تُعدّ الثورة التونسية، المعروفة أيضاً بثورة الياسمين، أول انتفاضة شعبية ناجحة تُطيح بنظام حكم استبدادي راسخ في المنطقة العربية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، إذ اندلعت في ديسمبر عام 2010 احتجاجاً على الفساد والبطالة والقمع السياسي الذي طبع عهد الرئيس زين العابدين بن علي الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثة وعشرين عاماً[1]. وقد أشعل شرارة هذه الثورة حادث فردي مأساوي تمثّل في إقدام الشاب البائع المتجول محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في مدينة سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة بضاعته وإهانته من قبل موظفي البلدية، لتتحول هذه الحادثة الفردية سريعاً إلى شرارة احتجاجات شعبية عارمة عمّت البلاد بأسرها خلال أسابيع قليلة[4]. وانتهت هذه الموجة الاحتجاجية بفرار الرئيس بن علي من البلاد في الرابع عشر من يناير عام 2011، لتصبح تونس بذلك البلد الأول الذي يشهد سقوط نظام حكم راسخ في سياق ما عُرف لاحقاً بموجة الربيع العربي التي امتدت شرارتها إلى عدد من الدول العربية الأخرى[5].
أولاً: جذور الأزمة في عهد بن علي
تعود جذور الانفجار الشعبي الذي شهدته تونس أواخر عام 2010 إلى تراكم عقود من الحكم الاستبدادي الذي فرضه الرئيس زين العابدين بن علي منذ توليه السلطة في نوفمبر عام 1987، حين أطاح بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة عبر ما عُرف بـ”الانقلاب الطبي”، مستنداً إلى تقرير طبي أعلن عدم أهلية بورقيبة الصحية لمواصلة الحكم[2]. ورغم أن بن علي حظي في بداية حكمه ببعض التأييد الداخلي والدولي، فإن سنوات حكمه الطويلة اتسمت تدريجياً بتفشي الفساد المالي والإداري، وتصاعد معدلات البطالة وبخاصة بين خريجي الجامعات الشباب، إلى جانب قمع سياسي ممنهج طال المعارضين والصحافيين والناشطين، وهي عوامل بنيوية شكّلت مجتمعة الأرضية الحقيقية للانفجار الشعبي الذي كان مقبلاً[4].
ثانياً: احتراق محمد البوعزيزي وانطلاق الاحتجاجات
في السابع عشر من ديسمبر عام 2010، أقدم الشاب محمد البوعزيزي، البائع المتجول الوحيد المعيل لأسرته المكونة من سبعة أفراد في مدينة سيدي بوزيد الواقعة في وسط البلاد، على إحراق نفسه احتجاجاً على مصادرة عربته وبضاعته من قبل شرطة البلدية، في حادثة عكست حجم اليأس الذي بلغته شرائح واسعة من الشباب التونسي جراء غياب فرص العمل واستشراء الفساد الإداري[4]. وقد توفي البوعزيزي متأثراً بحروقه في الخامس من يناير عام 2011 بعدما عانى من حروق غطت تسعين بالمئة من جسده، لكن حادثته كانت قد أشعلت بالفعل موجة احتجاجات عارمة عمّت مختلف المدن التونسية خلال الأيام التي تلت الحادثة مباشرة، شارك فيها الطلاب والمعلمون والمحامون والصحافيون والنقابيون وناشطو حقوق الإنسان، منددين بالسياسات الاقتصادية للحكومة وبقمعها المنهجي لكل صوت معارض.
كان انتحار محمد البوعزيزي حرقاً بمثابة رمز يجسّد الفساد والمعاناة التي عاشها كثيرون في ظل نظام بن علي، فأشعل موجة احتجاجات واسعة ضد البطالة والفقر والقمع السياسي.
— من التوصيف التاريخي لانطلاق الثورة التونسية
ثالثاً: تصاعد الاحتجاجات وسقوط نظام بن علي
واجهت الحكومة التونسية موجة الاحتجاجات المتصاعدة بمزيج من القمع الأمني العنيف والمحاولات المتأخرة لتقديم تنازلات سياسية واقتصادية جزئية، غير أن هذه الإجراءات فشلت في احتواء الغضب الشعبي، بل ساهمت الانتقادات الدولية الواسعة لأسلوب القمع في زيادة زخم الحراك الاحتجاجي[2]. وقد استخدم المتظاهرون التونسيون منصات التواصل الاجتماعي بشكل مكثف لتنظيم صفوفهم وتوثيق أعمال القمع ونشر دعواتهم للتظاهر، في نموذج اعتُبر لاحقاً سابقة مؤثرة في حركات الاحتجاج التي اندلعت في دول عربية أخرى خلال الأشهر التالية[4]. وأمام تصاعد الاحتجاجات وعجز الأجهزة الأمنية عن السيطرة على الشارع، اضطر الرئيس بن علي في الرابع عشر من يناير عام 2011 إلى الفرار من البلاد متوجهاً إلى المملكة العربية السعودية، لتنتهي بذلك واحدة من أطول فترات الحكم الاستبدادي في المنطقة العربية بعد أقل من شهر من اندلاع الاحتجاجات[2].
رابعاً: المرحلة الانتقالية وتفكيك أدوات القمع
عقب فرار بن علي، دخلت تونس مرحلة انتقالية معقدة شهدت في السابع عشر من يناير إعلان رئيس الوزراء محمد الغنوشي تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمّت عدداً من رموز المعارضة إلى جانب بعض وزراء النظام السابق، مؤكداً أن هؤلاء الوزراء لم يشاركوا في عمليات القمع العنيف التي استهدفت المتظاهرين[3]. وقد استجابت الحكومة الانتقالية، برئاسة الباجي قائد السبسي لاحقاً، لأحد أبرز مطالب الحركة الشعبية حين أعلنت في السابع من مارس عام 2011 حل جهاز الشرطة السرية الذي كان يلعب دوراً محورياً في قمع المعارضة خلال عهد بن علي، مع تعهدها باحترام الحقوق والحريات العامة والامتناع عن استخدام الأجهزة الأمنية لأغراض سياسية[3].
خامساً: الانتخابات التأسيسية ونتائج الثورة
شهدت تونس في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 2011 أول انتخابات حرة منذ سقوط نظام بن علي، لاختيار أعضاء مجلس تأسيسي مكوّن من مئتين وسبعة عشر مقعداً، أُنيطت به مهمة تعيين حكومة انتقالية وصياغة دستور جديد للبلاد، وسط إقبال شعبي واسع بلغ نحو سبعين بالمئة من الناخبين المسجلين[3]. وقد أسفرت هذه الانتخابات، التي وُصفت بأنها الأكثر نزاهة في تاريخ البلاد، عن فوز حزب النهضة الإسلامي المعتدل بالمرتبة الأولى، إذ حصل على تسعين مقعداً بأكثر من أربعين بالمئة من الأصوات[3]. وفي ديسمبر من العام نفسه، تولى رئيس ورئيس وزراء منتخبان ديمقراطياً مقاليد الحكم، ثم أُقرّ في يناير عام 2014 دستور تونسي جديد أرسى إطاراً مؤسسياً لنظام ديمقراطي تعددي[1]. وبلغت هذه المسيرة الانتقالية ذروتها في خريف عام 2019، حين شهدت تونس أول عملية تداول سلمي للسلطة بين حكومتين منتخبتين ديمقراطياً في تاريخها الحديث، وهو ما جعل من التجربة التونسية النموذج الأكثر استقراراً ونجاحاً نسبياً بين مسارات الربيع العربي المتعددة التي اندلعت أصلاً استلهاماً من الشرارة التونسية الأولى[1].