مجزرة سطيف هي سلسلة من أعمال القمع الدموي التي ارتكبتها القوات الفرنسية والميليشيات الاستيطانية المسلحة بحق المتظاهرين الجزائريين في مدينة سطيف وضواحيها، ثم في مدينتي قالمة وخراطة، ابتداءً من الثامن من مايو 1945م، اليوم ذاته الذي احتفلت فيه أوروبا باستسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية.[1] اندلعت الأحداث حين تحولت مسيرة نظّمتها السلطات الفرنسية نفسها للاحتفال بالنصر على النازية إلى مواجهة دامية، بعدما رفع أحد المتظاهرين الجزائريين العلم الجزائري في مخالفة صريحة لأوامر السلطات التي لم تسمح إلا برفع علم فرنسا التحرر، فأطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، لتندلع إثرها أعمال عنف متبادلة قُتل خلالها عدد من المستوطنين الأوروبيين، قبل أن تشن السلطات الفرنسية حملة قمع واسعة النطاق شملت القصف الجوي والبحري وأعمال إعدام جماعية استمرت لأسابيع.[2] وتتفاوت تقديرات عدد الضحايا الجزائريين تفاوتًا كبيرًا بين الرواية الفرنسية الرسمية التي تحدثت في حينها عن بضع مئات، والتقديرات الأكاديمية اللاحقة التي تراوحت بين ستة آلاف وخمسة وأربعين ألف قتيل بحسب الرواية الجزائرية، مقابل نحو مئة إلى مئة وعشرة قتلى من الأوروبيين.[1] وتُعد هذه المجزرة نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجزائر الحديث، إذ أقنعت شريحة واسعة من الحركة الوطنية الجزائرية باستحالة تحقيق الاستقلال عبر الحوار السلمي مع فرنسا، ومهّدت الطريق نحو اندلاع ثورة التحرير الجزائرية الكبرى بعد تسع سنوات فقط.
| معلومات عامة | |
| التاريخ | 8 مايو – أوائل يونيو 1945م |
| الموقع | سطيف وقالمة وخراطة، شرق الجزائر (مقاطعة قسنطينة) |
| الأطراف | القوات الفرنسية والميليشيات الاستيطانية ضد المتظاهرين والسكان الجزائريين |
| القائد الفرنسي المسؤول | الجنرال ريمون دوفال |
| عدد الضحايا الأوروبيين | نحو 100-110 قتلى |
| عدد الضحايا الجزائريين | تقديرات متفاوتة بين 6,000 و45,000 قتيل |
| الأثر التاريخي | تسريع نضج الحركة الوطنية الجزائرية نحو الكفاح المسلح |
| تواريخ رئيسية | |
| 8 مايو 1945م | اندلاع المظاهرات في سطيف وإطلاق النار على المتظاهرين |
| 8-9 مايو 1945م | امتداد أعمال العنف إلى قالمة وخراطة والأرياف المحيطة |
| مايو-يونيو 1945م | حملة قمع فرنسية واسعة بمشاركة الجيش والبحرية والميليشيات |
| نوفمبر 1954م | اندلاع ثورة التحرير الجزائرية |
| فبراير 2005م | اعتراف السفير الفرنسي بـ”مأساة لا تُغتفر” |
خلفية الأحداث: الجزائر عشية نهاية الحرب العالمية الثانية
عاشت الجزائر خلال سنوات الحرب العالمية الثانية توترًا سياسيًا واقتصاديًا متصاعدًا، إذ شارك عشرات الآلاف من الجنود الجزائريين في صفوف القوات الفرنسية الحرة في معارك تحرير أوروبا من النازية، على أمل أن يكافئهم ذلك بمزيد من الحقوق السياسية والمساواة داخل النظام الاستعماري الفرنسي، فيما كانت الحركة الوطنية الجزائرية، بقيادة شخصيات كفرحات عباس ومصالي الحاج، قد بدأت تتصاعد مطالبها من الإصلاح التدريجي إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال.[2] وقد تصاعدت هذه التوترات في الأسابيع التي سبقت الثامن من مايو، إذ شهدت مظاهرات مماثلة في الأول من مايو 1945م قمعًا دمويًا في مدن جزائرية أخرى، مما هيّأ أجواء مشحونة بالفعل قبل حلول يوم الاحتفال بانتصار الحلفاء.
مظاهرات الثامن من مايو في سطيف
في صباح الثامن من مايو 1945م، تجمع نحو ثمانية إلى عشرة آلاف من الجزائريين قرب محطة قطار سطيف بالقرب من المسجد الكبير، بترخيص من السلطات الفرنسية المحلية للمشاركة في احتفالات النصر على ألمانيا النازية، على أن يقتصر رفع الأعلام على علم فرنسا وحلفائها فحسب.[2] غير أن المسيرة، التي انطلقت بأعلام جزائرية وشعارات مطالبة بإنهاء الاستعمار والإفراج عن مصالي الحاج، تحولت إلى مواجهة دامية حين حاول أحد ضباط الشرطة انتزاع علم جزائري من أحد المتظاهرين الشباب، فأطلقت الشرطة النار على الحشد، ما أدى إلى مقتل عدد من المتظاهرين، بينهم فتى يُدعى سعال بوزيد، وأثار هذا الإطلاق موجة عنف عارمة اندفع خلالها بعض المتظاهرين لمهاجمة المستوطنين الأوروبيين في المدينة، مما أسفر عن مقتل نحو ثمانية وعشرين إلى مئة منهم بحسب المصادر خلال الساعات الأولى من الأحداث.[3]
امتداد العنف إلى قالمة وخراطة
لم تقتصر أعمال العنف على سطيف وحدها، بل امتدت خلال الأيام التالية إلى مدينة قالمة الواقعة إلى الشرق، حيث اندلعت اضطرابات مماثلة أعقبتها موجة قمع منظمة استمرت أسابيع بقيادة الإداري الفرنسي أندريه أشيار، فضلًا عن منطقة خراطة الجبلية الواقعة بين سطيف وبجاية، التي شهدت بعضًا من أعنف حوادث القتل الجماعي خلال الأزمة.[3] وقد أظهرت الوثائق والصور الباقية من تلك الحقبة مشاهد لجثث أُلقيت في أفران جيرية في قالمة، وضحايا رُموا من فوق الهضاب الصخرية في خراطة، ومطاردات منظمة نُفذت في الأحياء ذات الغالبية الجزائرية في سطيف نفسها، في مؤشر على حجم العنف الممنهج الذي تجاوز بكثير مجرد ردة فعل عفوية على أعمال شغب محلية.
حملة القمع الفرنسية الواسعة
نظّمت السلطات الفرنسية، بقيادة الجنرال ريمون دوفال، حملة قمع واسعة النطاق شارك فيها الجيش والدرك والشرطة، إلى جانب ميليشيات مسلحة شكّلها المستوطنون الأوروبيون أنفسهم، واستُخدمت خلالها طائرات حربية وسفن بحرية لقصف قرى ومناطق يُشتبه بمشاركة سكانها في أعمال العنف، إلى جانب حملات اعتقال وإعدامات ميدانية طالت آلاف الجزائريين في الأرياف المحيطة بسطيف وقالمة وخراطة.[2] واستمرت عمليات القمع هذه حتى استسلام القبائل المحيطة أواخر مايو 1945م، وقد فرضت السلطات الفرنسية آنذاك تعتيمًا إعلاميًا شبه كامل على حجم الأحداث، واكتفت في تصريحاتها الرسمية بالحديث عن “اضطرابات” محدودة أسفرت عن أقل من ألف وخمسمئة قتيل، وهو رقم اعتبرته الأبحاث الأكاديمية اللاحقة تقديرًا مبالغًا في تقليصه.
حصيلة الضحايا والجدل حول الأعداد
يظل تحديد العدد الدقيق لضحايا مجازر سطيف وقالمة وخراطة موضع جدل تاريخي وسياسي مستمر حتى اليوم، إذ تراوحت التقديرات الرسمية الفرنسية المبكرة بين ألف ومئتين وخمسة آلاف قتيل، بينما تحدثت مصادر جزائرية رسمية عن خمسة وأربعين ألف ضحية، فيما استقرت غالبية الدراسات الأكاديمية الفرنسية الحديثة على أرقام وسطية تتراوح بين ستة آلاف وخمسة عشر ألف قتيل جزائري تقريبًا.[1] وقد اعتبر باحثون متخصصون في دراسة العنف الجماعي أن التفاوت الهائل في هذه الأرقام يعكس، إلى جانب صعوبة التوثيق الميداني آنذاك، طبيعة الصراع السياسي والذاكراتي المستمر حول هذه الأحداث بين الطرفين الفرنسي والجزائري حتى يومنا هذا.[3]
الأثر التاريخي: من سطيف إلى ثورة التحرير
مثّلت مجزرة سطيف صدمة عميقة في الوجدان السياسي الجزائري، إذ أقنعت شريحة واسعة من النخبة الوطنية، التي كانت حتى ذلك الحين تراهن على تحقيق مكاسب سياسية تدريجية عبر التفاوض السلمي مع باريس، باستحالة هذا المسار وضرورة اللجوء إلى الكفاح المسلح لتحقيق الاستقلال.[2] وقد أثّرت هذه القناعة المتصاعدة بشكل مباشر في تشكيل جيل الزعماء الذين قادوا لاحقًا ثورة التحرير الجزائرية الكبرى، التي اندلعت رسميًا في الأول من نوفمبر 1954م واستمرت قرابة ثماني سنوات دامية قبل أن تحقق الجزائر استقلالها في الخامس من يوليو 1962م، لتصبح أحداث الثامن من مايو 1945م بذلك، في نظر كثير من المؤرخين، الشرارة الرمزية الأولى لهذا المسار الثوري الطويل.
الذاكرة والاعتراف الفرنسي المتأخر
ظلت مجزرة سطيف لعقود طويلة موضوعًا شبه محظور في الذاكرة الرسمية الفرنسية، قبل أن تبدأ باريس بشكل تدريجي وحذر في الاعتراف الجزئي بحجم المسؤولية الفرنسية عن الأحداث. ففي فبراير عام 2005م، وبتكليف من الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، وصف السفير الفرنسي في الجزائر هوبير كولان دو فيرديير أحداث الثامن من مايو 1945م بأنها “مأساة لا تُغتفر”، في ما اعتُبر أول اعتراف فرنسي رسمي صريح نسبيًا بحجم الجريمة، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى اعتذار رسمي كامل تطالب به الجزائر حتى اليوم.[4] ولا تزال هذه الأحداث تشكّل أحد الملفات الحساسة الرئيسية في العلاقات الفرنسية الجزائرية المعاصرة، إذ يُحيي الجزائريون الثامن من مايو من كل عام باعتباره يومًا وطنيًا للحداد، في تناقض صارخ مع احتفالات النصر الأوروبية بالتاريخ ذاته.[4]
مأساة لا تُغتفر.
— هوبير كولان دو فيرديير، سفير فرنسا في الجزائر، تصريح رسمي، فبراير 2005
يمثل هذا التصريح، رغم اقتصاره على وصف الحدث دون اعتذار رسمي صريح أو اعتراف بالمسؤولية القانونية، أبرز محاولة فرنسية رسمية حتى الآن لمواجهة إرث هذه الأحداث، وهو ما يعكس استمرار حساسية الملف الاستعماري الفرنسي في الجزائر وصعوبة التوصل إلى قراءة تاريخية مشتركة ومتفق عليها بين البلدين حول هذه الحقبة، بعد ثمانية عقود من وقوع الأحداث.
التصنيفات: تاريخ الجزائر · الاستعمار الفرنسي · ثورة التحرير الجزائرية · حقوق الإنسان · العلاقات الفرنسية الجزائرية