في السادس والعشرين من فبراير سنة 2011م قراره رقم 1970، الذي جمّد أصول القذافي وحاشيته المقربة، وقيّد سفرهم، وأحال الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيه[2]. وفي مارس من العام نفسه، بدأ تحالف من دول الناتو والدول الشريكة معه بإنفاذ حظر توريد السلاح وحظر جوي كامل، وبحماية المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان من أي هجوم أو تهديد به، عبر عملية عسكرية أُطلق عليها اسم “الحامي الموحد”، استمرت حتى الحادي والثلاثين من أكتوبر سنة 2011م[2]. وقد حول هذا التدخل الجوي الدولي موازين القتار بشكل حاسم لصالح قوات الثوار، الذين تمكنوا بدعمه من استعادة زخم تقدمهم واستعادة مواقع كانوا قد خسروها في الأسابيع الأولى من الصراع.
خامسًا: سقوط طرابلس ومقتل القذافي
بحلول أواخر أغسطس سنة 2011م، تمكنت قوات الثوار من دخول العاصمة طرابلس والسيطرة على معظم أنحائها، في تحول عسكري وسياسي حاسم اعترفت على إثره الولايات المتحدة رسميًا بالمجلس الوطني الانتقالي بوصفه السلطة الشرعية الحاكمة في ليبيا، وهو اعتراف مهّد الطريق أمام إفراج المجلس عن أصول ليبية مجمدة تقدر بثلاثين مليار دولار كانت محتجزة في الولايات المتحدة[5]. وقد استمر القذافي متخفيًا هاربًا من الملاحقة أسابيع تالية، إلى أن قُبض عليه أخيرًا في مسقط رأسه مدينة سرت في العشرين من أكتوبر سنة 2011م، حيث لقي حتفه على يد مقاتلي الثوار في ظروف لا تزال محل جدل تاريخي حول تفاصيلها الدقيقة، لتنتهي بذلك حقبة حكمه التي استمرت اثنين وأربعين عامًا كاملة[3].
سادسًا: ما بعد الثورة والإرث المضطرب
رغم أن ثورة 17 فبراير نجحت في إسقاط أحد أطول الأنظمة الاستبدادية عمرًا في المنطقة العربية، فإن الفراغ السياسي والمؤسسي الذي خلّفه انهيار الدولة المركزية القوية التي بناها القذافي على مدى عقود لم يُملأ بسهولة، إذ دخلت ليبيا في السنوات التالية مباشرة في دوامة من الانقسام السياسي والصراع المسلح بين ميليشيات وحكومات متنافسة، امتدت لاحقًا إلى حرب أهلية ثانية اجتذبت تدخلات إقليمية ودولية متعددة الأطراف[4]. وهكذا، وبينما حققت الثورة هدفها المباشر المتمثل في الإطاحة بنظام القذافي، فإن السنوات التالية أظهرت أن بناء دولة مستقرة موحدة يتطلب أكثر بكثير من مجرد إسقاط الحاكم، وهو درس بالغ الأهمية استخلصته دراسات عديدة حول تجارب الربيع العربي في مختلف الدول التي شهدته.