شكّلت معركة ميدواي، التي دارت رحاها بين الثالث والسادس من يونيو عام ١٩٤٢ قرب جزيرة ميدواي المرجانية في وسط المحيط الهادئ، إحدى أكثر المواجهات البحرية حسمًا في تاريخ الحرب العالمية الثانية، وقد خيضت جلّ فصولها بواسطة الطائرات المنطلقة من حاملاتها دون احتكاك مباشر بين السفن السطحية للطرفين المتحاربين[1]. واجه فيها الأسطول الإمبراطوري الياباني، الذي كان لا يزال يحتفظ بزخم انتصاراته منذ هجوم بيرل هاربر، أسطول الولايات المتحدة الأصغر عددًا في المحيط الهادئ، في معركة انتهت بتدمير القوة الضاربة الأولى لحاملات الطائرات اليابانية وفقدان معظم طياريها المدرَّبين ذوي الخبرة القتالية الطويلة[1]. ولم تكن ميدواي انتصارًا عسكريًا عابرًا بقدر ما مثّلت نقطة تحوّل استراتيجي أعادت التكافؤ النسبي بين الأسطولين المتحاربين في المحيط الهادئ، ووضعت حدًا نهائيًا لقدرة اليابان على شنّ عمليات هجومية واسعة النطاق، لتنتقل المبادرة تدريجيًا إلى الجانب الأمريكي بدءًا من معركة غوادالكانال التي تلتها بأشهر قليلة[2]. وقد كان للتفوق الاستخباراتي الأمريكي، المتمثل في فك الشيفرة البحرية اليابانية، الدور الحاسم في تمكين القوات الأمريكية الأقل عددًا من مباغتة الأسطول الياباني وتحويل ميزان القوى لصالحها رغم التفاوت الكبير في العتاد[3].
| معلومات عامة | |
| التاريخ | ٣ – ٦ يونيو ١٩٤٢ |
| الموقع | جزيرة ميدواي المرجانية، وسط المحيط الهادئ |
| السياق | الحرب العالمية الثانية – حرب المحيط الهادئ |
| النتيجة | انتصار حاسم للولايات المتحدة |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | الولايات المتحدة الأمريكية |
| الطرف الثاني | الإمبراطورية اليابانية |
| القادة | |
| القيادة الأمريكية | الأدميرال تشيستر نيميتز، الأدميرال فرانك فليتشر، الأدميرال ريموند سبروانس |
| القيادة اليابانية | الأدميرال إيسوروكو ياماموتو، نائب الأدميرال تشويتشي ناغومو |
| القوى المشاركة (تقريبية) | |
| القوة الأمريكية | ٣ حاملات طائرات، حوالي ٢٥ سفينة سطحية، ونحو ٣٦٠ طائرة (بحرية وبرية) |
| القوة اليابانية | ٤ حاملات طائرات رئيسية ضمن قوة ضاربة أوسع تضم عشرات السفن السطحية والغواصات |
| الخسائر | |
| الخسائر الأمريكية | حاملة طائرات واحدة (يوركتاون)، مدمرة واحدة (هامان)، نحو ١٥٠ طائرة، و٣١٧ قتيلًا |
| الخسائر اليابانية | ٤ حاملات طائرات، طرادة ثقيلة واحدة، نحو ٣٢٠ طائرة، وقرابة ٣٠٠٠ قتيل |
خلفية استراتيجية: اليابان بعد ستة أشهر من الانتصارات
عقب الهجوم المباغت على بيرل هاربر في ديسمبر ١٩٤١، اجتاحت القوات اليابانية بسرعة لافتة مساحات شاسعة من جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ الغربي، من الفلبين وسنغافورة إلى جزر الهند الشرقية الهولندية، دون أن تلقى مقاومة تُذكر توقف زحفها[4]. غير أن معركة بحر المرجان في مطلع مايو ١٩٤٢، التي جرت قبيل ميدواي بأسابيع قليلة، مثّلت أول توقف فعلي لهذا الزخم الياباني، إذ حالت القوات الأمريكية دون احتلال بورت مورسبي، وإن كانت الخسائر متقاربة نسبيًا بين الطرفين. في هذا السياق، سعى الأدميرال إيسوروكو ياماموتو، القائد الأعلى للأسطول المشترك الياباني، إلى فرض معركة حاسمة تستدرج ما تبقى من حاملات الطائرات الأمريكية إلى كمين بحري واسع النطاق قرب ميدواي، بهدف تدميرها نهائيًا وتأمين محيط دفاعي بعيد يحمي الجزر اليابانية الرئيسية من أي هجوم مقبل، تمهيدًا لاحتلال الجزيرة نفسها كقاعدة متقدمة تهدد هاواي مباشرة[5]. كانت ميدواي، وهي جزيرة مرجانية صغيرة لا تتجاوز مساحة يابستها بضعة كيلومترات مربعة، قد أُلحقت رسميًا بالولايات المتحدة منذ عام ١٨٦٧، وحوّلتها القيادة الأمريكية إلى قاعدة جوية وبحرية متقدمة حصينة، ما جعلها الهدف الأمثل لخطة ياماموتو الطموحة التي جمعت في آنٍ واحد أسطولًا ضاربًا وقوة احتلال وقوة تغطية استولت في الوقت نفسه على جزيرتي كيسكا وأتو في سلسلة ألوشيان كعملية تشتيتية موازية.
كسر الشيفرة اليابانية: التفوق الاستخباراتي الحاسم
لم يكن بمقدور الأسطول الأمريكي الأصغر عددًا مواجهة القوة اليابانية الضخمة لولا الإنجاز الاستخباراتي الذي حققه محللو الشيفرة في محطة “هايبو” بهاواي، الذين تمكنوا من فك جزء كبير من الشيفرة البحرية اليابانية “جي إن-٢٥” قبل أشهر من المعركة. وقد ظل الغموض يكتنف الهدف الحقيقي للعملية اليابانية التالية، إذ أشارت الرسائل المعترَضة إلى موقع مشفّر باسم “إيه إف” فحسب. عمد المحللون الأمريكيون إلى حيلة استخباراتية بسيطة وفعّالة، إذ أرسلوا من قاعدة ميدواي رسالة لاسلكية مموّهة تفيد بعطل في محطة تحلية المياه، فأعقب ذلك رصد رسالة يابانية تفيد بأن “إيه إف” تعاني نقصًا في المياه العذبة، وهو ما أكّد بما لا يدع مجالًا للشك أن ميدواي هي الهدف المقصود، كما تمكن المحللون من تحديد تاريخ الهجوم المرتقب بين الرابع والخامس من يونيو[5]. بفضل هذا التفوق المعلوماتي، أمكن للأدميرال تشيستر نيميتز، القائد الأعلى لأسطول المحيط الهادئ الأمريكي، أن يحشد قواته المحدودة في الموضع الصحيح والزمن الصحيح، فيما كانت القيادة اليابانية لا تزال تعتقد أنها تباغت خصمًا غافلًا.
ترتيب القوى المتحاربة
حسب الروايات القتالية الرسمية لمكتب الاستخبارات البحرية الأمريكي، جُهّزت فرقتان مهمتان أمريكيتان للمواجهة: “فرقة العمل سُوغَر” بقيادة الأدميرال ريموند سبروانس، وضمت حاملتَي الطائرات إنتربرايز وهورنت وخمس طرادات ثقيلة وطرادة خفيفة وتسع مدمرات، و”فرقة العمل فوكس” بقيادة الأدميرال فرانك فليتشر وضمت حاملة الطائرات يوركتاون التي أُعيد إصلاحها في غضون ثلاثة أيام فقط في حوض بيرل هاربر بعد أضرار بحر المرجان، إضافة إلى طرادتين ثقيلتين وخمس مدمرات، وتولى فليتشر القيادة العامة للقوتين مجتمعتين[6]. واستُكملت هذه القوة البحرية بحشد جوي مكثف على جزيرة ميدواي نفسها ضم أسراب من طائرات القوارب البحرية “بي بي واي” وطائرات “بي-١٧” الثقيلة التابعة للجيش، إلى جانب سرب من مقاتلات وقاذفات مشاة البحرية. في المقابل، جمع ياماموتو قوة ضخمة متعددة الأذرع، كان قلبها “قوة الضرب” بقيادة نائب الأدميرال تشويتشي ناغومو، وضمت أربع حاملات طائرات كبرى شاركت جميعها في هجوم بيرل هاربر: أكاغي وكاغا وسوريو وهيريو، تحرسها بارجة وطرادتان ثقيلتان واثنتا عشرة مدمرة، إلى جانب قوة دعم وقوة احتلال منفصلتين تضمان بوارج وطرادات وسفن نقل وغواصات، ما جعل مجمل القوة اليابانية أضخم عدة مرات من القوة الأمريكية، وإن كان تشتتها الجغرافي الواسع قد أضعف قدرتها على التنسيق اللحظي[6].
الرابع من يونيو: الهجوم الياباني على ميدواي وانطلاق المعارك الجوية
في الساعات الأولى من فجر الرابع من يونيو، أقلعت من حاملات ناغومو موجة أولى ضخمة ضمت أكثر من مئة طائرة قاذفة ومقاتلة لضرب المنشآت الدفاعية على جزيرة ميدواي، فيما كانت طائرات الاستطلاع البحرية الأمريكية قد رصدتها قبل وصولها بدقائق ثمينة سمحت بإقلاع كل طائرة قادرة على الطيران من الجزيرة قبيل سقوط أولى القنابل عند الساعة السادسة وثلاثين دقيقة صباحًا[6]. ورغم أن مقاتلات مشاة البحرية الأمريكية، الأقدم طرازًا والأقل مناورة من مقاتلة “زيرو” اليابانية، تكبدت خسائر فادحة إذ فُقد نحو نصف عددها في الاشتباك الجوي الأول، فقد ألحقت بالمقابل خسائر معتبرة بالتشكيلات اليابانية المهاجمة، بينما أنزلت البطاريات المضادة للطائرات على الأرض ضربات إضافية بالمهاجمين. عاد قائد السرب الياباني عندئذ ليوصي بضرورة توجيه ضربة ثانية لإتمام تدمير قاعدة ميدواي، وهي التوصية التي دفعت ناغومو إلى اتخاذ قرار مصيري بإعادة تسليح الطائرات الاحتياطية على متن حاملاته من الطوربيدات المضادة للسفن إلى القنابل المخصصة لضرب الأهداف الأرضية، قبل أن يُضطر لاحقًا إلى عكس هذا القرار بعد ورود تقارير برصد قوة بحرية أمريكية، ما تسبب في فوضى لوجستية على أسطح الحاملات اليابانية أدت إلى تكديس الطائرات والقنابل والطوربيدات في وضع بالغ الخطورة لحظة وصول الهجوم الأمريكي.
الهجمات الأمريكية المتعاقبة وغرق ثلاث حاملات يابانية
شنّت طائرات ميدواي البرية، من قاذفات “بي-١٧” ومقاتلات مشاة البحرية القليلة المتبقية وطائرات طوربيد بحرية وجوية، سلسلة هجمات متتابعة على الحاملات اليابانية طوال ساعات الصباح، لكنها منيت جميعًا بخسائر جسيمة دون أن تحقق إصابات حاسمة، إذ كانت المقاتلات اليابانية والنيران المضادة للطائرات كثيفة وفعّالة للغاية في تلك المرحلة[6]. غير أن اللحظة الفاصلة في المعركة بأكملها جاءت قرابة العاشرة والربع صباحًا، حين وصلت أسراب قاذفات الانقضاض “إس بي دي داونتلس” المنطلقة من حاملتي إنتربرايز ويوركتاون إلى موقع الحاملات اليابانية في الوقت الذي كانت فيه أسطحها مكدسة بالوقود والذخيرة استعدادًا لإطلاق موجة هجومية ثانية، وذلك في أعقاب مباشرة لهجوم انتحاري شبه كامل شنّه سرب طوربيد الهورنت الثامن الذي فُقدت جميع طائراته الخمس عشرة تقريبًا دون أن تسجل إصابة واحدة، لكنه نجح في سحب المقاتلات اليابانية إلى ارتفاع منخفض وترك السماء العليا خالية أمام قاذفات الانقضاض القادمة. في غضون دقائق معدودة، أصابت قنابل الانقضاض الأمريكية ثلاثًا من الحاملات اليابانية الأربع، أكاغي وكاغا وسوريو، فاشتعلت النيران في أسطحها المكتظة بالطائرات والوقود وتحولت سريعًا إلى حطام محترق لا يمكن إنقاذه، في واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخ الحروب البحرية الحديثة[5]. لم تنجُ من الضربة سوى الحاملة الرابعة، هيريو، التي كانت تبتعد قليلًا شمالًا عن باقي التشكيل.
الرد الياباني: إصابة يوركتاون وغرق هيريو
لم تستسلم هيريو للأمر الواقع، إذ أطلقت على الفور موجتين متعاقبتين من قاذفات الانقضاض وطائرات الطوربيد باتجاه حاملة الطائرات الأمريكية التي تمكن طياروها من تحديد موقعها، وهي يوركتاون. أصابت الموجة الأولى السفينة بثلاث قنابل عند الظهيرة تقريبًا، أشعلت فيها الحرائق وعطّلت أغلب مراجلها، قبل أن يتمكن طاقمها من إخماد النيران وإصلاح الأعطال جزئيًا واستعادة قدر من سرعتها خلال ساعات قليلة. غير أن الموجة الثانية من طائرات الطوربيد أصابتها بطوربيدين متتاليين عند منتصف بعد الظهر، فقُطعت عنها الكهرباء بالكامل وازداد ميلانها بشكل خطير، ما اضطر قائدها إلى إصدار أمر إخلاء السفينة خشية انقلابها[6]. غير أن يوركتاون لم تغرق في الحال، وظلت طافية لأيام قبل أن تلقى مصيرها النهائي غرقًا صبيحة السابع من يونيو إثر ضربة طوربيدية أطلقتها غواصة يابانية بينما كانت تُقطر لإصلاحها، مودية أيضًا بالمدمرة المرافقة هامان التي كانت تساندها. في المقابل، تعقّبت طائرات استطلاع من يوركتاون في وقت لاحق من عصر اليوم نفسه موقع الحاملة اليابانية هيريو، فانطلقت طائرات انقضاض من إنتربرايز وأصابتها بست قنابل مباشرة أشعلت فيها حريقًا هائلًا اضطر طاقمها إلى هجرها في وقت لاحق، لتُغرق بطوربيد ياباني صديق في الصباح التالي تفاديًا لوقوعها في الأسر، وبذلك أُبيدت القوة الضاربة اليابانية بأكملها في غضون يوم واحد لا غير.
الخامس والسادس من يونيو: مطاردة الأسطول المنسحب
بعد أن حُسمت المعركة الجوية الكبرى في الرابع من يونيو، أمر ياماموتو بانسحاب ما تبقى من قواته غربًا، فيما كرّست القوات الأمريكية اليومين التاليين لملاحقة الفلول اليابانية المتراجعة رغم صعوبات الرؤية وتشتت المعلومات الاستخباراتية. وقعت في هذه الأثناء حادثة اصطدام بين طرادتين يابانيتين ثقيلتين من طراز موغامي أثناء مناورة تفادٍ من غواصة أمريكية، ما أدى إلى تضرر إحداهما بشدة، فأصبحت هدفًا سهلًا لهجمات جوية متكررة من طائرات ميدواي وحاملات الطائرات الأمريكية على مدى اليومين التاليين، انتهت بغرق الطرادة موغامي في السادس من يونيو بعد إصابتها بعدة قنابل مباشرة فجّرت مستودعات ذخيرتها[6]. وفي هذه الهجمات نفسها، سقط النقيب ريتشارد فليمنغ، طيار قاذفة تابع لسلاح مشاة البحرية، وهو أول طيار من سلاحه يُمنح وسام الشرف الكونغرسي عن أعمال بطولية خلال الحرب العالمية الثانية، تقديرًا لإصراره على إتمام هجومه رغم اشتعال طائرته. ومع حلول مساء السادس من يونيو، واقتراب الأسطول الياباني المتبقي من نطاق تغطية الطيران المقاتل من قواعده في اليابان، اتخذ الأدميرال سبروانس قرارًا حذرًا بوقف الملاحقة بعيدًا عن ذلك النطاق، فانتهت بذلك فعليًا مراحل القتال الفعلي في المعركة.
الخسائر البشرية والمادية
خلّفت المعركة خسائر متفاوتة بشدة بين الطرفين. فقدت اليابان أربع حاملات طائرات كبرى وطرادة ثقيلة واحدة، إلى جانب نحو ٣٢٠ طائرة ومعظم أطقمها الجوية المدرَّبة تدريبًا عاليًا والتي استحال تعويضها بالسرعة ذاتها التي فُقدت بها، فيما قُتل من صفوفها ما يقارب ثلاثة آلاف بحّار وطيار، إذ لم تُتح ظروف الانسحاب السريع فرصة كافية لانتشال الناجين من مياه المحيط[1]. وتشير بعض المصادر المتخصصة الأخرى إلى رقم مقارب يبلغ نحو ٣٠٥٧ قتيلًا يابانيًا وخسارة ٢٤٨ طائرة يابانية تحديدًا، وهو تفاوت طفيف يُعزى إلى اختلاف منهجيات الإحصاء بين المصادر[2]. في المقابل، كانت الخسائر الأمريكية أخف وطأة نسبيًا وإن لم تكن هينة: حاملة طائرات واحدة هي يوركتاون، ومدمرة واحدة هي هامان، ونحو ١٥٠ طائرة، أي أكثر من ثلثي القوة الجوية المنطلقة من الحاملات، وقُتل من صفوف البحرية الأمريكية وسلاح الجو وسلاح مشاة البحرية ٣١٧ فردًا، معظمهم من أطقم أسراب الطوربيد التي أُبيدت في هجماتها الأولى غير المدعومة[1]. تمكنت دوريات البحرية الأمريكية لاحقًا من انتشال عدد من الناجين اليابانيين، من بينهم نحو ثلاثين فردًا من الطاقم الهندسي لحاملة هيريو، قدّموا خلال استجوابهم معلومات استخباراتية قيّمة عن القدرات البحرية اليابانية.
الأهمية التاريخية والإرث الاستراتيجي
تحمل معركة ميدواي أهمية تتجاوز بكثير حجمها الزمني المحدود الذي لم يتجاوز أربعة أيام من القتال الفعلي. فمن الناحية العسكرية البحرية، أنهت المعركة عمليًا التفوق الجوي البحري الذي كانت تتمتع به اليابان منذ بيرل هاربر، إذ لم تستطع الصناعة اليابانية، رغم كل جهودها، تعويض حاملات الطائرات المفقودة وطياريها المخضرمين بالسرعة والجودة اللتين واصلت بهما الولايات المتحدة إنتاج حاملات طراز إسيكس وتخريج أجيال جديدة من الطيارين طوال سنوات الحرب المتبقية[2]. أما من الناحية الاستراتيجية الأوسع، فقد اضطرت اليابان، بعد فقدانها القوة الضاربة الأساسية لأسطولها، إلى التخلي عن خطط توسعية طموحة كانت تستهدف عزل أستراليا عبر احتلال ساموا وفيجي وكاليدونيا الجديدة، وتحوّلت تدريجيًا من موقف الهجوم الاستراتيجي إلى موقف الدفاع، وهو تحوّل ستستثمره الولايات المتحدة بعد أشهر قليلة في حملة غوادالكانال لتبدأ مسار الهجوم المضاد الطويل عبر جزر المحيط الهادئ حتى اليابان نفسها[7]. وأخيرًا، من الناحية الرمزية والتاريخية، أرست ميدواي نموذجًا فريدًا لدور الاستخبارات والتكنولوجيا في حسم مصير المعارك الكبرى بمعزل عن التفوق العددي المحض، إذ أثبتت أن قوة أصغر، متى امتلكت معرفة دقيقة بتحركات خصمها وتصرفت بجرأة محسوبة عند اللحظة الحاسمة، قادرة على قلب موازين حرب بأكملها في غضون ساعات معدودة، وهو درس ظل حاضرًا في الفكر البحري والاستخباراتي العالمي لعقود تالية.