فتح العراق الإسلامي هو مصطلح يشير إلى سلسلة الحملات العسكرية التي خاضها المسلمون خلال عهد الخلافة الراشدة بين عامي 12 و21 للهجرة (633-642م) لانتزاع بلاد العراق من سيطرة الإمبراطورية الساسانية الفارسية، وضمها إلى الدولة الإسلامية الناشئة. بدأت هذه الحملات بقيادة خالد بن الوليد الذي حقق سلسلة انتصارات سريعة في جنوب العراق قبيل انتقاله إلى جبهة الشام، قبل أن تتوقف مؤقتًا إثر هزيمة قاسية للمسلمين في معركة الجسر عام 13هـ، ثم تُستأنف بزخم أكبر تحت قيادة سعد بن أبي وقاص الذي حسم المعركة الفاصلة في القادسية عام 15هـ (636م)، فاتحًا الطريق أمام سقوط عاصمة الأكاسرة الساسانيين في المدائن (طيسفون) في العام التالي.[1] وقد شكّل هذا الفتح ضربة قاصمة للدولة الساسانية التي كانت قد استنزفت قواها في حروبها الطويلة مع الإمبراطورية البيزنطية، ومهّد الطريق أمام الانهيار النهائي للدولة الساسانية بأكملها بعد معركة نهاوند الحاسمة عام 21هـ، لتصبح بلاد العراق منذ ذلك الحين مركزًا إداريًا وحضاريًا رئيسيًا في الدولة الإسلامية، ومهدًا لمدن إسلامية كبرى كالكوفة والبصرة.
| معلومات عامة | |
| الفترة الزمنية | 12-21هـ (633-642م) |
| الأطراف | الخلافة الراشدة ضد الإمبراطورية الساسانية الفارسية |
| أبرز القادة المسلمين | خالد بن الوليد، المثنى بن حارثة الشيباني، سعد بن أبي وقاص |
| أبرز القادة الفرس | هرمز، رستم فرخزاد، يزدجرد الثالث |
| النتيجة | سقوط العراق بأكمله تحت الحكم الإسلامي |
| الأثر الأبعد | تمهيد الطريق لانهيار الدولة الساسانية بأكملها |
| تواريخ رئيسية | |
| 12هـ (633م) | معركة السلاسل وبداية حملة خالد بن الوليد في العراق |
| 12هـ (633م) | سقوط الحيرة عاصمة اللخميين السابقة |
| 13هـ (634م) | معركة الجسر وهزيمة المسلمين |
| 15هـ (636م) | معركة القادسية الفاصلة |
| 16هـ (637م) | سقوط المدائن (طيسفون) عاصمة الأكاسرة |
| 17هـ (638م) | تأسيس مدينة الكوفة |
| 21هـ (642م) | معركة نهاوند ونهاية المقاومة الساسانية المنظمة |
خلفية الفتح: العراق تحت الحكم الساساني عشية الإسلام
كانت بلاد العراق عشية ظهور الإسلام تشكّل إحدى أغنى الولايات الزراعية والحضرية للإمبراطورية الساسانية، ومركزًا إداريًا مهمًا يضم مدينة الحيرة، عاصمة مملكة اللخميين العربية التابعة للفرس، التي كانت قد فقدت استقلالها السياسي وأُلحقت مباشرة بالإدارة الساسانية عام 602م بعد إلغاء الأسرة اللخمية.[3] وقد أنهكت الحروب الطويلة والمدمرة بين الفرس الساسانيين والبيزنطيين، والتي استمرت حتى أواخر عشرينيات القرن السابع الميلادي، قوة الدولة الساسانية العسكرية والمالية بشكل كبير، فيما أعقب ذلك اضطراب سياسي داخلي حاد عقب مقتل الملك خسرو الثاني عام 628م، تعاقب خلاله عدة حكام على العرش الساساني خلال سنوات قليلة، مما أضعف قدرة الدولة على مواجهة أي تهديد خارجي جديد بفاعلية في اللحظة التي بدأت فيها جيوش الخلافة الراشدة تتحرك شمالًا نحو حدود العراق.
حملة خالد بن الوليد الأولى: معركة السلاسل وسقوط الحيرة
أرسل الخليفة أبو بكر الصديق القائد خالد بن الوليد، الذي كان قد أنهى لتوّه قمع حروب الردة في شرق الجزيرة العربية، لغزو العراق عام 12هـ (633م)، فحقق خالد سلسلة انتصارات سريعة ومتتالية ضد القوات الفارسية والحامية العربية المحلية الموالية لهم، بدءًا بمعركة السلاسل، تلتها معارك النهر والوَلَجَة وأُلَّيس.[2] وتُوّجت هذه الحملة الخاطفة بسقوط مدينة الحيرة في أواخر مايو من العام نفسه، إذ صالح أهلها المسلمين مقابل دفع الجزية، لتصبح أول مدينة عراقية كبرى تدخل تحت الحكم الإسلامي.[2] غير أن خالدًا لم يُتح له استكمال فتح العراق بالكامل، إذ أمره الخليفة أبو بكر بالتوجه سريعًا إلى جبهة الشام لمواجهة البيزنطيين، فغادر خالد العراق أواخر عام 12هـ تاركًا خلفه قوة أصغر بكثير بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني لمواصلة عمليات التوسع والدفاع عن المكتسبات.
الانتكاسة: معركة الجسر وإعادة تنظيم الجبهة
أدى انسحاب معظم القوة العسكرية الرئيسية مع خالد بن الوليد إلى إضعاف الوجود الإسلامي في العراق بشكل كبير، فاستغل الفرس هذا الضعف وشنّوا هجومًا مضادًا واسعًا، أسفر عن هزيمة قاسية للمسلمين في معركة الجسر عام 13هـ (634م)، وهي الهزيمة الوحيدة الكبرى التي منيت بها الجيوش الإسلامية في حروب فتح العراق. اضطر المثنى بن حارثة إلى الانسحاب وإعادة تجميع صفوفه، فيما أدرك الخليفة عمر بن الخطاب، الذي كان قد تولى الخلافة عقب وفاة أبي بكر، ضرورة إرسال قوة أكبر وأكثر تنظيمًا لاستئناف الفتح بشكل حاسم، وذلك بعد أن حسم المسلمون الجبهة البيزنطية بانتصارهم الكبير في معركة اليرموك عام 636م، مما أتاح تحويل موارد وجنود إضافيين نحو الجبهة الفارسية.
إعادة التنظيم بقيادة سعد بن أبي وقاص
عيّن الخليفة عمر بن الخطاب الصحابي سعد بن أبي وقاص قائدًا عامًا للجيش الإسلامي في العراق، فجمع سعد قوة كبيرة نسبيًا، عززتها لاحقًا تعزيزات من محاربي معركة اليرموك المخضرمين، واتجه بها نحو منطقة القادسية القريبة من الحيرة، حيث اصطدم بجيش فارسي ضخم بقيادة القائد رستم فرخزاد، أحد كبار قادة الدولة الساسانية آنذاك.[1] وقد سبقت المواجهة العسكرية محاولات دبلوماسية عدة من الجانب المسلم لإقناع الفرس بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية سلمًا، ومن أبرزها المبادرة التي قام بها المبعوث ربعي بن عامر في مجلس رستم نفسه.
معركة القادسية الفاصلة
وقعت معركة القادسية في عام 15هـ (636م) قرب مدينة الحيرة، واستمرت عدة أيام متقطعة شهدت مواجهات ضارية بين الجيشين، استخدم فيها الفرس فيلة الحرب التي أربكت في البداية صفوف الفرسان المسلمين غير المعتادين على مواجهتها، قبل أن يطور المسلمون تكتيكات فعالة لمواجهتها والتغلب على أثرها النفسي والعسكري.[1] وانتهت المعركة بانتصار حاسم للمسلمين ومقتل القائد الفارسي رستم فرخزاد، وهو ما أدى إلى انهيار شامل في صفوف الجيش الساساني المتبقي في المنطقة. وقد اعتبر المؤرخون هذا الانتصار الإسلامي على جيش يزدجرد الثالث بمثابة إعلان فعلي لنهاية السيطرة الساسانية الفعالة على العراق وبداية الحكم العربي الإسلامي في بلاد فارس.[1]
سقوط المدائن (طيسفون) عاصمة الأكاسرة
عقب انتصار القادسية مباشرة، تقدم سعد بن أبي وقاص بجيشه شمالًا نحو المدائن، العاصمة الساسانية المعروفة أيضًا باسم طيسفون، والتي كانت في حقيقتها مجموعة مدن متصلة تحيط بضفتي نهر دجلة، عُرفت مجتمعة في المصادر العربية باسم “المدائن”.[5] وقد فرّ الملك يزدجرد الثالث من عاصمته قبل وصول المسلمين إليها، تاركًا وراءه القصر الأبيض الفخم، فدخل المسلمون المدينة دون مقاومة تُذكر مطلع عام 637م، واستولوا على كنوز هائلة من الذهب والفضة والأقمشة الفاخرة التي تراكمت في خزائن القصر الملكي عبر قرون من حكم الأسرة الساسانية.[4] واستُخدمت قاعة العرش الضخمة ذات القبو الشهيرة، المعروفة بطاق كسرى، كمصلى مؤقت للمسلمين عقب فتح المدينة، قبل أن يتراجع دور المدائن تدريجيًا لصالح مدن إسلامية جديدة أُسست خصيصًا لاستيعاب الجيوش والمستوطنين العرب.[4]
تأسيس الكوفة وتنظيم العراق الإسلامي
لاحظ الخليفة عمر بن الخطاب أن المناخ الرطب لمدن العراق القديمة كطيسفون لم يكن مناسبًا لصحة الجند العرب المعتادين على مناخ الجزيرة العربية الجاف، فأمر سعد بن أبي وقاص بإنشاء مدينة عسكرية وإدارية جديدة قريبة من الصحراء، فتأسست الكوفة عام 17هـ (638م) لتحل محل الحيرة تدريجيًا كمركز إداري رئيسي لولاية العراق الإسلامية.[6] ولم تُبنَ الكوفة على غرار المدن العراقية القديمة القائمة على تجمعات قبلية موحدة، بل استُوطنت بمجموعات قبلية متعددة صغيرة من شمال الجزيرة العربية وجنوبها على السواء، وسرعان ما تحولت إلى واحدة من أهم حواضر العالم الإسلامي السياسية والفكرية في العقود التالية، إذ اتخذها لاحقًا الخليفة علي بن أبي طالب عاصمة له.
معركة نهاوند ونهاية المقاومة الساسانية المنظمة
رغم سقوط عاصمته وخسارته لبلاد العراق بأكملها، حاول الملك يزدجرد الثالث إعادة تنظيم قواته من هضبة إيران، وحشد جيشًا كبيرًا جديدًا في محاولة أخيرة لاستعادة زمام المبادرة واستعادة العراق. غير أن هذا الجيش مُني بهزيمة ساحقة وحاسمة في معركة نهاوند عام 21هـ (642م)، التي أطلق عليها المسلمون لاحقًا اسم “فتح الفتوح” لعظم أثرها، إذ قضت عمليًا على قدرة الدولة الساسانية على تنظيم أي مقاومة عسكرية موحدة بعد ذلك، وفتحت الطريق أمام توسع الفتوحات الإسلامية في عمق الهضبة الإيرانية حتى مقتل يزدجرد الثالث نفسه عام 651م، وهو ما شكّل النهاية الرسمية للإمبراطورية الساسانية بأكملها.
الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
— ربعي بن عامر، مبعوث المسلمين، في مجلس القائد رستم فرخزاد قبيل معركة القادسية، 15هـ/636م
تختصر هذه المقولة، التي تناقلتها المصادر التاريخية الإسلامية التقليدية على لسان مبعوث المسلمين ربعي بن عامر في حواره مع القائد الفارسي رستم عشية معركة القادسية، الرؤية الأيديولوجية والدينية التي أطّرت الفتوحات الإسلامية المبكرة في وعي المسلمين أنفسهم، بوصفها تحريرًا من الاستبداد السياسي والديني القائم آنذاك أكثر منها مجرد توسع عسكري أو اقتصادي، وهي الرؤية التي شكّلت لاحقًا حجر الأساس في السردية الإسلامية التقليدية لتفسير سرعة اتساع رقعة الفتوحات في العقود الأولى من صدر الإسلام.
التصنيفات: الفتوحات الإسلامية · تاريخ العراق · الدولة الساسانية · الخلافة الراشدة · خالد بن الوليد · سعد بن أبي وقاص · الكوفة