العدوان الثلاثي — المعروف دولياً بـ«أزمة السويس» أو «حرب السويس» وفي إسرائيل بـ«حرب سيناء» (מבצע קדש) — هو العدوان العسكري الذي شنّته إسرائيل والمملكة المتحدة وفرنسا على مصر في الفترة بين التاسع والعشرين من أكتوبر والسابع من نوفمبر 1956، في سياق أزمة قناة السويس التي اندلعت إثر قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو 1956.
[1]
نبعت هذه الحرب من تقاطع مصالح ثلاثة أطراف متباينة في دوافعها: أرادت بريطانيا وفرنسا استعادة السيطرة على القناة التي مثّلت شرياناً حيوياً لاقتصادهما وإمداداتهما النفطية، وسعتا معاً إلى إسقاط ناصر الذي بات رمزاً للقومية العربية الصاعدة وداعماً للثورة الجزائرية ضد فرنسا؛ أما إسرائيل فأرادت فتح مضيق تيران المحاصَر وضرب قدرات جيش مصر بعد أن استقبل الأخير صفقة أسلحة ضخمة من تشيكوسلوفاكيا عام 1955. تجمّعت هذه المصالح في اتفاق سري استثنائي وُقِّع في بلدة سيفر الفرنسية بين الرابع والعشرين من أكتوبر 1956 خطّط له ممثلو الدول الثلاث خطةً موزّعة الأدوار بدقة بالغة. وخلافاً لما توقّعه المخطّطون، كان أثر العدوان عكسياً تماماً؛ فتحوّل ناصر من رئيس مهزوم عسكرياً إلى بطل قومي لا يُقهر في الوجدان العربي، وأسفرت الضغوط الأمريكية والسوفيتية وكذلك الأممية عن إرغام الأطراف الثلاثة على الانسحاب التام من مصر بحلول مارس 1957، فكانت النتيجة إهانة دبلوماسية غير مسبوقة لقوتَين استعماريتَين كبريَين أُغلق بها باب الهيمنة الأوروبية التقليدية على الشرق الأوسط وفُتح به عصر التنافس الأمريكي السوفيتي على ملء الفراغ.
[2]
| العدوان الثلاثي — أزمة السويس 1956 | |
| التسمية العربية | العدوان الثلاثي / حرب السويس |
| التسمية الدولية | Suez Crisis / Second Arab-Israeli War |
| التسمية الإسرائيلية | מבצע קדש — عملية قادش / حرب سيناء |
| الفترة الزمنية | 29 أكتوبر – 7 نوفمبر 1956 (المعارك) / الانسحاب الكامل مارس 1957 |
| الموقع الجغرافي | سيناء، قطاع غزة، منطقة قناة السويس (بورسعيد، بورفؤاد) |
| الأطراف المتحاربة | |
| الدول المعتدية | إسرائيل، المملكة المتحدة، فرنسا |
| الدولة المدافعة | جمهورية مصر (القوات المسلحة المصرية، المقاومة الشعبية) |
| القادة الرئيسيون | |
| مصر | جمال عبد الناصر (رئيس الجمهورية)، عبد الحكيم عامر (القائد العام) |
| إسرائيل | دافيد بن غوريون (رئيس الوزراء)، موشيه ديان (رئيس الأركان) |
| المملكة المتحدة | أنتوني إيدن (رئيس الوزراء)، الجنرال هيو ستوكويل (قائد العملية) |
| فرنسا | غي موليه (رئيس الوزراء)، الأميرال بارجو (نائب القائد) |
| الوثائق والاتفاقيات المحورية | |
| بروتوكول سيفر | 22–24 أكتوبر 1956 (اتفاق التواطؤ السري) |
| قرار الأمم المتحدة | قرار الجمعية العامة 997 — 2 نوفمبر 1956 (يطالب بوقف إطلاق النار والانسحاب) |
| قوة الطوارئ الأممية | UNEF — أول قوة حفظ سلام أممية مسلحة في التاريخ |
| الخسائر والنتائج | |
| الضحايا العسكريون المصريون | نحو 1,650 قتيل |
| الضحايا المدنيون المصريون | نحو 1,000 مدني (معظمهم في بورسعيد) |
| خسائر الأطراف المعتدية | 189 إسرائيلياً + 22 بريطانياً + 10 فرنسيين |
| القناة بعد الحرب | أُغلقت 5 أشهر بعد تغريق مصر 40 سفينة لإعاقة الملاحة |
| النتيجة السياسية | انسحاب ثلاثي كامل، تأكيد التأميم المصري، هزيمة دبلوماسية بريطانية فرنسية |
الخلفية التاريخية
قناة السويس: شريان الإمبراطوريات
لا يمكن فهم العدوان الثلاثي بمعزل عن التاريخ المتراكم لقناة السويس ورمزيتها الاستراتيجية والسياسية. شُقّت القناة التي تبلغ مئة وتسعة وستين كيلومتراً بين عامَي 1859 و1869 تحت إشراف الدبلوماسي الفرنسي فرديناند دو لسبس بعد منحه امتياز الحفر من نظام محمد سعيد باشا، وكانت الشركة المسؤولة عنها (Compagnie Universelle du Canal Maritime de Suez) مملوكةً في أغلبها لمساهمين فرنسيين مع حصة إسماعيل باشا المصرية التي اضطر إلى بيعها للحكومة البريطانية عام 1875 مقابل أربعة ملايين جنيه استرليني حين ضغطت أزمات ديونه. ومنذ ذلك الحين باتت القناة الشريانَ الأكثر حيوية لبريطانيا الإمبراطورية: عبرت منها قواتها نحو الهند وأستراليا وشرق أفريقيا، ومرّ عبرها ثلثا وارداتها النفطية من الخليج العربي، فيما احتفظ الجيش البريطاني بقاعدة عسكرية ضخمة في المنطقة حتى عام 1956. باتت القناة في الوجدان الاستعماري البريطاني مرادفاً للسيطرة على الشرق وعصب الإمبراطورية لا مجرّد ممرّ مائي، وصاغ رئيس الوزراء أنتوني إيدن هذا المعنى صراحةً حين قال إن «المصري يضع إبهامه على قصبة أنفاسنا» في مواجهة تأميم ناصر للقناة.
[3]
ناصر وصعود القومية العربية
جاء جمال عبد الناصر إلى السلطة عبر ثورة يوليو 1952 التي أطاحت بالملكية المصرية، وبحلول عام 1954 كان قد تحوّل من عضو في مجلس قيادة الثورة إلى رئيسٍ يحمل مشروعاً قومياً شاملاً يتجاوز مصر نحو تحرير العالم العربي من الوجود الاستعماري. أبرم ناصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في أكتوبر 1954 التي قضت بانسحاب القوات البريطانية من منطقة القناة بحلول يونيو 1956، ورأى في ذلك انتصاراً تاريخياً استعاد فيه سيادة الأرض المصرية. كان ناصر يسعى إلى بناء سد أسوان العالي أداةً تنموية كبرى وإرثاً حضارياً يحوّل نهر النيل من قوة متقلبة إلى مصدر للطاقة والري المنظّم، واقتضى ذلك تمويلاً هائلاً استجابت له الولايات المتحدة وبريطانيا بوعود بتقديم قروض ميسّرة. غير أن الوضع انقلب رأساً على عقب في يوليو 1956 حين سحبت واشنطن عرضها فجأةً بذريعة رسمية تتعلق بالشكوك في الجدوى الاقتصادية للمشروع، فيما كانت الأسباب الحقيقية هي غضب الكونغرس الأمريكي من صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية التي أبرمها ناصر عام 1955 واعترافه بجمهورية الصين الشعبية في مارس 1956. ردّ ناصر بأكثر مما توقّعه أحد: ففي الساعة السابعة مساء السادس والعشرين من يوليو 1956، وأمام جمهور يتجاوز مئة ألف شخص في الإسكندرية، أعلن تأميم شركة قناة السويس، وكان الإشارةَ المتفق عليها مع قواته هي ذكر كلمة «دو لسبس» في خطابه لتنطلق عمليات السيطرة على مقار الشركة ومحطات القناة فوراً.
[4]
الموقف الإسرائيلي وصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية
كانت إسرائيل تراقب الأحداث المصرية بعين القلق المتصاعد؛ فصفقة الأسلحة التي أبرمها ناصر مع تشيكوسلوفاكيا عام 1955 غيّرت موازين القوى الإقليمية تغييراً جذرياً؛ حصلت مصر بموجبها على مئتَي دبابة من طراز T-34 وT-54، ومئتَي مدفع ميدان، وخمسة وعشرين مقاتلة من طراز ميغ-15 وميغ-17، وأربعة وأربعين قاذفة إيليوشين، فضلاً عن طرّادَين وعدد من الغوّاصات، وهو تحوّل عسكري لم تعرفه المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. علاوةً على ذلك، أغلقت مصر مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية مما قطع ميناء إيلات عن أي تواصل بحري مع آسيا وأفريقيا، وكانت قوات الفدائيين المدعومة مصرياً تنفّذ عمليات مسلحة داخل الأراضي الإسرائيلية. تقاطعت هذه المخاوف مع المصالح البريطانية الفرنسية لتفتح الباب أمام تنسيق غير مسبوق.
[5]
التواطؤ السري وبروتوكول سيفر
تمثّل اتفاقية سيفر السرية أحد أشد الوثائق الدبلوماسية مفاجأةً في تاريخ القرن العشرين؛ إذ التقى ممثلو ثلاث دول ديمقراطية في فيلا يملكها مناضل يهودي فرنسي في بلدة سيفر قرب باريس بين الثاني والعشرين والرابع والعشرين من أكتوبر 1956 لرسم خطة غزو دولة مستقلة ذات سيادة وهي مصر وبلورة تفاصيلها الدقيقة. حضر عن إسرائيل رئيس الوزراء دافيد بن غوريون ورئيس الأركان موشيه ديان والمسؤول عن صفقات التسليح شيمون بيريز، وعن فرنسا وزير الدفاع موريس بورجيس-مونوري، وعن بريطانيا وزير الخارجية سيلوين لويد. نصّت الخطة على الآتي: تبدأ إسرائيل في التاسع والعشرين من أكتوبر باجتياح سيناء بعشرة ألوية متوجهةً نحو قناة السويس؛ ثم تصدر بريطانيا وفرنسا في الثلاثين من أكتوبر إنذاراً مزدوجاً لإسرائيل ومصر بالانسحاب على بعد عشرة أميال من جانبَي القناة بحجة صون الملاحة وفصل المتحاربين؛ وبما أن مصر ستُحتمل مرفوضةً لهذا الإنذار — لكونه يطلب منها التخلي عن أراضيها السيادية — تنطلق القوات البريطانية الفرنسية بضربات جوية تليها إنزالات برية للاستيلاء على منطقة القناة، مع هدف غير معلن وهو إسقاط ناصر وإعادة إدارة القناة إلى أيدي غربية.
[6]
أصرّ رئيس الوزراء البريطاني إيدن على إتلاف جميع نسخ الوثيقة الإنجليزية بعد الاطلاع عليها، غير أن فرنسا احتفظت بنسخها وإسرائيل بنسختها، وظلّت الوثيقة حبيسة الأدراج الرسمية حتى نهاية الثمانينيات حين رُفعت عنها السرية؛ ولم يشرح تاريخ الدبلوماسية المعاصرة صورةً أوضح من تلك الخطة في تعرية التناقض بين الخطاب الديمقراطي وممارسات القوى الغربية في التعامل مع دول الجنوب.
مسار العمليات العسكرية
الاجتياح الإسرائيلي لسيناء وغزة
في الساعات الأولى من مساء التاسع والعشرين من أكتوبر 1956، قفز مظليون إسرائيليون من الوحدة 890 — نخبة وحدات المظليين — على ممر متلا في قلب شبه جزيرة سيناء على بُعد خمسة وأربعين كيلومتراً شرقي القناة، فاتحين الفصل الأول من الاجتياح. قاتلت الوحدات المصرية المدافعة عند ممر متلا بشراسة قبل أن تتراجع، وفي الوقت ذاته تحرّكت عشرة ألوية إسرائيلية بالدروع والمشاة عبر عدة محاور متزامنة نحو داخل سيناء. قضى الاختلال التقني الهائل بين القوات؛ إذ أُسقطت طائرات ميغ مصرية ودُمِّرت آليات ثقيلة بضربات جوية إسرائيلية مدعومة فرنسياً، فضلاً عن تفوّق التنسيق العسكري الإسرائيلي. على الجبهة الجنوبية، تقدّمت القوات الإسرائيلية نحو شرم الشيخ لفتح مضيق تيران، وبلغتها في الخامس من نوفمبر. كذلك اجتاحت إسرائيل قطاع غزة وأخضعته في غضون يومين، مما مثّل خرقاً صريحاً لاتفاقيات 1949 ووضعاً دولياً بالغ الحساسية. وبحلول السابع من نوفمبر كانت إسرائيل تسيطر عملياً على شبه جزيرة سيناء بأسرها وقطاع غزة، غير أن الضغوط الدولية المتصاعدة ستُجبرها على التراجع.
[1]
الإنذار البريطاني الفرنسي وعملية الموسكيتير
في الثلاثين من أكتوبر، أصدرت بريطانيا وفرنسا إنذارهما المشتركاً بانسحاب القوات الإسرائيلية والمصرية إلى ما وراء عشرة أميال من ضفتَي القناة، وهو الإنذار الذي كان مصمّماً سلفاً لقبول إسرائيلية (لأن قواتها بعيدة عن القناة أصلاً) ورفض مصرية (لأن القناة أراضٍ مصرية سيادية بحكم التأميم). حين رفضته مصر كما هو متوقع، انطلقت عملية «الموسكيتير» (Operation Musketeer) في الحادي والثلاثين من أكتوبر بضربات جوية مكثّفة على المطارات العسكرية المصرية من قبل الطيران الملكي البريطاني والبحرية الفرنسية انطلاقاً من قبرص ومالطا، وتمكّنت في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة من تدمير معظم الطيران الحربي المصري على الأرض. كانت هذه الضربات الجوية محسوبةً لتفادي القرى المدنية وفق تصريح القيادة البريطانية، غير أن الوقائع شهدت وقوع خسائر مدنية في بورسعيد ومحيطها.
[7]
معركة بورسعيد وبورفؤاد
في الخامس من نوفمبر 1956، هبط ستمائة وثمانية وثمانون مظلياً بريطانياً من الفوج الثالث من الكتيبة السادسة عشرة المستقلة على مطار الجميل غرب بورسعيد، وخاضوا معارك شوارع حادة ضد تشكيل هجين من الجنود المصريين النظاميين والمقاومة الشعبية وعناصر الإخوان المسلمين والفدائيين الفلسطينيين. في الوقت ذاته نزل جنود مظليون فرنسيون على جسور قناة السويس، وأنزلت السفن البريطانية والفرنسية قواتها على شواطئ بورسعيد وبورفؤاد في أضخم عملية برمائية في البحر المتوسط منذ إنزالات صقلية خلال الحرب العالمية الثانية. كانت بورسعيد مدينةً تضمّ نحو مئتَي ألف ساكن لها تاريخ طويل من المقاومة للوجود الأجنبي، فحين دخلت القوات البريطانية والفرنسية تحوّلت شوارعها إلى ميادين قتال عمراني شرس؛ أطلق المدنيون النار من النوافذ والأسطح، وأشعلوا النار في الخزانات، وتحوّلت كل مبنى إلى نقطة دفاع. بحلول ليلة الخامس إلى السادس من نوفمبر كانت القوات البريطانية الفرنسية تسيطر على القطاع الشمالي من القناة وتتقدّم جنوباً.
[8]
راحت في معركة بورسعيد وحدها نحو ألف مدني مصري إلى جانب تسعمائة عسكري، فيما سقط من البريطانيين واحد وعشرون قتيلاً ومن الفرنسيين عشرة.
الضغط الدولي والانسحاب
الموقف الأمريكي والضغط الاقتصادي
ما إن بدأت العمليات العسكرية حتى وجد أنتوني إيدن نفسه أمام ردّ فعل أمريكي أشد مما استطاع تحمّله؛ كان الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور لم يُستشَر في الخطة ولم يُطلَع عليها، وفوجئ بها وسط حملة رئاسية انتخابية في آخر يومَين قبل الاقتراع، في حين كانت الولايات المتحدة تروّج لصورتها بوصفها حاملة لواء تحرير الشعوب في مواجهة الاتحاد السوفيتي. اعتبر أيزنهاور أن العدوان الثلاثي يُعطي الاتحاد السوفيتي فرصةً ذهبية لاستمالة حركات القومية في العالم الثالث، وكان يرى أن الاحتفاظ بنفوذ في الشرق الأوسط يقتضي عدم السماح لأوروبا بنهج استعماري مكشوف في عصر التحرر الوطني. سارعت الولايات المتحدة إلى تهديد بريطانيا بأشد الأوراق ضغطاً وهي الورقة الاقتصادية: هدّدت باشنطن بطرح كميات ضخمة من الجنيه الاسترليني الذي تحتفظ به احتياطياً في السوق، مما كان يعني انهياراً مالياً شبه أكيد للعملة البريطانية الهشّة أصلاً، وبلغ الضغط الأمريكي مداه حين علم إيدن أن وزارة الخزانة الأمريكية ستعترض على قرض صندوق النقد الدولي المطلوب لإنقاذ الجنيه ما لم يُعلن الانسحاب فوراً.
[9]
التهديد السوفيتي ودور الأمم المتحدة
بينما كانت الولايات المتحدة تمارس ضغطها الاقتصادي، وجّه رئيس الوزراء السوفيتي نيكولاي بولغانين في الخامس من نوفمبر رسائل علنية مُهدِّدة لرؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل تضمّنت تحذيرات ضمنية من استخدام «كل أنواع الأسلحة الحديثة» في حال استمرار العدوان على مصر، وأشارت إلى إمكانية تدمير المدن الأوروبية — وهو ما فُهم آنذاك تلميحاً نووياً، وإن كانت المعطيات التاريخية اللاحقة تُشير إلى أن الاتحاد السوفيتي لم يكن في وضع يسمح له بتنفيذ مثل هذا التهديد في تلك اللحظة بالذات، مشغولاً كما كان بأزمة المجر التي اندلعت في الأسبوع ذاته. في الأمم المتحدة، دعا الأمين العام داغ همرشولد إلى عقد دورة طارئة للجمعية العامة وفق آلية «الاتحاد من أجل السلام»، وأصدرت الجمعية قرارها 997 في الثاني من نوفمبر بأغلبية 64 صوتاً مقابل خمسة يطالب بوقف إطلاق النار الفوري وانسحاب القوات. خرجت بريطانيا وفرنسا من الموقف وقد وجّهتا لأول مرة منذ عقود «فيتو» في مجلس الأمن دون أن يجدي ذلك نفعاً أمام ثقل الإجماع الدولي الضاغط وإرغام الولايات المتحدة لهما على التراجع.
[2]
مسار الانسحاب ومهمة قوة الأمم المتحدة
استجابت بريطانيا للضغوط الأمريكية والأممية فأعلنت وقف إطلاق النار في السابع من نوفمبر 1956، وانضمت إليها فرنسا في اليوم ذاته، فيما أعلنت إسرائيل قبولها في الثامن منه. لتغطية الانسحاب وملء الفراغ، ابتكر الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد بالتنسيق مع وزير الخارجية الكندي ليستر بيرسون — الذي نال بعدها جائزة نوبل للسلام عام 1957 — نموذجاً قوة الطوارئ الأممية (UNEF) التي تُعدّ أول قوة حفظ سلام أممية مسلحة ومحايدة في التاريخ الدولي الحديث، وبدأ أفرادها من الدنمارك والنرويج بالوصول إلى بورسعيد في الثاني والعشرين من نوفمبر. أكملت القوات البريطانية انسحابها في الثالث والعشرين من ديسمبر 1956، فيما انسحبت القوات الفرنسية. أما إسرائيل فقد ماطلت وأبدت تعنّتاً أطول؛ إذ رفضت الانسحاب من سيناء وغزة دون ضمانات دولية تكفل لها حرية الملاحة في مضيق تيران، وتحت ضغط أمريكي مزدوج مع ضمانات للملاحة عبر خليج العقبة، أتمّت إسرائيل انسحابها من سيناء في الثامن من مارس 1957 ومن قطاع غزة في السابع من الشهر ذاته.
[4]
ناصر والانتصار الدبلوماسي
كانت الفجوة بين الهزيمة العسكرية والانتصار السياسي لمصر نادرةً في التاريخ المعاصر بهذا الحجم. خسر الجيش المصري ميدانياً خسارةً واضحة؛ فقد دُمِّر سلاح الجوّ تدميراً شبه كامل في ضربات بمطاراته، وانكشفت سيناء في غضون أيام، وسقطت بورسعيد تحت السيطرة الأجنبية للمرة الأولى منذ جلاء البريطانيين. غير أن ناصر تمكّن من قلب المعادلة بأكملها على المستوى السياسي؛ فأغرق أربعين سفينة في القناة مغلقاً إياها أمام الملاحة الدولية لخمسة أشهر متواصلة وجعل من الانتصار العسكري للمعتدين ثمرةً منهكة لا نفع منها، بينما أعاد تأطير المواجهة في خطابه ودبلوماسيته بوصفها انتصاراً على القوى الاستعمارية. صدقت الجماهير العربية هذه الرواية وأيّدتها لأن الوقائع أثبتتها: فالمعتدون الثلاثة انسحبوا دون تحقيق أيٍّ من أهدافهم المعلنة، وعادت القناة إلى السيادة المصرية ظافرةً، ولم يُسقَط ناصر بل رسّخ مكانته قائداً لا مجال للتشكيك في وطنيته وصموده. ارتفعت مكانته في العالم العربي إلى ذرى غير مسبوقة؛ تدفّق عليه آلاف البرقيات والرسائل من المغرب إلى الخليج، واتخذ منه الشباب العربي في عقد الخمسينيات رمزاً للكرامة القومية والتحدي للاستعمار. قال ناصر يومها إنه لا فرق بين أن ينتصر ميدانياً وأن ينتصر سياسياً، وثبت أن الثاني يبقى أعمق أثراً.
[10]
«المصري يضع إبهامه على قصبة أنفاسنا. لا يستطيع رجل من طبع مصطفى النحاس أن نثق به بأي حال من الأحوال. نحن في الحقيقة أمام موسوليني جديد.»
— أنتوني إيدن، رئيس الوزراء البريطاني، في مراسلاته الخاصة إزاء ناصر، يوليو 1956
تداعيات الأزمة على القوى الأوروبية
أفول نجم بريطانيا والاستقالة التاريخية لإيدن
كانت أزمة السويس زلزالاً في الهوية الاستراتيجية البريطانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد كشفت أن بريطانيا في عام 1956 لم تعد القوة العظمى التي كانت عليها قبل عقدين، وأنها باتت تعتمد اعتماداً بنيوياً على الدعم الأمريكي لأية عملية دولية كبرى. خسر رئيس الوزراء أنتوني إيدن الرهان السياسي خسارةً مُذلّة؛ إذ استقال في التاسع من يناير 1957 مباشرةً بعد إتمام الانسحاب متذرعاً بأسباب صحية، فيما كان الجميع يعلم أن الأسباب الحقيقية كانت ارتداد الكارثة السياسية وتفكّك المشروع الذي رهن عليه سمعته. سُمِّيت الأزمة لاحقاً «لحظة السويس» في الأدبيات السياسية البريطانية، وباتت تُستحضَر كلما أرادت أوساط سياسية بريطانية التحذير من أوهام القوة الكبرى.
[3]
خسر الجنيه الاسترليني خلال الأزمة مئة وخمسة وستين مليون دولار من احتياطياته الذهبية، وتآكلت الثقة الدولية بالعملة البريطانية تآكلاً ظلّت تبعاته ملموسةً سنوات. في فرنسا كانت التداعيات مختلفة النوع؛ فالهزيمة في السويس دفعت المؤسسة العسكرية والسياسية إلى استخلاص درس مغاير: لا ينبغي الاعتماد على الأمريكيين ولا على البريطانيين في اللحظات الحاسمة. قيل إن أزمة السويس كانت من بين العوامل المؤثرة في تسريع قرار فرنسا امتلاك برنامج نووي مستقل (Force de Frappe)، وفي توجّه الجنرال شارل ديغول لاحقاً نحو سياسة أوروبية مستقلة عن واشنطن.
الأزمة والتحوّل في موازين الحرب الباردة
كشفت أزمة السويس أمام العالم أن المرحلة التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية قد انغلق فيها باب الاستعمار الكلاسيكي نهائياً، وأن الهيمنة الدولية انتقلت إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بصورة حاسمة. ولأن ذلك حدث في خضم الحرب الباردة، بادر الرئيس أيزنهاور في يناير 1957 إلى إطلاق «مبدأ أيزنهاور» الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة استعدادها لتقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية للدول الشرق أوسطية المهدَّدة بالشيوعية، وهو في حقيقته إعلان صريح عن النية الأمريكية في ملء الفراغ الذي خلّفه انكسار النفوذ البريطاني الفرنسي. بالمقابل، وظّف الاتحاد السوفيتي موقفه الداعم لمصر ببراعة دعائية وسياسية في العالم العربي وحركات التحرر الوطني؛ وعزّزت الأزمة العلاقة المصرية السوفيتية وفتحت الباب أمام تمويل الاتحاد السوفيتي لبناء السد العالي في أسوان الذي كان السبب الأول لسلسلة الأحداث كلها.
[2]
الأثر على العالم العربي وحركة عدم الانحياز
غيّرت أزمة السويس — أو بالأحرى المخرج السياسي منها — ديناميكيات السياسة في العالم العربي تغييراً عميقاً وفتحت أمام دول التحرر الوطني آفاقاً جديدة. أولاً: أثبتت أن استعادة السيادة الاقتصادية على الموارد الوطنية أمرٌ ممكن حتى في مواجهة القوى الكبرى، وتتالت قرارات تأميم الموارد الطبيعية في دول أفريقية وعربية وآسيوية متعددة في السنوات التالية. ثانياً: ارتفع نجم حركة عدم الانحياز التي أسّس لها مؤتمر باندونغ 1955 بزعامة ناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو وسواهم؛ فقد أكّدت السويس أن الضغط الجماعي للدول المتحررة يستطيع الوقوف بوجه القوى الاستعمارية العجوز. ثالثاً: أشعلت الأزمة الجماهير العربية بحماس قومي غير مسبوق تجلّى في موجات التطوع في مصر ومظاهرات التضامن في العواصم العربية والاستقطاب الحاد في المشهد السياسي العربي بين القوميين الناصريين وأنصار المعسكرين الغربي والشرقي.
[10]
الدروس والإرث التاريخي
يُدرج المؤرخون العدوانَ الثلاثي في خانة اللحظات المفصلية في السياسة الدولية للقرن العشرين، وهو تقييم يستند إلى جملة من الدلالات المتشعّبة. على الصعيد القانوني الدولي، مثّلت الأزمة اختباراً حقيقياً لقدرة الأمم المتحدة على وقف عدوان تشنّه قوى كبرى، وابتكرت آلية قوة الطوارئ (UNEF) التي رسّخت سابقة حفظ السلام الأممي. على الصعيد الاستراتيجي، كشفت أن حصص المعادلة الدولية قد أُعيدت توزيعها بصورة جذرية؛ فحتى الدول الغربية الكبرى لا تستطيع شنّ عمليات عسكرية مستقلة دون رضا واشنطن. على الصعيد التاريخي العربي، ظل العدوان الثلاثي في الذاكرة الجمعية العربية لحظةً حاسمة من لحظات التأكيد الوطني والكرامة القومية، وإن كان النقد التاريخي الموضوعي يُلاحظ أن الانتصار الناصري كان في جوهره انتصاراً دبلوماسياً مستعاراً من ضغط الخصمين الأمريكي والسوفيتي، لا نتيجةً لمنعة عسكرية مصرية. لقد انتهت الأزمة، لكن تشابك خيوطها بقي مستمراً: فتراكم السلاح السوفيتي في مصر مع الغطرسة العسكرية التي أوحى بها «انتصار 1956» كانت في طليعة العوامل التي أسهمت في اندلاع حرب يونيو 1967 على نحو مختلف تماماً.
[1]