مذبحة القديس بارثولوماوس هي موجة القتل الجماعي التي استهدفت البروتستانت الفرنسيين المعروفين بالهوغونوت، وبدأت في باريس فجر الرابع والعشرين من أغسطس عام 1572م، وامتدت خلال الأسابيع التالية إلى عدد من المدن الفرنسية الأخرى، لتودي بحياة ما يُقدر بآلاف الضحايا في واحدة من أكثر الحوادث دموية في تاريخ حروب الدين الفرنسية. دبّرت هذه المذبحة الملكة الأم كاترين دي ميديشي بالتعاون مع نبلاء كاثوليك، واستهدفت في مرحلتها الأولى اغتيال القيادات الهوغونوتية البارزة المجتمعة في باريس بمناسبة زفاف الأمير الهوغونوتي هنري ملك نافار من الأميرة الكاثوليكية مارغريت دي فالوا، أخت الملك الفرنسي شارل التاسع، في مسعى كان يُفترض أن يرمز للمصالحة بين الطائفتين المتحاربتين. غير أن محاولة اغتيال فاشلة استهدفت القائد الهوغونوتي الأميرال غاسبار دي كوليني قبل أيام قليلة من المذبحة دفعت البلاط الملكي، خشية اكتشاف تورطه فيها وردة فعل هوغونوتية انتقامية، إلى اتخاذ قرار استباقي بتصفية القيادات الهوغونوتية بالكامل، فانفجر بعده عنف شعبي عارم طال آلاف الهوغونوت العاديين في باريس ثم في أرجاء واسعة من فرنسا، لتصبح هذه المذبحة نقطة تحول حاسمة أنهت أي أمل متبقٍ في مصالحة دينية سلمية بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا.
| بيانات عامة | |
| الاسم | مذبحة القديس بارثولوماوس |
| التاريخ | 24 أغسطس 1572م وما تلاه حتى أكتوبر من العام نفسه |
| المكان | باريس، ثم أقاليم فرنسية أخرى |
| السياق | حروب الدين الفرنسية بين الكاثوليك والهوغونوت |
| الأطراف | |
| المدبرة الرئيسية | كاترين دي ميديشي، الملكة الأم |
| الملك الحاكم | شارل التاسع |
| الضحية الأبرز | غاسبار دي كوليني، قائد الهوغونوت |
| الحدث المحفّز | زفاف هنري ملك نافار ومارغريت دي فالوا |
| الحصيلة | |
| عدد القتلى في باريس | نحو 3000 شخص[1] |
| عدد القتلى في الأقاليم | آلاف إضافية حتى أكتوبر 1572م |
| النتائج | |
| النتيجة السياسية | تجدد حروب الدين الفرنسية |
| التسوية اللاحقة | مرسوم نانت، 1598م |
الخلفية: حروب الدين الفرنسية وصعود الهوغونوت
عصفت بفرنسا منذ عام 1562م سلسلة من الحروب الأهلية الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين المعروفين بالهوغونوت، اتسمت بمجازر متبادلة سبقت مذبحة باريس نفسها، من بينها مجزرة فاسي عام 1562م. وقد انتهت الحرب الدينية الثالثة بتوقيع صلح سان جرمان في أغسطس عام 1570م بشروط مواتية نسبياً للهوغونوت، فسعت كاترين دي ميديشي في أعقابه إلى سياسة تقارب بين المعسكرين المتحاربين، رأت فيها دوراً موازناً للهوغونوت يحد من نفوذ عائلة گيز الكاثوليكية المتشددة[2].
زواج هنري النافاري وتحالف مؤقت هش
في إطار سياسة المصالحة هذه، رُتب زواج الأمير هنري ملك نافار، الزعيم الهوغونوتي البارز، من الأميرة مارغريت دي فالوا، شقيقة الملك الكاثوليكي شارل التاسع، وأُقيمت مراسم الزفاف الفخمة في الثامن عشر من أغسطس عام 1572م في كاتدرائية نوتردام بباريس، فتوافد لحضورها عدد كبير من نبلاء الهوغونوت من مختلف أنحاء فرنسا، وأعقبتها أسبوع من الولائم الفاخرة والحفلات الراقصة والبطولات الاحتفالية. غير أن هذا الحضور الهوغونوتي المكثف في قلب العاصمة الكاثوليكية أثار توتراً كامناً استغلته لاحقاً القوى المعادية للتسوية بين الطائفتين.
محاولة اغتيال كوليني الفاشلة
واصل الأميرال غاسبار دي كوليني، الذي أصبح الزعيم الأبرز للهوغونوت بعد مقتل أمير كوندي في معركة جارناك عام 1569م، ممارسة نفوذ متزايد على الملك الشاب شارل التاسع، حتى إنه حاول إقناعه بإرسال قوات لدعم البروتستانت الهولنديين في تمردهم ضد إسبانيا، وهو ما أثار غيرة كاترين دي ميديشي المتصاعدة من تنامي تأثير كوليني على ابنها[3]. وفي الثاني والعشرين من أغسطس عام 1572م، أي بعد أربعة أيام فقط من زفاف نافار، تعرّض كوليني لمحاولة اغتيال فاشلة أثناء عودته من القصر الملكي أصابته بجروح دون أن تودي بحياته.
قرار المذبحة: مؤامرة القصر
خشية اكتشاف تورط البلاط الملكي في محاولة الاغتيال الفاشلة، وردة فعل غاضبة محتملة من الهوغونوت المجتمعين بكثافة في باريس آنذاك، خلص المجلس الملكي إلى أن الحل الوحيد المأمون هو توجيه ضربة استباقية شاملة ضد قيادات الهوغونوت قبل أن يتمكنوا من التحرك أولاً، فأقرّ الملك الشاب شارل التاسع ووالدته كاترين هذا المخطط، رغم أن أغلب المؤرخين المعاصرين يرجحون اليوم أن القرار جاء استجابة آنية لتدهور مفاجئ في الموقف لا نتيجة تخطيط مسبق طويل الأمد كما زعمت بعض الروايات التقليدية[4].
مقتل كوليني وانفجار العنف في باريس
قبيل فجر يوم الرابع والعشرين من أغسطس عام 1572م، اقتحم جنود بقيادة دوق گيز مسكن الأميرال كوليني واغتالوه في غرفة نومه، وألقوا بجثته من النافذة إلى الشارع حيث مثّلت بها الحشود الغاضبة لاحقاً. وسرعان ما تحول هذا الاغتيال المستهدف إلى شرارة أطلقت موجة عنف شعبي عارمة اجتاحت شوارع باريس، إذ اندفع الكاثوليك المسلحون، بتحريض من أجراس الكنائس التي قُرعت إيذاناً ببدء المذبحة، لاقتحام منازل الهوغونوت وقتل من فيها، فيما تشير التقديرات إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل في العاصمة وحدها خلال الأيام التالية مباشرة[5].
امتداد المذبحة إلى الأقاليم الفرنسية
لم تقتصر موجة العنف على باريس وحدها، إذ انتقلت أنباء المذبحة إلى عدد من المدن الفرنسية الأخرى خلال الأسابيع التالية، من بينها ليون وروان وأورليان وبوردو، فاندلعت فيها موجات مماثلة من القتل الجماعي استمرت متقطعة حتى أكتوبر من العام نفسه، مضيفة آلاف الضحايا الإضافيين إلى الحصيلة الإجمالية للمذبحة، ودافعة أعداداً كبيرة من الهوغونوت الناجين إما نحو التخلي عن عقيدتهم البروتستانتية خوفاً على حياتهم، أو نحو الفرار واللجوء إلى الدول البروتستانتية المجاورة.
ردود الفعل الأوروبية
أحدثت أنباء المذبحة صدمة واسعة في أرجاء أوروبا، إذ استقبلها الملك الإسباني فيليب الثاني والبابا غريغوريوس الثالث عشر بابتهاج علني، فيما أمر البابا بإقامة قداس شكر احتفالاً بالحدث واعتبره ضربة موفقة ضد الهرطقة البروتستانتية، بينما أثارت المذبحة موجة استنكار غاضبة في الأوساط البروتستانتية بإنجلترا وألمانيا وسويسرا، ودفعت مفكرين هوغونوتيين مثل فرانسوا هوتمان وتيودور دي بيز إلى صياغة نظريات سياسية جديدة تبرر حق الرعايا في سحب الطاعة عن ملك يسمح بمثل هذه الفظائع بحق رعاياه[6].
الأثر على حروب الدين والهوغونوت
وضعت مذبحة القديس بارثولوماوس حداً نهائياً لثقة الهوغونوت بوعود الملوك الفالوا، وأشعلت فتيل أربع حروب دينية إضافية متلاحقة استمرت فرنسا تعاني من ويلاتها لعقود تالية، إذ لم يعد الهوغونوت الناجون يثقون بإمكانية التعايش السلمي في ظل الحكم الملكي القائم، فتحصنوا بدلاً من ذلك في معاقلهم الجنوبية المحصنة. ورغم ترحيب الهوغونوت لاحقاً بمرسوم نانت الصادر عام 1598م، الذي منحهم قدراً من الحرية الدينية المحدودة، فقد ظلوا يدركون أن آفاق الإصلاح والمصالحة الكاملة قد تقلصت بشكل حاسم، وأن مستقبلهم في فرنسا الكاثوليكية سيبقى مستقبل أقلية تعيش تحت وطأة الشك والتضييق المستمرين.