الإمبراطوريةُ الموريائيةُ (بالسنسكريتية: मौर्य साम्राज्यम् — Maurya Sāmrājyam)، المعروفةُ في المصادر الكلاسيكية اليونانية باسم “ملكية ماكيدونوي” أو “مملكة سانداروكوتوس”، كانت أولى الإمبراطوريات الكبرى الموحَّدة في شبه القارة الهندية، وأضخمها مساحةً على مرّ التاريخ الهندي القديم؛ إذ امتدت في ذروتها في عهد الإمبراطور أشوكا العظيم على رقعةٍ تبلغ نحو خمسة ملايين كيلومترٍ مربع، تشمل الجزء الأكبر من شبه القارة الهندية بما فيها ما يُعرف اليوم بأفغانستان وباكستان وبنغلاديش وبوتان وأجزاء من إيران. أسّسها تشاندراغوبتا ماوريا في عام 322 قبل الميلاد بتوجيه معلّمه ومستشاره العبقري شاناكيا (كوتيليا)، إثر إطاحته بأسرة ناندا الحاكمة في مملكة ماغادا، وإعلانه عاصمةَ إمبراطوريته في باتاليبوترا (باتنا الحديثة).[1]
تنبثق أهمية الإمبراطورية الموريائية من كونها أوّلَ كيانٍ سياسيٍّ ناجحٍ في توحيد شبه القارة الهندية المتشتتة بين عشرات الممالك المتقاتلة، وإرساء نموذجٍ للحكم المركزي المنظّم يجمع بين الرهبة العسكرية والكفاءة الإدارية والأطر القانونية المُدوَّنة التي أسّس لها كتاب “أرثاشاسترا” الفريد الذي ألّفه شاناكيا، المرجعُ الأقدم في الكتابة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في تاريخ الهند بأسره. كما أن الإمبراطورية الموريائية كانت المجالَ الحيوي الذي شهد أول تلاقٍ عميقٍ بين الحضارة الهندية والحضارة الهيلينية اليونانية، حين أوفد الإمبراطور السلوقي سيليوقوس الأول سفيره ميغاسثينيس إلى بلاط تشاندراغوبتا، فخلّف كتابه “إنديكا” أحد أغنى المصادر الأولية عن الهند القديمة وإن ضاع الأصل وبقيت منه شذرات منقولة.[2]
بيد أن الإمبراطورية الموريائية تحتل مكانتها الخالدة في ذاكرة التاريخ الإنساني بفضل حفيد مؤسسها الإمبراطور أشوكا العظيم (268-232 ق.م) الذي بدأ حكمه محارباً فاتحاً لا يتردد في اقتراف الدماء، ثم خاض حرب كالينغا عام 261 ق.م التي أكلت مئة ألف قتيل وشردت مئةً وخمسين ألف إنسان، فزلزلت هذه الكارثة أعماق وجدانه وقادته إلى تحولٍ روحيٍّ جذريٍّ نحو البوذية ومبدأ الـ”دهاما” (الحكم بالأخلاق والرحمة)، لتُشكّل قرار أشوكا بالتنازل عن التوسع العسكري لصالح الإصلاح الاجتماعي والديني والإنساني واحداً من أبرز التحولات الحكامية في التاريخ القديم. وقد نقل هذه المبادئ إلى شعبه عبر سلسلة من المراسيم المحفورة على الأعمدة والصخور في كل أنحاء الإمبراطورية، وأعلن تنظيم حياة الدولة على قيم الرحمة والتسامح ورفع المعاناة عن الإنسان والحيوان على حدٍّ سواء.[3]
انتهى عمر الإمبراطورية الموريائية عام 185 ق.م حين اغتال الجنرال بوشياميترا شونغا آخر إمبراطور موريائي برهادراثا في انقلابٍ قصريٍّ داخلي، ليُؤسّس أسرة شونغا ويُطوي الصفحة رسمياً على واحدةٍ من أعظم التجارب الحضارية الهندية. ولم تمت الإمبراطورية الموريائية بالمعنى الحضاري؛ فشعلة البوذية التي أطلقها أشوكا إلى العالم لا تزال تحترق في آسيا واليابان والعالم، والشعار الوطني للهند الحديثة يحمل رأس الأسد الأشوكي وعجلة الدهاما إرثاً حياً لا يغيب.
| الإمبراطورية الموريائية | |
| الاسم بالسنسكريتية | ماوريا سامراجيام (Maurya Sāmrājyam) |
| العاصمة | باتاليبوترا (باتنا الحديثة — ولاية بيهار، الهند) |
| اللغات الرسمية | براكريت — السنسكريتية — اليونانية (في المناطق الشمالية الغربية) |
| الديانات | الهندوسية — البوذية — الجاينية |
| التأسيس والزوال | |
| تأسيس الإمبراطورية | 322 ق.م — تشاندراغوبتا يُسقط أسرة ناندا |
| سقوط الإمبراطورية | 185 ق.م — اغتيال برهادراثا وتأسيس أسرة شونغا |
| المدة | 137 عاماً |
| كبار الحكام (الأسرة الموريائية) | |
| المؤسس | تشاندراغوبتا ماوريا (ح. 340 – 298 ق.م) |
| الإمبراطور الثاني | بيندوسارا — “قاتل الأعداء” (298 – 272 ق.م) |
| الإمبراطور الثالث والأعظم | أشوكا العظيم — “بريياداشي” (268 – 232 ق.م) |
| آخر الأباطرة | برهادراثا (ح. 187 – 185 ق.م) |
| المستشار المؤسس | تشاناكيا / كوتيليا / فيشنوغوبتا (ح. 375 – 283 ق.م) |
| الجغرافيا والسكان | |
| أقصى مساحة (عهد أشوكا) | ~5,000,000 كم² [4] |
| السكان التقديريون | 50 – 60 مليون نسمة |
| الامتداد الجغرافي | من أفغانستان وبلوشستان غرباً حتى بنغلاديش شرقاً، ومن جبال الهيمالايا شمالاً حتى هضبة الديكان جنوباً |
| الجيش والاقتصاد | |
| قوة الجيش في الذروة | 600,000 مشاةٍ — 30,000 فارسٍ — 9,000 فيل حربي [5] |
| مصادر الدخل | ضريبة الأرض — رسوم التجارة — منجم الدولة — الغنائم |
| طريق التجارة الرئيسي | أوتارابات (الطريق الشمالي العظيم): تكساشيلا — باتاليبوترا |
| المصادر الأولية | |
| أرثاشاسترا | تشاناكيا / كوتيليا — دستور الحكم والسياسة والاقتصاد |
| إنديكا | ميغاسثينيس — السفير اليوناني في بلاط تشاندراغوبتا |
| مراسيم أشوكا | 33 نقشاً على الأعمدة والصخور — الأدلة الأثرية المباشرة |
| الإرث الحيّ | |
| الشعار الوطني للهند | رأس الأسد الأشوكي (عمود سارناث) |
| العلم الهندي | عجلة الدهاما الأشوكية (تشاكرا) في وسط العلم |
١. شبه القارة الهندية قبل الموريائيين: مسرح الفوضى والبحث عن الوحدة
لاستيعاب الإمبراطورية الموريائية وأثرها التأسيسي في التاريخ الهندي، لا بدّ من قراءة المشهد السياسي والاجتماعي الذي أفرزها؛ فشبه القارة الهندية قبل القرن الرابع قبل الميلاد كانت فسيفساءً معقدةً من الممالك والجمهوريات الصغيرة المتناحرة، التي خلّفتها الحضارتان الفيدية الكبريان وما أعقبتهما من تشكّلاتٍ سياسية. كانت مرحلة “ماهاجاناباداس” (الممالك السادسة عشر الكبرى) قد شهدت تحولاً تدريجياً من النظام القبلي نحو دولٍ إقليميةٍ أكثر تنظيماً، وفي خضمّ هذه المنافسة صعدت مملكة ماغادا بحكمها الجغرافي المتميز في سهل الغانج وسيطرتها على طرق التجارة الرئيسية لتُهيمن تدريجياً على منافسيها.
وصل الأمير الفارسي المقدوني الإسكندر الأكبر إلى أطراف شبه القارة الهندية بين 327 و325 ق.م، وتوغّل حتى نهر الجهلم (هيدسبيس) في البنجاب، غير أن جنوده المتعبين رفضوا التقدم أكثر، فانسحب غرباً ومات عام 323 ق.م في بابل. خلّف انسحابه فراغاً استراتيجياً واسعاً في شمال غرب شبه القارة الهندية حيث تركت جيوشه الهيلينية حامياتٍ مؤقتة وساتراباتٍ (ولاةً) يونانيين عجزوا عن الصمود طويلاً أمام المقاومة الهندية. وقد استثمر تشاندراغوبتا ماوريا هذا الفراغ بعبقريةٍ استراتيجيةٍ موجّهاً بمستشاره شاناكيا، وأسّس ما سيصبح أكبر إمبراطوريةٍ هندية في التاريخ القديم.[6]
أما أسرة ناندا التي أطاح بها تشاندراغوبتا، فكانت على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة — إذ يُقدَّر أن جيشها ضمّ مئتَي ألف مقاتل — تعاني من أزمة شرعيةٍ سياسية وكراهية شعبية عميقة سببها فرط الضرائب وفساد الإدارة الملكية. وقد استثمر شاناكيا هذا السخط الشعبي بذكاءٍ في تأليب الناس على ناندا وتجنيد المقاتلين حول الأمير الشاب تشاندراغوبتا، مُنهياً بذلك ما كان يصفه بـ”العار الوطني” متجسّداً في أسرةٍ لا شرعية دينية لها وتُرهق الشعب ضرائبها الثقيلة.
٢. شاناكيا وتشاندراغوبتا: الحكيم والملك في شراكةٍ تاريخية
لا يمكن الحديث عن الإمبراطورية الموريائية دون استيفاء شخصية شاناكيا (كوتيليا / فيشنوغوبتا) حقّها من الدراسة المعمّقة؛ فهو المُفكّر السياسي والاستراتيجي البراهمي الذي وُلد حوالي 375 ق.م ودرس في جامعة تكساشيلا الشهيرة حيث أتقن الآداب والفلسفة والاقتصاد والعلوم العسكرية. وتروي المصادر التقليدية الهندية أن الملك ناندا أهانه في بلاطه إهانةً بالغة جعلت شاناكيا يحلف على الانتقام بإسقاط أسرته، فكرّس حياته لتحقيق هذا الهدف. ولمّا التقى بالشاب تشاندراغوبتا رأى فيه الأداة المثلى لمشروعه السياسي الكبير، فتبنّاه وعلّمه وصاغ استراتيجية الإمبراطورية الجديدة من الفراغ.[7]
ألّف شاناكيا كتابه الشهير “أرثاشاسترا” (Arthashastra)، أي “علم الثروة والسلطة”، وهو موسوعةٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ وعسكريةٌ متكاملة تُقارن في عمقها وشمولها بكتاب “الأمير” لميكيافيلّي، لكنها أسبق منه بقرابة ألفَي سنة. يتناول الكتاب في خمسة عشر كتاباً تحليلاً دقيقاً لنظرية الدولة ومبدأ السبتانغا (الأعضاء السبعة للدولة: الملك والوزراء والإقليم والقلعة والخزينة والجيش والحلفاء)، ويُقدّم وصفاتٍ مفصّلةً لكيفية إدارة الحكومة وتنظيم الجيش وجمع الضرائب ومعالجة الفساد وتشغيل شبكات الجواسيس وإدارة العلاقات الخارجية والحروب. وقد وُصف هذا الكتاب بأنه “أقدم رسالةٍ متكاملةٍ في الاقتصاد السياسي في التاريخ الإنساني”، وقد اعترف الاقتصادي الهندي الحائز على نوبل أمارتيا سين بعمق أثر الأرثاشاسترا في الفكر الاقتصادي الهندي.[8]
خطّط شاناكيا مع تشاندراغوبتا بمنهجيةٍ نادرة؛ فبدلاً من مهاجمة عاصمة ناندا مباشرةً وهو الخطأ الذي وقع فيه سابقاً، اعتمد “نظرية الماندالا” (دائرة الدول) المبنية على مبدأ مهاجمة الأطراف أولاً وإضعاف الهيمنة المركزية تدريجياً. فبدأ تشاندراغوبتا بتحرير المناطق الحدودية الشمالية الغربية التي خلا فيها فراغ قوة الإسكندر، ثم زحف جنوباً وشرقاً تدريجياً مُضيّقاً الخناق على ناندا، حتى استطاع مهاجمة باتاليبوترا عاصمتها عام 322 ق.م والاستيلاء عليها وإعلان قيام الإمبراطورية الموريائية.
٣. تشاندراغوبتا ماوريا: المؤسس الذي بنى على الأرض الخاوية
استلم تشاندراغوبتا ماوريا (ح. 340 – 298 ق.م) إمبراطوريةً في طور الحداثة، وعمل بشكلٍ محموم على توطيد أركانها وتوسيع حدودها في الوقت ذاته؛ فبعد أن حسم الداخل الهندي، توجّه غرباً لمواجهة أكبر تهديدٍ خارجي: الإمبراطور السلوقي سيليوقوس الأول نيكاتور الذي ورث ممتلكات الإسكندر الإمبراطورية في آسيا وأراد استعادة المناطق الشمالية الغربية للهند. دارت الحرب السلوقية-الموريائية (305-303 ق.م) ووجد سيليوقوس نفسه أمام خصمٍ أكثر مما توقعه قدرةً وصرامةً؛ فانتهى الأمر بمعاهدةٍ تنازل فيها سيليوقوس عن مناطق شاسعة — تشمل أجزاءً مما هو اليوم أفغانستان وبلوشستان وغيدروسيا — مقابل خمسمئة فيلٍ حربيٍّ أدّى هؤلاء دوراً حاسماً في صالح سيليوقوس في معركة إبسوس الشهيرة 301 ق.م ضد منافسيه الديادوشيين.[9]
أوفد سيليوقوس بموجب المعاهدة السفير اليوناني الذكي ميغاسثينيس إلى بلاط تشاندراغوبتا في باتاليبوترا، وأقام فيها سنواتٍ عدة أرصد خلالها بعينٍ أجنبيةٍ فضولية كل ما رآه. كتب في كتابه “إنديكا” وصفاً لا مثيل له لمدينة باتاليبوترا التي وصفها بـ”أعظم مدينةٍ في العالم المعروف”، تقع عند ملتقى نهرَي الغانج وسون، تحيطها جدرانٌ ضخمة بها أبوابٌ وعشرات الأبراج الحراسية، وبها قصرٌ ملكيٌّ فارهٌ فاق في بهائه قصور عواصم فارس سوسة وبرسيبوليس. ووصف نظام الحكومة البلدية في المدينة بـ”لجنة الثلاثين عضواً المقسّمة على ستّ لجانٍ” تتولى كل منها قطاعاً محدداً: الصناعة والتجارة والأجانب والتعداد السكاني وجمع الضرائب والمعالجة القضائية.[10]
يتميز عهد تشاندراغوبتا بسمةٍ استثنائية نادرة في ملوك الإمبراطوريات الكبرى: فبعد ثلاثةٍ وعشرين عاماً من بناء أعظم إمبراطوريةٍ هندية، تنازل طوعاً عن العرش عام 298 ق.م وفق ما تُرويه المصادر الجاينية، وانتهج طريق الزهد الجايني، ومشى جنوباً نحو شراوانا بيلغولا في ولاية كارناتاكا الحديثة، حيث ينتهي بحسب التقليد الجاينيّ إلى الوفاة بالصيام الطوعي المُقدَّس المعروف بـ”سالليخانا”. يُعبّر هذا التحول عن أصالةٍ روحيةٍ مذهلة في شخصيةٍ أمضت كل حياتها في بناء القوة والسلطة.
٤. بيندوسارا: الإمبراطور المنسيّ بين عظيمَين
خلف بيندوسارا (298 – 272 ق.م) أباه تشاندراغوبتا على العرش، وكان حكمه مرحلةً انتقاليةً حيويةً أقلّ شهرةً بكثيرٍ مما تستحق؛ فرغم وقوعه بين عهد مؤسسٍ فذٍّ وعهد إمبراطورٍ أسطوري، خلّف بيندوسارا بصمةً توسعيةً مهمة. وصفه الكتّاب اليونانيون بلقب “أميتراغاتا” أي “قاتل الأعداء”، في إشارةٍ إلى حملاته العسكرية الجنوبية التي وسّعت حدود الإمبراطورية نحو هضبة الديكان حتى إقليم ميسور وفق ما أورده المؤرخ البوذي التبيتي تارانات. كما حافظ بيندوسارا على شبكة العلاقات الدبلوماسية مع العالم الهيليني؛ فتبادل الرسائل مع الملك السلوقي أنطيوخوس الأول طالباً منه تزويده بـ”خمرٍ حلوة وتينٍ وفيلسوف”، فأجابه أنطيوخوس أنه يمكنه إرسال الخمر والتين لكن الفلاسفة لا يُباعون في اليونان![11]
٥. أشوكا العظيم: من فاتحٍ إلى مُصلحٍ إنسانيٍّ
ارتقى أشوكا إلى السلطة بعد صراعٍ على الخلافة يمتد بين عامَي 272 و268 ق.م، أسفر عن خروجه منتصراً — وإن كانت روايات انتصاره محاطةً بالغموض والمبالغة الأسطورية في بعض المصادر. وكان في سنواته الأولى إمبراطوراً على الطراز الموريائي التقليدي: طموحاً، تمدّدياً، لا يتورع عن استخدام القوة العسكرية أداةً للتوسع. وفي عام 261 ق.م، توجّه نحو مملكة كالينغا (في أوريسا الحديثة، شرق الهند) التي كانت تصمد باستقلاليةٍ ملحوظةٍ على حافة الإمبراطورية وتتحكم بالطرق التجارية البحرية الجنوبية.[12]
انتهت حرب كالينغا بانتصارٍ موريائيٍّ ساحق؛ لكنه كان انتصاراً بكلفةٍ بشريةٍ رهيبة وصفها أشوكا نفسه في مرسوم الصخرة الثالث عشر — أنفس وثائقه الذاتية — بعباراتٍ مؤلمةٍ لا تخطئ عمق التوبة والندم:
“قُتل من كالينغا مئةٌ وخمسون ألفاً، ونُفي مئةٌ وخمسون ألفاً آخرون، وهلك من المرض والجوع ما يزيد على ذلك بكثير. ويُحزن محبّ الآلهة حزناً بالغاً لكل ذلك. فقتل البراهمة والرهبان والسكان الآخرين أشدّ ما يُحزن محبّ الآلهة.”
— أشوكا، مرسوم الصخرة الثالث عشر، ح. 260 ق.م، ترجمة باحثية عن براكريت قديمة
كان هذا المرسوم وغيره من مراسيم أشوكا وثيقةً نادرةً في التاريخ القديم: ملكٌ يعلن توبته العلنية ويوثّق ندمه على أفعاله في نقوشٍ تعلوها الجبال والأعمدة الشاهقة أمام أنظار رعاياه وخلفائه إلى الأبد. وقد قرّر أشوكا بعد كالينغا أن يُوقف التوسع العسكري الجديد ويُحوّل الطاقة الإمبراطورية نحو مشروعٍ مختلفٍ كلياً: نشر الدهاما وبناء دولة رعاية حقيقية.
٦. أشوكا والدهاما: نظام الحكم بالأخلاق
أسّس أشوكا مفهوم “الدهاما” (Dhamma) — وهي كلمة براكريت مشتقة من السنسكريتية “دهارما” — بوصفه إطاراً أخلاقياً وحوكمياً عاماً يُوجّه سياسات الدولة، وكان يُوضّح في مراسيمه أنه ليس بالضرورة ديناً بعينه بل منظومة قيمية شاملة تقوم على: اللاعنف والرحمة بالكائنات الحية جميعها، والصدق والتسامح الديني، والتكافل الاجتماعي ورعاية الضعفاء، والولاء للأهل والأقارب والمجاورين والعبيد والرقيق، والامتناع عن الإسراف والتبذير. وقد تُرجمت هذه المبادئ إلى سياساتٍ حكومية فعلية: فأصدر أشوكا أوامر بتقليص الذبح في المطابخ الملكية تدريجياً، ومنع الصيد في مناطق معيّنة خلال مواسم التكاثر، وأسّس المستشفيات للإنسان والحيوان على حدٍّ سواء، وأقام دوراً للراحة والاستراحة على الطرق العامة، وزرع الأشجار على جانبَي الطرق لتوفير الظل للمسافرين والحيوانات.[13]
أمّا التسامح الديني فكان ركيزةً محوريةً في سياسة أشوكا؛ إذ كان يُؤكّد في مراسيمه صراحةً احترام الدولة لكل الأديان والطوائف — الهندوسية والبوذية والجاينية والأجيفيكية والبراهمية — ويحذر من انتقاد الآخرين الديني الذي يصفه بأنه يُضرّ بالدين الذي يُنتقَد به ويُضرّ بالدين الذي ينتقده في آنٍ معاً. وقد عيّن موظفين خاصين يُسمّون “ضباط الدهاما” (Dhamma Mahamattas) مهمّتهم التجوال في الإمبراطورية لضمان تطبيق مبادئ الدهاما ورصد حالات الظلم والتعدي وتصحيحها. وعيّن فوقهم “مراقبي الرعية” (Rajukas) ليُشرفوا على أداء الموظفين وضمان أن القرارات القضائية تُطبَّق بالعدل.
٧. مراسيم أشوكا: أعمدة الحكمة الخالدة
تُمثّل مراسيم أشوكا المنقورة على الأعمدة والصخور ووجوه الكهوف الدليلَ الأثري المباشر الأغنى على الإمبراطورية الموريائية، وهي في الوقت ذاته وثائق نادرة في تاريخ الحكم القديم لأنها تعكس صوت الحاكم مباشرةً إلى شعبه بلغاتهم المحلية (البراكريت واليونانية والآرامية بحسب المنطقة). بلغت النقوش الموثّقة ثلاثةً وثلاثين نقشاً مصنّفاً بين المراسيم الصخرية الكبرى والصغرى، ومراسيم الأعمدة الكبرى والصغرى، ومراسيم الكهوف والمراسيم المنفردة.[14]
الأعمدة الأشوكية نفسها تحفٌ هندسيةٌ وفنيةٌ استثنائية؛ كان ارتفاع كل عمودٍ يتراوح بين اثنَي عشر وخمسة عشر متراً، وكان وزنه يبلغ نحو خمسين طناً من الحجر الرمليّ الأملس الذي يُجلَب من مناجم تشوناربور البعيدة. وكانت تُتوَّج برؤوسٍ منحوتةٍ على شكل حيواناتٍ رمزية: الأسود والثور والخيل والفيل. أبرزها عمود سارناث المشهور الذي يعلوه رأس الأسد الرباعي المتجه نحو الجهات الأربع — وهو الذي غدا الشعارَ الوطني للجمهورية الهندية الحديثة منذ استقلالها عام 1947م.
وتستمدّ عجلة الدهاما (تشاكرا) المنقوشة في أسفل الأسد أشوكي الشعار معناها من قرار بوذا الأول بتعليم الدهاما بعد تنويره في سارناث، وهي العجلة ذاتها التي تزيّن وسط العلم الهندي باللون الأزرق النيلي حتى اليوم. وبذلك يحمل أصغر طفلٍ هندي يلوّح بعلم وطنه إرثاً أشوكياً موريائياً عمره أكثر من ألفَين وثلاثمئة عام.
٨. النظام الإداري الموريائي: أولى الدول البيروقراطية المركزية في آسيا
بنى تشاندراغوبتا بإرشاد شاناكيا جهازاً إداريةً مركزياً لا مثيل له في الهند القديمة؛ فكان الملك (الإمبراطور) القمة المطلقة في الهرم يمسك بزمام السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والعسكرية، يُعاونه مجلس وزراء (مانتريباريشاد) يضم المختصين والقادة والمستشارين. وتحتَ هذا الثنائي، قُسّمت الإمبراطورية إلى أربع مقاطعاتٍ رئيسيةٍ كبرى يرأسها الأمراء الملكيون كحكامٍ إقليميين (“كومارا” أو “آريابوترا”)، ثم إلى مناطق يرأسها مديرون من الدرجة الثانية، ثم إلى مقاطعاتٍ أصغر يتولاها “راجوكا”، وصولاً إلى وحدة القرية يتولى إدارتها “غرامانيَ” (العمدة المحلي).[15]
كانت شبكة الجواسيس (“غودهابوروشا”) ركيزةً لا غنى عنها في منظومة الحكم الموريائية؛ فيصف الأرثاشاسترا بتفصيلٍ استثنائيٍّ كيف يُعيَّن عملاءٌ سريون في كل القطاعات — بين التجار والرهبان والعمال والمعلمين والخدم — ليُرفعوا تقاريرهم مباشرةً إلى الملك أو وكلائه الخاصين. وكان هؤلاء الجواسيس لا يقتصرون على رصد الأعداء الخارجيين، بل يراقبون أيضاً كبار مسؤولي الدولة والجنرالات والأسرة الملكية للتأكد من انتفاء الفساد والخيانة. وصف الأرثاشاسترا هذه الشبكة بالقول إن “ثلاثةً وسبعين نوعاً من الجواسيس ينبغي توظيفها في خدمة الدولة.”
أولت الإمبراطورية الموريائية اهتماماً استثنائياً بالاقتصاد وتنظيمه؛ فكانت أراضي التاج (“سيتا”) الزراعية المملوكة مباشرةً للدولة تُدار بواسطة مشرفين حكوميين، وتُنتج جزءاً كبيراً من الإيرادات. كما تحكّمت الدولة في تجارة الذهب والمعادن الثمينة والإنتاج المعدني وفق تفاصيل مذكورة في الأرثاشاسترا. وشملت الرقابة الحكومية على التجارة نظامَ الموازين والمقاييس الموحّدة التي فرضها المراقبون الحكوميون (“بانياديكشا”) في الأسواق. وكانت الرسوم الجمركية على السلع المتداولة بين المدن مصدراً رئيسياً للإيرادات الإمبراطورية.[16]
٩. الجيش الموريائي: القوة التي صنعت الإمبراطورية
وصف ميغاسثينيس في كتابه إنديكا الجيش الموريائي وصفاً مُبهراً يؤكد تفوّقه الهائل على معاصريه؛ فكان هذا الجيش في عهد تشاندراغوبتا يضم وفق رواياته ستمئة ألف جنديٍّ مشاة وثلاثين ألف فارس وتسعة آلاف فيلٍ حربيٍّ حسبما ورد في المصادر، وإن كان بعض المؤرخين الحديثين يُشككون في دقة هذه الأرقام. ووفّر هذا الجيش الضخم الرهبةَ التي دفعت الحكام المحليين إلى قبول التبعية الموريائية سلماً في أحيانٍ كثيرة دون اللجوء إلى الحرب. وكان يُديره جهازٌ عسكريٌّ من ستّ لجانٍ متخصصة وفق ما يروي ميغاسثينيس: بحريةٌ ومشاةٌ وفرسانٌ وعرباتٌ وجملٌ وفيولٌ حربية، يشرف على كلٍّ منها خبراء متخصصون.[17]
كانت الفيلة الحربية العمودَ الفقري للقوة الموريائية على أرض المعركة؛ إذ كانت تُنظَّم في كتائب متخصصة، يجلس على ظهر كل فيلٍ مقاتلٌ مُدرَّب (“محاوت”) يتحكّم بحركته، وأربعةٌ من المقاتلين المسلّحين على برجٍ خشبيٍّ فوق ظهر الفيل. وكانت قدرة هذه الكتائب على كسر الصفوف الدفاعية وتفريق الفرسان والمشاة لا تُضاهيها قوةٌ أخرى في العالم القديم آنذاك، مما يُفسّر حرص سيليوقوس على استبدال مناطق شاسعة من آسيا الوسطى بخمسمئة فيلٍ موريائي.
١٠. علاقات الإمبراطورية الخارجية: الهند في مركز الكون المتعدد الحضارات
خلافاً للصورة النمطية التي تُصوّر شبه القارة الهندية القديمة كياناً منعزلاً عن العالم الخارجي، فإن الإمبراطورية الموريائية كانت منخرطةً انخراطاً عميقاً في منظومة العلاقات الدولية المعاصرة لها؛ فبعد المعاهدة مع سيليوقوس، حافظت الإمبراطورية على علاقاتٍ دبلوماسية دافئة مع خلفاء الإسكندر الديادوشيين. وأوفد أشوكا بعثاتٍ دبلوماسيةً بوذية إلى سيلان (سيريلانكا) ومصر البطلمية وسوريا السلوقية وشمال أفريقيا ومقدونيا واليونان، حاملةً رسائله الأخلاقية الداعية إلى التحوّل نحو اللاعنف والدهاما.
ويُورد أشوكا في مرسوم الصخرة الثاني عشر أسماء الحكام الهيلينيين الذين أرسل إليهم رسائل الدهاما، بما فيهم أنطيوخوس الثاني السلوقي وبطليموس الثاني الفيلادلفوس ومقدونيا وإيبيرس (الجزيرة الأيبيرية). وقد عثر المؤرخون على مراسيم أشوكا منقوشةً باللغتَين اليونانية والآرامية في منطقة قندهار في أفغانستان، مما يُثبت الطابع الدولي الفعلي للإمبراطورية ولغات إدارتها في المناطق المتاخمة للعالم الهيليني.[18]
١١. الفن والعمارة الموريائية: الحجر يتكلم
أحدثت الإمبراطورية الموريائية ثورةً في الفن والعمارة الهندية تتجلى في عدة ميادين؛ فعلى الصعيد المعماري، أسّس أشوكا ما لا يقل عن أربعةٍ وثمانين ألف ستوبا (Stupa) بوذية وفق التقاليد البوذية — وإن كان الرقم مبالغاً فيه — منها بعضٌ لا يزال قائماً حتى اليوم كستوبا سانتشي الكبرى التي تُعدّ من أعظم روائع العمارة البوذية في العالم. وأنشأ أشوكا شبكةً واسعةً من الأديرة والكهوف المحفورة في الصخر للرهبان البوذيين، تشمل كهوف باراباري وسيتا ماريهي في جبال باراباري (بيهار الحديثة).
أما الأعمدة الأشوكية، فتمثّل إنجازاً هندسياً بالغاً لا يزال يُثير إعجاب العلماء حتى اليوم؛ فالتقنية التي أُحكم بها صقل سطح الحجر الرملي حتى بلغ مستوى اللمعان شبه المعدني — المعروفة بـ”بريق الموريا” — لا تزال تثير تساؤلاتٍ أثريةٍ وهندسية حول الأدوات والأساليب المستخدمة في تلك الحقبة. وقد بقيت عدة أعمدةٍ سليمةً كعمود لاوريا أراراج وعمود لاوريا نانداغار وعمود أليهاباد (الذي نُقل لاحقاً) وعمود سارناث الشهير.
١٢. أسباب انهيار الإمبراطورية الموريائية
شرعت الإمبراطورية الموريائية في الانحدار التدريجي منذ وفاة أشوكا عام 232 ق.م؛ إذ تعاقب على العرش بعده ستة أباطرة خلال سبعٍ وأربعين عاماً لم يمتلك أيٌّ منهم الكاريزما والكفاءة اللازمتين لإمساك الإمبراطورية الواسعة المترامية. وقد استقلت الولايات الجنوبية والشمالية الغربية تدريجياً مستثمرةً ضعف المركز، فيما نهضت مناطق الديكان بكياناتٍ جديدة كمملكة سيمهاشالا وإمارات أخرى في جنوب الهند. ومنح الضعف المركزي التدريجي الملوكَ الإقليميين شجاعةً متصاعدةً في التمرد وإعلان استقلالهم.[19]
يُجادل بعض المؤرخين، كبداً روميلا ثابار وغيره من أعلام الدراسات التاريخية الهندية، بأن سياسة أشوكا الدهامية ذاتها — وإن كانت مثيرةً للإعجاب أخلاقياً — ربما أسهمت في إضعاف المؤسسة العسكرية الموريائية؛ إذ قلّصت الإيرادات الإمبراطورية من خلال الإعفاءات الضريبية للمؤسسات البوذية وأثّرت على عقيدة الفتح العسكري التي كانت تُمسك الإمبراطورية معاً. في المقابل يرفض مؤرخون آخرون هذا التفسير مُشيرين إلى أن الإمبراطورية قاومت لخمسين عاماً بعد أشوكا قبل سقوطها، مما يُضعف مباشرة هذا الربط السببي.
وفي عام 185 ق.م، أطاح الجنرال بوشياميترا شونغا بآخر الأباطرة الموريائيين برهادراثا واغتاله في عرضٍ عسكري أمام الجنود في مشهدٍ دراميٍّ يُؤشّر على عمق انحلال السلطة الإمبراطورية؛ فحين يتجرأ جنرالٌ على قتل إمبراطوره علناً أمام الجيش، يعني ذلك أن هيبة المؤسسة الملكية قد بلغت حضيضها المطلق. ووجد شونغا بعد انقلابه ترحيباً واسعاً لا قاومةً تُذكر، مما يكشف مدى الاستهلاك الشعبي لسلطةٍ إمبراطوريةٍ فقدت قدرتها على الإلهام والإقناع.
١٣. الإرث الخالد للإمبراطورية الموريائية
يمتد إرث الإمبراطورية الموريائية امتداداً استثنائياً عبر أكثر من ألفَين وثلاثمئة عام؛ فعلى الصعيد الحضاري والديني، كانت الإمبراطورية الموريائية وبشكلٍ خاص سياسات أشوكا المسؤولَ الأول عن تحويل البوذية من دينٍ إقليمي هندي محدود الانتشار إلى ديانةٍ عالمية؛ فبعثاته الدينية إلى سيلان وبورما وتايلاند أسّست لأصول البوذية في تلك البلدان، وعبر القرون وصلت إلى الصين واليابان وكوريا وتبت وجنوب شرق آسيا. ولا تزال البوذية اليوم من أكبر ديانات العالم بأكثر من خمسمئة مليون تابع.
وعلى الصعيد السياسي والحكامي، ترك الأرثاشاسترا لشاناكيا بصمةً عميقةً في تاريخ الفكر السياسي؛ فهو يُدرَّس في كليات الحكم والسياسة والاقتصاد حول العالم بوصفه نموذجاً في التفكير الاستراتيجي الواقعي، وقد أُعدّت حوله آلاف الدراسات الأكاديمية، وترجم إلى عشراتٍ من اللغات. ويُجادل بعض المحللين بأن الحكم البيروقراطي الهندي ذو التسلسل الهرمي الواضح هو في جوهره إرثٌ موريائيٌّ تحوّل إلى أنماطٍ ثقافيةٍ متجذّرة في منهج الحكم الهندي.
وأمّا أشوكا العظيم فلا يزال يحتلّ مكانةً رمزيةً فريدة في الوعي الحضاري الإنساني؛ فهو أحد الحالات النادرة في التاريخ حين قرّر حاكمٌ في قمة قوته أن يتخلى طوعاً عن التوسع العسكري لصالح المُثل الأخلاقية. وقد ألهم نموذجُه لاحقاً كثيراً من المصلحين والفلاسفة والزعماء، وكتب عنه المؤرخ إيتش جي ويلز في كتابه “خلاصة التاريخ” (Outline of History) عبارته الشهيرة:
“بين عشرات الآلاف من الأسماء الملكية التي تزدحم بها صفحات التاريخ في الغالب مكسوةً بالدم والمجد الزائف والمظالم المنسية، يلمع اسم أشوكا كنجمٍ وحيدٍ تقريباً.”
— هربرت جورج ويلز، خلاصة التاريخ (Outline of History)، 1920م
والأجمل في إرث الإمبراطورية الموريائية أنها لا تزال حاضرةً في يوميات الهند الحديثة بشكلٍ يتجاوز الأكاديميا والكتب المدرسية؛ فكل هندي يحمل جواز سفره يرى عليه رأس الأسد الأشوكي، وكل من يُلقي نظرةً على العلم الهندي يرى عجلة الدهاما الأشوكية في قلبه، وكل من يتناول ورقةً نقديةً هندية يصادف الشعار الموريائي الخالد. لا إمبراطوريةٌ أخرى في التاريخ القديم استطاعت أن تُبقي حضورها الرمزي حياً في ممارسات الدولة اليومية بعد أكثر من ألفَين وثلاثمئة عام بهذا الوضوح والمباشرة.