المقدمة
الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة بـ”انتفاضة الأقصى”، هي موجة مقاومة فلسطينية شاملة اندلعت في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000، في أعقاب الزيارة الاستفزازية التي قام بها زعيم حزب الليكود الإسرائيلي أرئيل شارون لباحات المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة، تحت حماية أكثر من ألف جندي وضابط من الشرطة الإسرائيلية. أشعلت تلك الزيارة نيران الاحتجاج في اليوم التالي مباشرةً، فاندلعت مظاهرات عارمة في أحياء القدس المحتلة، ردّ عليها الجيش الإسرائيلي بالرصاص الحي فسقط سبعة شبان فلسطينيين شهداء في اليوم الأول وحده، ليتحوّل الاحتجاج إلى انتفاضة شاملة سرعان ما اجتاحت سائر مدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس [1].
تمثّل الانتفاضة الثانية فصلاً مفصلياً ومأساوياً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ إذ جاءت في سياق انهيار مسار السلام الذي أُطلق بعد أوسلو 1993 وخذل الفلسطينيين بشكل فاضح، وعقب فشل قمة كامب ديفيد في يوليو 2000 التي أسقطت آخر آمال التوصل إلى حل الدولتين. وقد تميّزت الانتفاضة الثانية عن سابقتها تميّزاً جوهرياً؛ فلم تقتصر على الحجارة والعصيان المدني، بل شهدت تصعيداً مسلحاً واسع النطاق من عمليات استشهادية في عمق المدن الإسرائيلية، وردٍّ عسكري إسرائيلي غير مسبوق شمل اجتياح المدن، وسياسة الاغتيالات الممنهجة للقيادات، وبناء الجدار الفاصل العازل. وقد كان الثمن البشري باهظاً صارخاً: قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 6,000 فلسطيني خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2000 و2010، منهم ما لا يقل عن 1,317 قاصراً، فيما لقي نحو 1,083 إسرائيلياً حتفهم [2]. وانتهت الانتفاضة رسمياً بهدنة شرم الشيخ في فبراير 2005، تاركةً وراءها مشهداً سياسياً واجتماعياً فلسطينياً وإسرائيلياً مختلفاً اختلافاً جذرياً عمّا كان عليه قبل اندلاعها.
المعلومات الأساسية
| الانتفاضة الفلسطينية الثانية | |
| انتفاضة الأقصى · 2000–2005 | |
| معلومات عامة | |
| تاريخ الاندلاع | 28 سبتمبر / أيلول 2000 [3] |
| تاريخ النهاية | 8 فبراير / شباط 2005 (قمة شرم الشيخ) |
| المدة | نحو 4 سنوات و4 أشهر |
| الشرارة المباشرة | اقتحام شارون للمسجد الأقصى، 28 سبتمبر 2000 |
| الساحة الجغرافية | الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس الشرقية، والعمليات داخل إسرائيل |
| الأطراف | |
| الفصائل الفلسطينية | حماس، الجهاد الإسلامي، فتح (كتائب الأقصى)، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية |
| الجانب الإسرائيلي | جيش الدفاع الإسرائيلي، الشاباك، الشرطة |
| الحصيلة البشرية الموثّقة | |
| الشهداء الفلسطينيون (2000-2005) | أكثر من 4,412 [4] |
| الشهداء الفلسطينيون (2000-2010 بتسيلم) | 6,371 (منهم 1,317 قاصراً) [5] |
| الجرحى الفلسطينيون | أكثر من 48,000 |
| القتلى الإسرائيليون | 1,083 (741 مدني، 342 عسكري) [6] |
| الذخيرة في الأيام الخمسة الأولى | أطلق الجيش الإسرائيلي مليون طلقة [7] |
| أبرز الأحداث | |
| استشهاد محمد الدرة | 30 سبتمبر 2000 |
| عملية السور الواقي | مارس – يونيو 2002 |
| مجزرة مخيم جنين | أبريل 2002 |
| اغتيال الشيخ أحمد ياسين | 22 مارس 2004 |
| وفاة ياسر عرفات | 11 نوفمبر 2004 |
| هدنة شرم الشيخ | 8 فبراير 2005 |
الخلفية التاريخية وجذور الانتفاضة
١. إرث أوسلو: السلام الذي لم يتحقق
لا يمكن فهم الانتفاضة الثانية بمعزل عن السياق العميق المتمثّل في إخفاق مسار السلام الأوسلوي الذي أُطلق بكثير من الآمال في سبتمبر 1993. فبعد سبع سنوات من التوقيع على إعلان المبادئ، كان الواقع على الأرض ينطق بصورة مغايرة تماماً لما وعد به الاتفاق: تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة تضاعفاً ملحوظاً خلال سنوات أوسلو ذاتها من 100,000 مستوطن إلى أكثر من 200,000؛ وتوسّعت المستوطنات، وشُقّت طرق الالتفاف الإسرائيلية التي قطّعت أوصال الأراضي الفلسطينية؛ وزاد نظام الحواجز والتصاريح الأمنية تعقيداً وإجحافاً لحياة الفلسطينيين اليومية؛ وظلّت القضايا الجوهرية —القدس واللاجئون والحدود والمياه— معلّقةً في “مفاوضات الوضع النهائي” التي لم تُحقق شيئاً ملموساً [8].
وقد وثّقت منظمة بتسيلم وغيرها من منظمات حقوق الإنسان أن سنوات أوسلو الخمس الأولى (1993-1998) شهدت مقتل 405 فلسطينيين و256 إسرائيلياً، مما يعني أن العنف لم يتوقف قط رغم اتفاقية السلام. وخلصت دراسات أكاديمية عديدة إلى أن حرية حركة الفلسطينيين تراجعت فعلياً بعد أوسلو مقارنةً بما كانت عليه قبله في جوانب عدة، وهو مفارقة صارخة جعلت قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني يشعرون بأن اتفاقية السلام جاءت لإدارة الاحتلال لا لإنهائه [9].
٢. قمة كامب ديفيد 2000: فشل التسوية النهائية
بلغ الإخفاق الدبلوماسي ذروته في قمة كامب ديفيد الثانية التي عُقدت في يوليو 2000 برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وجمعت رئيسَ الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات مضنية امتدت خمسة عشر يوماً. انتهت القمة دون توافق، في مشهد تفسّره الروايتان تفسيراً متناقضاً: صوّر باراك وكلينتون عرفاتَ المسؤولَ عن الإخفاق بدعوى رفضه “عرضاً سخياً”، فيما أكدت القيادة الفلسطينية أن ما عُرض لم يكن دولةً قابلة للحياة بل “بنتوستانات” منقوصة السيادة مفتّتة الأراضي [10].
كانت قضية القدس في قلب الخلاف؛ إذ حذّر عرفات وفده من “عدم التزحزح عن هذا الشيء الواحد: الحرم أغلى من كل شيء آخر”. وكان باراك قد أبلغ الأمريكيين في مستهلّ القمة أنه لا يستطيع منح الفلسطينيين سيادة حقيقية على أي جزء من القدس الشرقية. وعرض باراك مبدئياً 73% من الضفة الغربية كدولة فلسطينية في المرحلة الأولى، وهو ما يوازل فعلياً نحو 86% من أراضي الضفة وفق الحساب الفلسطيني الذي استثنى الكتل الاستيطانية ومناطق الضمّ المقترحة [11]. وعند انتهاء القمة، أعلن باراك تعليق مسيرة السلام، بينما عاد عرفات إلى أرضه واستُقبل استقبال الأبطال لصموده أمام الضغوط. غير أن الجمهور الفلسطيني كان يشعر بثقل الإحباط المتراكم والشعور بأن الأفق السياسي أُقفل كلياً.
٣. عام الاحتقان: 2000 وتراكم الاستفزازات
لم يكن اقتحام شارون للأقصى هو السبب الوحيد لاندلاع الانتفاضة، بل كان القشة التي قصمت ظهر البعير في مواجهة تراكم ضخم من الاحتقان. ففي الأشهر التي سبقت الانتفاضة مباشرةً، شهدت الأراضي المحتلة توترات متصاعدة: تكاثرت المواجهات عند الحواجز، وازداد نشاط المستوطنين العدائي ضد القرى الفلسطينية، وواصلت إسرائيل هدم المنازل وتوسيع المستوطنات بوتيرة لم تتراجع. وفي يونيو 2000، كان إيهود باراك قد انسحب من جنوب لبنان أمام ضربات المقاومة اللبنانية، مما أرسل رسالة واضحة في الوجدان الشعبي الفلسطيني بأن المقاومة المسلحة قادرة على إنجاز ما عجز عنه التفاوض.
أساليب المقاومة: التطور من الحجارة إلى السلاح
١. التحوّل النوعي في أدوات المقاومة
شكّلت الانتفاضة الثانية تحولاً نوعياً وجذرياً في طبيعة المقاومة الفلسطينية مقارنةً بانتفاضة 1987. فبينما اعتمدت الأولى أساساً على الحجارة والعصيان المدني وأشكال المقاومة غير العنيفة بوصفها أبرز وسائلها، انزلقت الانتفاضة الثانية منذ الأسابيع الأولى نحو مواجهة مسلحة متصاعدة. وعملت الفصائل الفلسطينية على تطوير أجنحتها العسكرية بصورة متسارعة: فتوسّعت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس توسعاً واسعاً عدةً وعتاداً، وباتت تمتلك صواريخ محلية الصنع تطال المدن والمستوطنات الإسرائيلية. وكان الصاروخ الأول الذي أطلقته كتائب القسام باتجاه مستوطنة “سديروت” في أكتوبر 2001 علامةً فارقة في تطور أدوات الصراع [14].
وإلى جانب كتائب القسام، برزت كتائب شهداء الأقصى الجناحُ المسلح لحركة فتح، وسرايا القدس الجناحُ العسكري للجهاد الإسلامي، وكتائب أبو علي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية، وكتائب المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديمقراطية. ودخلت هذه الأجنحة العسكرية في عمليات متنوعة: إطلاق النار على المركبات الإسرائيلية، ومهاجمة نقاط التفتيش، وتنفيذ عمليات تسلّل داخل المستوطنات والمدن الإسرائيلية.
٢. العمليات الاستشهادية وأثرها
كانت العمليات الاستشهادية السمة الأبرز التي ميّزت الانتفاضة الثانية ورسمت صورتها دولياً. إذ نفّذت الفصائل الفلسطينية، ولا سيما حماس والجهاد الإسلامي، سلسلةً من العمليات الاستشهادية في قلب المدن الإسرائيلية: في الحافلات والمطاعم والأسواق التجارية. وقدّرت دراسة أكاديمية نُشرت عام 2007 أن حركة حماس نفّذت 39.9% من العمليات الاستشهادية بين سبتمبر 2000 وأغسطس 2005، وتلتها الجبهة الشعبية بنسبة 26.4%، فالجهاد الإسلامي بنسبة 25.7% [15]. وقد استهدفت هذه العمليات بصورة رئيسية المدنيين الإسرائيليين في الداخل، مما أثار جدلاً أخلاقياً دولياً واسعاً وصعّب الحصول على تضامن دولي مع الحقوق الفلسطينية، في المقابل ضخّ في المجتمع الإسرائيلي حالةً من الخوف والهلع والضغط الشعبي على الحكومات المتعاقبة.
الردّ الإسرائيلي: الاجتياح والاغتيالات والجدار
١. عملية السور الواقي 2002: اجتياح الضفة الغربية
في أعقاب موجة من العمليات الاستشهادية التي ضربت المدن الإسرائيلية في مطلع عام 2002، وبعد عملية فندق “بارك” في نتانيا التي قتل فيها 30 إسرائيلياً في ليلة عيد الفصح اليهودي، أطلق الجيش الإسرائيلي في مطلع أبريل 2002 ما أسماه “عملية السور الواقي”، وهو أكبر عملية عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية منذ عام 1967. اجتاحت قواتٌ إسرائيلية ضخمة مدنَ الضفة الغربية واحدةً تلو الأخرى: رام الله، وجنين، وطولكرم، وقلقيلية، ونابلس، وبيت لحم، والخليل [16]. وفي رام الله، حاصرت الدبابات الإسرائيلية مقر الرئيس ياسر عرفات (المقاطعة) وحاصرته لأشهر متواصلة، وهو مشهد استنكره المجتمع الدولي وأثار موجة تضامن واسعة مع الزعيم الفلسطيني المحاصر.
٢. مجزرة مخيم جنين: المعركة في أزقة المخيم
كانت معركة مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية أشرسَ فصول عملية السور الواقي وأكثرها دموية. اقتحمت القوات الإسرائيلية المخيم في الثالث من أبريل 2002، وواجهت مقاومةً شرسة من مقاتلي الفصائل الفلسطينية في أزقة المخيم الضيقة، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى استخدام الجرافات العسكرية الثقيلة لهدم المنازل وفتح ممرات للتقدم. استمرت المعركة عشرة أيام متواصلة، وأسفرت عن سقوط 58 شهيداً فلسطينياً وتدمير مئات المنازل وتشريد آلاف السكان من المخيم الذي كان يضم نحو 13,000 لاجئ. واتُّهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب مجزرة تفوق الأرقامَ المعلنة، وطالب مجلس حقوق الإنسان الأممي بفتح تحقيق دولي، غير أن إسرائيل رفضت أي تحقيق وحالت دونه [17].
٣. حصار كنيسة المهد في بيت لحم
في السياق ذاته لعملية السور الواقي، لجأ عدد من المقاتلين الفلسطينيين إلى داخل كنيسة المهد في مدينة بيت لحم —وهي واحدة من أقدس الكنائس المسيحية في العالم ومكان ميلاد السيد المسيح— فرابطت القوات الإسرائيلية حول الكنيسة وفرضت عليها حصاراً مطوّلاً امتد أكثر من خمسة وثلاثين يوماً. استنكر المجتمع الدولي بشدة تحويل هذا الموقع الديني المقدس ساحةَ معركة، وأُثيرت تساؤلات جدية حول انتهاك الأماكن المقدسة المحمية بموجب القانون الدولي. وانتهى الحصار بتسوية وسيطة نُقل بموجبها عدد من المقاتلين إلى دول أوروبية [18].
٤. سياسة الاغتيالات الممنهجة
مثّلت سياسة الاغتيالات المباشرة ركيزةً إسرائيلية محورية في التعامل مع الانتفاضة الثانية. لجأت إسرائيل إلى اغتيال قادة الصف الأول في الفصائل الفلسطينية بصورة ممنهجة وعلنية، مستخدمةً بصورة رئيسية صواريخ الطائرات الحربية والمروحيات. طالت الاغتيالات شخصيات بارزة من مختلف التنظيمات: ففي أغسطس 2001، اغتيل أبو علي مصطفى (مصطفى الزبري) الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وفي ديسمبر 2001، لقي رائد الكرمي من فتح حتفه بعملية مدروسة، مما أشعل موجة ردود انتقامية. وشكّلت عمليات الاغتيال هذه انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني وفق معظم مرجعيات حقوق الإنسان الدولية، وقدّمت إسرائيل ذلك في إطار ما أسمته “الدفاع عن النفس والإجهاض المسبق للتهديدات” [19].
٥. بناء جدار الفصل العنصري
استجابةً للانتفاضة، أقرّت حكومة شارون في عام 2002 مشروعاً عملاقاً لبناء جدار فاصل يمتد لأكثر من 700 كيلومتر في الضفة الغربية ومحيطها. وقد شكّل هذا الجدار منعطفاً استراتيجياً بالغ الأثر: فمن ناحية، أسهم في الحدّ من الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية وتراجع العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل. ومن ناحية أخرى، التهم الجدار مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، وعزل آلاف الفلسطينيين عن أراضيهم ومدارسهم وأماكن عملهم، وقطع أوصال التواصل الجغرافي بين المجتمعات الفلسطينية. وفي يوليو 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً تاريخياً بأن مسار الجدار في أجزاء كثيرة منه يُخالف القانون الدولي، ويجب هدم ما بُني منه في الأراضي المحتلة [20].
الأحداث والمحطات الكبرى
١. اغتيال الشيخ أحمد ياسين: الجريمة التي هزّت غزة
في فجر الثاني والعشرين من مارس 2004، كان الشيخ أحمد ياسين —مؤسس حركة حماس والزعيم الروحي لملايين الفلسطينيين— يغادر على كرسيه المتحرك مسجدَ المجمّع الإسلامي في حي الصبرة بقطاع غزة بعد أداء صلاة الفجر، حين أطلقت مروحية “أباتشي” إسرائيلية ثلاثة صواريخ أردته شهيداً مع عدد من مرافقيه. كان ياسين يعاني من شلل شبه كامل منذ شبابه، ولم يكن يملك سوى الكلمة والإيمان والإرادة سلاحاً [21]. خرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى شوارع غزة في مشهد غضب جماعي مهيب، وضاق المسجد العمري الأكبر في غزة بالمشيّعين فأدى آلاف الفلسطينيين صلاة الظهر في الشارع. وقد كشف رئيس الشاباك آنذاك آفي ديختر لاحقاً أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تعتبر ياسين العقل المدبّر لأغلب العمليات. وأكد مؤرّخون إسرائيليون كروئن برغمان في كتابه “Rise and Kill First” أن اغتيال قادة حماس لم يُحقق أهدافه المرجوّة، ودفع الحركة للتقرّب من إيران [22].
٢. وفاة ياسر عرفات: رحيل رمز القضية
في الحادي عشر من نوفمبر 2004، فارق ياسر عرفات الحياة في مستشفى عسكري قرب باريس، بعد أن أمضى أشهراً تحت الحصار في مقر المقاطعة المحطّمة في رام الله. رجل ارتبط اسمه بالقضية الفلسطينية طوال عقود، من منظمة التحرير إلى جائزة نوبل للسلام، إلى الحصار والإقامة الجبرية في أنقاض المقر. أثارت ظروف وفاته الغامضة جدلاً لم يُحسم؛ إذ ظلت التحقيقات المتعلقة بالتسمم المحتمل مفتوحة لسنوات، ولم تُقدّم إجابات قاطعة. وكان موته نهايةً حقبة في تاريخ الكفاح الفلسطيني، وفتح بابَ التساؤل حول مسار القيادة الفلسطينية والأفق السياسي ما بعد عرفات.
٣. ريتشيل كوري: المتضامنة الأمريكية التي دهستها الجرافة
في مارس 2003، تقدّمت الناشطة الأمريكية الشابة ريتشيل كوري (23 عاماً)، المتضامنة مع الشعب الفلسطيني ضمن منظمة “حركة التضامن الدولية”، أمام جرافة عسكرية إسرائيلية كانت تستعد لهدم منزل فلسطيني في رفح جنوب قطاع غزة، في محاولة لوقف الهدم بجسدها. دهستها الجرافة فأردتها قتيلة. أحدثت وفاتها صدمة واسعة في الرأي العام الأمريكي والغربي، وأصبحت كوري رمزاً للتضامن الإنساني مع القضية الفلسطينية، وألهمت أعمالاً أدبية ومسرحية وموسيقية عديدة في الغرب.
نهاية الانتفاضة وتداعياتها
١. قمة شرم الشيخ 2005: الهدنة وليست السلام
في الثامن من فبراير 2005، جلس الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثاً محمود عباس والرئيس الإسرائيلي أرئيل شارون إلى طاولة واحدة في قمة شرم الشيخ المصرية، وأعلنا وقف إطلاق النار وإنهاء الانتفاضة. توقّف الطرفان عن العمليات العسكرية المتبادلة وأُعلن عن بدء مرحلة جديدة من التهدئة. غير أن المراقبين أشاروا إلى أن ما أُبرم في شرم الشيخ لم يكن سوى هدنة لا تسويةً سياسية، إذ لم يُحسم أي من الملفات الجوهرية، ولم يتراجع الاحتلال ولم تُفكَّك المستوطنات ولم تُوقف الاغتيالات رسمياً [23].
٢. الإرث البنيوي والتداعيات الكبرى
خلّفت الانتفاضة الثانية إرثاً بنيوياً عميقاً أعاد تشكيل المشهدين الفلسطيني والإسرائيلي معاً. على الصعيد الفلسطيني، عمّقت الانتفاضة وفاة عرفات والأزمات الداخلية الهوّةَ بين فتح وحماس، مما مهّد الطريق لانتصار حماس في انتخابات يناير 2006 وما تبعها من انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية عام 2007. أما على الصعيد الإسرائيلي، فقد أسهمت الانتفاضة في تحوّل كبير في الرأي العام نحو اليمين، وقرّبت المجتمع الإسرائيلي من اعتبار أي حل تفاوضي أمراً يصعب تحقيقه. فضلاً عن ذلك، شكّل جدار الفصل العنصري الذي أُنجز خلال سنوات الانتفاضة واقعاً جغرافياً راسخاً ظل يُثقل كاهل إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة الأراضي [24].
قتلت قوات الأمن الإسرائيلية 6,371 فلسطينياً بين الثلاثين من سبتمبر 2000 والسادس والعشرين من سبتمبر 2010، منهم 1,317 قاصراً. وعلى الأقل 2,996 من القتلى لم يكونوا مشاركين في أي أعمال عدائية لحظة مقتلهم. وفي المقابل، قتل الفلسطينيون 1,083 إسرائيلياً، منهم 741 مدنياً من بينهم 124 قاصراً.
— تقرير بتسيلم: عشر سنوات على الانتفاضة الثانية، سبتمبر 2010
٣. الانتفاضة الثانية في المنظور التاريخي والأكاديمي
يُجمع أغلب المؤرّخين والمحللين على أن الانتفاضة الثانية كانت نقطة تحوّل حاسمة في مسار القضية الفلسطينية، غير أنهم يختلفون في تقييم نتائجها وإرثها. فبينما يرى فريق أنها —بثمنها الفادح— أفضت إلى الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في صيف 2005 وانسحاب المستوطنين منه، يرى فريق آخر أن الانسحاب جاء أحادي الجانب وأحكم حصار غزة في نهاية المطاف أكثر مما فتح أمامها آفاقاً. وتتفق الأدبيات الأكاديمية على أن الانتفاضة أسهمت في تعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي، وعسّرت استئناف المفاوضات الجدية لسنوات طويلة، وأن الإرث النفسي-الاجتماعي الذي تركته على المجتمعَين الفلسطيني والإسرائيلي لا يزال حاضراً في الأنماط السياسية حتى يومنا هذا [25].