يُعدّ إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية (بالإنجليزية: United States Declaration of Independence) الوثيقةَ التأسيسية الكبرى التي اعتمدها المؤتمر القاري الثاني في الرابع من يوليو عام 1776م، إيذاناً بقطع الصلة النهائية بين المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة والإمبراطورية البريطانية، وإعلان قيام كيان سياسي جديد هو الولايات المتحدة الأمريكية.[1] صِيغَت هذه الوثيقة التاريخية أساساً بقلم توماس جيفرسون، الذي اضطلع بأعباء الصياغة الأولى ضمن «لجنة الخمسة» المؤلفة من جيفرسون وجون آدامز وبنجامين فرانكلين وروبرت ليفينغستون وروجر شيرمان.[2] وتقوم الوثيقة على ركيزتين فكريتين جوهريتين: نظرية الحقوق الطبيعية المستقاة من فلسفة جون لوك، ونظرية العقد الاجتماعي التي أرست شرعية التمرد على السلطة الغاشمة.[3] ضمّت الوثيقة سبعاً وعشرين مظلمة موثّقة ضد الملك جورج الثالث وبرلمانه، مشكّلةً بذلك حجة قانونية وأخلاقية متكاملة أمام العالم لتبرير الاستقلال.[4] وقّع على النسخة الرسمية المنقوشة على الرق ستة وخمسون مندوباً، ابتداءً من الثاني من أغسطس 1776م، وكان أبرزهم جون هانكوك الذي أرسخ توقيعه بخط بارز أمسى مرادفاً للتوقيع في الثقافة الأمريكية.[5] تجاوزت تداعيات هذه الوثيقة حدود الأراضي الأمريكية لتُلهم ثورةً فرنسية عام 1789م، وحركات استقلال أمريكا اللاتينية، وأكثر من مئة إعلان استقلال حول العالم في القرنين التاليين.[6] وتحتضن الوثيقة الأصلية اليوم دارَ الأرشيف الوطني في واشنطن العاصمة، وقد باتت رمزاً حضارياً عابراً للقارات، يُجسّد طموح البشرية نحو الحرية والمساواة وحق تقرير المصير.
| إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية | |
| الاسم الرسمي | الإعلان المتفق عليه بالإجماع من قِبَل الولايات المتحدة الثلاث عشرة في أمريكا |
| تاريخ الاعتماد | 4 يوليو 1776م |
| تاريخ التوقيع الرسمي | 2 أغسطس 1776م (الجزء الأكبر من التوقيعات) |
| الجهة المُصدِرة | المؤتمر القاري الثاني للولايات المتحدة |
| مكان الاعتماد | قاعة الاستقلال (Pennsylvania State House)، فيلادلفيا، بنسلفانيا |
| الصياغة والمؤلفون | |
| المسودة الأولى | توماس جيفرسون (11–28 يونيو 1776م) |
| لجنة الصياغة (لجنة الخمسة) | توماس جيفرسون، جون آدامز، بنجامين فرانكلين، روبرت ليفينغستون، روجر شيرمان |
| عدد الموقعين | 56 مندوباً من 13 مستعمرة |
| أصغر الموقعين سناً | إدوارد روتليدج (26 عاماً) |
| أكبر الموقعين سناً | بنجامين فرانكلين (70 عاماً) |
| المحتوى والبنية | |
| اللغة | الإنجليزية |
| عدد المظالم ضد جورج الثالث | 27 مظلمة موثقة |
| الأسس الفلسفية | نظرية الحقوق الطبيعية (جون لوك)، نظرية العقد الاجتماعي، فلسفة التنوير |
| أبرز مقولاتها | “جميع الناس خُلقوا متساوين، وقد منحهم خالقهم حقوقاً غير قابلة للتنازل عنها، منها: الحياة والحرية والسعي نحو السعادة” |
| الوثيقة والمحفوظات | |
| الناسخ الرسمي | تيموثي مَتْلَك (Timothy Matlack) |
| أول طباعة | جون دنلاب، ليلة 4-5 يوليو 1776م (Dunlap Broadside) |
| مكان الحفظ الحالي | دار الأرشيف الوطني، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأمريكية |
| المادة | منقوشة على رق (جلد الغنم) |
| الأثر والتأثير | |
| إعلانات الاستقلال المستلهمة منها | أكثر من 100 إعلان استقلال حول العالم منذ 1776م |
| أبرز الثورات المتأثرة بها | الثورة الفرنسية (1789م)، الثورة الهايتية (1804م)، حركات استقلال أمريكا اللاتينية |
| العيد الوطني الأمريكي | 4 يوليو من كل عام (يوم الاستقلال) |
أولاً: السياق التاريخي — المستعمرات الأمريكية في ظل التاج البريطاني
لفهم الطاقة الثورية الهائلة التي احتضنتها وثيقة إعلان الاستقلال، لا بدّ من استيعاب الطبيعة المعقدة للعلاقة التي ربطت المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة بالتاج البريطاني على مدى قرن ونصف من الزمن. منذ تأسيس أول مستعمرة دائمة في جيمس تاون عام 1607م، نشأ المستوطنون الأمريكيون على موروث من الحكم الذاتي وتقاليد الحرية الإنجليزية المستمدة من الماغنا كارتا وقانون الحقوق البريطاني عام 1689م.[7] كانت المجالس التشريعية المحلية المنتخبة تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، مما أرسى تقليداً راسخاً يرى أن الضرائب لا تُفرض إلا بموافقة الممثلين المنتخبين، لا من قِبَل برلمان لا يضم في دواخله من يمثل المستوطنين الأمريكيين.
أحدثت نهاية حرب السنوات السبع عام 1763م تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين لندن ومستعمراتها الأمريكية؛ إذ خرجت بريطانيا من تلك الحرب منتصرةً لكنها محاصرة بديون فلكية، فعمد البرلمان البريطاني إلى إصدار سلسلة من القوانين الضريبية الجديدة بهدف إخضاع المستعمرات لإسهام أكبر في تمويل الدفاع عن الإمبراطورية.[8] صدر في عام 1764م قانون السكر (Sugar Act)، ثم قانون الطوابع (Stamp Act) عام 1765م الذي مثّل أول ضريبة داخلية مباشرة تُفرض على المستعمرات، تلتها قوانين تاونشيند عام 1767م التي فرضت رسوماً على الورق والزجاج والرصاص والشاي.[9] أشعلت هذه القوانين جذوةَ السخط الشعبي في ظل شعار «لا ضرائب بلا تمثيل» (No Taxation Without Representation)، وإن كان الباحثون الاقتصاديون اليوم يُشيرون إلى أن عبء الضرائب في المستعمرات كان يبلغ شلناً واحداً في السنة مقابل ستة وعشرين شلناً لنظيره البريطاني، مما يُثبت أن الشكوى لم تكن الثقل الضريبي بحد ذاته بل غياب التمثيل والصوت السياسي.[10]
تصاعدت وتيرة الأحداث بسرعة مدهشة في أواخر الستينيات وما تلاها من سنوات؛ فكانت مذبحة بوسطن عام 1770م، ثم حادثة إغراق الشاي في ميناء بوسطن عام 1773م، فاستجاب البرلمان بقوانين التعدي أو القوانين التي وصفها المستوطنون بـ«القوانين التي لا تحتمل» (Intolerable Acts) عام 1774م، التي ألغت ميثاق مستعمرة ماساتشوستس وفرضت عليها الحكم العسكري بقيادة الجنرال توماس غيج.[11] استقطبت هذه الاستجابة البريطانية المتشددة تضامناً استثنائياً بين المستعمرات التي كانت تبدو متفرقة ومتنافرة المصالح، وهكذا انعقد المؤتمر القاري الأول في سبتمبر 1774م، الذي اتخذ قرارات بمقاطعة البضائع البريطانية وصاغ التماسات للملك جورج الثالث لعلّه يُنصف شكاوى المستعمرات.[12] بيد أن المسالك السياسية السلمية أضحت مسدودة بعد اندلاع المواجهة المسلحة في ليكسنغتون وكونكورد في أبريل 1775م، فانعقد المؤتمر القاري الثاني ودخلت المستعمرات الثلاث عشرة في مرحلة لا رجعة فيها نحو إعلان الانفصال الكامل عن بريطانيا.
ثانياً: الأسباب والدوافع المباشرة لإعلان الاستقلال
تشابكت خيوط دوافع متعددة الأبعاد لتدفع المستعمرات الأمريكية نحو خيار الاستقلال الكامل؛ فثمة البعد السياسي الذي تمثّل في حرمان المستعمرات من التمثيل الفعلي في البرلمان البريطاني الذي كان يسنّ القوانين التي تحكمها من الداخل والخارج، وثمة البعد الاقتصادي المتجسد في السياسات التجارية التقييدية والضرائب المفروضة دون موافقة محلية، وثمة البعد الأيديولوجي المتمثل في النضج الفكري لقيادات المستعمرات التي تشرّبت أفكار عصر التنوير وأعلت من شأن الحرية الطبيعية وحق المقاومة.[13]
أدّى كتيّب «العقل السليم» (Common Sense) الذي أصدره توماس بين في يناير 1776م دوراً محورياً في تحويل الرأي العام الأمريكي من المطالبة بالإصلاح في إطار المملكة المتحدة إلى المطالبة بالاستقلال الكامل؛ فقد انتقد بين بلغة حماسية وشعبية انتقاداً علنياً نظام الملكية الوراثية وجدوى الارتباط بالتاج البريطاني، مؤكداً أن مصالح الأمريكيين واستمرار ازدهارهم يستلزمان القطيعة التامة مع بريطانيا.[14] وقد لاقى هذا الكتيّب انتشاراً غير مسبوق في المستعمرات، إذ بيع منه مئة وعشرون ألف نسخة خلال ثلاثة أشهر فحسب، مما يعني أن نسبة قراء الكتيّب كانت هائلة قياساً بعدد السكان آنذاك.
على الصعيد الاستراتيجي، كانت حاجة المستعمرات الماسّة للمساعدة الخارجية عاملاً حاسماً في قرار الاستقلال؛ فقد كان الفرنسيون والإسبان متحفظين على دعم ما يبدو في الظاهر تمرداً داخلياً على الملكية، غير أن الاستقلال المُعلَن رسمياً كان يُحوّل النزاع إلى حرب بين دولتين ذواتَي سيادة، مما يفتح الباب أمام معاهدات تحالف وتقديم المساعدة العسكرية العلنية.[15] وقد أثبتت الأحداث صحة هذا الحساب، إذ توّج التحالف الفرنسي-الأمريكي الذي أُبرم عام 1778م بالاعتراف الفرنسي بالولايات المتحدة دولةً مستقلة، وتحوّل الفرنسيون في نهاية المطاف إلى الحليف الأساسي الذي أسهم بصورة حاسمة في انتزاع الانتصار الأمريكي.
ثالثاً: لجنة الخمسة وصياغة الوثيقة التاريخية
في السابع من يونيو 1776م، قدّم ريتشارد هنري لي من فيرجينيا قرارَه التاريخي الشهير إلى المؤتمر القاري الثاني، معلناً فيه أن المستعمرات الأمريكية «هي، وبحق ينبغي أن تكون، دولاً حرة ومستقلة».[16] دار النقاش في المؤتمر أياماً عدة قبل أن يُرجَأ التصويت على القرار إلى مطلع يوليو، لكن الأعضاء أدركوا ضرورة إعداد وثيقة مفصّلة تشرح للعالم مبررات الانفصال وتُرسّخه قانونياً وأخلاقياً. لذلك عيّن المؤتمر في العاشر من يونيو «لجنة الخمسة» المؤلفة من توماس جيفرسون من فيرجينيا وجون آدامز من ماساتشوستس وبنجامين فرانكلين من بنسلفانيا وروبرت ليفينغستون من نيويورك وروجر شيرمان من كونيتيكت.[17]
وقع الاختيار على توماس جيفرسون محرراً رئيسياً للوثيقة لأسباب متعددة؛ فإلى جانب سمعته الراسخة كأديب بارع وكاتب بليغ، كان قد أظهر قدرة استثنائية على التعبير عن المبادئ الثورية في وثائق فيرجينيا التشريعية. يروي جون آدامز لاحقاً أن جيفرسون طلب منه أن يتولى هو الصياغة، فردّ آدامز بأن جيفرسون هو الأنسب لثلاثة أسباب: أولها أنه فيرجيني وتأثير فيرجينيا في المؤتمر بالغ، وثانيها أن شهرته في الكتابة أوسع من شهرته، وثالثها أنه سيُنقّح ما يكتبه آدامز أفضل مما يُنقّح جيفرسون ما يكتبه آدامز.[18]
أنجز جيفرسون مسودته الأولى بين الحادي عشر والثامن والعشرين من يونيو 1776م، مستعيناً بعدد من الوثائق التأسيسية السابقة كإعلان حقوق فيرجينيا الذي صاغه جورج ماسون، ومسوّدته هو للدستور الفيرجيني، فضلاً عن نداءات الاستقلال السابقة التي صدرت عن مختلف المستعمرات.[19] أجرى آدامز وفرانكلين تعديلات على المسودة قبل أن تُرفَع إلى المؤتمر، الذي أخضعها بدوره لمراجعة شاملة على مدى يومَي الثالث والرابع من يوليو، محذفاً نحو ربع النص الأصلي ومعدِّلاً في صياغات عدة، كان أبرزها حذف الفقرة التي صاغها جيفرسون ضد تجارة الرقيق، وذلك تنازلاً للمستعمرات الجنوبية التي كانت اقتصاداتها قائمة على العمل بالسخرة.[20] وفي مساء الرابع من يوليو 1776م، صادق المؤتمر القاري الثاني رسمياً على الوثيقة، لتُطبَع في تلك الليلة مئتا نسخة أو يزيد في مطبعة جون دنلاب ووُزِّعت على الحكومات والقادة العسكريين.
رابعاً: بنية الوثيقة ومحتواها الفلسفي والسياسي
تنتظم وثيقة إعلان الاستقلال في بنية أربعة أجزاء متكاملة، يتوافق كل منها مع غاية بعينها في الحجاج السياسي والفلسفي. يبدأ الإعلان بـالديباجة أو المقدمة التي تشرح الغرض من إعلان الاستقلال وتُقرّر الحاجة إلى إعلام العالم بأسبابه، مستندةً إلى مبدأ «آراء البشرية» (Opinions of Mankind) بوصفه مرجعاً أخلاقياً لا يمكن تجاهله.[21] ثم يأتي الجزء الفلسفي الأشهر الذي يُقرّر الحقوق غير القابلة للتنازل في جملة بلغت من الإيجاز والعمق ما جعلها الأكثر اقتباساً في تاريخ الديمقراطية الحديثة:
نحن نعتبر هذه الحقيقة بديهية، أن جميع الناس قد خُلقوا متساوين، وأن خالقهم قد وهبهم حقوقاً معينة لا يمكن انتزاعها منهم، ومنها: الحياة والحرية والسعي نحو السعادة.
— إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، 4 يوليو 1776م
يكشف هذا المقطع عن تعديل دقيق لكنه بالغ الدلالة أجراه جيفرسون على صياغة جون لوك الأصلية؛ فبينما كان لوك يتحدث عن «الحياة والحرية والملكية» (Life, Liberty, and Property)، استعاض جيفرسون عن «الملكية» بـ«السعي نحو السعادة» (Pursuit of Happiness)، مُضفياً بذلك بُعداً إنسانياً أوسع يتجاوز حق التملك المادي إلى آفاق الإنجاز الإنساني الشامل.[22]
أما الجزء الثالث فيضمّ القائمة المفصّلة لسبع وعشرين مظلمة موجّهة ضد الملك جورج الثالث شخصياً، وهو خيار مقصود لتوجيه الاتهام إلى شخص الملك لا إلى الشعب البريطاني أو برلمانه فحسب، مما يجعل القطيعة مع المؤسسة الملكية تحديداً لا مع الحضارة البريطانية برمتها. تتراوح هذه المظالم بين فرض الضرائب دون موافقة المستعمرات، وحلّ المجالس التشريعية المحلية، وإقامة الجيوش البريطانية في بيوت المدنيين، وإجراء محاكمات دون هيئة محلفين، ونقل المتهمين للمحاكمة في بريطانيا. وكانت المظلمة الخامسة والعشرون تتعلق بتشجيع الملك على تحريض «سكان الحدود البرابرة» — في إشارة إلى قبائل الأمريكيين الأصليين — على شنّ الهجمات ضد المستعمرات.[23] يختتم الإعلان بالجزء الرابع وهو الإعلان الرسمي للاستقلال، إذ يُقرّر بجمل دقيقة الصياغة أن المستعمرات هي، وبحق ينبغي أن تكون، «دولاً حرة ومستقلة»، تملك حق إعلان الحرب وإبرام السلام وعقد التحالفات وممارسة التجارة وكل ما تملكه الدول المستقلة.
خامساً: الأسس الفلسفية — إعلان الاستقلال وعصر التنوير
لا يمكن فهم إعلان الاستقلال الأمريكي بمعزل عن السياق الفكري لعصر التنوير الأوروبي الذي شكّل الإطار المرجعي الذي تشرّبه مؤلفو الوثيقة وتنفسوه. كان جيفرسون وزملاؤه من قادة الثورة قد تربّوا على قراءة الفلاسفة الأوروبيين الكبار؛ إذ كان جيفرسون قد صرّح بأن فرنسيس بيكون وجون لوك وإسحاق نيوتن هم «أعظم ثلاثة رجال عاشوا في التاريخ»، مما يكشف عن عمق تأثير الفكر التجريبي والعقلاني في عقليته.[24]
يبرز جون لوك (1632-1704م) بوصفه الفيلسوف الأكثر أثراً في صياغة الإعلان؛ فقد وضع في مؤلَّفه «رسالتان في الحكومة المدنية» (Two Treatises of Government) الصادر عام 1689م نظريةً متكاملة في الحقوق الطبيعية، انطلاقاً من مفهوم «حالة الطبيعة» (State of Nature) التي يتساوى فيها جميع البشر لغياب السلطة فوقهم. رأى لوك أن الناس يتنازلون طوعاً عن بعض حريتهم المطلقة لصالح حكومة توفر لهم الأمن وتحفظ حقوقهم الطبيعية، لكن إن انتهكت هذه الحكومة بنود العقد وأخلّت بالتزاماتها، فإن الشعب يستعيد حقه المشروع في تغيير هذه الحكومة أو إلغائها.[25] هذا بالضبط ما عبّر عنه الإعلان في مقطعه الفلسفي المحوري: «كلما أصبح أي شكل من أشكال الحكومة مدمّراً لهذه الغايات، فإن الشعب يملك حق تغييرها أو إلغائها وتأسيس حكومة جديدة».
ولا يقل تأثير البارون دو مونتيسكيو (1689-1755م) ورائعته «روح القوانين» (De l’esprit des lois) أهميةً في تشكيل الفكر الأمريكي الثوري؛ فقد نشر مونتيسكيو مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو المبدأ الذي شكّل فيما بعد العمود الفقري للدستور الأمريكي عام 1787م، وإن كان أثره على الإعلان نفسه أقل مباشرةً.[26] أما جان جاك روسو ومفهوم «الإرادة العامة» فقد أسهم في ترسيخ مبدأ سيادة الشعب ومشروعية الثورة، غير أن أثره في الثورة الأمريكية جاء أقل حضوراً مقارنةً بتأثير لوك مباشرةً في صياغة الإعلان.
تجدر الإشارة إلى أن مفهوم «الحقوق الطبيعية» بحد ذاته لم يكن اختراعاً جديداً للقرن الثامن عشر، بل امتد بجذوره إلى الفلسفة الرواقية الإغريقية والرومانية التي أقرّت بوجود قانون طبيعي فوق القوانين الوضعية.[27] كما أن الفلسفة الدينية البروتستانتية أسهمت هي الأخرى في تشكيل رؤية الأمريكيين لأنفسهم بوصفهم شعباً في عهد مع الله يخوّله الدفاع عن حريته ضد الطغيان، وهذا ما يفسر حضور اللغة الدينية في الإعلان نفسه («خالقهم»، «العناية الإلهية»، «القاضي الأعلى للعالم»).
سادساً: الموقعون — رجال خاطروا بكل شيء
وقّع على وثيقة إعلان الاستقلال ستة وخمسون مندوباً من جميع المستعمرات الثلاث عشرة، وإن كان معظمهم قد وضع توقيعه في الثاني من أغسطس لا في الرابع من يوليو، وبعضهم أضاف توقيعه بعد تلك الجلسة بأسابيع.[28] جاء الموقعون من خلفيات مهنية متنوعة؛ فمنهم المحامون الذين شكّلوا ثلاثة وعشرين مندوباً، أي ما يزيد على 40% من مجموع الموقعين، فضلاً عن التجار وأصحاب المزارع والأطباء والعلماء والطابعين وحتى موسيقي واحد هو فرانسيس هوبكينسون ورجل دين هو جون ويذرسبون.[29]
كان أصغر الموقعين إدوارد روتليدج من ساوث كارولاينا الذي لم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين، بينما كان أكبرهم سناً بنجامين فرانكلين الذي بلغ من العمر سبعين عاماً.[30] وقد تميّز جون هانكوك بتوقيعه الأكثر شهرة بين جميع الموقعين؛ إذ كتبه بخط كبير لافت جعله أيقونةً بصرية وأكسب اسمه معنى مجازياً في الثقافة الأمريكية حيث يُستخدم «جون هانكوك» كناية عن التوقيع. بوصفه رئيساً للمؤتمر القاري، كان هانكوك مدركاً أن التوقيع على هذه الوثيقة يعني الخيانة العظمى في نظر التاج البريطاني، مما جعل هذا الفعل مجازفةً حقيقية بالحياة.
من المفارقات التاريخية اللافتة أن جون آدامز وتوماس جيفرسون، الموقعَين الأبرزَين إلى جانب فرانكلين، قد لفظا أنفاسهما في اليوم نفسه تحديداً: الرابع من يوليو 1826م، في الذكرى الخمسين لإعلان الاستقلال، وكأن القدر أراد أن يختم حياتهما بنفس التاريخ الذي أضاء حياتهما.[31] وقد عاش آخر الموقعين على قيد الحياة، تشارلز كارول من ماريلاند، حتى عام 1832م، أي ست وخمسين سنة بعد التوقيع، ليشهد النهضة التي ساعد في إرساء أسسها. أما بنجامين رش الذي وقّع ووصف الحدث بأنهم «كانوا يوقعون على صكوك إعدامهم»، فقد جسّد بهذه الكلمات الحمولةَ الهائلة من الشجاعة والمسؤولية التي أدركها كل موقّع.
لم يكن الطريق إلى التوقيع على الإعلان يسيراً على الجميع؛ فقد امتنع جون ديكنسون المعروف بـ«فارس قلمه» عن التوقيع معتقداً أن الاستقلال جاء مبكراً قبل الأوان، فيما رفض المندوب جوزيف غالوواي بالكامل ولحق بالمحافظين الموالين للتاج. أما ربرت موريس وجورج ريد اللذان صوّتا ضد قرار الاستقلال في الثاني من يوليو، فقد وقّعا على الإعلان رغم ذلك تعبيراً عن ولاء أعمق للمصير المشترك حين أُنجز الأمر.[32]
سابعاً: أثر الإعلان في تشكيل النظام السياسي الأمريكي
أرسى إعلان الاستقلال الأرضية الأيديولوجية والأخلاقية التي قام عليها الكيان الأمريكي، لكن دوره لم يتوقف عند لحظة الانفصال عن بريطانيا، بل امتد ليكون المرجع الأعلى في كل نقاش سياسي وقانوني متعلق بالحقوق والمساواة في التاريخ الأمريكي. فحين ألقى أبراهام لنكولن خطابه الشهير في غيتيسبرغ عام 1863م، افتتحه بالعودة إلى الإعلان ومبدأه الأساسي «أن جميع الناس خُلقوا متساوين»، ووظّف ذلك المبدأ حجةً دامغة ضد العبودية التي ناقضته مناقضةً صارخة منذ اليوم الأول.[33]
ولم تقتصر المفارقة المؤلمة على قضية العبودية؛ فالذين كتبوا «جميع الناس خُلقوا متساوين» كانوا يستثنون ضمنياً العبيدَ الأفارقةَ والنساءَ والأمريكيين الأصليين والرجال غير الملّاك للعقارات. وقد غدت هذه الهوّة بين المبدأ المُعلَن والواقع المُعاش المحرّكَ الأعمق لحركات المطالبة بالحقوق على مدى قرنين؛ من حركة الإلغاء وحرب الاستقلال من العبودية، مروراً بحركة حقوق المرأة التي وجد مؤتمر سينيكا فولز عام 1848م ضالته في التحوير المقصود على إعلان الاستقلال: «نحن نعتبر هذه الحقيقة بديهية: أن جميع الرجال والنساء قد خُلقوا متساوين»، وصولاً إلى حركة الحقوق المدنية في القرن العشرين التي وظّف فيها مارتن لوثر كنغ لغة الإعلان سلاحاً أخلاقياً لا يُرد في مواجهة التمييز العنصري.
ثامناً: الأثر العالمي — الإعلان بوصفه وثيقة إنسانية كونية
كانت وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي أول إعلان استقلال ناجح في التاريخ الإنساني، فأضحى نموذجاً مرجعياً لجميع حركات الاستقلال وتقرير المصير التي جاءت بعده. يستعرض المؤرخ ديفيد أرميتاج في كتابه «إعلان الاستقلال: تاريخ عالمي» (Harvard University Press, 2008) الصدى العالمي الهائل للوثيقة، مُثبتاً أن أكثر من مئة وعشرين إعلان استقلال أُصدرت في مختلف أنحاء العالم منذ عام 1776م استلهمت بنيتها ومفاهيمها الأساسية من الإعلان الأمريكي.[34]
كان للإعلان أثر فوري ومباشر في اشتعال فتيل الثورة الفرنسية؛ فقد كان لافاييت، البطل الفرنسي الذي حارب إلى جانب الأمريكيين، يحمل نسخةً من الإعلان في جيبه حين أحكمت الثورة قبضتها على فرنسا، وقد صاغ المسودات الأساسية لـ«إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الفرنسي بالتنسيق الوثيق مع صديقه توماس جيفرسون الذي كان يشغل منصب السفير الأمريكي في باريس آنذاك.[35] بل إن ديون فرنسا الهائلة التي تراكمت جراء مشاركتها في دعم الثورة الأمريكية كانت من الأسباب الاقتصادية البنيوية التي أسهمت في انهيار النظام المالي الملكي الفرنسي وأذكت جذوة الثورة.[36]
في أمريكا اللاتينية، استقت حركات الاستقلال من روح الإعلان الأمريكي وأفكاره؛ فقد كان مبدأ المطالبة بالاستقلال من المستعمِر الإسباني مستلهَماً جزئياً من الحجة الأمريكية. يشير الإعلان في صياغة مونرو الشهيرة من عام 1823م إلى نفس هذه الجذور الأمريكية في الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها في مواجهة القوى الاستعمارية الأوروبية. ولم يتوقف الأثر عند ذلك، إذ استلهمت هايتي بإعلانها للاستقلال عام 1804م الشكلَ الأمريكي، غير أنها ذهبت أبعد منه في استيعاب مبدأ المساواة بإلغاء العبودية إلغاءً تاماً، في حين حافظ الإعلان الأمريكي على التناقض الصارخ بين إعلانه المبادئ وإبقائه على نظام الاسترقاق.[37]
في القرن العشرين، صدّر الإعلان الأمريكي أفكاره إلى حركات التحرر الآسيوية والأفريقية؛ فقد استشهد هو شي منه بلغة الإعلان في إعلان استقلال فيتنام عام 1945م، وتأثرت كثير من الدساتير الأفريقية الوليدة في موجة استقلال الستينيات بمبادئه المؤسِّسة. وقد استنتج المؤرخ أرميتاج أن «أي وثيقة أمريكية لم تُحدث أثراً عالمياً أكبر من إعلان الاستقلال»، مُقرّراً أنه كان «شهادة الميلاد» للأمة الأمريكية وفي الوقت ذاته «الوثيقة الملهِمة» لأكثر من مئة وعشرين أمة في العالم.[38]
تاسعاً: الوثيقة الأصلية — رحلة الحفظ والصون عبر القرون
تُمثّل النسخة الأصلية المنقوشة على الرق لإعلان الاستقلال تحفةً تاريخية نادرة تتجاوز قيمتها كل تقدير. نقش الوثيقةَ على الرق تيموثي مَتْلَك، مساعد سكرتير المؤتمر، بين الثالث عشر والأول من أغسطس 1776م، بعد أن أصدر المؤتمر في التاسع عشر من يوليو قراراً بنقشها رسمياً بعنوان «الإعلان المتفق عليه بالإجماع من قِبَل الولايات المتحدة الثلاث عشرة في أمريكا».[39]
مرّت الوثيقة في القرن الأول من تاريخها بظروف حفظ متقلبة أضرت بحالتها كثيراً؛ فقد نُقلت في عجلة من فيلادلفيا إلى أبيردين بنيوجيرسي، ثم إلى يورك في بنسلفانيا خلال الغزو البريطاني عام 1777م، وفي حرب عام 1812م أُخليت إلى لياودونز فيرجينيا حين زحف البريطانيون نحو واشنطن. وعلى مدى عقود عديدة بعد ذلك، كانت الوثيقة تُطوى وتُفرد وتُعرض في ظروف مناخية غير ملائمة، مما أفضى إلى التلاشي الكبير الذي يطبع النص اليوم ويجعل قراءته بالعين المجردة أمراً عسيراً في بعض أجزائه.[40] في عام 1952م نُقلت الوثيقة إلى موطنها الراهن في دار الأرشيف الوطني بواشنطن، حيث تُعرض داخل حاوية حديثة متطورة تحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم والأرغون لصون الرق من التلف، وتوفر نظاماً أمنياً متعدد الطبقات يتضمن إمكانية إنزال الحاوية إلى قبو محصّن تحت الأرض في حالات الطوارئ.
عاشراً: الإعلان في الفكر الحقوقي المعاصر
لم يتوقف تأثير إعلان الاستقلال عند حدود الثورات السياسية، بل امتد ليُشكّل إطاراً مرجعياً في الخطاب الحقوقي الكوني في القرن العشرين. حين أعدّ إليانور روزفيلت وهيئته الفريقَ الذي صاغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، كانت روح الإعلان الأمريكي ومفاهيمه الجوهرية حاضرةً بقوة في تلك الغرفة، لا سيما مبادئ الكرامة الإنسانية المتساوية والحقوق غير القابلة للانتزاع. وقد شكّل مبدأ «الحقوق الطبيعية» الذي أطّرته فلسفة الإعلان الأمريكي جسراً فكرياً بين النظرية الفلسفية الأوروبية للتنوير والصياغة القانونية الدولية لحقوق الإنسان في النصف الثاني من القرن العشرين.[41]
في الداخل الأمريكي، يستمر الجدل الأكاديمي والقانوني حول المكانة الدستورية للإعلان؛ فهل يُعدّ وثيقةً ملزِمة قانونياً أم أنه أدى دوره التاريخي وتنحّى ليكون وثيقةً تأريخية ذات قيمة أخلاقية وسياسية لا قانونية؟ تميل الغالبية العظمى من القانونيين إلى اعتبار الدستور وتعديلاته الأداةَ القانونية الملزمة، بينما يظل الإعلان مرجعاً تفسيرياً يُستدعى في النقاشات الكبرى حول روح النظام ومقاصده. غير أن عبارة «جميع الناس خُلقوا متساوين» ظلت ولا تزال الجملة الأكثر اقتباساً في الحجج القانونية والسياسية الأمريكية، من دعاوى حقوق المرأة في القرن التاسع عشر إلى قضايا التمييز الإيجابي (Affirmative Action) في القرن الحادي والعشرين.
إن الإعلان كان أداةً حُبلى بمصيرنا نحن وبمصير العالم.
— توماس جيفرسون، في إحدى رسائله الأخيرة قُبيل وفاته عام 1826م
يبقى إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية — بكل ما يحمله من مفارقات داخلية بين المبدأ والتطبيق — الوثيقةَ السياسية الأكثر أثراً في التاريخ الحديث؛ لأنه قدّم للإنسانية لغةً مشتركة للمطالبة بالحرية والكرامة، لغةً لم تقتصر على الأمريكيين بل استعارها كل مظلوم ومُستعمَر ومُقصى في كل قارات الأرض، وهو ما يجعل من تاريخ الرابع من يوليو 1776م يوماً فارقاً ليس في التاريخ الأمريكي وحده، بل في التاريخ الإنساني الكوني بأسره.