تُعدّ الشيوعية واحدة من أكثر المذاهب السياسية والاقتصادية تأثيرًا في التاريخ الحديث، إذ تهدف إلى استبدال الملكية الخاصة والاقتصاد القائم على الربح بملكية عامة وإدارة جماعية لوسائل الإنتاج الأساسية، كالمناجم والمصانع والموارد الطبيعية للمجتمع.[1] ورغم أن جذورًا فكرية بدائية لفكرة المشاركة الجماعية في الملكية تمتد إلى العصور القديمة، فإن الشيوعية بمعناها الحديث ارتبطت بشكل وثيق بالفيلسوف الألماني كارل ماركس، الذي وضع أسسها النظرية مع رفيقه فريدريش إنجلز في منتصف القرن التاسع عشر، متأثرًا بالتفاوتات الاجتماعية الحادة التي أفرزتها الثورة الصناعية.[1] ومنذ نشر “بيان الحزب الشيوعي” عام 1848م، مرّت الشيوعية بتحولات جذرية على يد قادة وحركات متعاقبة، من لينين وستالين في الاتحاد السوفيتي إلى ماو تسي تونغ في الصين، قبل أن تشهد تراجعًا حادًا مع نهاية القرن العشرين إثر انهيار الكتلة الشرقية.
| معلومات عامة | |
| التعريف | مذهب سياسي واقتصادي يدعو إلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وإلغاء الملكية الخاصة الكبرى |
| المؤسسان النظريان | كارل ماركس (1818 – 1883م)، فريدريش إنجلز (1820 – 1895م) |
| النص التأسيسي | بيان الحزب الشيوعي، 1848م |
| محطات تاريخية رئيسية | |
| الثورة البلشفية | 1917م، بقيادة فلاديمير لينين في روسيا |
| تأسيس الاتحاد السوفيتي | 1922م |
| الستالينية | من أواخر عشرينيات القرن العشرين حتى 1953م |
| قيام جمهورية الصين الشعبية | 1949م، بقيادة ماو تسي تونغ |
| انهيار الاتحاد السوفيتي | 1991م |
| أبرز الشخصيات | |
| فلاديمير لينين | مؤسس البلشفية وقائد ثورة أكتوبر |
| جوزيف ستالين | حاكم الاتحاد السوفيتي (1924 – 1953م) |
| ماو تسي تونغ | مؤسس جمهورية الصين الشعبية |
الجذور الفكرية المبكرة قبل ماركس
لم تكن فكرة الملكية الجماعية للموارد جديدة كليًا عند ظهور الشيوعية الحديثة؛ فقد مارس المسيحيون الأوائل شكلًا بسيطًا من التشارك في الممتلكات، كما تخيّل الإنسانوي الإنجليزي توماس مور في كتابه “يوتوبيا” عام 1516م مجتمعًا خياليًا يُلغى فيه المال ويتشارك الناس فيه الطعام والمسكن وسائر الموارد بشكل جماعي.[2] غير أن هذه الأفكار المبكرة ظلت طوباوية بمعنى أنها لم تستند إلى نظرية اقتصادية أو تاريخية متماسكة، إلى أن جاء “الاشتراكيون الطوباويون” في أوائل القرن التاسع عشر، أمثال هنري دو سان سيمون وشارل فورييه وروبرت أوين، الذين اقترحوا نماذج مجتمعية بديلة للرأسمالية الصناعية الناشئة، لكن ماركس وإنجلز وصفا مشروعهم لاحقًا بأنه غير علمي وغير عملي.[3]
كارل ماركس وفريدريش إنجلز: تأسيس الشيوعية العلمية
وُلد كارل ماركس في مدينة ترير الألمانية عام 1818م لأسرة يهودية متوسطة الحال تخلت عن ديانتها سعيًا للاندماج في مجتمع معادٍ للسامية، ودرس الفلسفة في جامعة برلين قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة يينا عام 1841م، دون أن يتمكن من الحصول على منصب أكاديمي بسبب أصله اليهودي وآرائه السياسية الليبرالية الراديكالية، فاتجه إلى الصحافة التي كشفت له عمق الظلم والفساد في طبقات المجتمع الألماني المختلفة.[3] وفي باريس التقى بمواطنه فريدريش إنجلز، ابن أحد شركاء مصنع نسيج ألماني بريطاني، الذي كان يدير أحد مصانع العائلة في مانشستر، وقد صُدم إنجلز من بؤس العمال وأوضاعهم المزرية التي وصفها بتفصيل قاسٍ في كتابه “أوضاع الطبقة العاملة في إنجلترا” عام 1844م. جمعت الرجلين قناعة مشتركة بأن فقر العمال ومرضهم وموتهم المبكر ليست عوارض عابرة، بل مشكلات بنيوية متأصلة في النظام الرأسمالي نفسه، لا يمكن حلها إلا باستبدال الرأسمالية بنظام شيوعي تُدار فيه وسائل الإنتاج الصناعية الكبرى، كالمناجم والمصانع وخطوط السكك الحديدية، ملكية عامة لصالح الجميع.[3]
المادية التاريخية والصراع الطبقي
وضع ماركس أسسه النظرية للشيوعية أولًا في كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” (كُتب بين 1845 و1846م)، ثم في مؤلفه الأضخم “رأس المال” عام 1867م، وقامت نظريته على ثلاثة محاور رئيسية: تصور مادي للتاريخ، ونقد شامل للرأسمالية وآلياتها الداخلية، وتصور لعملية الإطاحة الثورية بالرأسمالية واستبدالها بالشيوعية.[3] فبخلاف الفيلسوف الألماني هيغل الذي رأى التاريخ تطورًا جدليًا “للروح”، رأى ماركس أن التاريخ تحركه الظروف المادية والاقتصادية السائدة في كل عصر، وأن البشرية مرّت بسلسلة من المراحل، من مجتمع العبودية القديم إلى الإقطاع فالرأسمالية، تستغل في كل مرحلة طبقة مسيطرة عملَ طبقة أوسع من العمال، إلى أن تؤدي التناقضات الداخلية لكل مرحلة إلى الإطاحة بالطبقة الحاكمة واستبدالها بخليفتها، كما أطاحت البرجوازية بالأرستقراطية الإقطاعية سابقًا، وكما تنبأ ماركس بأن يُطيح البروليتاريا (الطبقة العاملة الصناعية) بالبرجوازية الرأسمالية مستقبلًا.[3]
نقد الرأسمالية ونظرية القيمة الفائضة
اعتبر ماركس أن الرأسمالية مرحلة تاريخية ضرورية أحدثت تحولات علمية وتقنية هائلة وزادت الثروة الإجمالية للبشرية، لكن المشكلة في نظره تكمن في التوزيع غير العادل لهذه الثروة، إذ يجني الرأسماليون الأرباح بينما يُدفع للعمال أجر زهيد مقابل ساعات عمل طويلة وشاقة، رغم أن العمال هم من يخلقون القيمة الاقتصادية وفق “نظرية قيمة العمل” التي طرحها، والتي تقول إن قيمة أي سلعة تتحدد بمقدار العمل اللازم لإنتاجها. وبحسب ماركس، فإن الرأسماليين يستولون على “القيمة الفائضة” التي ينتجها العمال ويسمّونها ربحًا، فتتراكم الثروة لدى مالكي وسائل الإنتاج بينما يزداد العمال فقرًا.[3] ورأى ماركس أيضًا أن هذا الاستغلال يظل مُقنّعًا بمنظومة من الأفكار السائدة التي أسماها “الأيديولوجيا”، والتي تخدم مصالح الطبقة المسيطرة وتصوّر النظام القائم بوصفه طبيعيًا وعادلًا، معتبرًا الدين على وجه الخصوص “أفيون الشعوب” لأنه يُخدّر، في رأيه، الوعي النقدي للعمال ويدفعهم لقبول أوضاعهم البائسة باعتبارها جزءًا من مشيئة إلهية.[3]
تصور ماركس للثورة والمجتمع الشيوعي
تنبأ ماركس بأن الرأسمالية، بوصفها نظامًا اقتصاديًا متقلبًا، ستشهد أزمات متكررة ومتفاقمة من ركود وكساد تزيد البطالة وتخفض الأجور وتُقنع الطبقة العاملة بأن مصالحها تتعارض جذريًا مع مصالح البرجوازية الحاكمة، فتستولي البروليتاريا حينها على وسائل الإنتاج ومؤسسات سلطة الدولة، وتقيم ما أسماه ماركس “الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا” كمرحلة انتقالية لمنع أي ثورة مضادة، قبل أن تذوب الحاجة إلى الدولة نفسها تدريجيًا ليحل محلها مجتمع شيوعي لا طبقي.[3] ولم يترك ماركس، خلافًا لأسلافه من الاشتراكيين الطوباويين، مخططًا تفصيليًا لهذا المجتمع المستقبلي، مكتفيًا بمبادئ عامة، أبرزها الشعار الذي تبنّاه لاحقًا الفكر الشيوعي.
من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته.
— شعار مركزي في الفكر الماركسي، تبلور في نقد برنامج غوتا، 1875م
الانقسام بعد إنجلز: الإصلاحية في مواجهة الثورة
بعد وفاة إنجلز عام 1895م، انقسم أتباع ماركس إلى معسكرين رئيسيين: ماركسيون “إصلاحيون” يفضلون انتقالًا سلميًا وتدريجيًا نحو الاشتراكية عبر البرلمانات والنقابات، وماركسيون ثوريون كان من أبرزهم قادة الثورة الروسية لاحقًا. تزعّم التيار الإصلاحي الألماني إدوارد برنشتاين، الذي جادل بأن نمو النقابات العمالية والأحزاب السياسية العمالية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر أتاح فرصًا لم يكن ماركس قد توقعها، وأن تحسّن الأجور وظروف العمل في الدول الرأسمالية المتقدمة يناقض تنبؤ ماركس بتفاقم بؤس البروليتاريا حتمًا. اعتبر الماركسيون الأرثوذكس، وفي مقدمتهم لينين، أن برنشتاين خائن للقضية الثورية.[4]
لينين والبلشفية: من النظرية إلى التنظيم الثوري
كانت روسيا في مطلع القرن العشرين بيئة غير مرشحة، في ظاهرها، لثورة بروليتارية كتلك التي تنبأ بها ماركس، إذ كان اقتصادها زراعيًا في الأساس ومصانعها قليلة وطبقتها العاملة الصناعية صغيرة، بينما كان أغلب الروس فلاحين يعملون في أراضٍ يملكها نبلاء أثرياء. غير أن فلاديمير لينين، زعيم الفصيل الثوري “البلشفي” داخل حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي الروسي، أدخل تعديلين جوهريين على نظرية ماركس، حتى أُطلق على الأيديولوجيا الناتجة اسم “الماركسية اللينينية”. أولهما، كما طرحه في كتابه “ما العمل؟” عام 1902م، أن الثورة لا يمكن أن تنبثق تلقائيًا من البروليتاريا كما توقع ماركس، بل يجب أن يقودها “طليعة” حزبية منظمة ومنضبطة من المثقفين الثوريين توجّه الجماهير التي تعاني، في رأيه، من “وعي زائف” يمنعها من إدراك مصالحها الحقيقية. أما التعديل الثاني، الوارد في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” عام 1916م، فمفاده أن الثورة الشيوعية لن تندلع في الدول الرأسمالية المتقدمة كما توقع ماركس، بل في الدول المتخلفة اقتصاديًا كروسيا، وفي المستعمرات المستغَلّة من الدول الإمبريالية.[4]
الثورة الروسية وقيام أول دولة شيوعية
جاءت ثورة 1917م الروسية بطريقة لم يتوقعها أحد، حتى لينين نفسه، إذ كان الدافع المباشر لها الحرب العالمية الأولى التي أنهكت الجنود الروس في الجبهات والفلاحين في الداخل، فاندلعت أعمال شغب في عدد من المدن الروسية، ورفض الجنود قمعها، ما اضطر القيصر نيقولا الثاني إلى التنازل عن العرش، لتحل محله حكومة مؤقتة برئاسة ألكسندر كيرينسكي، والتي ظلت غير شعبية بسبب إصرارها على مواصلة الحرب ضد ألمانيا.[4] عاد لينين من منفاه في سويسرا في وقت مناسب ليقود البلاشفة في الاستيلاء على السلطة في أكتوبر (نوفمبر بالتقويم الجديد) 1917م، ليصبح رئيسًا لحكومة جديدة قائمة على “السوفييتات” أو مجالس العمال.[4] تحركت الحكومة السوفيتية سريعًا للانسحاب من الحرب ولتأميم الصناعة والزراعة الخاصة، مصادرةً المناجم والمصانع وأملاك كبار الملاك تحت راية “شيوعية الحرب”، ما أشعل حربًا أهلية بين “الحمر” البلاشفة و”البيض” المناهضين للثورة، انتهت عام 1920م بانتصار البلاشفة، وإن ترك الاقتصاد السوفيتي في حالة خراب، فأعلن لينين عام 1921م “السياسة الاقتصادية الجديدة” التي سمحت بقدر من المبادرة الفردية والملكية الخاصة الصغيرة لإنعاش الاقتصاد.[5]
الستالينية: بناء الاشتراكية في بلد واحد
بعد وفاة لينين عام 1924م، تنافس على قيادة الحزب الشيوعي كل من جوزيف ستالين وليون تروتسكي ونيكولاي بوخارين، وقد حذّر لينين قبل وفاته من طموحات ستالين، وهو تحذير أثبتت الأحداث صحته؛ إذ بدأ ستالين في أواخر عشرينيات القرن العشرين تصفية منافسيه، ثم شنّ في منتصف الثلاثينيات حملة تطهير واسعة داخل الحزب وفي المجتمع بأسره، شملت نفي المعارضين إلى سيبيريا أو إعدامهم بعد محاكمات صورية، فأُعدم بوخارين عام 1938م، واغتيل تروتسكي في المكسيك عام 1940م على يد أحد عملاء ستالين.[6]
قامت “الستالينية”، بوصفها فرعًا من الماركسية اللينينية، على ثلاث سمات رئيسية: توظيف “المادية الجدلية” لتبرير أي إجراء يريده ستالين، وعبادة شخصية واسعة صوّرته عبقريًا شاملًا في كل مجال، وفكرة “الاشتراكية في بلد واحد”، أي بناء القاعدة الصناعية والعسكرية للاتحاد السوفيتي قبل تصدير الثورة إلى الخارج.[6] ولتحقيق ذلك، ألغى ستالين السياسة الاقتصادية الجديدة، وشرع في تجميع الزراعة السوفيتية قسرًا، فجُرِّد ملايين الفلاحين الميسورين، المعروفين بـ”الكولاك”، من أراضيهم وأُجبروا على العمل في مزارع جماعية كبرى، وأعدم من قاوم منهم أو أُرسل إلى معسكرات العمل القسري في سيبيريا، وأسفرت المجاعة الناجمة عن ذلك، ولا سيما مجاعة أوكرانيا بين عامي 1932 و1933م، عن وفاة ملايين الأشخاص.[6] وبعد الحرب العالمية الثانية، فرض ستالين أنظمة شيوعية موالية له في بولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا والمجر ورومانيا وألبانيا وألمانيا الشرقية، فيما وُصف بـ”الستار الحديدي” الذي فصل أوروبا الشرقية عن الغربية طوال عقود الحرب الباردة.[6]
نحن نؤيد ذبول الدولة، وفي الوقت نفسه نؤيد تقوية أقوى سلطة دولة عرفها التاريخ، أليس هذا تناقضًا؟ نعم، إنه تناقض، لكنه تناقض تعكسه جدلية ماركس بالكامل.
— جوزيف ستالين، تقرير أمام المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعي، يونيو 1930م
الشيوعية الصينية والماوية
تُعدّ جمهورية الصين الشعبية اليوم القوة العظمى الوحيدة في العالم التي لا يزال يحكمها حزب شيوعي منذ استيلاء الشيوعيين على السلطة عام 1949م، رغم أن النسخة الرسمية الصينية من الشيوعية، المعروفة بـ”فكر ماو تسي تونغ“، تختلف كثيرًا عن تصور ماركس الأصلي.[6] فقد استعان ماو بنظرية لينين عن الإمبريالية لتفسير “تخلف” الصين ولتبرير ثورة في مجتمع زراعي فقير يفتقر إلى الطبقة العاملة الصناعية الكبيرة التي رأى ماركس أنها ضرورية عمومًا لاندلاع ثورة عمالية، واستبدل ماو مفهوم “الطبقة” البروليتارية الصناعية بمفهوم “الأمة” البروليتارية الفلاحية التي تستغلها الدول الرأسمالية.[6] وأشرف ماو على مبادرات صناعية وزراعية عدة كانت كارثية على الشعب الصيني، أبرزها “القفزة العظيمة إلى الأمام” بين عامي 1958 و1960م، وهي نسخته من سياسة ستالين للتصنيع القسري السريع، والتي انتهت بفشل ذريع. كما أطلق ماو “الثورة الثقافية” بين عامي 1966 و1976م سعيًا لفرض النقاء الأيديولوجي، فهاجم “الحرس الأحمر” من الشباب المسؤولين والمديرين والمعلمين المشكوك في التزامهم الأيديولوجي، ما أدخل البلاد في فوضى واسعة اضطر معها الجيش الشعبي للتدخل لاستعادة النظام.[6] بعد وفاة ماو عام 1976م، شرعت القيادة الشيوعية الصينية في إصلاحات اقتصادية محدودة نحو السوق الحرة مع إبقاء قبضة سياسية محكمة، وهو المسار الذي أسهم في النمو الاقتصادي القياسي للصين منذ الثمانينيات.[7]
الشيوعية اللاماركسية: الفوضوية الشيوعية
إلى جانب المسار الماركسي، ظهرت صيغ أخرى غير ماركسية من الفكر الشيوعي، أبرزها الفوضوية الشيوعية التي لا تدعو فقط إلى الملكية الجماعية للممتلكات، بل إلى إلغاء الدولة ذاتها. من أبرز مفكري هذا التيار الإنجليزي ويليام غودوين، والروسيان ميخائيل باكونين وبيوتر كروبوتكين، والأمريكية إيما غولدمان، وقد رأى هؤلاء أن الدولة والملكية الخاصة مؤسستان متلازمتان، إذ توجد الدولة أصلًا لحماية الملكية الخاصة، فيما يحمي أصحاب الملكية الخاصة الدولة بدورهم، وبالتالي فإن أي مساواة حقيقية في الملكية تستلزم تفكيك الدولة نهائيًا لا مجرد الاستيلاء عليها. وقد جادل باكونين، في كتابه “الدولوية والفوضى” عام 1874م، بأن دولة البروليتاريا الانتقالية التي تصورها ماركس لن “تذوب” أبدًا كما توقع، بل ستتحول حتمًا إلى ديكتاتورية على البروليتاريا لا لصالحها.[7]
انهيار الكتلة الشيوعية ونهاية الحرب الباردة
بعد وفاة ستالين عام 1953م، شهد الاتحاد السوفيتي انفتاحًا تدريجيًا بطيئًا، إذ ألقى رئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروتشوف عام 1956م خطابًا سريًا أمام المؤتمر العشرين للحزب أدان فيه جرائم ستالين، غير أن الحرب الباردة مع الغرب استمرت، وحاول من خلفوا خروتشوف كبح أي إصلاح جوهري. وفي ثمانينيات القرن العشرين، أطلق ميخائيل غورباتشوف سياستي “الغلاسنوست” (الانفتاح) و”البيريسترويكا” (إعادة الهيكلة)، لكن هذا الانفتاح لم يكفِ لإنقاذ النظام، وانتهى الأمر بانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الحزب الشيوعي السوفيتي فعليًا عام 1991م.[6]
الشيوعية في العالم المعاصر
رغم الصعوبات التي رافقت انتقال روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة إلى اقتصاد السوق، فإن احتمال عودة الحكم الشيوعي إليها يبقى بعيدًا؛ إذ يتبنى الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي، وريث الحزب الشيوعي السوفيتي، خطًا إصلاحيًا لا ثوريًا. أما في الصين، فيُكتفى بالإشادة الشكلية بالماوية دون تطبيقها فعليًا، مع اتجاه واضح نحو مزيد من الخصخصة واقتصاد السوق اللامركزي، بينما يواصل الحزب الشيوعي الصيني عدم التسامح مع أي معارضة سياسية، كما ظهر جليًا في قمع الاحتجاجات الطلابية المطالبة بالديمقراطية في ميدان تيانانمن عام 1989م.[7] اليوم، لا تحكم الشيوعية رسميًا سوى عدد محدود من الدول، أبرزها الصين وكوريا الشمالية ولاوس وفيتنام وكوبا، وإن كانت أغلب هذه الدول، باستثناء كوريا الشمالية التي بقيت معزولة وقمعية على النمط السوفيتي القديم، قد اتجهت نحو اقتصادات أكثر انفتاحًا على السوق مع إبقاء نظام الحزب الواحد سياسيًا.[1] وهكذا، فإن الشيوعية بنموذجها السوفيتي القائم على الاقتصاد الموجَّه مركزيًا والتخطيط البيروقراطي من أعلى إلى أسفل باتت اليوم نموذجًا منقرضًا عمليًا، فيما يظل السؤال حول مدى اتساق تلك التجارب التاريخية مع تصور ماركس الأصلي للشيوعية موضع جدل مستمر بين الباحثين والمؤرخين.[7]