تُعدّ الحضارة الحيثية من أعظم حضارات الشرق الأدنى القديم وأكثرها تأثيراً في مسار التاريخ الإنساني، إذ قامت على هضبة الأناضول في وسط ما يُعرف اليوم بتركيا الحديثة، وامتدت من نحو القرن الثامن عشر قبل الميلاد حتى انهيارها المفاجئ عام 1180 ق.م في موجة الاضطرابات الكبرى التي صاحبت غزوات شعوب البحر. أسس الحيثيون دولةً تتحدث لغةً هندية أوروبية هي اللغة الحيثية، وهي من أقدم اللغات الهندية الأوروبية الموثقة خطياً في تاريخ البشرية، واختاروا عاصمةً لهم مدينةَ خاتوشا (بوغازكالي الحالية في تركيا) التي غدت مركز القوة الإمبراطورية والأرشيف الملكي الكبير. بلغت الإمبراطورية الحيثية ذروة قوتها في القرن الرابع عشر قبل الميلاد في عهد الملك شوبيلوليوما الأول، حين ضمّت معظم الأناضول وشمال غرب سوريا وأجزاءً من بلاد الرافدين العليا، فأصبحت قوةً موازيةً لمصر وبابل وآشور. وقد تركت هذه الحضارة إرثاً حضارياً بالغ الأهمية يشمل أولى معاهدات السلام الدولية في التاريخ المكتوب، وتطوير تقنية صهر الحديد التي مهّدت لعصر الحديد، فضلاً عن منظومة قانونية متقدمة ومنظومة دينية غنية استوعبت آلهة الشعوب المجاورة، مما جعل الحضارة الحيثية من أبرز نماذج التوليف الثقافي والحضاري في الشرق القديم.
[1]
| الحضارة الحيثية | |
| الاسم الرسمي | أرض هاتي (URU Ḫattuša) |
| الفترة الزمنية | نحو 1750 – 1180 ق.م |
| العاصمة | خاتوشا (بوغازكالي، تركيا حالياً) |
| الموقع الجغرافي | وسط الأناضول، شمال سوريا، جزء من بلاد الرافدين العليا |
| اللغة | اللغة الحيثية (هندية أوروبية)، الأكادية دبلوماسياً |
| الكتابة | الخط المسماري والهيروغليفي الأناضولي |
| الحكم والمجتمع | |
| نظام الحكم | ملكية إقطاعية، الملك رئيس ديني وعسكري |
| أبرز الملوك | هاتوشيلي الأول، مورشيلي الأول، شوبيلوليوما الأول، موتاللي الثاني، هاتوشيلي الثالث |
| الدين | تعدد الآلهة، إله العواصف كبير الآلهة |
| الإنجازات الحضارية | |
| أبرز الإنجازات | أولى معاهدات السلام الدولية، صهر الحديد، القانون الحيثي |
| معركة بارزة | معركة قادش (1274 ق.م) مع رمسيس الثاني |
| سبب الانهيار | غزوات شعوب البحر والاضطرابات الداخلية، نحو 1180 ق.م |
| الامتداد اللاحق | الممالك الحيثية الجديدة (قرقميش، حلب، حماة) حتى القرن الثامن ق.م |
| الاكتشاف الأثري الأبرز | أرشيف خاتوشا (أكثر من 10,000 لوح طيني، 1906 م) |
الجغرافيا والبيئة
نشأت الحضارة الحيثية في قلب هضبة الأناضول الوسطى، تلك البيئة الجبلية الصعبة التي يتراوح ارتفاعها بين ألف ومتري الألفين فوق مستوى البحر، وتتميز بشتاء قاسٍ وصيف جاف، مما شكّل طابع الشعب الحيثي المتصف بالصلابة والمرونة في مواجهة التحديات. تمحور النطاق الجغرافي الأصلي حول الحوض الداخلي لنهر كيزيل إيرماق (هاليس القديم بالتسمية اليونانية، أو ماراساندا بالحيثية)، حيث اتخذ الحيثيون من مدينة خاتوشا عاصمةً لهم. وتقع هذه المدينة على مسافة نحو مئة وخمسين كيلومتراً شرق أنقرة الحديثة، في موقع استراتيجي يجمع بين الحماية الطبيعية من الوديان والتلال من جهة، والقرب من المناطق الزراعية الخصبة من جهة أخرى.
[2]
كانت الأناضول غنيةً بالمعادن وبخاصة الفضة والنحاس والحديد، وهو ما أتاح للحيثيين تطوير صناعات معدنية متقدمة جعلت منهم قوةً اقتصادية وعسكرية لا يُستهان بها في منطقة الشرق الأدنى القديم.
[1]
في أوج امتداد الإمبراطورية، تمددت حدودها لتشمل معظم آسيا الصغرى غرباً حتى سواحل بحر إيجه، وجنوباً نحو كيليكيا وشمال سوريا وأجزاء من بلاد الرافدين العليا، فأصبحت رقعةً جغرافية ضخمة تضم شعوباً وثقافاتٍ متعددة أسهمت في تشكيل الهوية الحضارية الحيثية الفريدة التي تميزت بتوليفها لعناصر الأناضول وسوريا ومصوبوتاميا في نسيج واحد متجانس.
[3]
النشأة والتأسيس
الأصول والهجرة إلى الأناضول
يرى أغلب علماء الآثار وعلم اللغات أن الحيثيين شعبٌ هندو-أوروبي الأصل هاجر على الأرجح من المناطق الواقعة وراء البحر الأسود خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، حتى استقر في شمال وسط الأناضول. وعند وصولهم وجدوا شعب الهاتيين السكان الأصليين الذين أسسوا مدن المنطقة كخاتوشا نفسها منذ نحو 2500 ق.م، وكانوا يتحدثون لغةً مختلفةً تماماً يُرجَّح أنها تنتمي إلى المجموعة اللغوية القوقازية الشمالية الغربية.
[4]
امتزج الحيثيون بالهاتيين امتزاجاً تدريجياً، وأخذوا عنهم عناصر دينية وثقافية أساسية، بل احتفظوا بالاسم الهاتي للعاصمة وللأرض كلها (أرض هاتي)، مما يكشف عن نمط التوليف الحضاري الذي سيصبح سمةً بارزةً لهذه الحضارة على مدى قرونها. يمثل نص أنيتا، وهو من أقدم النصوص الحيثية الموثقة، شاهداً على مراحل التكوين الأولى للكيان السياسي الحيثي، إذ يروي كيف غزا الملك أنيتا ملك كساره مدن المنطقة في الفترة الواقعة بين 1745 و1720 ق.م، ودمّر خاتوشا وألقى عليها لعنةً قائلاً إنه لن يسمح لأحد بإعادة تعميرها، غير أن خلفاءه من سلالة هاتوشيلي سيعودون لجعلها عاصمةً كبرى لإمبراطوريتهم.
[5]
المملكة الحيثية القديمة (1700 – 1500 ق.م)
تبدأ الحقبة التاريخية الحيثية الموثقة رسمياً مع المملكة الحيثية القديمة، حين أرسى الملك هاتوشيلي الأول (حكم نحو 1650 – 1620 ق.م) أسس الدولة المركزية وشنّ حملاتٍ عسكرية موسعة جنوباً نحو سوريا حتى وصل إلى مملكة يمخاد الآرامية في حلب.
[1]
وخلّف هاتوشيلي حفيدَه مورشيلي الأول الذي حقق إنجازاً عسكرياً استثنائياً حين قاد جيشه في رحلة غزو شهيرة أسفل نهر الفرات حتى بلغ مدينة بابل وأسقط سلالة حمورابي من الحكم نحو عام 1595 ق.م، في واحدة من أجرأ العمليات العسكرية في تاريخ الشرق القديم. بيد أن مورشيلي اغتيل لدى عودته من هذا الغزو على يد أخيه الصهر خانتيلي، مما أفضى إلى موجة من الاضطرابات الداخلية وصراعات العرش أضعفت الدولة لعقود وأثارت تساؤلات جدية حول آلية انتقال السلطة، مما دفع الملوك اللاحقين إلى وضع مراسيم قانونية وراثية لتنظيم العرش والحدّ من هذه الصراعات المدمرة.
[3]
المملكة الحيثية الوسطى والانتعاش (1500 – 1380 ق.م)
شهدت مرحلة المملكة الوسطى توطيداً تدريجياً للمؤسسات الحيثية وتعافياً من حدة الاضطرابات الداخلية، وإن ظلت هذه المرحلة الأضعف توثيقاً بالمقارنة مع سابقتها ولاحقتها. فقد أعاد الملوك في هذه الحقبة بناء مؤسسات الدولة وقننوا علاقاتهم مع الممالك التابعة والمجاورة، فيما أفضى توسع الدولة المتيانية (الميتانية) في الشمال السوري إلى منافسة شديدة مع الحيثيين على النفوذ في المنطقة السورية. شهدت هذه المرحلة أيضاً دخول عناصر حيثية كثيرة للكتابة المسمارية، إذ أقاموا مستوطنات آشورية تجارية (كاروم) في الأناضول جرى عبرها تبادل البضائع والمعارف، مما أسهم في نقل الكتابة المسمارية الأكادية إلى الإدارة الحيثية. وتُجمع المصادر الأثرية على أن هذه المرحلة الوسطى رسّخت البنية الإدارية الإقطاعية للمملكة، إذ أحكم الملك سيطرته من خلال شبكة من الأمراء والنبلاء التابعين الذين يدينون له بالولاء مقابل حيازة الأراضي وحق الاستغلال الاقتصادي.
[2]
عصر الإمبراطورية الحيثية (1380 – 1180 ق.م)
شوبيلوليوما الأول والذروة الإمبراطورية
يُجمع المؤرخون على أن عهد الملك شوبيلوليوما الأول (حكم نحو 1344 – 1322 ق.م) مثّل العصر الذهبي للحضارة الحيثية بلا منازع، إذ استطاع هذا الملك الاستثنائي في غضون سنوات قليلة أن يحوّل الإمبراطورية الحيثية من قوة إقليمية إلى قطب دولي كبير. فقد شنّ شوبيلوليوما حملاتٍ متتاليةً على الدولة الميتانية المنافسة في شمال سوريا وبلاد الرافدين العليا، ونجح في الاستيلاء على عاصمتها واشوكاني وتنصيب ملوك موالين له، ثم دفع حدود نفوذه جنوباً عبر سوريا ليضع يده على معظم المراكز التجارية الكبرى في الشام.
[3]
وقد جعلته هذه الانتصارات الباهرة نداً مباشراً لمصر الفرعونية التي كانت تهيمن على جنوب سوريا وفلسطين، وشاهداً على انهيار الدولة الميتانية التي كانت تمثل حاجزاً بين القوتين الكبريين. والجدير بالذكر أن عظمة شوبيلوليوما ظهرت حتى في المراسلات الدبلوماسية المصرية، إذ يُروى أن أرملة الفرعون توت عنخ آمون كتبت إليه خطاباً استثنائياً تطلب منه إرسال أحد أبنائه لتزوجه وتنصيبه فرعوناً على مصر، وهو طلب أربك شوبيلوليوما كثيراً لغرابته قبل أن يرسل ابنه الذي اغتيل في الطريق على يد المصريين الذين آثروا إبقاء السلطة في أيدي أحد ضباطهم.
[4]
معركة قادش ومعاهدة السلام المصرية الحيثية
تُعدّ معركة قادش عام 1274 ق.م التصادمَ العسكري الأشهر في تاريخ الشرق القديم، إذ التقى جيشا عملاقين لأعظم قوتين في العالم آنذاك: مصر بقيادة الفرعون رمسيس الثاني، والإمبراطورية الحيثية بقيادة الملك موتاللي الثاني، على أرض مدينة قادش السورية (قرب حمص الحديثة). دارت رحى المعركة في موقع خططي دقيق اختاره الحيثيون على ضفاف نهر العاصي، حين نصبوا كميناً للجيش المصري المتقدم أوقع بكتيبة رع كثيراً من الخسائر وكاد يؤدي إلى هزيمة مصرية نكراء، لولا إقدام رمسيس الثاني نفسه على قيادة هجوم مضاد جريء مكّنه من الصمود حتى وصول تعزيزاته.
[6]
انتهت المعركة دون حسم عسكري حاسم لأيٍّ من الطرفين، وصوّرها رمسيس الثاني في نقوش معابد الكرنك والرامسيوم انتصاراً ساحقاً لمصر، في حين تشير الوثائق الحيثية إلى صورة أكثر توازناً وتعقيداً. والأهم من نتيجة المعركة أنها مهّدت الطريق لصياغة معاهدة السلام المصرية الحيثية عام 1259 ق.م بين رمسيس الثاني والملك الحيثي هاتوشيلي الثالث، وهي تُعدّ بالإجماع أقدم معاهدة سلام دولية موثقة في التاريخ الإنساني. دوّنت المعاهدة على ألواح فضية تبادلها الطرفان، وسُجّلت نصوصها بالهيروغليفية على جدران معبد الكرنك في طيبة، وبالمسمارية الأكادية على الألواح الطينية في أرشيف خاتوشا؛ وتشمل بنودها الاعتراف المتبادل بالسيادة، والتحالف الدفاعي ضد أعداء الطرفين، وتسليم اللاجئين السياسيين. واليوم تحتفظ الأمم المتحدة في مقرها بنيويورك بنسخة مقلّدة من هذه المعاهدة، إشارةً إلى قيمتها الرمزية في تاريخ العلاقات الدولية وفض النزاعات بالطرق السلمية.
[7]
أكد كلا الحاكمَين في الاتفاق على السلام بينهما، واعترف كلٌّ منهما بالآخر شريكاً متساوياً له.
— معاهدة السلام المصرية الحيثية، 1259 ق.م
النظام السياسي والإداري
بنية الملكية والحكم
تميّز النظام الملكي الحيثي بثنائية فريدة جمعت بين السلطة الزمنية والمرجعية الدينية في شخص الملك الواحد، فقد كان الملك الحيثي الشخصيةَ المحورية في الدولة بوصفه قائداً عسكرياً أعلى وقاضياً أعلى وكاهناً أكبر في الوقت ذاته. وعلى عكس كثير من الممالك الشرقية القديمة التي ألّهت ملوكها في حياتهم، اتسم النظام الحيثي بقدر من التميز الفريد، إذ كان الملك يُعدّ نائباً أرضياً عن إله العواصف في حياته، ولا يصبح إلهاً إلا بعد وفاته على اعتقادهم. يُفضي ذلك إلى مفهوم مهم في السياسة الحيثية يُسمّى “تصبح إلهاً”، وهو التعبير المعتاد عن وفاة الملك في المصادر الحيثية.
[1]
أما الإدارة فكانت إقطاعية في جوهرها، يحكم الملك من خلال طبقة من الأمراء والحكام التابعين المرتبطين بعهود الولاء. ومن أبرز سمات النظام السياسي الحيثي وجود هيئة استشارية اسمها البانكوس (Pankus) كانت في الأصل جمعيةً لكبار النبلاء والمحاربين تشارك في القرارات الكبرى، وإن كانت قد فقدت كثيراً من صلاحياتها مع تعاظم السلطة الملكية المطلقة في عهد الإمبراطورية. كما تميزت الملكية الحيثية بمنح المرأة الملكية (الملكة-الكبيرة) مكانةً رفيعةً ومشاركة في شؤون الدولة أكثر مما كان معهوداً في أغلب الممالك المعاصرة، وتشهد على ذلك وثائق وتعليمات الملكة بوتوهيبا زوجة هاتوشيلي الثالث.
[2]
القانون الحيثي
يُعدّ القانون الحيثي من أبرز الإنجازات الحضارية للحيثيين، إذ يكشف عن منظومة قانونية متطورة ومتقدمة إذا قيست بمعايير العصر البرونزي. خلافاً لقانون حمورابي البابلي الذي مال إلى العقوبات الجسدية والقصاص العيني من مبدأ “العين بالعين”، اتسم القانون الحيثي بالميل إلى التعويض المادي والتسوية بدلاً من العقوبة البدنية في كثير من الجرائم، مما يجعله بحسب بعض الباحثين أكثر “إنسانية” من حيث النهج العقابي مقارنةً بكثير من منظومات قانون ما بين النهرين المعاصرة لها.
[8]
اكتُشفت ألواح القانون الحيثي في أرشيف خاتوشا، وتشمل مئات البنود التي تنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من تحديد أسعار البضائع وأجور العمال إلى تنظيم الزواج والطلاق والإرث والجرائم المختلفة. وقد وُجدت في هذه القوانين أحكام تتعلق بتنظيم الرق وحقوق العبيد، فضلاً عن أحكام تحمي المرأة المتزوجة وتنظم شروط الطلاق بصورة توحي بمكانة اجتماعية لم تكن شائعة في مجتمعات كثيرة من العالم القديم. كذلك تضمنت نصوص القانون الحيثي ما يُشبه “قوانين الحرب” التي تنظم التعامل مع الأسرى والمناطق المحتلة، مما جعل الحيثيين من الرواد في وضع مبادئ للسلوك الحربي المنظم.
[4]
المنجزات العسكرية والتقنية
المركبات الحربية والتفوق العسكري
اشتهر الحيثيون بإتقانهم لاستخدام المركبة الحربية (العربة) كسلاح استراتيجي متطور، وكانت مركباتهم تتميز عن مركبات مصر والقوى الأخرى بعدة خصائص تقنية مهمة أبرزها احتواؤها على ثلاثة محاربين بدلاً من اثنين، مما أضاف جندياً يحمل الرمح بجانب القائد والدرّاع، فضلاً عن وضع المحور في مؤخرة المركبة بدلاً من وسطها مما أتاح ثباتاً أكبر في التناوب.
[9]
وقد استثمر الحيثيون تضاريس الأناضول الجبلية في تطوير أساليب قتالية تناسبها، كما أسهمت جغرافية المنطقة في تطوير مهاراتهم في الحصار وتحصين المدن. وتشهد جدران مدينة خاتوشا الضخمة التي تتجاوز بقاياها أكثر من ستة كيلومترات من الأسوار الضخمة المزوّدة بعدد كبير من الأبراج والبوابات المزيّنة بتماثيل الأسود والأبو الهول، على مستوى التطور المعماري والتحصيني الذي بلغه الحيثيون. وقد جُهّزت العاصمة بمخازن ضخمة لتخزين الحبوب يكشف حجمها عن تخطيط مدروس للصمود في وجه الحصار لفترات طويلة، مما يدل على عقل استراتيجي منظم يُخطط للقوة في الحرب والسلم معاً.
[10]
ريادة تقنية الحديد
يُعدّ الحيثيون في كثير من المصادر الأكاديمية الرواد الأوائل في تطوير تقنية صهر الحديد وتشكيله بصورة منهجية، وإن كان الباحثون المعاصرون يُشيرون إلى ضرورة التمييز بين أشكال الحديد الأولى المعروفة في العصر البرونزي -ومنها الحديد النيزكي المستخرج من الشهب الساقطة- وبين تقنية صهر خام الحديد الأرضي. فقد بدأ الحيثيون بتصنيع أدوات وأسلحة حديدية منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد على نطاق يتجاوز ما بلغته الشعوب المعاصرة الأخرى،
[9]
وتكشف المراسلات الملكية المحفوظة في الأرشيف الحيثي عن طلب متزايد من ملوك مصر وبابل وآشور للحصول على منتجات حديدية حيثية، مما يدل على أن الحديد الحيثي كان يُعدّ سلعةً نفيسة ذات قيمة استراتيجية قُدّر الملوك بامتلاكها وتبادلوها هدايا ذات مكانة رفيعة. وقد أسهمت هذه التقنية، التي انتشرت عبر قنوات التجارة والعلاقات الدبلوماسية بعد سقوط الإمبراطورية الحيثية، في التمهيد لانتشار عصر الحديد في الشرق الأدنى وبقية العالم، مما جعل من الحيثيين إرهاصاً حضارياً لمرحلة جديدة من تاريخ البشرية التقني.
[1]
الحياة الدينية والثقافية
المنظومة الدينية وآلاف الآلهة
تتسم الحضارة الحيثية بمنظومة دينية بالغة الثراء والتعقيد، وقد تفاخر الحيثيون أنفسهم بأنهم شعب “آلاف الآلهة”، وهو توصيف لم يكن مبالغاً إذ ضم البانثيون الحيثي في أوج اتساعه آلهةً من الأناضول الأصلية ومن الهاتيين والحوريين والميتانيين والكنعانيين السوريين والبابليين والسومريين. كان إله العواصف والثيران (تيشوب بالنسخة الحورية، هيباط الإلهة الأنثى قرينته) في رأس هرم الآلهة الحيثي، يليه إله الشمس واللواحق الأنثوية والأنهار والجبال والأشجار كلها التي كانت تُعبد كآلهة أو مظاهر دينية.
[10]
وكان الملك يؤدي دوراً محورياً في الدورة الدينية السنوية، فيترأس طقوساً متعددة لتطهير المجتمع من الذنوب الجماعية وإرضاء الآلهة واستجلاب الخصب والنصر. ولعل أعجب سمات الدين الحيثي أنه كان ديناً منفتحاً قابلاً للاستيعاب، فعند فتح أراضٍ جديدة لم يُلغِ الحيثيون آلهة الشعوب المفتوحة بل دمجوها في بانثيونهم أو عادلوها بآلهتهم، وهو ما يعكس ذهنيةً دينيةً براغماتية تُقدّر الانسجام الروحاني مع البيئات الثقافية المختلفة.
[2]
الفن والعمارة والكتابة
أبدع الحيثيون في فن النقش الصخري وزخرفة الأبواب الضخمة والتماثيل الضخمة التي تُصور أسوداً وأبا هول وكائنات أسطورية حارسةً لمداخل مدنهم ومعابدهم، وبقيت أبرزها بوابة الأسد وبوابة الأبو الهول في خاتوشا التي لا تزال شاهدةً على مستوى الفن المعماري الحيثي. أما موقع يازيليكايا القريب من العاصمة فيُشكّل واحداً من أجمل المعالم الأثرية في العالم القديم، إذ يضم مزاراً صخرياً مكشوفاً تُغطّي جدرانه نقوشٌ بارزة تُصوّر موكب الآلهة الحيثية بأزيائها وتيجانها المميزة، وتشمل أكثر من تسعين صورة لآلهة مختلفة في مشهد ديني شامل.
[8]
أما في الكتابة فقد استخدم الحيثيون نظامين متوازيين: الخط المسماري المستعار من بلاد الرافدين لتدوين الوثائق الرسمية والمراسلات الدبلوماسية واللوائح القانونية، والخط الهيروغليفي الأناضولي الخاص بهم لنقوش المعابد والمباني العامة والأختام الملكية. وقد كتبوا بالأكادية في وثائقهم الدبلوماسية مع القوى الخارجية لأنها كانت لغة الدبلوماسية الدولية آنذاك، وهو ما أسهم في الحفاظ على نسخ من تلك المراسلات كمراسلات تل العمارنة التي كشفت للعلماء المعاصرين حجم تقاطع العلاقات الدولية لتلك الحقبة.
[3]
الاقتصاد والمجتمع
كان المجتمع الحيثي في جوهره إقطاعياً زراعياً، يقوم على طبقات اجتماعية متعددة تشمل طبقة النبلاء والمحاربين، وطبقة الحرفيين والتجار، وطبقة الأحرار من الفلاحين، وطبقة العبيد. وقد أتاحت أرض الأناضول الخصبة عبر أوديتها وسهولها غلالاً زراعية وفيرة، وتضافرت مع ثرواتها المعدنية الضخمة لتُسهم في إقامة اقتصاد متنوع يجمع الزراعة والتعدين والحرف والتجارة البعيدة المدى. كانت التجارة مع المستعمرات الآشورية في الأناضول (كاروم كانيش) قد أرسى قبل عصر الإمبراطورية نظاماً تجارياً منظماً ربط هضبة الأناضول بمراكز التبادل في بلاد الرافدين، وبعد تراجع هذه المستعمرات تولّى الحيثيون أنفسهم دور الوسيط التجاري الإقليمي الأكبر. أما العبودية فكانت مؤسسةً قانونيةً معترفاً بها في القانون الحيثي، غير أن العبيد تمتعوا ببعض الحقوق القانونية التي كانت غائبة في منظومات قانونية معاصرة أخرى، إذ كان بإمكان العبد في بعض الحالات امتلاك ممتلكات والتقاضي أمام المحاكم، مما يعكس الطابع التوليفي المميّز للحضارة الحيثية حتى في تنظيمها الاجتماعي.
[1]
الانهيار والإرث الحضاري
سقوط الإمبراطورية ودور شعوب البحر
دُمّرت الإمبراطورية الحيثية بصورة مفاجئة مدهشة حوالي عام 1180 ق.م في موجة الانهيار الحضاري الكبرى التي اجتاحت معظم عوالم البرونز المتأخر في الشرق الأدنى. وقد تضافرت في سقوطها جملة من العوامل يُجادل المؤرخون في أوزانها النسبية، أبرزها هجمات الشعوب البحرية تلك الجماعات الغامضة التي زحفت من جهة بحر إيجه والبحر المتوسط وأتت على معظم الحضارات المزدهرة في شرق البحر المتوسط في الفترة ذاتها تقريباً. يُضاف إلى ذلك النزاعات الداخلية على العرش وصراعات الأمراء التي أضعفت التماسك المركزي للإمبراطورية، كما أشارت بعض الوثائق المتأخرة إلى شُح في الغلال ومجاعات ضربت المنطقة، فضلاً عن احتمال أن الزلازل والتغيرات المناخية كانت عاملاً مساهماً في زعزعة استقرار المجتمع الحيثي.
[10]
والجدير بالملاحظة أن سقوط خاتوشا لم يكن سقوطاً بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل أشارت الأدلة الأثرية إلى أن سكانها غادروها تدريجياً منظمين في حركة انسحاب قبل أن تُحرق المدينة. وفي أعقاب هذا الانهيار لم يختفِ الحيثيون كلياً من المشهد التاريخي، بل تحوّلت بعض مراكزهم في جنوب الأناضول وشمال سوريا إلى ممالك “حيثية جديدة” مستقلة كقرقميش وحلب وحماة وزنجيرلي استمرت حتى القرن الثامن قبل الميلاد حين ابتلعها التوسع الآشوري تدريجياً.
[11]
الاكتشاف الأثري الحديث والإرث العلمي
ظلت الحضارة الحيثية طيّ النسيان التام لأكثر من ثلاثة وعشرين قرناً، وكان الذكر الوحيد لهم في الوعي الغربي يأتي من خلال بعض الإشارات في الكتاب المقدس. ثم جاء الاكتشاف التدريجي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين لاحظ المبشر الأيرلندي وليام رايت عام 1884 نقوشاً هيروغليفية غير مصرية في مناطق تركية وسورية، ليُرجّح انتماءها إلى حضارة هاتي المذكورة في السجلات المصرية. وجاء الاختراق العلمي الكبير حين أجرى عالم الآثار الألماني هوغو فينكلر بين عامي 1906 و1908 حفائر منظمة في بوغازكوي (خاتوشا القديمة)، فكشف عن أرشيف ملكي ضخم يضم أكثر من عشرة آلاف لوح طيني كتبت بخطوط مسمارية متعددة.
[12]
وبحلول عام 1916 أفلح الأستاذ التشيكي بيدريتش روزني في فك رموز اللغة الحيثية وإثبات انتمائها إلى المجموعة الهندية الأوروبية، في ما يُعدّ أحد أعظم الاكتشافات اللغوية في تاريخ العلم الحديث لأنه وسّع نطاق هذه المجموعة اللغوية إلى الشرق الأدنى القديم. والأثر الاكتشافي الأثري كان بالغ التأثير على الدراسات التاريخية للشرق القديم لأنه قلب كثيراً من المفاهيم السائدة عن توازن القوى وطبيعة الحضارات في الألفية الثانية قبل الميلاد، وأضاف بُعداً أنثروبولوجياً ولغوياً بالغ الأهمية لتاريخ اللغات الهندية الأوروبية. واليوم يُضم متحف الحضارات الأناضولية في أنقرة أغنى مجموعة في العالم من القطع الأثرية الحيثية، فيما تستمر الحفريات في خاتوشا (المدرجة على قائمة التراث الإنساني لليونسكو) في الكشف عن أسرار جديدة لهذه الحضارة الاستثنائية.
[2]