🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب السوفيتية في أفغانستان
التاريخ

الحرب السوفيتية في أفغانستان

👁 2 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الحرب السوفيتية في أفغانستان — المعروفة تاريخياً بـ«الحرب السوفيتية الأفغانية» أو «الجهاد الأفغاني» في الوجدان الإسلامي، وبـ«الجرح النازف» (Кровоточащая рана) في الأدبيات السوفيتية اللاحقة — نزاعٌ مسلح امتدّ تسع سنوات متواصلة بين الخامس والعشرين من ديسمبر 1979 والخامس عشر من فبراير 1989، حين غزا الجيش الأحمر السوفيتي جمهورية أفغانستان الديمقراطية لدعم النظام الشيوعي الهش الذي كان يتآكله التمرد الشعبي المسلح في أرياف البلاد.
[1]
كانت أفغانستان قد عاشت انقلاباً شيوعياً دموياً في أبريل 1978 أوصل حزب الشعب الديمقراطي (الحزب الشيوعي الأفغاني) إلى السلطة، غير أن التطبيق الأيديولوجي القسري للإصلاحات الزراعية وبرامج التعليم الإلزامي للمرأة والعلمنة المتسارعة أشعل انتفاضات قبلية ودينية واسعة في أرجاء البلاد. شعرت القيادة السوفيتية بريوف الكرملين أن الوضع خرج عن السيطرة حين اغتال رئيس الوزراء حفيظ الله أمين رئيسَه نور محمد تراقي في سبتمبر 1979، فأطلق مجلس الدفاع السوفيتي قراره بالتدخل العسكري المباشر مستنداً إلى «مبدأ بريجنيف» القائل بأن الاتحاد السوفيتي لن يسمح بسقوط أي نظام شيوعي في المنظومة الاشتراكية. قضت عمليةُ الغزو في الأيام الأولى بتصفية أمين نفسه ونصّبت بدلاً منه ببراك كارمال بطريقة أظهرت التدخل الأجنبي بصورة صريحة مُسهمةً في تأجيج المقاومة. واجه الجيش السوفيتي (الجيش الأربعون) خلال السنوات التسع اللاحقة مقاومةً شعبية مسلحة من المجاهدين الأفغان الذين تلقّوا دعماً أمريكياً وسعودياً وباكستانياً غير مسبوق في ضخامته عبر عملية «إيكلون» (سيكلون) السرية بوصفها أكثر عمليات المخابرات الأمريكية كُلفةً وأطولها أمداً في تاريخ الحرب الباردة. تُقدَّر الخسائر البشرية الإجمالية للحرب بما بين مليون وثلاثة ملايين أفغاني، وأكثر من خمسة ملايين لاجئ فرّوا إلى باكستان وإيران، وقُرابة 15,000 جندي سوفيتي قتيل. انتهت الحرب بانسحاب الجيش الأحمر في فبراير 1989 دون تحقيق أيٍّ من أهدافه السياسية؛ غير أن إرثها كان أبعد مدىً مما أدركه أحد في تلك اللحظة: فقد أسهمت في تسريع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وزرعت البذور التي أنبتت حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وأوصلت خيوطها المتشابكة إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من عقود التدخل الأمريكي في المنطقة.
[2]

الحرب السوفيتية في أفغانستان (1979–1989)
التسمية الدولية Soviet–Afghan War / Soviet Invasion of Afghanistan
التسمية الروسية Афганская война — الحرب الأفغانية / «الجرح النازف»
التسمية الأفغانية والإسلامية الجهاد الأفغاني / حرب المقاومة ضد الاحتلال السوفيتي
الفترة الزمنية 25 ديسمبر 1979 – 15 فبراير 1989 (9 سنوات وتسعة وخمسون يوماً)
الموقع الجغرافي جمهورية أفغانستان الديمقراطية
الأطراف المتحاربة
جانب الغزو الاتحاد السوفيتي (الجيش الأربعون) + الجيش الأفغاني الحكومي
جانب المقاومة تحالف المجاهدين الأفغان (سبعة أحزاب) — مدعوماً من: الولايات المتحدة، السعودية، باكستان، الصين، المملكة المتحدة
القادة الرئيسيون
السوفيت والحكومة ليونيد بريجنيف ثم يوري أندروبوف ثم ميخائيل غورباتشوف / ببراك كارمال ثم نجيب الله
المجاهدون أحمد شاه مسعود (شمال أفغانستان)، غلبدين حكمتيار (حزب الإسلام)، جلال الدين حقاني، برهان الدين رباني
الدعم الخارجي زبيغنيف بريجنسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي)، ضياء الحق (رئيس الوزراء الباكستاني)
الخسائر الإجمالية
الضحايا الأفغانيون المدنيون 1,000,000 – 3,000,000 قتيل
الضحايا السوفيت 14,453 قتيلاً (رسمياً) / تقديرات أخرى تصل إلى 26,000
المجاهدون المقاتلون 75,000 – 90,000 قتيل
اللاجئون الأفغان أكثر من 5,000,000 لاجئ خارجي (باكستان وإيران) + 2,000,000 نازح داخلي
الطائرات السوفيتية المفقودة 451 طائرة (منها 333 مروحية)
الوثائق والاتفاقيات الدولية
اتفاقيات جنيف 14 أبريل 1988 — تحدد جدول الانسحاب السوفيتي
قرار الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة ES-6/2 (يناير 1980) — يطالب بانسحاب سوفيتي فوري
عملية سيكلون الأمريكية 1979 – 1989 — ضخّت ما بين 12 و20 مليار دولار لتسليح المجاهدين
النتائج الاستراتيجية
النتيجة الفورية انسحاب سوفيتي دون تحقيق الأهداف — فراغ سياسي وحرب أهلية
الأثر على الاتحاد السوفيتي تسريع الانهيار السوفيتي عام 1991
الأثر على الإرهاب العالمي نشأة تنظيم القاعدة وبذور حركة طالبان
COSMALORE · الموسوعة العربية

الخلفية التاريخية

أفغانستان قبل الغزو — جغرافيا العُزلة والتنوع

تكتنف فهمَ الحرب السوفيتية الأفغانية ضرورةُ الإحاطة بالطبيعة الجغرافية والاجتماعية الاستثنائية لأفغانستان التي جعلتها على مدار التاريخ مقبرةً للغزاة. تقع أفغانستان في قلب آسيا الوسطى حاملةً طبوغرافيا وعرة استثنائية؛ يحتل جبال هندوكوش المشحون بقممه التي تتجاوز سبعة آلاف متر نصفَ مساحة البلاد، فيما تتشابك مع الصحارى الجنوبية والأودية المتعرجة في نسيج ضارب في الصعوبة. هذه الجغرافيا الوعرة التي أخرجت جيش الإسكندر المقدوني من أفضل مساراته، ومزّقت فرق بريطانيا الإمبراطورية في ثلاثة حروب مريرة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ستتحوّل في يد المجاهدين إلى سلاحهم الأعظم. يتكوّن السكان من فسيفساء إثنية لا مثيل لها: البشتون الأكثرية في الجنوب والشرق، والطاجيك في الشمال الشرقي، والهزارة في الوسط، والأوزبك والتركمان والنورستانيون وغيرهم في أرجاء مختلفة؛ ويتقاطع التنوع الإثني مع تعقيدات قبلية قديمة الجذور جعلت مفهوم «السلطة المركزية» هشّاً تاريخياً حتى في أحسن الأوقات. تقع أفغانستان في موقع استراتيجي مفصلي بين وسط آسيا وشبه القارة الهندية، يمنحها أهمية جيوسياسية بالغة تجاوزت دوماً ثقلها الاقتصادي.
[3]

الانقلاب الشيوعي وانهيار النظام

في السابع والعشرين من أبريل 1978، نفّذ حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني — الجناح الشيوعي القريب من موسكو — انقلاباً عسكرياً دموياً أطاح بحكومة داود خان المدعومة سوفيتياً أيضاً، وعُرف تاريخياً بـ«الثورة الثورية» أو «ثورة ثور». استولى الحزب على السلطة تحت قيادة نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين، وشرع فوراً في تطبيق إصلاحات ثورية على إيقاع متسارع لم يراعِ الواقع الأفغاني العميق؛ فأعلن توزيع الأراضي القسري على الفلاحين تجاهلاً للبنى القبلية التي تحكم الملكية والانتماء الاجتماعي، وأطلق برامج إلزامية لتعليم المرأة في مجتمع قبلي محافظ، وأمر بتعليق المصاحف في المدارس واستبدالها بمقررات ماركسية، وشنّ حملات اعتقال وإعدام طالت رجال الدين والعلماء والملاكين والضباط المشكوك في ولائهم. لم تمضِ أشهر حتى كانت قرى كاملة في القرى الريفية تحمل السلاح في وجه «الشيوعيين الكفار» — وهو ما وصفه الأفغان بالجهاد المقدس منذ اليوم الأول — وباتت الحكومة الكابلية عاجزة عن السيطرة على أكثر من المدن الكبرى وبعض الطرق الرئيسية. أضافت الصراعات الدموية الداخلية بين جناحَي الحزب «خلق» و«بارشام» مزيداً من الضعف؛ وبلغت الأزمة ذروتها حين قتل أمين رئيسه ورفيقه تراقي في سبتمبر 1979، مما أقلق موسكو القلقَ الأعمق من أن يتمكّن أمين الطموح من إبرام صفقة مع الغرب على نمط ما فعله السادات في مصر.
[4]

قرار الغزو في الكرملين

تُكشف الوثائق السوفيتية التي رُفعت عنها السرية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عن مداولات شديدة الحدة جرت في الكرملين إبان أشهر 1979 الأخيرة. كان المارشال نيقولاي أوغاركوف رئيس هيئة الأركان والقائد الأكثر دراية بالشؤون العسكرية يعارض التدخل معارضةً صريحة ويُحذّر من أن العمليات العسكرية في جبال أفغانستان ستتحوّل إلى مستنقع لا مخرج منه. لكن مثلث القرار المؤلف من يوري أندروبوف (رئيس الـ KGB) وأندريه غروميكو (وزير الخارجية) ودميتري أوستينوف (وزير الدفاع) أقنع المريض بريجنيف بضرورة التدخل بحجة أن سقوط أفغانستان في يد الإسلاميين يُشكّل تهديداً للجمهوريات الإسلامية السوفيتية في آسيا الوسطى. اعتقد المخططون السوفيت أن العملية ستنتهي في بضعة أشهر وأن الحضور العسكري سيكون كافياً لإرساء الاستقرار وسحب القوات. كان هذا الحسابُ وهماً وخيماً؛ فقد وقعت موسكو في الخطأ الاستراتيجي ذاته الذي وقعت فيه واشنطن في فيتنام قبل عقد: التقليل من صمود الخصم وشراسة الإرادة القومية في مواجهة محتل أجنبي.
[5]

مسار الغزو والمرحلة الأولى من القتال

ليلة الغزو وتصفية أمين

في الخامس والعشرين من ديسمبر 1979، بدأ الاتحاد السوفيتي تحريك وحدات الجيش الأربعين عبر جسر الصداقة على نهر جيحون (أمو داريا) نحو الأراضي الأفغانية في ليلة صُمِّمت بدقة استخباراتية. كانت القوات الخاصة للـ KGB وفرق الكوماندوز السوفيتية من «ألفا» و«زينيت» قد تسلّلت قبلها بأيام ضمن مجموعات متفرقة متنكّرةً في هيئة «مستشارين عسكريين» معتادين. في ليلة السابع والعشرين من ديسمبر، اقتحمت هذه الفرق قصر دار الأمان في كابل، ولقي حفيظ الله أمين حتفه في العملية في ظروف لا تزال محل جدل: هل اغتيل مباشرةً أم مات في حريق القصر؟ الثابت هو أن بريجنيف أُبلغ بإتمام العملية وأن ببراك كارمال — المسؤول الحزبي الذي كان في موسكو منفياً — أُعلن رئيساً جديداً. توالى في الأيام التالية دخول الفرق المدرعة والمشاة السوفيتية عبر ثلاثة محاور رئيسية نحو هرات وقندهار وكابل، وانتشرت في المدن الكبرى في غضون أسبوع. بدا للوهلة الأولى أن العملية نجحت في أهدافها الفورية، لكن خارج المدن كانت الجبال تتهيّأ لحرب من نوع آخر.
[4]

الجهاد الأفغاني — المقاومة الشعبية وتشكيل المجاهدين

لم تكن المقاومة المسلحة للغزو وليدة خطط جيوسياسية خارجية كما أحبّ المحللون الغربيون أحياناً أن يُصوّروها؛ بل كانت في جوهرها استجابةً شعبية عميقة لفلاحين وقبائليين وعلماء دين رأوا في الغزو السوفيتي اعتداءً على أرضهم وإسلامهم وأعرافهم القبلية في آنٍ واحد. تحوّلت المساجد والمدارس الدينية الريفية إلى مراكز تجنيد فطرية، وتشكّلت خلايا المقاومة في القرى قبل أي تمويل أجنبي منظّم. لكن التمرد الشعبي المحلي تحوّل تدريجياً إلى شيء أكبر حين تدفّقت الموارد والأسلحة من الخارج. تكوّن المجاهدون في صورتهم المنظّمة من سبعة أحزاب رئيسية مقرّها بيشاور الباكستانية، تتباين توجهاتها الأيديولوجية تبايناً حاداً بين الإسلام السياسي المعتدل والسلفية الجهادية المتشددة. برز من بينهم أربعة قادة ميدانيين استثنائيون تركوا بصماتهم على مسار الحرب: أحمد شاه مسعود الذي حوّل وادي بنجشير إلى حصن منيع شنّ منه تسع هجمات متتالية أفشل كلها، وجلال الدين حقاني الذي تفوّق في حرب العصابات في الجنوب الشرقي، وغلبدين حكمتيار الذي حظي بالنصيب الأكبر من التسليح الباكستاني والسعودي رغم علاقاته المتوترة مع قيادات المجاهدين الأخرى.
[6]

عملية سيكلون — الحرب بالوكالة

في يوليو 1979 — أي قبل الغزو السوفيتي بخمسة أشهر — وقّع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الإذنَ الأول بتمويل سري محدود للمعارضة الأفغانية، مدفوعاً بالخطة التي صاغها مستشاره للأمن القومي زبيغنيف بريجنسكي، الذي رأى في أفغانستان فرصةً ذهبية لاستدراج الاتحاد السوفيتي إلى مستنقعه الخاص. وسّع الكونغرس الأمريكي هذا البرنامج تدريجياً ليتحوّل إلى عملية «سيكلون» السرية بوصفها أعلى وأغلى عملية سرية خاضتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تاريخ الحرب الباردة.
[7]
أدار العملية على الأرض شبكة من ثلاثة أعمدة: الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) التي وفّرت التمويل والتوجيه السياسي، وأجهزة الاستخبارات الباكستانية (ISI) التي اضطلعت بدور الوسيط في نقل الأسلحة وتدريب المقاتلين وإدارة شبكات الإمداد، والمملكة العربية السعودية التي ساهمت بتمويل موازٍ للتمويل الأمريكي دولاراً بدولار في إطار ديني سياسي جعل من الجهاد قضيةً إسلامية عالمية. بلغ مجموع ما ضُخّ في الحرب عبر هذه القنوات ما بين 12 و20 مليار دولار بحسب مصادر مختلفة. كان التحوّل النوعي الأكبر في مسار الحرب تقديمُ صواريخ ستينغر المضادة للطائرات «FIM-92 Stinger» للمجاهدين ابتداءً من عام 1986؛ إذ وصلت نحو 2,300 صاروخ ستينغر إلى أيدي المجاهدين، وخلقت لأول مرة تهديداً حقيقياً للمروحيات السوفيتية التي كانت حتى ذلك الحين تسيطر على ساحات المعركة الجبلية سيطرة شبه مطلقة.
[8]
أفرز هذا الدعم المتشعّب نتائج مقصودة وأخرى غير مقصودة ستثبت خطورتها بعد عقد؛ فتدفّق المال والسلاح والمدارس الدينية الممولة سعودياً استقطب موجةً من المتطوعين العرب أبرزهم الشاب السعودي أسامة بن لادن الذي أسّس مكتب الخدمات في بيشاور لتجنيد وتمويل المقاتلين العرب عام 1984، في ما أصبح البنية التحتية التي تأسّس منها لاحقاً تنظيم القاعدة.

المراحل العسكرية للحرب

المرحلة الأولى: الانتشار وتوهّم السيطرة (1979–1982)

في المرحلة الأولى من الحرب سيطر الجيش السوفيتي على المدن الرئيسية وشبكات الطرق والمطارات الكبرى، لكنه وجد نفسه عاجزاً عن السيطرة على المناطق الريفية التي تمثّل الجزء الأكبر من البلاد. عمدت القوات السوفيتية إلى أساليب قمع جماعية في مواجهة القرى التي رصدتها معقلاً للمجاهدين: قصف الطائرات المروحية «مي-24 هيند» قرى بأسرها بأسلوب الأرض المحروقة لقطع خطوط إمداد المقاتلين، وزرعت ملايين الألغام الأرضية في الحقول والطرق والمراعي في إجراء أودى بأرواح مدنيين كثيرين وأشلّ اقتصاد القرى لعقود. واجه الجيش السوفيتي معضلةً تكتيكية بنيوية: مدرعاته وطائراته وتكتيكات حروبه كانت مُصمَّمة لمواجهة الجيوش النظامية في السهول الأوروبية لا لمطاردة مقاتلين متفرقين في جبال هندوكوش، ولم يستطع اقتلاع ظاهرة المقاومة التي تحوّل كل قتيل منها إلى حافز انتقام لأقاربه وعشيرته.
[9]

معارك بنجشير — أحمد شاه مسعود والحصن الجبلي

مثّل وادي بنجشير شمالي كابل الاختبارَ الأعسر للجيش السوفيتي طوال الحرب؛ فقد نظّم أحمد شاه مسعود — القائد الطاجيكي الذي اكتسب لاحقاً لقبَ «أسد بنجشير» — دفاعاً متحركاً عبقرياً يتكيّف مع تضاريس الوادي الضيق المحاط بجبال شاهقة. شنّت القوات السوفيتية تسع عمليات عسكرية كبرى بين 1980 و1985 لاختراق بنجشير واجتثاث قوات مسعود، بعضها بمشاركة فرقتَين مدرعتَين كاملتَين وعمليات إنزال جوي، لكنها فشلت في كل مرة في تحقيق نتيجة حاسمة. طوّر مسعود أسلوباً في التحصين الجبلي يقوم على التسليح المتنقل والتراجع المنظّم عند الضغط ثم الكمين في مضائق أضيق، فكانت الأرض ذاتها جندياً في جيشه. وظّف مسعود كذلك هدنات موقّتة مع القادة السوفيت حين دعت الحاجة لإعادة تنظيم صفوفه وتخزين المؤن، ثم استأنف القتال. شكّلت معارك بنجشير درساً عملياً مضنياً للقيادة السوفيتية في حدود ما يستطيع الجيش النظامي الأكبر تحقيقه في مواجهة مقاومة شعبية متجذّرة في أرضها.
[10]

مرحلة الحسم المستحيل (1983–1986)

مع مرور السنوات وتصاعد الخسائر، ازداد الضغط الداخلي في موسكو وتعمّقت علامات الإنهاك على الأداء السوفيتي. وصل الجنرال ميخائيل بارانتسيف قائداً للجيش الأربعين عام 1985 وأجرى تعديلات تكتيكية أساسية: قلّل الاعتماد على المدرعات في الجبال وزاد من استخدام وحدات القوات الخاصة «سبيتسناز» في عمليات الكمائن المضادة والإغارات الليلية، لكن هذا الحسم الميداني ظلّ بعيد المنال. على الصعيد الإنساني، نفّذت القوات السوفيتية والأفغانية الحكومية في هذه المرحلة حملات واسعة من تدمير القرى وحرق المحاصيل وقطع شبكات الري في مناطق استراتيجية بهدف إنهاك قواعد إمداد المجاهدين، وهي ممارسات وثّقتها منظمات حقوق الإنسان بالتفصيل.
[5]

الستينغر يُغيّر موازين الجو (1986–1988)

غيّر وصول صواريخ ستينغر المضادة للطائرات ديناميكيات الحرب الجوية تغييراً ملموساً في النصف الثاني من الثمانينيات. كانت المروحيات الهجومية السوفيتية «مي-24 هيند» تمثّل العنصر الأكثر فتكاً في الترسانة السوفيتية ضد المقاومة؛ تحلّق على ارتفاعات منخفضة وتفتك بالقوافل والمواضع المشاة بصورة تكاد تكون عقيمة المقاومة بالأسلحة الخفيفة التقليدية. أسقط المجاهدون في الأشهر الأولى من نشر الستينغر عشرات المروحيات وأجبروا الطيران السوفيتي على رفع ارتفاعات عملياته بصورة أضعفت دقّتها، مما أسهم في تخفيف وطأة الضربات الجوية على مواضع المجاهدين. مع ذلك، يُشير الباحثون إلى أن الستينغر وحده لم يكن السبب الوحيد للانسحاب السوفيتي؛ فالإرهاق البشري والتكاليف الاقتصادية وانعدام الأفق السياسي كانت عواملَ أعمق تراكمت على مدى سنوات.

غورباتشوف والقرار بالانسحاب

حين وصل ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في مارس 1985، ورث حرباً استُنزفت فيها الموارد والأرواح والمعنويات. كانت تقديرات الأجهزة السوفيتية الداخلية تؤكد أن ثمانية وخمسين في المئة من الأراضي الأفغانية خارج سيطرة الحكومة المدعومة سوفيتياً، وأن حكومة كابل تعجز عن بناء جيش وطني ذي ثقل دون الحضور السوفيتي المباشر. أطلق غورباتشوف على الحرب علناً اسم «الجرح النازف» (кровоточащая рана) في خطاب أمام المكتب السياسي عام 1986، وقرر إعطاء الحكومة الأفغانية تحت قيادة نجيب الله مهلة عامَين لتعزيز جيشها وتطبيق سياسة «المصالحة الوطنية» التي قُصد بها توسيع القاعدة الشعبية للحكومة، ثم الشروع في الانسحاب. في التاسع من فبراير 1988، أعلن غورباتشوف أن الانسحاب سيبدأ في الخامس عشر من مايو، وفي الرابع عشر من أبريل وُقِّعت اتفاقيات جنيف بين أفغانستان وباكستان بضمانة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، محدّدةً جدول الانسحاب الكامل في تسعة أشهر.
[11]

الانسحاب النهائي وما بعده

انطلق الانسحاب السوفيتي وفق الجدول المقرّر في الخامس عشر من مايو 1988، وكان من أكثر العمليات العسكرية الكبرى تنظيماً ودقةً في تاريخ الجيش السوفيتي. في الخامس عشر من فبراير 1989، عبر الجنرال بوريس غروموف قائد الجيش الأربعين جسر الصداقة على نهر جيحون آخرَ الجنود السوفيت مغادرةً للأراضي الأفغانية في صورة مشحونة بالرمزية. وقف غروموف أمام الكاميرات وأعلن أنه لم يبقَ خلفه جندي سوفيتي واحد — وهو إعلان يبقى موضع جدل بحثي من حيث دقته. صمد نظام نجيب الله في كابل لفترة أطول مما توقّع كثيرون، إذ استمر في الحكم مدعوماً بجسر جوي سوفيتي ضخم للسلاح والمؤن حتى انهار في أبريل 1992 بعد انقطاع المساعدات عقب تفكك الاتحاد السوفيتي. التجأ نجيب الله إلى مقر الأمم المتحدة في كابل حيث قضى أربع سنوات لاجئاً قبل أن يسقط في يد طالبان عام 1996 وتُعدَمه علناً.
[12]

«لقد أعطينا أفغانستان ضوءاً أحمر. هل فكّرنا أنه ستتمخّض عنها مشكلة لنا؟ نعم. هل أدركنا أن ذلك قد يدفع إلى التدخل السوفيتي؟ نعم. وهل أعطينا الأفضلية لتلك الخطوة؟ نعم. الفرصة لأورطة الاتحاد السوفيتي في مستنقعه الخاص بدت لنا أمراً لا تفوّت.»
— زبيغنيف بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي، في مقابلة مع مجلة Nouvel Observateur الفرنسية، يناير 1998

البُعد الإنساني — جرائم الحرب والكارثة المدنية

تجاوزت الكارثة الإنسانية الأفغانية كل المقارنات الإقليمية في ذلك العقد؛ إذ وثّقت منظمات حقوق الإنسان والباحثون المستقلون ممارسات ممنهجة من قِبَل القوات السوفيتية والأفغانية الحكومية تصنّفها كثير من الدراسات الأكاديمية جرائمَ حرب تكاد تبلغ مستوى الإبادة الجماعية. زرعت القوات ألغاماً أرضية لا يُحدَّد عددها إلا بشكل تقريبي يتراوح بين ثمانية وعشرة ملايين لغم في الحقول والطرق والأودية التي كانت تمثّل شرايين الحياة الريفية، وهي ألغام أودت بأطراف الأطفال والمزارعين لعقود بعد انتهاء الحرب. أفرزت سياسة الأرض المحروقة في الأرياف موجات نزوح جماعي دفعت ما يزيد على خمسة ملايين أفغاني للفرار إلى باكستان وإيران في أكبر أزمة لاجئين شهدتها آسيا في القرن العشرين. دمّرت الغارات الجوية آلاف القرى في مناطق بعيدة عن أي هجوم مجاهدين بداعي «الاشتباه»، وأحرقت محاصيل وكروم عنب كاملة كانت مصدر رزق مجتمعات بأسرها. وثّق المحقق الأممي الخاص فيليكس أيرمورا في تقاريره الصادرة بين 1985 و1988 هذه الانتهاكات الممنهجة ورفعها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
[13]

الأثر على الاتحاد السوفيتي

لا إجماع أكاديمياً على حجم الدور الذي أدّاه الاستنزاف الأفغاني في انهيار الاتحاد السوفيتي، غير أن الباحثَين رافائيل روفيني وأسيم براكاش يوثّقان ثلاثة مسارات رئيسية لهذا الأثر: تحطّم صورة الجيش الأحمر الذي اعتُقد أنه لا يُقهر وهي الدعامة الاجتماعية والنفسية الأهم للشرعية السوفيتية؛ وتآكل الشرعية الأيديولوجية للدولة التي أرسلت أبناءها للموت في حرب لم يفهم كثير منهم غايتها؛ وظهور أشكال مدنية جديدة من المشاركة السياسية عبر جمعيات قدامى المحاربين المعروفين بـ«الأفغانتسي» الذين كسروا جدار الصمت المفروض حول الحرب وأجبروا الرأي العام على مواجهة حقيقتها.
[14]
أسهمت الحرب أيضاً في تحرير الصحافة السوفيتية في مرحلة الغلاسنوست (الشفافية)؛ إذ كانت تقارير الصحفيين العائدين من أفغانستان أول الاختبارات الحقيقية للتفتّح الإعلامي السوفيتي، وأحدثت قراءة الجماهير لتكاليف الحرب الحقيقية صدمةً وجدانية عامة. وعلى الصعيد الاقتصادي، رغم أن تكاليف الحرب لم تكن ساحقة قياساً بالميزانية العسكرية السوفيتية الإجمالية، فإنها انضافت إلى منظومة أزمات متراكمة جعلت منها ثقلاً إضافياً لا يُحتمل في نظام يترنّح أصلاً.

الإرث الجيوسياسي — من الجهاد إلى القاعدة وطالبان

يمثّل الإرث غير المقصود للحرب السوفيتية الأفغانية أحد أشد الدروس الجيوسياسية التعليمية في تاريخ القرن العشرين. صنعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الثمانينيات شبكةً من المقاتلين والأيديولوجيين والمدارس الدينية المتشددة لتحقيق هدف استراتيجي آني — إنهاك الاتحاد السوفيتي — دون التفكير في ما ستؤول إليه تلك الشبكة بعد انتهاء الحاجة إليها. حين انسحب السوفيت عام 1989 وانهارت حكومة نجيب الله عام 1992، انزلقت أفغانستان في حرب أهلية مدمّرة بين الفصائل المجاهدة ذاتها التي كانت حتى أمس أدوات في يد «عملية سيكلون»؛ وفي خضمّ الفوضى خرجت حركة طالبان عام 1994 من رحم المدارس الدينية الباكستانية التي موّلتها المملكة العربية السعودية وأشرف عليها حزب الإسلامي وصيغها الفكرية من المناهج التي دعمتها وكالة الاستخبارات الأمريكية وأجهزة الاستخبارات السعودية.
[15]
كان أسامة بن لادن — الذي أنشأ مكتب الخدمات ليوظّف المقاتلين العرب في أفغانستان بتشجيع ضمني أمريكي وتمويل سعودي سخيّ — قد تحوّل بعد الانسحاب السوفيتي إلى قوة عدائية موجّهة نحو الولايات المتحدة والغرب، محوّلاً الشبكة اللوجستية وخبرات القتال الجبلي وشبكة التجنيد التي نشأت في سياق الجهاد الأفغاني إلى بنية تحتية لتنظيم عابر للحدود سمّاه «القاعدة». خلاصة القول: خلّفت الحرب السوفيتية الأفغانية وراءها ثلاثة إرثاءات متراكبة — دولةً أفغانية مدمّرة البنية التحتية والمجتمعية، وحركات جهادية عابرة للحدود مدجّجة بالسلاح والخبرة والأيديولوجيا، وعالماً مكتظّاً بالألغام ومسدود أمامه الطريق إلى السلام — وكلها روافد أوصلت مجتمعةً إلى الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعه من عقود صراع لم تنتهِ فصولها.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
🔍