المقدمة
يُمثّل الاستعمار الإيطالي في أفريقيا فصلاً بالغ الخصوصية في سجل الاستعمار الأوروبي الحديث؛ إذ اتّسم بتأخر تاريخي نسبي عن موجة الاستعمار الأوروبي الكبرى، وبطموح إمبراطوري متضخّم يفوق القدرة الفعلية، وبوحشية استثنائية بلغت ذروتها في الحقبة الفاشية حين لجأت إيطاليا إلى الأسلحة الكيميائية والمجازر الجماعية ومعسكرات الترحيل القسري في صفحات سوداء لا تزال تُثير الجدل السياسي والأخلاقي حتى اليوم. دخلت إيطاليا حديثةُ التوحيد إلى ملعب الاستعمار عام 1869م حين اشترت شركة شحن إيطالية خاصة خليجَ عصب على شاطئ البحر الأحمر، لتتحول هذه الصفقة التجارية المتواضعة تدريجياً إلى بداية حقبة استعمارية امتدت حتى عام 1960م، شملت في ذروتها أراضيَ الليبيا وإريتريا والصومال وإثيوبيا.[1]
كانت إيطاليا الموحّدة عام 1861م تنظر إلى الاستعمار باعتباره ضرورة تاريخية لا مفرّ منها إن أرادت أن تُحسَب في عداد القوى الكبرى؛ فقد كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تتسابق في تقسيم أفريقيا، وكان الغياب الإيطالي عن هذه المأدبة يُعدّ إهانةً قومية لا تُطاق في مناخ القومية الأوروبية الصاخب في نهاية القرن التاسع عشر. وقد زاد من حدة هذا الشعور أن إيطاليا كانت في وعيها الجمعي ترى نفسها وريثةَ الإمبراطورية الرومانية العظيمة التي حكمت قديماً ضفاف المتوسط، وكان البحر الأبيض المتوسط في الخطاب القومي الإيطالي “بحرنا” (mare nostrum). ومن هذا الخليط الانفجاري من الطموح والإحساس بالغبن والأيديولوجيا القومية وُلد المشروع الاستعماري الإيطالي الذي ستتسارع وتيرته وتشتد وحشيته مع صعود الفاشية إلى الحكم عام 1922م.[2]
تنقسم المسيرة الاستعمارية الإيطالية في أفريقيا إلى مراحل متمايزة المعالم: المرحلة الأولى (1869–1896م) وهي مرحلة التأسيس والتوسع الأولي في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، انتهت بالهزيمة المدوّية في معركة عدوا على يد الجيش الإثيوبي بقيادة الإمبراطور منليك الثاني، وهي الهزيمة التي كانت الأولى من نوعها في تاريخ الاستعمار الأوروبي إذ هُزم فيها جيش أوروبي أمام جيش أفريقي هزيمةً ساحقة. والمرحلة الثانية (1900–1922م) وتشمل فتح ليبيا من الدولة العثمانية بين عامَي 1911 و1912م، وتعزيز الوجود في الصومال، ورغم نهضتها المؤسسية فإنها ظلت تُصارع مقاومات لا تنتهي. أما المرحلة الثالثة والأشد وطأةً (1922–1943م) فهي الحقبة الفاشية التي تميّزت بالتوسع المدفوع بأيديولوجيا العنصرية والفاشية، وبلغت ذروتها بالغزو الإيطالي لإثيوبيا عام 1935م باستخدام أسلحة كيماوية حظرها القانون الدولي، وبإعلان الإمبراطورية الإيطالية الأفريقية الشرقية (Africa Orientale Italiana) في عام 1936م.[3]
وكما جاءت بداية الاستعمار الإيطالي متأخرةً عن نظيراتها الأوروبية، جاءت نهايته أيضاً أسرع وأكثر عنفاً؛ إذ كانت إيطاليا الدولة الاستعمارية الوحيدة التي أفضى دخولها في الحرب العالمية الثانية إلى فقدانها جميع مستعمراتها دفعةً واحدة تقريباً، بعد أن اجتاحت القوات البريطانية والحليفة أفريقيا الشرقية الإيطالية بين عامَي 1940 و1941م وليبيا عام 1943م. وبموجب معاهدة السلام الموقّعة عام 1947م، تنازلت إيطاليا رسمياً عن كل مستعمراتها، وإن ظلّت تحتفظ بوصايةٍ أممية على الصومال حتى استقلاله عام 1960م. وقد خلّف هذا الاستعمار المتقلّب إرثاً عميق الجذور لا يزال يُشكّل طبيعة العلاقات بين إيطاليا ودول القرن الأفريقي وليبيا حتى اليوم.[4]
| معلومات عامة | |
| التسمية الرسمية | الإمبراطورية الاستعمارية الإيطالية في أفريقيا (Impero coloniale italiano in Africa) |
| الفترة الزمنية الكاملة | 1869م – 1960م (91 عاماً) |
| بداية الحضور الرسمي | 1882م — انتقال خليج عصب إلى ملكية الدولة الإيطالية |
| بداية الاستعمار المنظّم | 1890م — الإعلان الرسمي عن مستعمرة إريتريا |
| نهاية الإمبراطورية الرسمية | 1947م — معاهدة السلام (التنازل الرسمي عن المستعمرات) |
| نهاية آخر تواجد استعماري | 1960م — استقلال الصومال (الوصاية الإيطالية الأممية) |
| الجغرافيا والنطاق | |
| المستعمرات الأفريقية الرئيسية | إريتريا، ليبيا، الصومال الإيطالي، إثيوبيا (الاحتلال 1936–1941م) |
| المساحة الإجمالية في ذروة الإمبراطورية (1936–1941م) | نحو 3.8 مليون كيلومتر مربع في أفريقيا [3] |
| عواصم المستعمرات | أسمرة (إريتريا)، طرابلس (ليبيا)، مقديشو (الصومال)، أديس أبابا (إثيوبيا) |
| الكيان الجامع لمستعمرات شرق أفريقيا | أفريقيا الشرقية الإيطالية (Africa Orientale Italiana — AOI)، 1936–1941م |
| الإدارة والحوكمة | |
| الجهة الحاكمة | مملكة إيطاليا، ثم إيطاليا الفاشية |
| المؤسسة المشرفة | وزارة المستعمرات الإيطالية (Ministero delle Colonie) |
| اللغة الرسمية | الإيطالية |
| الشخصيات المحورية | |
| مؤسس مستعمرة إريتريا | رئيس الوزراء فرانشيسكو كريسبي (1890م) |
| المنظّر الإمبراطوري والمحرّك الفاشي | بينيتو موسوليني (1883م–1945م) |
| قائد الإبادة في ليبيا | المارشال رودولفو غراتسياني |
| رمز المقاومة الليبية | عمر المختار (1858م–1931م) [5] |
| قاهر الجيش الإيطالي في عدوا | الإمبراطور منليك الثاني (1844م–1913م) |
| صاحب الشكوى أمام عصبة الأمم | الإمبراطور هيلا سيلاسي (1892م–1975م) |
| الأحداث التاريخية المحورية | |
| شراء خليج عصب | 1869م (أول حضور إيطالي في أفريقيا) |
| انتقال عصب إلى الدولة الإيطالية | 1882م |
| الإعلان الرسمي عن مستعمرة إريتريا | 1 يناير 1890م |
| معركة عدوا (هزيمة الجيش الإيطالي) | 1 مارس 1896م [6] |
| الحرب الإيطالية التركية وفتح ليبيا | 1911–1912م |
| إعدام عمر المختار | 16 سبتمبر 1931م |
| الغزو الإيطالي لإثيوبيا (الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية) | 3 أكتوبر 1935م |
| إعلان أفريقيا الشرقية الإيطالية | 1 يونيو 1936م |
| سقوط الإمبراطورية الأفريقية الإيطالية | نوفمبر 1941م (معركة غوندار) |
| التنازل الرسمي عن المستعمرات | معاهدة السلام، فبراير 1947م |
| نهاية الوصاية الأممية على الصومال | 1 يوليو 1960م |
| البيانات الاقتصادية والبشرية | |
| عدد المستوطنين الإيطاليين في ذروة الاستيطان (1939م) | نحو 165,270 مستوطناً في شرق أفريقيا وحده [7] |
| عدد المعتقلين في معسكرات برقة (ليبيا) | أكثر من 110,000 مدني قسرياً بين 1930 و1933م [8] |
| كمية غاز الخردل المستخدم في إثيوبيا | 330 طناً أسقطها الطيران الإيطالي (1935–1936م) [9] |
| الإنفاق الإيطالي على الحملة الإثيوبية (1935–1936م) | نحو 50% من إجمالي الإنفاق العام الإيطالي [10] |
| تعويضات إيطالية لليبيا (2008م) | 5 مليارات دولار وفق اتفاق برلسكوني-القذافي |
أولاً: السياق التاريخي — إيطاليا الموحّدة وأحلام الإمبراطورية
لا يمكن فهم الاستعمار الإيطالي في أفريقيا فهماً صحيحاً دون استيعاب السياق الخاص الذي أفرزه؛ فإيطاليا التي دخلت الملعب الاستعماري لم تكن دولةً راسخة قديمة الحضارة السياسية كبريطانيا وفرنسا والبرتغال، بل كانت كياناً جديداً حديث التشكّل لم يتوحد رسمياً إلا في عام 1861م، بعد حروب وديبلوماسية وثورات استمرت عقوداً. وقد كان التوحيد ذاته إنجازاً استثنائياً، لكنه أفرز في الوقت نفسه توقعات قومية متضخمة وشعوراً عميقاً بأن إيطاليا تستحق مكانةً دولية أرفع مما هي عليه.[2]
في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت موجة التسابق الأوروبي على أفريقيا (Scramble for Africa) تُحكم تقسيمها، وبحلول مؤتمر برلين (1884–1885م) الذي رسم الخرائط الاستعمارية الكبرى، كانت بريطانيا تُهيمن على أرباع الكرة الأرضية وفرنسا تتصارع معها على أفريقيا الغربية والوسطى وألمانيا تستولي على أجزاء من شرق أفريقيا وجنوبها الغربي وغربها. وكانت إيطاليا في هذا المشهد تبدو هامشيةً متفرجة، وهو ما بات يُحرج القوميين الإيطاليين الذين رأوا في امتلاك المستعمرات معيار العظمة الوطنية وشرط القبول في نادي القوى الكبرى. وزاد من حدة هذا الإحساس أن “صفعة تونس” عام 1881م — حين انقضّت فرنسا على تونس التي كانت إيطاليا تعتبرها في نطاق نفوذها الطبيعي — تركت جرحاً قومياً عميقاً دفع روما إلى تسريع خطاها الاستعمارية.[1]
كانت المبررات الأيديولوجية لهذا الاستعمار متعددة ومتشابكة: فثمة ذريعة الوراثة الرومانية التي تزعم أن إيطاليا الحديثة وريثةٌ طبيعية لروما القديمة التي حكمت شمال أفريقيا. وثمة ذريعة الضرورة الديموغرافية التي تزعم أن الفقر المتفشي في جنوب إيطاليا يستدعي إيجاد أراضٍ جديدة يهاجر إليها الفقراء الإيطاليون عوضاً عن هجرتهم إلى الأمريكتَين. وثمة ذريعة الرسالة الحضارية المتداولة في أوروبا كلها، والقائلة بأن من واجب الشعوب المتحضرة نشر نور حضارتها على الشعوب “المتخلفة”. وقد التحمت هذه المبررات الثلاثة في خطاب سياسي وإعلامي إيطالي متنامٍ، وبلغت ذروتها مع صعود موسوليني الذي حوّل الاستعمار من سياسة دولة إلى ديانة فاشية وهوية قومية.[2]
ثانياً: البدايات في القرن الأفريقي — إريتريا والصومال (1869م–1896م)
كان ثمة حدث يبدو ثانوياً في ظاهره لكنه بالغ الدلالة في جوهره: ففي عام 1869م، عام افتتاح قناة السويس الذي حوّل البحر الأحمر إلى أهم الممرات الملاحية العالمية، أقدم المبشّر الإيطالي الكاهن جوزيبي سابيتو بتمويل من شركة روباتينو للشحن البحري على شراء خليج عصب من سلطانه المحلي ليُحوَّل إلى محطة وقود وتجارة. كان هذا أول بذرة في التربة الأفريقية لما سيصبح لاحقاً إمبراطورية استعمارية. وفي عام 1882م، انتقلت ملكية عصب رسمياً من الشركة الخاصة إلى الدولة الإيطالية، ثم احتلّت إيطاليا ميناء مصوّع الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر عام 1885م بتشجيع بريطاني صريح كان يهدف إلى إيجاد قوة موازنة تُعرقل التمدد الفرنسي والمهدوي في المنطقة.[1]
ومع تصاعد الطموح الإيطالي نحو الداخل الأفريقي، وقّع رئيس الوزراء فرانشيسكو كريسبي مع الإمبراطور الإثيوبي الجديد منليك الثاني معاهدةَ وُشالي في مايو 1889م، وكانت تلك المعاهدة قنبلةً موقوتة في كيانها إذ تضمّنت نصاً مطاطاً في مادتها السابعة عشرة: أشارت نسختها الإيطالية إلى أن إثيوبيا “ملزمة” بإدارة علاقاتها الخارجية عبر إيطاليا، وهو ما يعني الحماية الإيطالية (protectorate)، في حين كانت النسخة الأمهرية تقول إن إثيوبيا “تستطيع” الاستعانة بإيطاليا إن شاءت، وهو أمر اختياري. وقد استخدم الإيطاليون هذه المعاهدة لإعلان إثيوبيا محميّةً إيطاليةً في الأوساط الدولية، وحين اعترض منليك وأعلن رفضه القاطع، وصل التوتر إلى حدة أشعلت فتيل الحرب الإيطالية الإثيوبية الأولى عام 1895م.[11]
وكانت إيطاليا قد أعلنت رسمياً في الأول من يناير 1890م عن تأسيس “مستعمرة إريتريا” (Colonia Eritrea)، مستمدّةً اسمها من اسمها اليوناني القديم للبحر الأحمر “Erythraion Pelagos”؛ وكانت هذه المستعمرة ستكون أطول المستعمرات الإيطالية عمراً وأكثرها استقراراً نسبياً على صعيد الحضور الاستيطاني والبنية التحتية. وعلى الجانب الآخر من البحر الأحمر وجنوباً على طول ساحل المحيط الهندي، كانت إيطاليا تُرسّخ قدمها تدريجياً في أجزاء من الصومال، مستفيدةً من ضعف السلطان الزنجباري ومتنافسةً مع البريطانيين الذين كانوا يُديرون شمال الصومال (الصومال البريطاني). وبحلول عام 1905م، كانت إيطاليا قد رسّخت سيطرتها على ما بات يُعرف بالصومال الإيطالي (Somalia italiana).[2]
ثالثاً: كارثة عدوا (1896م) — حين هُزمت أوروبا في أفريقيا
في الأول من مارس عام 1896م، وقعت في التلال الوعرة شمال بلدة عدوا في إثيوبيا الشمالية واحدة من أكثر المعارك العسكرية إذهالاً في تاريخ القرن التاسع عشر بأسره؛ إذ التقى فيها جيش إيطالي قوامه نحو أربعة عشر ألفاً وخمسمئة جندي بقيادة الجنرال أوريستي باراتيري بجيش إثيوبي ضخم قدّره المؤرخون بما بين سبعة وسبعين ألفاً ومئة ألف مقاتل بقيادة الإمبراطور منليك الثاني شخصياً وزوجته الإمبراطورة طايتو بيتول التي كان لها دور قيادي بارز في المعركة. وكانت الهزيمة الإيطالية ساحقةً مدويةً بكل معنى الكلمة: قُتل ما يزيد على خمسة آلاف جندي إيطالي وإريتري مُتعاون، وأُسر نحو ألف وسبعمئة آخرين، وفرّ الباقون إلى إريتريا في حالة من الذعر والفوضى.[6]
كان لعدوا أثر زلزالي تجاوز إيطاليا وإثيوبيا ليرجّ الوعي الأوروبي كله؛ فقد كان المعتقد السائد في عصر الاستعمار أن الجيوش الأوروبية بتقنيتها المتفوقة وتنظيمها العسكري الحديث لا تُقهر في مواجهة “الجيوش البدائية” الأفريقية. وجاءت عدوا لتُكذّب هذا الوهم بأبلغ الأدلة، إذ لاحظ المؤرخ الأمريكي بول هنزي أن معدل الخسائر الذي تكبّده الإيطاليون في معركة عدوا فاق نسب الخسائر في أشهر معارك نابليون كواترلو وأيلاو، وكان الأعلى في أي معركة أوروبية رئيسية في القرن التاسع عشر بأسره.[12] وفي إيطاليا نفسها، اندلعت أعمال شغب في عدة مدن كبيرة ضد الحكومة والحرب “المغامرة”، وانهارت حكومة كريسبي خلال أسبوعَين من وقوع المعركة وسط موجة من الغضب الشعبي.
وكان من نتائج معاهدة أديس أبابا الموقّعة في أكتوبر 1896م أن اعترفت إيطاليا رسمياً وبشكل قاطع باستقلال إثيوبيا السيادي، في سابقة تاريخية نادرة إذ أُجبرت قوة استعمارية أوروبية على الاعتراف رسمياً بسيادة دولة أفريقية وهي لا تزال في عصر التقسيم الاستعماري الكبير. وقد أصبحت عدوا رمزاً أسطورياً للمقاومة الأفريقية ضد الاستعمار في الوجدان الأفريقي والأفروأمريكي؛ إذ أشعلت حركات عرقية واجتماعية راستافارية وغيرها آملةً في نهج إثيوبيا المقاوم. ومن الدلالة المثيرة أن ذكرى معركة عدوا لا تزال تُحتفل بها سنوياً في إثيوبيا حتى اليوم بوصفها رمزاً للكرامة الوطنية والانتصار الحضاري.[13]
“إن المواجهة بين إيطاليا وإثيوبيا في عدوا كانت نقطة تحوّل جوهرية في التاريخ الإثيوبي. وكما يلاحظ المؤرخ الإثيوبي بحرو زودي: قليلةٌ هي الأحداث في العصر الحديث التي أوصلت إثيوبيا إلى انتباه العالم كما فعله انتصار عدوا.”
— بول بي هنزي، في كتابه “الطبقات السياسية لإثيوبيا”، نقلاً عن دراسات معركة عدوا
رابعاً: الحرب الإيطالية التركية وفتح ليبيا (1911م–1912م)
بعد الكارثة العسكرية في عدوا، آثرت إيطاليا استراحةً تكتيكيةً لإعادة بناء قوتها وتحديث جيشها قبل المضيّ في مغامرات استعمارية جديدة. وفي مطلع القرن العشرين، كانت أعيُن صانعي القرار الإيطاليين قد التفتت نحو الغرب، حيث كانت الأراضي العثمانية في شمال أفريقيا — ولايتا طرابلس وبرقة — تبدو في متناول اليد بحكم جغرافيتها وضعف الإمبراطورية العثمانية المتداعية. وكانت ثمة أوهام إيطالية عن الليبيا تقول إنها أرض خصيبة وغنية وتنتظر يد المستوطن الإيطالي، وهي أوهام دحضتها في ما بعد الحقيقة الجيولوجية وشهادات المستوطنين أنفسهم من أن معظم الأرض صحراء قاحلة.[7]
في سبتمبر 1911م، أرسلت إيطاليا إنذاراً للدولة العثمانية مطالبةً إياها بالانسحاب من طرابلس وبرقة خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، ثم شنّت الهجوم بغير انتظار الردّ. بدأت الحرب بقصف بحري لطرابلس، ثم انزل الجنود الإيطاليون وسرعان ما احتلوا المدينة. وكانت إيطاليا تتوقع حرباً خاطفة سهلة، لكن ما واجهته على أرض الواقع كان مختلفاً؛ إذ انتشر المجاهدون الليبيون بقيادة طريقة السنوسية، وتعاون كثير منهم مع الضباط العثمانيين لشنّ حرب عصابات أنهكت الجيش الإيطالي وكبّدته خسائر فادحة في معركة شرشارة عام 1911م حين قُتل أربعمئة جندي إيطالي في كمين.[3]
انتهت الحرب الإيطالية التركية في أكتوبر 1912م بمعاهدة أوشي التي تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن طرابلس وبرقة لإيطاليا، وإن احتفظت بنفوذها الديني على المسلمين هناك. وقد استغلّت إيطاليا الحرب لتحتل أيضاً جزر دوديكانيز في بحر إيجه (بما فيها رودس وكوس)، وهو ما كان مقصوداً لإضافة ورقة ضغط على العثمانيين. وهكذا حصلت إيطاليا على مستعمرتها الأبرز في شمال أفريقيا، وإن بدا المشهد على الأرض بعيداً عن صورة الانتصار التي روّجت لها روما؛ إذ كانت المقاومة المسلحة الليبية تستمر وتتجذّر في أرجاء واسعة من البلاد، خاصةً في منطقة برقة حيث كانت حركة السنوسية بقيادتها الدينية والقبلية تُديم أوار الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي بصبر استراتيجي مثير.[5]
خامساً: الفاشية وتصعيد الاستعمار — موسوليني والإمبراطورية الجديدة (1922م–1935م)
حين استولى بينيتو موسوليني على الحكم في إيطاليا في أكتوبر 1922م عبر ما باتت تُعرف بـ”زحفة روما”، دخل البلادُ الاستعماريةُ زمناً جديداً أشد وطأةً وأكثر أيديولوجية. لم يكن موسوليني مستعمراً براغماتياً يهدف إلى الكسب الاقتصادي بقدر ما كان يرى في الاستعمار رسالةً قوميةً وأداةً لبناء هوية إيطالية جديدة جامعة، وشرطاً لاستعادة مجد روما الإمبراطورية القديمة. وقد أعلن صراحةً أنه يريد تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى “بحيرة إيطالية” وأن أفريقيا يجب أن تكون مجال النفوذ الإيطالي الحصري. وكانت أولى خطواته العملية في أفريقيا استئناف عمليات الحسم العسكري في ليبيا وإخضاع المقاومة التي ظلت تُراوغ منذ سنوات.[2]
كانت ليبيا في الواقع تُقدّم في خطاب الفاشية باعتبارها “الشاطئ الرابع” لإيطاليا (la quarta sponda)، أي امتداداً طبيعياً للأراضي الإيطالية الأم عبر البحر، لا مستعمرةً خارجيةً بالمعنى التقليدي. وقد رسم موسوليني خططاً طموحة لاستيطان مليون إيطالي في ليبيا، معظمهم من فقراء الجنوب الإيطالي، كما عزّز الإنفاق العام على البنية التحتية فشيّدت إدارته الطريق الساحلية الشهيرة (Via Balbia) الممتدة أربعة آلاف كيلومتر من الحدود التونسية حتى الحدود المصرية، وكانت في حينه من أضخم مشاريع الطرق في أفريقيا وإنجازاً هندسياً بالغ التكلفة. لكن هذه “الهدايا” الاستعمارية المزعومة جاءت موازيةً لسياسات قمعية شاملة أودت بعشرات الآلاف من الليبيين.[14]
سادساً: إبادة برقة وعمر المختار — الجريمة الكبرى في ليبيا
يبقى ما جرى في إقليم برقة (Cyrenaica) شرق ليبيا بين عامَي 1922 و1932م من أشد صفحات الاستعمار الإيطالي قتامةً وإدانةً، وهو ما يصفه كثير من الباحثين والمؤسسات الحقوقية بأنه إبادة جماعية منهجية. فقد شكّل المجتمع البرقاوي الريفي القبلي، المنظّم حول الطريقة السنوسية، قاعدة دعم شعبية صلبة لحركة المقاومة التي قادها الشيخ عمر المختار، ولذلك قرّرت القيادة العسكرية الإيطالية بقيادة المارشال بيتروه بادوليو ثم الجنرال رودولفو غراتسياني اتخاذ إجراء كارثياً: ترحيل الجزء الأكبر من سكان برقة قسراً من أراضيهم وحبسهم في معسكرات اعتقال مُقامة في المناطق الساحلية الجرداء والصحراء القاحلة، لقطع خطوط الإمداد والدعم الشعبي عن المقاتلين.[8]
تجلّى هذا القرار في كتاب تاريخي أكّد صراحته الوثائق الإيطالية المكشوف عنها؛ ففي العشرين من يونيو 1930م كتب بادوليو إلى غراتسياني في رسالة أصبحت أحد أبرز الشواهد على نية الإبادة: “من الضروري، بوصفه الاستراتيجية الشاملة، إيجاد فصل حقيقي وواضح بين السكان الخاضعين والتشكيلات المتمردة. لا أُخفي خطورة وجدية هذا الإجراء الذي قد يعني هلاك السكان الخاضعين… لكن المسار قد حُدّد، ويجب أن نُمضيه حتى النهاية حتى لو كان ذلك يعني هلاك السكان الكرنيكيين (البرقاويين) بأسرهم.”[15] وكانت هذه الرسالة دليلاً صريحاً على أن القيادة الإيطالية أقدمت على ترحيل السكان وهي تعلم علم اليقين أنه سيُفضي إلى موتهم، وهو ما يستوفي في رأي كثير من فقهاء القانون الدولي شروط الإبادة الجماعية.
طوّق الإيطاليون معسكرات الاعتقال بالأسلاك الشائكة والرشاشات، وصادروا المواشي التي كانت مصدر حياة البدو الرئيسي، وردموا الآبار في الصحراء لحرمان المقاتلين والمدنيين من الماء على حدٍّ سواء. وقد بنى غراتسياني جداراً من الأسلاك الشائكة يمتد على طول الحدود الليبية المصرية بطول 270 كيلومتراً لمنع وصول الإمدادات من خارج البلاد. وتُشير التقديرات إلى أن أكثر من مئة وعشرة آلاف مدني برقاوي جرى احتجازهم قسراً في خمسة عشر معسكراً على الأقل، وأن عشرات الآلاف منهم لقوا حتفهم جراء الأمراض وسوء التغذية والمعاملة الوحشية وانعدام الرعاية الطبية.[8]
في هذا السياق الدموي، كانت شعلة المقاومة لا تزال تتّقد في رجل واحد: عمر المختار، الشيخ السبعيني الذي وُلد عام 1858م في أسرة قبيلة المنفة في منطقة جبل الأخضر، وتلقّى تعليمه الديني في الزاوية السنوسية وعمل معلماً للقرآن لعقود قبل أن يتحوّل إلى القيادة العسكرية. كان المختار يُجيد توظيف تضاريس المنطقة في حرب عصابات مثيرة لإعجاب خصومه الإيطاليين أنفسهم، ويُنظّم هجمات خاطفة ثم يتبدد في الجبال والوديان كالشبح. وقد تمكّن على مدى أكثر من عشرين عاماً من تحقيق انتصارات عسكرية متتالية على قوات أكبر منه حجماً وأفضل تسليحاً.[5]
وفي الحادي عشر من سبتمبر 1931م، أُصيب المختار بجرح في معركة وادي بو تاغا وأُسر على يد قوات الصاوري الليبية الموالية للإيطاليين. جيء به مُقيّداً إلى بنغازي وعُقدت له محاكمة عسكرية خاطفة في الخامس عشر من سبتمبر 1931م أسفرت عن حكم الإعدام المحتوم. وفي اليوم التالي، سادس عشر سبتمبر 1931م، اقتيد الشيخ البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً إلى معسكر اعتقال سلوق قرب بنغازي، حيث أُجبر نحو عشرين ألف سجين ليبي على حضور مشهد شنقه لرسالة ردعية مقصودة. ويُروى أنه حين سُئل في المحكمة إن كان يندم على فعله، أجاب بهدوء: “ديننا يُعلّمنا أن نكون صادقين، وأنه لا إكراه في الدين، ودمي يُصبح خير بذرة لجيل قادم.” وقد شكّل إعدامه نقطة تحوّل في تاريخ الوعي الأفريقي والعربي بالاستعمار الإيطالي، وأصبح وجهه يُزيّن ورقة العشرة دنانير الليبية منذ عام 1971م.[16]
لن نستسلم. ننتصر أو نموت.
— عمر المختار، خلال المفاوضات مع الإيطاليين، نقلاً عن As-Sallabi، “أسد الصحراء”، 2011م
سابعاً: غزو إثيوبيا والحرب الكيماوية (1935م–1936م)
كانت إثيوبيا طوال أربعة عقود بعد انتصار عدوا 1896م تمثّل في الوجدان القومي الإيطالي جرحاً لم يندمل ووعداً بالانتقام؛ وحين وصل موسوليني إلى الحكم، أخذ هذا الوعد يتشكّل استراتيجياً. فضلاً عن ذلك، كانت إثيوبيا بموقعها الجغرافي الواقع بين إريتريا والصومال الإيطاليَّين تُمثّل مُكمِّلاً طبيعياً لمشروع الإمبراطورية الأفريقية الشرقية الإيطالية الذي كان موسوليني يحلم به. وقد وفّر حادث وال وال في نهاية 1934م — وهو اشتباك حدودي بين قوات إيطالية وإثيوبية في منطقة متنازع عليها — ذريعةً لبدء التعبئة العسكرية الكبرى.[17]
في الثالث من أكتوبر 1935م، وبعد حشد مئات الآلاف من الجنود في إريتريا والصومال، شنّت إيطاليا هجوماً بريّاً وجوياً شاملاً على إثيوبيا دون إعلان حرب رسمي. كانت الهوّة التكنولوجية شاسعة: ألف طائرة إيطالية في مواجهة اثنتي عشرة طائرة إثيوبية ضعيفة لا تحمل أسلحة، ومئة وخمسة وعشرون ألف جندي إيطالي بتسليح حديث وآليات مدرعة في مواجهة جيش إثيوبي شجاع لكن مسلّح في معظمه بأسلحة تقليدية بالية. غير أن الهوّة التكنولوجية وحدها لم تكن كافيةً للحسم السريع الذي توقّعه موسوليني، إذ ثبت الجيش الإثيوبي في مواجهات أولى عدة وكبّد الإيطاليين خسائر ملموسة.[18]
حين أحسّ موسوليني بأن التقدم يتعثر، اتخذ قراراً سيُدان في التاريخ طويلاً: في ديسمبر 1935م أجاز رسمياً استخدام الأسلحة الكيماوية ضد إثيوبيا، مخترقاً بروتوكول جنيف لعام 1925م الذي وقّعت عليه إيطاليا نفسها وحرّم استخدام الأسلحة الكيماوية في الحروب. وعلى مدار الأشهر الأربعة التالية، أسقطت القوات الجوية الإيطالية نحو ثلاثمئة وثلاثين طناً من غاز الخردل (Mustard gas / Sulfur mustard) على المناطق المأهولة والقوات العسكرية الإثيوبية معاً، وفق تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وكان غاز الخردل يُسبّب حروقاً جلدية مروّعة وإصابات في العيون قد تؤدي إلى العمى وأضراراً تنفسية بالغة، وكان الأطباء المرتبطون بالصليب الأحمر والمراقبون العسكريون الأجانب يوثّقون هذه الجرائم ويُرسلون تقاريرها.[9]
رصدت وثائق الاستخبارات العسكرية الأمريكية لاحقاً استخدام إيطاليا قذائف مدفعية عيار 105 مم محشوّة بمادة الخردل الكبريتية، إلى جانب مادة ثنائي فينيل كلوروأرسين (Diphenylchloroarsine) المتهيّجة الشهيرة باختراق الأقنعة الواقية. وكشفت تلك الوثائق أن فاعلية هذه الأسلحة على الأثيوبيين وُصفت في التقارير الإيطالية الداخلية بأنها “فوق التوقعات”. وقد احتجّ الإمبراطور هيلا سيلاسي بشدة لدى عصبة الأمم، وألقى في يونيو 1936م خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة بجنيف يُوثّق فيه الجرائم الإيطالية ويناشد ضمير العالم. لم يُفضِ الخطاب إلى أكثر من عقوبات اقتصادية منقوصة وغير مُنفَّذة، وأكّد عجز عصبة الأمم عن صون الأمن الدولي، وهو ما كان أحد العوامل المعجّلة بانهيارها.[19]
في الحادي والثلاثين من مارس 1936م، حُسمت المعركة الكبرى الأخيرة في ميتشيو مما أسقط المقاومة المنظّمة الإثيوبية؛ وفي الثاني من مايو 1936م غادر هيلا سيلاسي عاصمته أديس أبابا منفياً، ودخلها البريد الإيطالي في الخامس من الشهر نفسه. وفي التاسع من مايو 1936م، وفي خطاب بثّه الراديو الإيطالي وأضاء المدن الإيطالية بالاحتفالات، أعلن موسوليني بصوت متهدّج من العاطفة القومية أن إيطاليا قد أسّست إمبراطوريتها وأن الملك فيكتور إيمانويل الثالث قد أصبح إمبراطوراً على إثيوبيا. وفي الأول من يونيو 1936م، صدر مرسوم يجمع إريتريا والصومال الإيطالي وإثيوبيا المُحتلة في كيان إداري واحد هو أفريقيا الشرقية الإيطالية (Africa Orientale Italiana)، يعلو عليه حاكم عام في أديس أبابا ومقسّم إلى ستة ولايات.[20]
ثامناً: السياسات العنصرية الفاشية في المستعمرات الأفريقية
حين أحكمت إيطاليا الفاشية قبضتها على إمبراطوريتها الأفريقية في أواخر الثلاثينيات، شرعت في تقنين منظومة عنصرية رسمية تُحدّد قانونياً مكانة كل عرق وتضمن ما سمّاه موسوليني “الهيبة العنصرية الإيطالية”. وكانت قوانين العرق الإيطالية الصادرة عام 1938م قد طالت أصلاً اليهود في إيطاليا ذاتها، غير أنها في سياق المستعمرات الأفريقية اتّخذت شكلاً خاصاً نصّ صراحةً على إبقاء المسافة القانونية والاجتماعية بين الإيطاليين والسكان الأصليين. وكانت “العلاقات الجنسية” بين الإيطاليين والأفارقة محظورةً قانونياً بعقوبات صارمة، وإن كانت ظاهرة “المداماتية” (madamato) المتمثلة في مساكنة الرجال الإيطاليين للنساء الأصليات قد انتشرت بصورة مخالفة لهذا القانون، وأنجبت جيلاً من الأبناء المختلطين عُرفوا في إريتريا بالـ”ميستيتشي”.[2]
كانت قوانين الفصل الإيطالية تمتد إلى الحياة العامة في المستعمرات؛ إذ خُصّصت نوافذ منفصلة في الدوائر الحكومية لكي لا يضطر الإيطاليون إلى الوقوف في طابور مشترك مع الأفارقة. وكانت المقاهي والحدائق ووسائل النقل مُقسَّمة عنصرياً، وكانت أحياء الإيطاليين المستوطنين في أسمرة وطرابلس وأديس أبابا ومقديشو مُنفصلةً جغرافياً وعمرانياً عن الأحياء الأصلية. وكان النظام التعليمي ثنائياً: مدارس إيطالية راقية للمستوطنين، ومدارس أدنى مستوىً بكثير للأفارقة تقتصر على التعليم الابتدائي. وكان منع السكان الأصليين من الوصول إلى التعليم الثانوي والعالي قراراً مقصوداً لإبقائهم في مستوى العمل البسيط خادمين للمشروع الاستعماري.[21]
تاسعاً: المقاومة في أفريقيا الشرقية — الأربانيوك وإثيوبيا المحتلة
لم تستسلم إثيوبيا بانسحاب هيلا سيلاسي إلى المنفى؛ فقد استمر المقاومون الإثيوبيون المعروفون بـ”الأربانيوك” (Arbegnoch) في خوض حرب عصابات ضارية ضد الاحتلال الإيطالي طوال سنوات الاحتلال. وكانت هذه المقاومة تستمد قوتها من التقاليد الشعبية والهوية الدينية الأرثوذكسية والمشاعر القومية العميقة لدى الشعب الإثيوبي، ومن رفض التساهل مع الاحتلال الأجنبي في بلد كان طوال تاريخه شامخاً مستقلاً. وقد كان قادة الأربانيوك يتلقّون أحياناً دعماً من الإمبراطور المنفي في بريطانيا، كما كان بعض الضباط والمتطوعين الأجانب يلتحقون بصفوف المقاومة.[22]
بلغت المقاومة ذروةً دموية في فبراير 1937م حين أُلقيت قنابل على الحاكم العام الإيطالي رودولفو غراتسياني في أديس أبابا خلال احتفال عام. وردّ غراتسياني بمجزرة انتقامية هائلة نُفّذت بحق السكان المدنيين والنخبة الإثيوبية والكهنوت الأرثوذكسي، وتشير التقديرات إلى مقتل ما بين ثلاثة وعشرين ألفاً وثلاثين ألف شخص في الأيام التالية مباشرةً، كما أصدر غراتسياني أوامر بإعدام الرهبان والأكليروس في دير دبره ليبانوس المقدس لاشتباه السلطات الإيطالية بتعاونهم مع المقاومين. واستمرت المقاومة الإثيوبية حتى عام 1941م حين شنّت القوات البريطانية عمليتها في شرق أفريقيا وحرّرت إثيوبيا، وعاد هيلا سيلاسي إلى عاصمته في الخامس من مايو 1941م.[17]
عاشراً: سقوط الإمبراطورية الأفريقية في الحرب العالمية الثانية (1940م–1943م)
دخلت إيطاليا الحرب العالمية الثانية في يونيو 1940م حليفةً لألمانيا النازية، وسرعان ما بات مصير إمبراطوريتها الأفريقية مرتبطاً بمصير المحور في ساحات القتال. وكانت أفريقيا الشرقية الإيطالية (إريتريا وإثيوبيا والصومال) في منطقة استراتيجية حساسة؛ إذ كانت تُشكّل تهديداً محتملاً على طريق الإمدادات البريطانية عبر السويس. وفي يوليو 1940م، شنّ الإيطاليون هجوماً على الصومال البريطاني ونجحوا في احتلاله مؤقتاً، لكنها كانت انتصاراً قصيرة العمر إذ سرعان ما تداركت بريطانيا موقفها.[23]
في مطلع عام 1941م، شنّ الجنرال البريطاني ألان كننغهام عمليةً برية ضخمة انطلقت من كينيا ومن السودان في آنٍ واحد، تعاونت فيها القوات البريطانية والكومنولث مع مقاتلي الأربانيوك الإثيوبيين. وفي غضون أشهر قليلة انهار الوجود الإيطالي في شرق أفريقيا: دخلت القوات البريطانية أديس أبابا في السادس من أبريل 1941م دون مقاومة تُذكر، وتواصلت المعارك حتى سقوط آخر معقل إيطالي في معركة غوندار في نوفمبر 1941م التي أسّرت نحو عشرة آلاف جندي إيطالي. وكانت بعض القوات الإيطالية الفارّة تُواصل عمليات حرب عصابات في الجبال والأحراش حتى اتفاقية الهدنة بين إيطاليا والحلفاء في سبتمبر 1943م. أما ليبيا فقد خاضت حروباً صحراوية ضارية بين قوات المحور البريطانية والألمانية والإيطالية، وسقطت نهائياً بسقوط القوات الألمانية الإيطالية في تونس في مايو 1943م.[20]
حادي عشر: معاهدة السلام 1947م ومصير المستعمرات
حين وقّعت إيطاليا معاهدة السلام مع قوى الحلفاء في فبراير 1947م في باريس، كان أحد أبرز بنودها الجوهرية التنازل الرسمي عن كل مستعمراتها الأفريقية وغيرها. وكان مصير كل مستعمرة مختلفاً: فإثيوبيا استعادت استقلالها التام فور طرد الإيطاليين عام 1941م وجرى توقيع الاتفاقية الأنجلو-إثيوبية النهائية في ديسمبر 1944م. وليبيا وضعتها بريطانيا وفرنسا تحت إدارتهما المشتركة مؤقتاً (برقة وطرابلس للبريطانيين، وفزان للفرنسيين) ريثما تُحدَّد وضعها النهائي، ثم أُعلن استقلالها في ديسمبر 1951م مملكةً بقيادة الملك إدريس السنوسي. وإريتريا التي تضاربت فيها مطامح إثيوبيا وآمال الاستقلال ضُمّت في عام 1952م إلى إثيوبيا بوصفها وحدة فيدرالية ذاتية الحكم، وهو الوضع الذي تبدّل إلى الإلحاق الكامل عام 1962م ما أشعل حرب الاستقلال الطويلة التي دامت حتى عام 1991م.[24]
وكان ملف الصومال استثناءً مثيراً: فبدلاً من منحه الاستقلال مباشرةً، قرّرت الأمم المتحدة بعد نقاشات مطوّلة منح إيطاليا وصايةً أمميةً على الصومال لمدة عشر سنوات (1950–1960م) إعداداً له للاستقلال، وهو قرار أثار دهشةً واسعةً إذ أعادت الأمم المتحدة المستعمَرَ السابق إلى وصاية مستعمِره بالأمس. وفي الأول من يوليو 1960م، نالت أراضي الوصاية الإيطالية استقلالها واتحدت مع الصومال البريطاني لتُكوّن الجمهورية الصومالية، وبذلك أُقفل رسمياً آخر فصول الاستعمار الإيطالي في أفريقيا بعد نحو تسعة عقود على انطلاقه.[23]
ثاني عشر: الإرث الاستعماري — جراح معلّقة وحسابات ناقصة
يُمثّل الإرث الاستعماري الإيطالي في أفريقيا حقلاً شائكاً لا تزال ذيوله ممتدةً في السياسة والاقتصاد والهوية في دول القرن الأفريقي وليبيا على حدٍّ سواء. وعلى الصعيد المادي المباشر، تُلفت الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى ثنائية صارخة في إرث الاستعمار الإيطالي: فمن ناحية أنجز الإيطاليون في إريتريا وليبيا بنيةً تحتيةً لافتةً من طرق وخطوط سكك حديدية وأحياء عمرانية متكاملة وبنية صناعية أولية، جعلت إريتريا وفق ما يُوثّقه الباحث صالح نور في دراسته المنشورة في المجلة الأكاديمية SAGE عام 2024م “مركزاً صناعياً للإمبراطورية الإيطالية بنيّة تحتية متقدمة” مقارنةً بالصومال الذي شهد استثماراً استعمارياً أدنى بكثير. لكن من ناحية أخرى، كانت هذه البنية التحتية في خدمة الاستخراج الاستعماري والاستيطان الإيطالي أولاً وأخيراً، وكانت جميع الأنشطة الاقتصادية الكبرى تُقصي السكان الأصليين لصالح المستوطنين.[21]
أما على الصعيد السياسي والنفسي، فقد أسهم الاستعمار الإيطالي في رسم حدود وإفراز هويات جماعية قلقة في كل من تلك المجتمعات. ففي ليبيا، أسفر الاستعمار عن تقليص السكان الليبيين في برقة بنسب مهولة، وأُقيمت حدود إدارية اصطناعية ظلّت مصدر توترات قبلية وجهوية حتى اليوم. وفي الصومال، كانت اللامساواة في الاستثمار الاستعماري بين الشمال (البريطاني) والجنوب (الإيطالي) بذرةً لاحقة لتوترات الوحدة الصومالية. وفي إريتريا، أفرز الاستعمار الإيطالي هويةً إريتريةً متمايزة وأطراً مؤسسية مختلفة عن إثيوبيا ما أسهم في تشكيل الوعي الاستقلالي وديناميكيات الحرب الطويلة.[4]
وفيما يخص مسألة الاعتذار والتعويض، فثمة نقاش سياسي وأخلاقي حادّ لم يُغلق بعد: ففي عام 2008م، وقّع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني مع الزعيم الليبي معمر القذافي معاهدةً تعهّدت فيها إيطاليا بدفع خمسة مليارات دولار تعويضاً عن السنوات الاستعمارية، وكانت هذه المرة الأولى التي تُقرّ فيها إيطاليا رسمياً بديونها الاستعمارية تجاه دولة أفريقية. لكن في المقابل، لا تزال إيطاليا تمتنع عن تقديم اعتذار رسمي لإثيوبيا وإريتريا والصومال عن جرائم الحقبة الفاشية رغم المطالبات المتكررة؛ وحين زارت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إثيوبيا عام 2023م وسُئلت عن احتمال الاعتذار، أجابت بأن الموضوع لم يُطرح في المحادثات، وهو موقف قوبل بانتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأكاديميين متخصصين في دراسات ما بعد الاستعمار.[4]
وتُضيف الدراسات الحديثة إلى هذا الملف بُعداً أعمق إذ تُلفت إلى غياب شبه تام للموضوع الاستعماري في المناهج الدراسية الإيطالية، مما يُفرز أجيالاً من الإيطاليين يكاد لا يعرف كثيرٌ منهم شيئاً عن جرائم الاستعمار التي ارتكبتها بلادهم. ويرى معهد الدراسات الأمنية الأفريقي (ISS) أن أي علاقة إيطالية-أفريقية منصفة ومستدامة ينبغي أن تنطلق من اعتراف صريح بهذا الإرث الثقيل وإصلاح المناهج التعليمية وفتح الأرشيفات الاستعمارية أمام الباحثين الأفارقة، وهي مطالب لم تُلقَ حتى الآن آذاناً صاغيةً في الحكومات الإيطالية المتعاقبة.[4]