يُطلق مصطلح الجهاد الأفغاني على حركة المقاومة المسلحة التي خاضها الأفغان، تحت راية دينية جامعة، ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان الذي بدأ في ديسمبر سنة 1979م واستمر حتى الانسحاب الكامل للقوات السوفيتية في فبراير سنة 1989م[1]. وقد شكّلت هذه الحرب، التي عُرفت أطرافها الأفغانية المقاتلة باسم المجاهدين، أي “من يخوضون الجهاد”، آخر مواجهة كبرى بين إحدى القوتين العظميين والفاعل الإقليمي المحلي في سياق الحرب الباردة، إذ تحولت أفغانستان إلى ساحة صراع بالوكالة استنزفت الاتحاد السوفيتي عسكريًا واقتصاديًا لعقد كامل[2]. ولم تقتصر هذه الحرب على الأفغان أنفسهم، بل استقطبت أعدادًا كبيرة من المتطوعين المسلمين من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، عُرفوا لاحقًا بـ”العرب الأفغان”، وكان من أبرزهم السعودي أسامة بن لادن والفلسطيني عبد الله عزام، اللذان أسّسا شبكة تجنيد ودعم لوجستي شكّلت النواة التي انبثق منها لاحقًا تنظيم القاعدة[3].
| معلومات عامة | |
| اسم الحدث | الجهاد الأفغاني (الحرب السوفيتية الأفغانية) |
| المكان | أفغانستان |
| التاريخ | ديسمبر 1979 – فبراير 1989[1] |
| الأطراف | الاتحاد السوفيتي والحكومة الأفغانية الشيوعية مقابل فصائل المجاهدين[4] |
| الداعمون الخارجيون للمجاهدين | الولايات المتحدة، باكستان، السعودية، ودول أخرى[5] |
| محطات حاسمة | |
| الغزو السوفيتي | ديسمبر 1979، إطاحة الرئيس حفيظ الله أمين[4] |
| تأسيس مكتب الخدمات | 1979، بقيادة عبد الله عزام في بيشاور[6] |
| تأسيس تنظيم القاعدة | 1988، بقيادة أسامة بن لادن[7] |
| إتمام الانسحاب السوفيتي | 15 فبراير 1989[5] |
| سقوط الحكومة الشيوعية | 1992، الإطاحة بالرئيس نجيب الله[5] |
أولًا: أفغانستان قبل الغزو والانقلابات الشيوعية
سبق الغزو السوفيتي المباشر سلسلة من الانقلابات والاضطرابات الداخلية العنيفة داخل الحكومة الأفغانية الشيوعية نفسها، إذ شهدت البلاد صراعات دموية بين فصائل ماركسية-لينينية متنافسة، فضلًا عن تمرد متصاعد قاده مقاتلون مسلمون رفضوا الإصلاحات الاجتماعية والسياسية الجذرية التي فرضتها الحكومة الشيوعية الحاكمة على المجتمع الأفغاني المحافظ[4]. وقد تبنت هذه الجماعات المسلحة الناشئة خطابًا تحرريًا مستمدًا من تراث فكري إسلامي سابق طُوّر في شبه القارة الهندية، فعُرفت مجتمعة باسم المجاهدين، أي “من يخوضون الجهاد”[4]. وقد تصاعد هذا التمرد المسلح، إلى جانب الانقلابات الداخلية المتكررة بين الفصائل الشيوعية المتناحرة نفسها، إلى الحد الذي دفع القيادة السوفيتية أخيرًا إلى قرار التدخل العسكري المباشر في ديسمبر سنة 1979م.
ثانيًا: الغزو السوفيتي وإطاحة حفيظ الله أمين
أرسل الاتحاد السوفيتي في ديسمبر سنة 1979م نحو ثلاثين ألف جندي إلى أفغانستان، في عملية أطاحت برئاسة حفيظ الله أمين قصيرة العمر، ونصّبت بدلًا منه بابرك كرمل رئيسًا مواليًا لموسكو، بهدف إسناد نظام حليف كان يترنح أمام تمرد داخلي متصاعد[4]. غير أن هذا التدخل العسكري، بدلًا من أن يخمد التمرد، أدى إلى تناميه واتساع رقعته لتشمل مختلف أنحاء البلاد، إذ ترك السوفيت في البداية مهمة قمع التمرد للجيش الأفغاني نفسه، غير أن هذا الجيش عانى من موجات انشقاق جماعية أضعفت فعاليته القتالية طوال سنوات الحرب[4].
ثالثًا: حرب العصابات وتفوق المجاهدين في الريف
دخلت الحرب سريعًا في حالة استعصاء ميداني طويل الأمد، إذ سيطرت القوات السوفيتية على المدن الرئيسية والمراكز الحضرية، بينما ظل المجاهدون يسيطرون على معظم مناطق الريف والجبال الوعرة، مستفيدين من معرفتهم العميقة بالتضاريس الأفغانية الجبلية الصعبة التي أعاقت بشدة فاعلية العمليات العسكرية السوفيتية التقليدية[5]. وقد كان المجاهدون في المراحل الأولى من الحرب سيئي التجهيز نسبيًا ومفتقرين إلى تنسيق مركزي موحد، غير أنهم تحسنوا تدريجيًا في القدرة القتالية بفضل تراكم الخبرة الميدانية والدعم الخارجي المتنامي الذي تلقوه من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى، وكذلك من مسلمين متعاطفين حول العالم[4].
الجهاد باقٍ إلى يوم القيامة.
— عنوان مقالة شهيرة للشيخ عبد الله عزام حث فيها المسلمين على المشاركة في الجهاد الأفغاني، مطلع الثمانينيات
رابعًا: الدعم الدولي للمجاهدين عبر باكستان
لعبت المخابرات الباكستانية دورًا محوريًا في تنظيم وتوجيه الدعم الخارجي المتدفق للمجاهدين، إذ عملت بوصفها القناة الرئيسية لتمرير الأسلحة والعتاد الحربي الأمريكي وغيره من الدول الداعمة إلى فصائل المقاومة الأفغانية عبر الأراضي الباكستانية[5]. وقد شكّلت مدينة بيشاور الباكستانية الحدودية القاعدة اللوجستية الرئيسية لهذا الدعم، حيث أقيمت معسكرات تدريب ومكاتب تنسيق لفصائل المجاهدين المختلفة، وتحولت إلى نقطة استقطاب رئيسية للمتطوعين الأجانب الوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامي للانضمام إلى صفوف الجهاد الأفغاني[8].
خامسًا: عبد الله عزام ومكتب الخدمات
أسّس المفكر الفلسطيني عبد الله عزام، وهو عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين المصرية، سنة 1979م مكتبًا في أفغانستان أُطلق عليه اسم مكتب الخدمات، بهدف تجنيد وتدريب متطوعين عرب للمشاركة في مقاومة الغزو السوفيتي[6]. وقد جاب عزام أنحاء الشرق الأوسط والمملكة المتحدة والولايات المتحدة سعيًا لجمع التبرعات وتجنيد المتطوعين، مركزًا جهوده على استقطاب “مجاهدين” من السعودية ودول الخليج ومصر واليمن والسودان للانضمام إلى القتال ضد القوات السوفيتية الغازية[6]. وقد امتد نشاط مكتب الخدمات، الذي مثّل شبكة تجنيد عالمية حقيقية، إلى مكاتب بعيدة في مدن أمريكية مثل بروكلين وتوسان في أريزونا، ووفر لهؤلاء المقاتلين المهاجرين، الذين عُرفوا بـ”العرب الأفغان”، التدريب والتموين اللازمين لمشاركتهم في القتال[8].
سادسًا: أسامة بن لادن ونشأة تنظيم القاعدة
كان أسامة بن لادن، الرجل السعودي الثري الذي درس إدارة الأعمال في جامعة الملك عبد العزيز بجدة وتلقى فيها تأثيرًا فكريًا من محمد قطب وعبد الله عزام نفسه، قد بدأ فور غزو أفغانستان سنة 1979م، الذي اعتبره اعتداءً صريحًا على الإسلام، بالسفر لمقابلة قادة المقاومة الأفغانية وجمع التبرعات لدعمهم[3]. وبحلول سنة 1984م، تركزت أنشطته أساسًا في أفغانستان وباكستان، حيث تعاون مع عزام مباشرة على تنظيم وتجنيد المتطوعين العرب لقتال الاحتلال السوفيتي، معززًا مكانته القيادية بموارده المالية الضخمة وسمعته الشخصية في التقوى والشجاعة القتالية[3]. وقد أنشأ بن لادن سنة 1988م قاعدة بيانات لحصر أسماء المتطوعين المقاتلين في الحرب الأفغانية ومواردهم، وهي القاعدة التي أفضت إلى تأسيس شبكة عُرفت باسم القاعدة في العام نفسه، وإن ظلت هذه الشبكة دون أهداف واضحة أو أجندة عملياتية محددة لسنوات تالية عدة[3].
سابعًا: تصاعد قدرات المجاهدين ودور صواريخ ستينغر
تحسنت القدرات القتالية للمجاهدين تدريجيًا مع مرور سنوات الحرب، خاصة بعد أن حصلوا على أسلحة أكثر تطورًا، وفي مقدمتها صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف قدّمتها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الداعمة، وهي الأسلحة التي أسهمت إسهامًا حاسمًا في تحييد التفوق الجوي السوفيتي الذي كان قد شكّل حتى ذلك الحين إحدى أبرز الأوراق العسكرية الرابحة في يد القوات الغازية[1]. وقد أسهمت هذه المقاومة المتصاعدة، بالتضافر مع موجات الانشقاق داخل صفوف الجيش الأفغاني الحكومي والتضاريس الجبلية الوعرة، في دفع الاتحاد السوفيتي في نهاية المطاف نحو قرار الانسحاب[1].
ثامنًا: الانسحاب السوفيتي وانتهاء التدخل المباشر
مع تصاعد الكلفة البشرية والعسكرية الباهظة لهذه الحرب، ومع الإصلاحات الجذرية التي أطلقها القائد السوفيتي الجديد ميخائيل غورباتشوف منذ سنة 1985م، تحوّل الرأي العام داخل الاتحاد السوفيتي نفسه تدريجيًا إلى معارضة استمرار هذا التدخل العسكري المكلف وغير الحاسم[2]. وقد تُوّجت هذه التطورات بتوقيع اتفاقيات سنة 1988م نظّمت جدول الانسحاب السوفيتي الكامل من الأراضي الأفغانية، ليكتمل هذا الانسحاب فعليًا في الخامس عشر من فبراير سنة 1989م، منهيًا بذلك عقدًا كاملًا من التدخل العسكري السوفيتي المباشر في أفغانستان[5].
تاسعًا: ما بعد الانسحاب – سقوط النظام الشيوعي وصعود طالبان
لم يُنهِ الانسحاب السوفيتي القتال في أفغانستان، إذ استمر النظام الشيوعي الأفغاني بقيادة الرئيس نجيب الله صامدًا لسنوات ثلاث إضافية بدعم سوفيتي مستمر رغم انسحاب القوات، إلى أن أُطيح به أخيرًا سنة 1992م على يد فصائل المجاهدين المتحالفة، لتدخل البلاد بعدها في حرب أهلية طاحنة بين هذه الفصائل المتنافسة نفسها على السلطة[5]. وفي خضم هذه الفوضى، برز تنظيم طالبان لاحقًا بوصفه قوة جديدة سعت لفرض نظام مستقر، مستفيدًا في مرحلته المبكرة من دعم جهاز الاستخبارات الباكستانية نفسه الذي كان قد لعب دورًا محوريًا في دعم المجاهدين إبان الحرب ضد السوفيت[5]. وفي موازاة ذلك، تحول تنظيم القاعدة، الذي وُلد من رحم شبكات الدعم اللوجستي للجهاد الأفغاني، إلى منظمة إسلامية مسلحة عابرة للحدود الوطنية، تبنّت لاحقًا هجمات إرهابية واسعة النطاق حول العالم كان أبرزها هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م في الولايات المتحدة[7].
عاشرًا: الإرث التاريخي للجهاد الأفغاني
خلّف الجهاد الأفغاني إرثًا تاريخيًا متعدد الأبعاد تجاوز حدود أفغانستان نفسها بكثير، إذ أسهمت هذه الحرب الطويلة والمكلفة في تسريع تصدعات داخلية عميقة داخل الاتحاد السوفيتي نفسه، وهي التصدعات التي ساهمت لاحقًا في تفككه النهائي مطلع التسعينيات[2]. وفي المقابل، أنتجت شبكات التجنيد والتدريب والتمويل التي أُقيمت خصيصًا لدعم الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي جيلًا كاملًا من المقاتلين المتمرسين ذوي الشبكات العابرة للحدود الوطنية، وهو ما مهّد الطريق مباشرة أمام نشوء ظاهرة الإسلام السياسي المسلح العابر للحدود في صورتها المعاصرة، بما تحمله من تداعيات أمنية وسياسية استمرت تتفاعل في مناطق متعددة من العالم لعقود طويلة تالية.