🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب الباردة
التاريخ

الحرب الباردة

👁 2 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 15/6/2026 ✏️ 15/6/2026
100%

الحرب الباردة — المصطلح الذي صاغه الكاتب الإنجليزي جورج أورويل أول مرة عام 1945 ثم أشاعه الصحفي الأمريكي والتر ليبمان — حالةٌ من التنافس الجيوسياسي المزمن والمواجهة الأيديولوجية والتسابق على النفوذ العالمي بين قطبَين: الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون الرأسماليون الديمقراطيون من جهة، والاتحاد السوفيتي وكتلته الشيوعية من جهة أخرى، امتدّت من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى حلّ الاتحاد السوفيتي رسمياً في الخامس والعشرين من ديسمبر 1991.
[1]
لم تكن الحرب الباردة حرباً بمعناها العسكري الكلاسيكي — فلم تقع أي مواجهة مسلحة مباشرة بين القوتَين العظميَين في كامل تاريخها — بل كانت نزاعاً متعدد الأوجه امتزجت فيه المنافسة العسكرية والاستراتيجية بالتنافس الأيديولوجي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، وشمل في تعبيراته أخطر سباق تسلح نووي في التاريخ البشري إذ بلغت الترسانتان المشتركتان ذروتها عام 1986 بما يزيد على 70,000 رأس نووي، وحروب بالوكالة أودت بملايين الأرواح في كوريا وفيتنام وأفغانستان وأنغولا ونيكاراغوا وسواها، واستنزافاً اقتصادياً قُدِّرت تكلفته على الولايات المتحدة وحدها بنحو ثمانية تريليونات دولار بأسعار اليوم.
[1]
أفرزت هذه الحرب ثنائية قطبية صارمة قسّمت العالم بين معسكرَين بكل ما يعنيه ذلك من تحالفات وأحلاف عسكرية ونماذج اقتصادية ومناهج تعليمية وأنظمة دعاية متعارضة وشبكات استخباراتية واسعة الانتشار، وفرضت منطق «معنا أو ضدنا» على شعوب العالم الثالث التي وجدت نفسها ساحة للتنافس بين القطبَين في معظم الأحيان بغض النظر عن مطامحها الحقيقية. انتهت الحرب بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتحوّل العالم من نظام ثنائي القطب إلى نظام أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة، وإن ظلّ إرث الحرب الباردة من انتشار الأسلحة النووية وتوترات الشرق الأوسط والتنافس في آسيا يرسم ملامح السياسة الدولية حتى اليوم.

الحرب الباردة (1947–1991)
المصطلح صاغه جورج أورويل (1945) وأشاعه والتر ليبمان (1947)
الفترة الزمنية 1947 – 25 ديسمبر 1991 (44 عاماً)
القطب الغربي الولايات المتحدة وحلف الناتو (تأسس 1949)
القطب الشرقي الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو (تأسس 1955)
المراحل الزمنية الكبرى
التأسيس 1945–1949 — يالطا وبوتسدام والستار الحديدي وخطة مارشال
التصعيد المبكر 1950–1962 — كوريا وسباق الفضاء وجدار برلين وأزمة الصواريخ الكوبية
الانفراج والتوتر 1963–1979 — ديتانت وفيتنام والاتفاقيات النووية SALT
الحرب الباردة الثانية 1979–1985 — أفغانستان وريغانية وأزمة الصواريخ الأوروبية
الانهيار 1985–1991 — غورباتشوف وسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي
الزعماء المحوريون
الأمريكيون ترومان، أيزنهاور، كينيدي، نيكسون، ريغان، بوش الأب
السوفيت ستالين، خروشوف، بريجنيف، أندروبوف، تشيرنينكو، غورباتشوف
أبرز الأحداث
خطاب الستار الحديدي 5 مارس 1946 — تشرشل يُعلن الانقسام الأوروبي
مبدأ ترومان 12 مارس 1947 — سياسة الاحتواء الأمريكية
حصار برلين وجسر الهواء 1948–1949
التفجير النووي السوفيتي الأول 29 أغسطس 1949
سبوتنيك والفضاء 4 أكتوبر 1957
أزمة الصواريخ الكوبية 16–28 أكتوبر 1962
سقوط جدار برلين 9 نوفمبر 1989
حلّ الاتحاد السوفيتي 25 ديسمبر 1991
الأثر الإجمالي
الرؤوس النووية الإجمالية (ذروة 1986) أكثر من 70,000 رأس نووي مشتركة
التكلفة العسكرية الأمريكية نحو 8 تريليونات دولار (معدّلة)
ضحايا الحروب بالوكالة أكثر من 5 ملايين قتيل (كوريا وفيتنام وأفغانستان وسواها)
الدول التي انضمت للمعسكر السوفيتي 15 جمهورية سوفيتية + 6 دول وارسو + دول الكتلة الشرقية
COSMALORE · الموسوعة العربية

الجذور التاريخية

بذور العداء قبل الحرب العالمية الثانية

لا يمكن فهم الحرب الباردة بمعزل عن التوترات الأعمق التي سبقت الحرب العالمية الثانية بعقود؛ فمنذ الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 وتأسيس الجمهورية السوفيتية الاشتراكية، باتت العلاقة بين الغرب الرأسمالي والمنظومة الشيوعية الوليدة علاقةَ ريبة بنيوية لا تعرف الثقة. أرسل الحلفاء الغربيون قوات في الفترة 1918–1920 لمساندة البيض ضد البلاشفة في الحرب الأهلية الروسية، مما رسّخ في الوعي السوفيتي مبكراً صورة العالم الرأسمالي عدواً محتملاً لا بدّ أن يسعى لخنق الدولة العمالية. في المقابل، زرع المنطق الأيديولوجي الماركسي اللينيني حتميةً نظرية: لا يمكن للرأسمالية والاشتراكية أن تتعايشا في سلام لأن الأولى ستسعى دوماً لتصفية الثانية. كان الخلاف الأيديولوجي عميقاً في جوهره ومتجاوزاً للتنافس الجيوبوليتيكي التقليدي: فالسوفيت يرون في الرأسمالية نظاماً يستغل الطبقة العاملة ولا بدّ من تجاوزه تاريخياً، بينما يرى الغرب في الشيوعية نظاماً قامعاً للحريات الأساسية ومهدداً للملكية الخاصة. ظلّت هذه الهوّة الفكرية حاضرة تحت السطح حتى ضغطت ضرورات الحرب الكبرى فأجبرت الطرفَين على التحالف المؤقت والمصطنع ضد هتلر.
[2]

مؤتمرا يالطا وبوتسدام — تقسيم الغنيمة

في فبراير 1945، اجتمعت القوى المنتصرة الثلاث — روزفلت وتشرشل وستالين — في يالطا بشبه جزيرة القرم للبتّ في ترتيبات ما بعد الحرب. أفضى مؤتمر يالطا إلى اتفاقيات تضمّنت: حق الشعوب في إقامة حكومات ديمقراطية في أوروبا الشرقية، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، وتأسيس هيئة الأمم المتحدة. لكن التطبيق الفعلي كشف الهوّة الفاصلة بين الرؤيتَين: فستالين فسّر «أوروبا الشرقية الديمقراطية» بوصفها حزاماً أمنياً سوفيتياً تحكمه أنظمة صديقة، في حين رأى فيها الغرب حقاً حقيقياً لشعوبها في انتخاب حكوماتها. في يوليو–أغسطس 1945، انعقد مؤتمر بوتسدام بعد الاستسلام الألماني، وجمع ترومان (الذي خلف روزفلت المتوفى في أبريل) وستالين وتشرشل ثم أتلي. في ليالي بوتسدام، أبلغ ترومان ستالين بصورة متعمّدة المبهمة أن الولايات المتحدة تمتلك «سلاحاً جديداً بالغ القوة»، دون ذكر القنبلة الذرية صراحةً — وكان ستالين يعلم من تقارير جواسيسه في مشروع مانهاتن ما لا يُفصح عنه أحد. تركت القنبلتان اللتان أُلقيتا على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945 أثراً بالغاً في الحسابات السوفيتية؛ أدرك ستالين أن العالم الجديد سيكون عالماً من يمتلك الذرة، فضاعف جهود برنامجه النووي وأعلن السوفيت امتلاكهم قنبلتهم الأولى في أغسطس 1949 مسبّبين صدمة استراتيجية في الغرب.
[3]

بناء نظام الحرب الباردة

خطاب الستار الحديدي ومبدأ ترومان

في الخامس من مارس 1946، ألقى رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل خطابه الشهير في جامعة فولتون بولاية ميزوري الأمريكية بحضور الرئيس ترومان، موصوفاً ما يجري في أوروبا بعبارة ستصبح الأكثر تداولاً في خطاب الحرب الباردة: «من شتيتان في بحر البلطيق إلى ترييستي على الأدرياتيكي، انحدر عبر أوروبا ستارٌ حديدي». وصف الخطاب تحوّل أوروبا الشرقية إلى منطقة نفوذ سوفيتية مغلقة حيث تُسيطر أنظمة موالية لموسكو مُقصيةً المعارضة والحريات، وطالب الديمقراطيات الغربية بالوعي بهذا التحدي والاستعداد له. في الثاني عشر من مارس 1947، خطب الرئيس ترومان أمام الكونغرس طالباً تأييداً لمساعدة اليونان وتركيا اللتَين تواجهان ضغوطاً شيوعية، وصاغ ما عُرف بـ«مبدأ ترومان»: التزام الولايات المتحدة بمناهضة المدّ الشيوعي في أي مكان على الأرض ومساعدة الشعوب الحرة في مقاومة الإخضاع. مثّل هذا المبدأ إعلاناً رسمياً عن سياسة «الاحتواء» (Containment) التي صاغها المنظّر الأمريكي الدبلوماسي جورج كينان في وثيقته الشهيرة «الدلالة الجيوسياسية لروسيا السوفيتية» (1946) وفي مقالته الأشهر الموقّعة بـ«X» في مجلة فورين أفيرز عام 1947.
[3]

خطة مارشال ومبدأ بريجنيف — اقتصاد الحرب الباردة

في الخامس من يونيو 1947، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال في خطاب أمام جامعة هارفارد عن مشروع المساعدات الاقتصادية الأمريكية لإعادة إعمار أوروبا المدمّرة، الذي وُقِّع قانوناً في أبريل 1948. ضخّت الولايات المتحدة عبر «خطة مارشال» نحو 13 مليار دولار في ستة عشر دولة أوروبية غربية في أربع سنوات، وكان الهدف المعلن إعادة الإعمار الاقتصادي لكن الهدف الاستراتيجي لا يخفى: حماية الأنظمة الديمقراطية من الانهيار الذي يغري الشيوعيين. رفض ستالين مشاركة دول أوروبا الشرقية في الخطة ووصفها بالأداة الإمبريالية للهيمنة الأمريكية، وأسّس في المقابل «الكوميكون» (COMECON) عام 1949 إطاراً للتكامل الاقتصادي بين الدول الاشتراكية وإن ظلّ أقل انتاجيةً وتكاملاً مما تصوّره مؤسسوه. عسكرياً، أُسِّس حلف شمال الأطلسي (NATO) في أبريل 1949 جامعاً الولايات المتحدة وكندا وعشر دول أوروبية غربية تحت مظلة الدفاع الجماعي، وردّ السوفيت بتأسيس حلف وارسو في مايو 1955 ضمّ الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية.
[4]

تقسيم ألمانيا وأزمة برلين الأولى

مثّلت ألمانيا المقسّمة أوضح تجسيد جغرافي للحرب الباردة وأكثر ميادينها توتراً؛ فقد قُسِّمت إلى أربع مناطق احتلال بين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والسوفيت، وقُسِّمت معها برلين التي وجدت نفسها جزيرةً غربية في قلب المنطقة السوفيتية. في يونيو 1948، أغلق السوفيت كل الطرق البرية والسكك الحديدية المؤدية إلى برلين الغربية في محاولة لإجبار الغرب على تسليمها أو مغادرتها. ردّت الولايات المتحدة وبريطانيا بعملية «جسر الهواء» (Berlin Airlift) الشهيرة: طوال أحد عشر شهراً أقلّت طائرات الحلفاء ما يزيد على مئتَي ألف رحلة إلى برلين الغربية ناقلةً 2.3 مليون طن من الإمدادات الغذائية والوقود بمعدل طائرة كل دقيقتَين في أوقات الذروة. رُفع الحصار في مايو 1949 بعد أن فشل في تحقيق أهدافه، وأُسِّست ألمانيا الاتحادية (الغربية) وألمانيا الديمقراطية (الشرقية) في العام ذاته كيانَين سياسيَّين منفصلَين جسّدا عملياً انقسام أوروبا.
[5]

الحروب بالوكالة

الحرب الكورية — الاختبار الأول للاحتواء

في الخامس والعشرين من يونيو 1950، عبرت القوات العسكرية لكوريا الشمالية الموالية للسوفيت خط الانقسام عند الدرجة الثامنة والثلاثين شمالاً واجتاحت كوريا الجنوبية بسرعة مذهلة. فسّر الرئيس ترومان الغزو بوصفه حلقة في مخطط سوفيتي شامل للتوسع ودليلاً على أن سياسة الاحتواء تستلزم تدخلاً عسكرياً. أجاز مجلس الأمن قوةً أمميةً بقيادة أمريكية غاب عنها الفيتو السوفيتي بسبب مقاطعة موسكو للمجلس احتجاجاً على رفض قبول جمهورية الصين الشعبية بديلاً لتايوان. تدخّل الجنرال دوغلاس ماكآرثر بقوات تجاوزت الدرجة الثامنة والثلاثين شمالاً بعد نجاح الإنزال المذهل عند إنتشون، فردّت الصين الشعبية بإرسال ما بين 200,000 و300,000 جندي «متطوع» عبرت الحدود في نوفمبر 1950 في مفاجأة استراتيجية أعادت رسم خط الجبهة. انتهت الحرب بهدنة بانمونجوم في يوليو 1953 بعد ثلاث سنوات من القتال أودت بحياة 36,000 أمريكي ومليونَين من الكوريين مدنيين وعسكريين، واستُعيد تقريباً خط الأصل عند الدرجة الثامنة والثلاثين مع بعض تعديلات. لا تزال كوريا منقسمة حتى اليوم في أطول تجميد للحرب الباردة.
[1]

المواجهة في فيتنام — المستنقع الأمريكي

مثّل التدخل الأمريكي في فيتنام تطبيقاً مباشراً لـ«نظرية الدومينو» التي صاغها الرئيس أيزنهاور: إذا سقطت دولة في يد الشيوعية، سقطت المجاورات وراءها كحجارة الدومينو. استند التدخل الأمريكي المتصاعد إلى دعم الحكومة غير الشعبية في جنوب فيتنام ضد حركة فيتكونغ الموالية للشمال المدعومة من موسكو وبكين. بلغ التدخل ذروته في عهد ليندون جونسون بعد حادثة خليج تونكين المثيرة للجدل (أغسطس 1964): خمسمائة ألف جندي أمريكي في الذروة، وأكثر من خمسين ألف قنبلة أُلقيت في الهجمات، وأكثر من ثمانية وعشرين مليون ليتر من مبيد الأعشاب «العميل البرتقالي» رُشَّت على الغابات. أودت الحرب بحياة ثمانية وخمسين ألف جندي أمريكي وما بين مليون وثلاثة ملايين فيتنامي. انتهت بانسحاب أمريكي مُذِل في مارس 1973 ثم بوحدة فيتنام تحت الحكم الشيوعي في أبريل 1975، في أبلغ إثبات بأن القوة العسكرية التقليدية وحدها عاجزة عن قمع حرب عصابات شعبية في عقر دارها.
[6]

سباق التسلح النووي

ديناميكيات الردع المتبادل المضمون

عرّفت الحرب الباردة مفهوم «الردع النووي» وأسّست لعقيدة الدمار المتبادل المضمون (Mutually Assured Destruction — MAD) التي قامت على مفارقة منطقية مزعزِعة: كلا الطرفَين يمتلك القدرة على تدمير الآخر وحضارته عشر مرات، مما يجعل الحرب النووية مستحيلة عقلانياً وكل سياسة ردع قائمة على الثقة بهذا العقل المشترك. في ذروة 1986، امتلكت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مجتمعَين أكثر من سبعين ألف رأس نووي، وكان بعض هذه الرؤوس مُثبَّتاً على صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على بلوغ هدفها في أقل من ثلاثين دقيقة. استدعى هذا الواقع تطوير أنظمة إنذار مبكر معقّدة وبروتوكولات قيادة وتحكم صارمة، كما استدعى مباحثات الحدّ من التسلح الاستراتيجي: اتفاقية SALT I عام 1972 واتفاقية SALT II عام 1979 وإن رفض الكونغرس الأمريكي مصادقة الثانية إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان، ثم معاهدة INF عام 1987 للتخلص من صواريخ المدى المتوسط.
[1]

أزمة الصواريخ الكوبية — الحافة النووية

في الرابع عشر من أكتوبر 1962، التقطت طائرة تجسس أمريكية U-2 فوق كوبا صوراً لمواقع إطلاق صواريخ سوفيتية متوسطة المدى في مراحل تركيبها. أُبلغ الرئيس جون كينيدي في السادس عشر من أكتوبر، وعقد اجتماعاً سرياً لمجموعة استشارية تنفيذية «ExComm» ظلّت تتداول بدائل الرد ثلاثة عشر يوماً من المداولات السرية المكثّفة. كانت الصواريخ المكشوفة قادرة على الوصول إلى واشنطن في أقل من دقيقتَين، وكان الرئيس يواجه معادلة مستحيلة: الرد العسكري قد يُشعل حرباً نووية، وعدم الرد يُشجّع على مزيد من التمدد السوفيتي. أعلن كينيدي في الثاني والعشرين من أكتوبر فرضَ «الحجر البحري» على كوبا وإن أسماه «الحجر الدفاعي» تفادياً للمصطلح القانوني للحصار البحري الذي يُعدّ إعلاناً للحرب. جرت التفاوضات في قنوات سرية وعلنية متوازية بين كينيدي وخروشوف؛ سُحبت الصواريخ السوفيتية مقابل ضمانة أمريكية علنية بعدم غزو كوبا وإزالة سرية للصواريخ الأمريكية من تركيا.
[5]
كشفت وثائق رُفعت عنها السرية لاحقاً أن الخطر كان أعمق مما أدركه المفاوضون في تلك اللحظة؛ ففي السابع والعشرين من أكتوبر — الذي سمّاه المؤرخون «السبت الأسود» — أصدر ضابط سوفيتي على متن غوّاصة نووية تحت الحصار B-59 أمراً بإطلاق طوربيد نووي ظانّاً أن الحرب قد اندلعت، فمنعه ضابط الرقابة فاسيلي أرخيبوف بفيتو نادر، مانعاً — حرفياً — اندلاع الحرب النووية.

«كلانا يمتلك ما يكفي للقضاء على الحضارة الإنسانية. مهمتنا ليست الانتصار أو الهزيمة — بل تجنّب الصدام.»
— جون فيتزجيرالد كينيدي، خطابه الجامعي في جامعة أمريكان، يونيو 1963

جدار برلين — رمز الانقسام

في ليلة الثاني عشر والثالث عشر من أغسطس 1961، شرعت سلطات ألمانيا الشرقية الموالية للسوفيت في نصب الأسلاك الشائكة ثم بناء الجدار الخرساني الفاصل بين برلين الشرقية والغربية. كان السبب المباشر للبناء: خروج ما يزيد على ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف ألماني شرقي — حوالى عشرين بالمئة من سكان ألمانيا الشرقية — إلى الغرب عبر برلين بين 1949 و1961 هرباً من النظام الاشتراكي وبحثاً عن حرية أفضل وفرص اقتصادية أوسع. غدا الجدار (155 كيلومتراً، مع منطقة عازلة وأبراج مراقبة وألغام وكلاب حراسة) أكثر رموز الحرب الباردة تعبيراً وصدىً؛ قُتل في محاولات العبور ما بين مئة وأربعين ومئة وستين شخصاً. أمام الجدار بعد بنائه بعامَين، وقف الرئيس كينيدي في خطابه التاريخي في الخامس والعشرين من يونيو 1963 وأعلن عبارته الشهيرة «Ich bin ein Berliner» (أنا مواطن برليني) تأكيداً للالتزام الأمريكي بحرية برلين الغربية.
[7]

سباق الفضاء — الحرب الباردة في السماء

شكّل سباق الفضاء أحد أكثر تعبيرات الحرب الباردة إثارةً للدهشة الإنسانية وأكثرها عبثاً في آنٍ معاً؛ فقد انصرفت قوتان تمتلكان ما يكفي من الأسلحة لتدمير الأرض عشر مرات إلى التنافس على غزو الفضاء رمزاً للتفوق التكنولوجي والأيديولوجي. في الرابع من أكتوبر 1957، أطلق الاتحاد السوفيتي قمر «سبوتنيك 1» — كرة معدنية لا يتجاوز قطرها ثمانية وخمسين سنتيمتراً — في أول قمر صناعي يدور حول الأرض في التاريخ البشري، مُحدِثاً صدمةً استراتيجية ونفسية في الولايات المتحدة. ردّت واشنطن بتأسيس وكالة ناسا في يوليو 1958 وضخّ مليارات في التعليم العلمي والتقني. في الثاني عشر من أبريل 1961، أصبح يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض في رحلة فضائية لمدة ثمانية وأربعين دقيقة، مُحقِّقاً انتصاراً دعائياً سوفيتياً لا مثيل له. ردّت الولايات المتحدة برهان أكبر: في الحادي والعشرين من يوليو 1969، وطئ الرائد نيل أرمسترونج سطح القمر في «أبولو 11»، ونُقل الحدث التلفزيوني مباشرةً إلى ستمئة مليون مشاهد — ربع سكان الأرض آنذاك — في أعظم لحظة دعائية أنتجتها الحرب الباردة.
[6]

الانفراج والحرب الباردة الثانية

ديتانت — التهدئة الحذرة

في مطلع السبعينيات، أفضى الاستنزاف الاقتصادي للسباق النووي وخيبة أمل أمريكية عميقة من فيتنام وإدراك سوفيتي بصعوبة التفوق الاقتصادي، إلى مرحلة «ديتانت» (Détente) — أي التهدئة أو الانفراج — تجسّدت في عهد ريتشارد نيكسون وهنري كيسينجر من جهة والزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف من جهة أخرى. زار نيكسون بكين في فبراير 1972 في خطوة دبلوماسية باهرة قلبت المعادلة: الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية وإدخالها المعادلة الدولية بديلاً للتايوانية، ووسيلةً للضغط على السوفيت بورقة الصين. في مايو 1972، زار نيكسون موسكو ووقّع على اتفاقية SALT I لتحديد الصواريخ الاستراتيجية. غير أن ديتانت لم يكن استسلاماً بل بدلاً في أسلوب التنافس؛ استمرت الحروب بالوكالة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط طوال سنوات الانفراج، وانهار الانفراج نهائياً مع الغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر 1979.

ريغان والحرب الباردة الثانية

جاء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في يناير 1981 حاملاً رؤية أيديولوجية أشد حدةً مما عرفه أي رئيس أمريكي منذ ترومان؛ فقد وصف الاتحاد السوفيتي علناً بـ«إمبراطورية الشر» (Evil Empire) في مارس 1983، ورفع الإنفاق الدفاعي الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة في زمن السلم — من مئة وستة وعشرين مليار دولار عام 1981 إلى مئتَين وتسعة وأربعين مليار دولار عام 1985. أعلن ريغان في مارس 1983 «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» (SDI) المعروفة شعبياً بـ«حرب النجوم»: نظام دفاع يقوم على صواريخ وأشعة ليزر فضائية لاعتراض الصواريخ السوفيتية، واعتبره الخبراء تقنياً استحالةً في ذلك الوقت لكنه أربك الحسابات السوفيتية. دعم ريغان بشكل علني ومالي حركات المقاومة ضد الأنظمة الموالية للسوفيت في أفغانستان وأنغولا ونيكاراغوا وغيرها عبر «مبدأ ريغان»، مُجدِّداً سياسة التدخل الأمريكي النشط.
[8]

الانهيار السوفيتي ونهاية الحرب الباردة

غورباتشوف والغلاسنوست والبيريسترويكا

حين تولّى ميخائيل غورباتشوف الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفيتي في مارس 1985، ورث نظاماً يرزح تحت ثقل ثلاثة ضغوط متزامنة: الركود الاقتصادي الذي انخفض فيه معدل نمو الناتج القومي من 5.8% في الأربعينيات إلى أقل من 2% في الثمانينيات، واستنزاف الحرب الأفغانية المتمادي التي سمّاها «جرحنا النازف»، وعجز التكنولوجيا السوفيتية المتخلفة عن مجاراة القفزات التقنية الغربية. أطلق غورباتشوف برنامجَيه الإصلاحيَّين: الغلاسنوست (Glasnost — الانفتاح) الذي خفّف قيود الرقابة وفتح مساحة لانتقاد الحكومة، والبيريسترويكا (Perestroika — إعادة الهيكلة) الذي أدخل عناصر من اقتصاد السوق إلى المنظومة السوفيتية. كانت النيّة إنقاذ النظام لا إسقاطه، غير أن النتائج تجاوزت الأهداف المرسومة بمراحل؛ حين أُعطي الناس لساناً حراً، آثروا قول الحقيقة عن فشل النظام بشكل أطاح بدعائمه المعنوية، وبلغ ذلك ذروته في شهادة كارثة تشيرنوبيل النووية عام 1986 التي كشفت العجز الجوهري والتعتيم المنهجي في القيادة السوفيتية.
[9]

سقوط جدار برلين وانهيار الكتلة الشرقية

في عام 1989، تداعت ثلاثة عقود من الإمبراطورية السوفيتية الشرقية في سرعة لم يتخيّلها حتى أكثر المتفائلين. في بولندا، انتصرت حركة «تضامن» (Solidarność) في انتخابات يونيو 1989 فأُسِّست أول حكومة غير شيوعية في أوروبا الشرقية منذ الحرب العالمية الثانية. في المجر، فُتح الحاجز الحدودي مع النمسا في مايو 1989 لأول مرة فانسابت أعداد كبيرة من الألمان الشرقيين عبره إلى الغرب. والأهم بروزاً وأكثرها رمزيةً: في التاسع من نوفمبر 1989، أعلنت قيادة ألمانيا الشرقية بحرج مرتبك فتحَ العبور عبر الجدار فتدفّق البرلينيون الشرقيون إليه وصعدوا عليه وبدأوا تكسيره بأيدٍ عارية وسط بكاء وأحضان وأغنيات وكاميرات لا تُصدّق ما تصوّر. وصف مستشار السياسة الخارجية لغورباتشوف أناتولي تشيرنياف في يومياته تلك الليلة بأنها «تحوّل في موازين العالم ونهاية يالطا». تساقطت الأنظمة الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا وهنغاريا كأحجار الدومينو بحلول نهاية عام 1989.
[10]

انهيار الاتحاد السوفيتي

بين 1989 و1991، تسارع مسار التفكك بإيقاع لم يمهل أحداً فرصة الاستيعاب. أعلنت ليتوانيا استقلالها في مارس 1990 تاركةً للسوفيت شبه المستسلمين أمرَين: إما القمع المسلح أو التسليم. اختار غورباتشوف مساراً ثالثاً هشّاً: المماطلة والتفاوض والإصلاح المتواصل. في أغسطس 1991، شنّ تيار محافظ داخل الحزب والمخابرات محاولةَ انقلاب لاحتجاز غورباتشوف في كريميا وإعادة عقارب الساعة. فشل الانقلاب في ثلاثة أيام — إذ وقف بوريس يلتسين فوق دبابة أمام البرلمان الروسي رافضاً الانقلاب في صورة باتت تعبيراً عن لحظة التحوّل — لكن فشله عجّل النهاية؛ فقد أبان أن السلطة تبخّرت من يدَي المتشددين والإصلاحيين معاً. في الأول من ديسمبر 1991، صوّتت أوكرانيا باستقلالها. في الحادي والعشرين منه، وقّع زعماء اثنتَي عشرة جمهورية سوفيتية سابقة إعلان ألما آتا مؤسِّسين «رابطة الدول المستقلة». في الخامس والعشرين من ديسمبر 1991، أذاع غورباتشوف تنازله عن السلطة وأُنزل العلم الأحمر السوفيتي من فوق الكرملين ليحلّ محله العلم الروسي الثلاثي الألوان، مُعلِناً نهاية الاتحاد السوفيتي وبه نهاية الحرب الباردة.
[11]

الحرب الباردة في العالم العربي والإسلامي

لم يكن العالم العربي والإسلامي مشهداً محيطياً في الحرب الباردة، بل كان ساحةً مركزية وحيّة؛ إذ تقاطعت فيه مصالح القطبَين مع صراعات الاستقلال الوطني وبناء الدول وأزمة القضية الفلسطينية والنفط تقاطعاً أحدث بعضاً من أعنف صراعات المنطقة. في مصر، حوّل ناصر أزمة السويس عام 1956 إلى منصة لاستخدام التوازن بين القطبَين ورقةً سياسية وانتزع تمويلاً سوفيتياً لبناء السد العالي بعد سحب العرض الأمريكي. في سوريا والعراق، تبادلت الأنظمة البعثية التحالف بين السوفيت والغرب وفق مصالحها. سعت الأنظمة الملكية في السعودية والخليج إلى التحالف العضوي مع واشنطن في مقابل الحماية الأمنية والحفاظ على الاستقرار، فيما أدار الاتحاد السوفيتي علاقات أيديولوجية مع حركات التحرر ومع اليسار العربي. ألقت الحرب الأفغانية بتوابعها الأثقل على المشهد الإسلامي العالمي؛ إذ أُفرز منها تنظيم القاعدة الذي وجّه سلاحه بعد الانسحاب السوفيتي نحو الغرب، مؤذناً بمرحلة جديدة في تاريخ الصراع الدولي بعد نهاية ثنائية القطبية.

الإرث وعالم ما بعد الحرب الباردة

انتهت الحرب الباردة بانتصار أمريكي ظاهر وأحادية قطبية غير مسبوقة، لكن إرثها كان أشد تعقيداً مما بدت عليه لحظة النصر. على الصعيد الإيجابي: تحرّرت شعوب أوروبا الشرقية وأسّست ديمقراطيات، وانتهى التنافس النووي المُهلِك بترسانة أصغر وقيود أكثر، وتوسّع سوق التجارة العالمية بانضمام الدول الخارجة من الشيوعية. على صعيد التداعيات غير المقصودة: أُخلّ الاستقرار في مناطق واسعة من العالم الثالث حين جُفِّف تمويل الحرب بالوكالة فجأةً، وانزلقت أنغولا ويوغوسلافيا وأفغانستان وسواها في حروب أهلية طاحنة. شهد النظام الدولي ظاهرة «التوسع الممتد» للنفوذ الأمريكي بلا موازنٍ استراتيجي يحدّه، وأفضى ذلك إلى حروب العراق وأفغانستان وأزمات عديدة. وفي روسيا، خلّف تفكك الاتحاد السوفيتي صدمةً هوياتية عميقة لم تعالَج بعد، أفرزت لاحقاً في عهد بوتين نزعةً تجديدية للنفوذ الإمبراطوري تجلّت في أزمة أوكرانيا. ويرى الباحث جوزيف ناي أن الحرب الباردة وإن انتهت رسمياً فإن البنى الفكرية والاستراتيجية التي أنتجتها لا تزال تُشكّل طريقة تفكير القوى الكبرى في العالم اليوم، وأن التنافس الأمريكي الصيني المتصاعد يحمل كثيراً من ملامح الحرب الباردة دون أن يكون نسخةً طبق الأصل عنها.
[9]

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الإبادة الأرمنية
إبادة الأرمن في الدولة العثمانية 1915
إبادة الأمريكيين الأصليين
إبادة ممنهجة طالت شعوب أمريكا الأصلية
🔍