مَعركة نهاوند معركة فاصلة وقعت سنة 21هـ الموافقة لعام 642م بين جيوش الخلافة الراشدة بقيادة النعمان بن مقرن وبين آخر جيش ساساني كبير حشدته الإمبراطورية الفارسية بقيادة الفيروزان ومردانشاه المعروف بذي الحاجبين. جرت المعركة في الممرات الجبلية المحيطة بمدينة نهاوند الواقعة جنوب همدان في غرب بلاد فارس، وانتهت بهزيمة ساحقة للجيش الفارسي وبمقتل قائديه، فيما استشهد القائد المسلم النعمان بن مقرن في أثناء المعركة وتولى حذيفة بن اليمان القيادة من بعده حتى تحقق النصر. عُرفت هذه الواقعة في المصادر الإسلامية باسم “فتح الفتوح” لأنها قضت على قدرة الدولة الساسانية على حشد جيش موحد آخر، ومهّدت الطريق لسقوط ما تبقى من هضبة إيران بيد المسلمين خلال العقد التالي.[1]
| معلومات عامة | |
| التاريخ | 21هـ / 642م (تتفاوت المصادر العربية القديمة بين 18هـ/639م و21هـ/641-642م) |
| الموقع | نهاوند، شمال جبال زاغروس، غرب بلاد فارس (إيران حاليًا) |
| النتيجة | انتصار حاسم للمسلمين وتفكك آخر جيش ساساني موحّد |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | الخلافة الراشدة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب |
| الطرف الثاني | الإمبراطورية الساسانية، في عهد يزدجرد الثالث |
| القادة | |
| قادة المسلمين | النعمان بن مقرن (قائد الجيش، استُشهد في المعركة) · حذيفة بن اليمان (تولى القيادة بعد استشهاد النعمان) |
| قادة الفرس | الفيروزان (قُتل) · مردانشاه المعروف بذي الحاجبين (قُتل) |
| القوى | |
| الجيش الإسلامي | نحو 30,000 مقاتل |
| الجيش الساساني | تقديرات متباينة تراوحت بين 50,000 و150,000 مقاتل بحسب المصادر |
| الخسائر | |
| خسائر المسلمين | خسائر جسيمة، من أبرز ضحاياها القائد النعمان بن مقرن |
| خسائر الفرس | خسائر فادحة قُدّرت في بعض الروايات بعشرات الآلاف |
الانهيار الساساني بعد القادسية وجلولاء
جاءت معركة نهاوند تتويجًا لسلسلة من الهزائم المتتالية التي منيت بها الدولة الساسانية أمام الجيوش الإسلامية منذ معركة القادسية التي أسقطت عاصمتها المدائن (طيسفون)، ثم معركة جلولاء التي فتحت الطريق نحو هضبة إيران الداخلية. مع تقدّم المسلمين شرقًا خلال خلافة عمر بن الخطاب، تقلّصت رقعة السيطرة الساسانية الفعلية إلى جيوب متناثرة في الجبال الوسطى والشرقية من بلاد فارس، بينما حاول يزدجرد الثالث، آخر ملوك الأسرة الساسانية، إعادة تنظيم ما تبقى من قواته العسكرية والإدارية لصد الزحف الإسلامي المتواصل.[2]
حشد القوات الفارسية في نهاوند
اختار يزدجرد الثالث مدينة نهاوند مقرًا لحشد ما تبقى من قوى إمبراطوريته، إذ كانت المدينة تحتل موقعًا استراتيجيًا على الطريق التاريخي الرابط بين وسط العراق وكرمانشاه وشمال بلاد فارس، وتقع على مسافة نحو تسعين كيلومترًا جنوب همدان، تفصلها عنها كتلة جبل ألوند الشاهقة.[3] وقد دعا يزدجرد الفلول العسكرية المتبقية من مختلف أنحاء الإمبراطورية إلى التجمع في نهاوند، فاجتمع فيها ما وُصف بأنه آخر جيش ساساني كبير قادر على مواجهة المسلمين في معركة فاصلة، تولى قيادته الفيروزان بمساعدة القائد مردانشاه الملقب بذي الحاجبين، وتحصّن هذا الجيش في مواقع دفاعية قوية داخل المدينة وحولها.[4]
الزحف الإسلامي وبداية الحصار
عندما بلغ الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة نبأ هذا الحشد الفارسي الكبير، أدرك خطورة الموقف وقرر توجيه جيش رئيسي لمواجهته، فعهد بقيادته إلى النعمان بن مقرن المزني، أحد الصحابة ذوي الخبرة العسكرية، وضمّ الجيش عددًا من القادة والمقاتلين المخضرمين الذين شاركوا في معارك الفتح السابقة. توجه الجيش الإسلامي، الذي قُدِّر بنحو ثلاثين ألف مقاتل، نحو نهاوند وفرض حصارًا حول تحصينات الجيش الفارسي المتمركز فيها، في مواجهة قوة فارسية فاقت عدد المسلمين بأضعاف بحسب أغلب الروايات.[5]
خطة الانسحاب المتظاهر وكمين الممر الجبلي
بعد اشتباكات أولية غير حاسمة بين الطرفين، ولمّا أدرك النعمان بن مقرن استحالة اقتحام التحصينات الفارسية المنيعة بالقوة المباشرة، لجأ إلى خطة تكتيكية قوامها التظاهر بالانكسار والانسحاب من ساحة المعركة لاستدراج القوات الفارسية إلى خارج مواقعها الحصينة. وقع الفيروزان في الفخ، إذ ترك مواقعه المحصّنة واندفع بجيشه في مطاردة المسلمين المتراجعين ظاهريًا، وهو ما شكّل خطأ تكتيكيًا فادحًا اضطر الجيش الساساني معه إلى القتال في تضاريس غير مواتية، حيث انحصر بين ممرين جبليين ضيقين لم يترك له متسعًا للمناورة.[6]
استشهاد النعمان بن مقرن وتولي حذيفة بن اليمان القيادة
في ذروة المعركة الحاسمة داخل الممر الجبلي، استُشهد القائد النعمان بن مقرن، فتولى حذيفة بن اليمان قيادة الجيش الإسلامي فورًا حرصًا على تماسك الصفوف واستمرار المعركة دون تراجع، وفق ما تورده المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة كتاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري. أدى تبدّل موقع الجيش الفارسي إلى محاصرته بين المسلمين ومضايق الجبال المحيطة، فانقلبت المطاردة إلى مذبحة حقيقية بحق القوات الفارسية، وقُتل خلال المعركة كل من الفيروزان ومردانشاه ذي الحاجبين، وهما القائدان الرئيسيان للجيش الساساني.[7]
سقوط نهاوند وفتح همدان
عقب الانتصار الحاسم في الممر الجبلي، أحكم المسلمون سيطرتهم على مدينة نهاوند وضواحيها، وتوالى سقوط المدن المجاورة تباعًا. فقد سقطت همدان بعد المعركة مباشرة، بعدما حاول قائد فارسي يدعى خسرو-شنوم مواجهة المسلمين عند قصر شيرين قبل أن ينسحب إلى قاعدته مانحًا الملجأ للفارّين من ساحة المعركة، لكن همدان استمرت في مقاومة متقطعة للحكم العربي حتى بعد هزيمتها الحاسمة عند واجرود.[8] كما فتح المسلمون بعد ذلك أصفهان (سپاهان) وغيرها من المدن الفارسية الكبرى التي كانت لا تزال خارج نطاق السيطرة الإسلامية المباشرة.[9]
فرار يزدجرد الثالث ونهاية الدولة الساسانية
مثّلت هزيمة نهاوند الضربة القاضية لقدرة الدولة الساسانية على حشد جيش موحد آخر، فاضطر يزدجرد الثالث إلى الفرار شرقًا نحو مرو، الحصن الحدودي الشمالي الشرقي للإمبراطورية، إلا أنه لم يفلح في جمع قوة عسكرية كبيرة أخرى. وقد ساءت علاقته بمرزبان مرو ماهويه بسبب مطالب يزدجرد المرهقة، فانقلب عليه هذا الأخير مستعينًا بالهفتاليين من باذغيس، وانتهى الأمر بمقتل يزدجرد الثالث على يد طحّان بالقرب من مرو طمعًا في ماله، لتنطفئ بذلك آخر شعلة من حكم الأسرة الساسانية التي دامت أكثر من أربعة قرون، ويكتمل فتح إيران عمليًا بحلول عام 651م.[10]
الأهمية التاريخية: فتح الفتوح
حظيت معركة نهاوند بمكانة استثنائية في الذاكرة التاريخية الإسلامية، إذ عُرفت باسم “فتح الفتوح” نظرًا لما ترتب عليها من نتائج استراتيجية بعيدة المدى، فهي لم تكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل كانت المعركة التي حسمت مصير الصراع بين الخلافة الراشدة والإمبراطورية الساسانية لصالح المسلمين بشكل نهائي تقريبًا. فبعد نهاوند، لم يعد بإمكان الساسانيين تنظيم مقاومة مركزية موحدة، وتحوّل الصراع إلى سلسلة من الفتوحات المتفرقة لإخضاع المدن والأقاليم الفارسية الواحد تلو الآخر، وهو ما مهّد الطريق لعملية أوسع من التحول الديني والثقافي في الهضبة الإيرانية استغرقت قرونًا لاحقة.[11]
تباين الروايات التاريخية حول تاريخ المعركة وتفاصيلها
تتفاوت المصادر العربية المبكرة، مثل تاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري وتاريخ الدينوري، في تحديد التاريخ الدقيق لوقوع معركة نهاوند، إذ تتراوح الروايات بين سنة 18هـ الموافقة لعام 639م وسنة 21هـ الموافقة لعامي 641-642م، وهو ما يعكس طبيعة التأريخ الشفهي والانتقائي الذي اتسمت به كتابات الفتوح الإسلامية المبكرة قبل تدوينها بعقود.[12] كذلك تتباين تقديرات أعداد المقاتلين وحجم الخسائر تباينًا واسعًا بين المصادر، فبينما تذهب بعض الروايات إلى أن الجيش الفارسي بلغ 150,000 مقاتل، تكتفي روايات أخرى بتقديرات أقل تراوحت بين خمسين ومئة ألف، وهو تفاوت شائع في وصف جيوش الفتوحات الإسلامية المبكرة، ويستدعي التعامل مع الأرقام المطلقة بشيء من الحذر المنهجي بدلًا من اعتمادها كحقائق قطعية.[13]