🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة السياسة والعلاقات الدولية
الرئيسية / التاريخ / الهجرة إلى الحبشة
التاريخ

الهجرة إلى الحبشة

👁 10 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 19/8/2026 ✏️ 21/8/2026
100%

الهجرة إلى الحبشة حدث محوري في التاريخ الإسلامي المبكر، شهد لجوء عدد من أوائل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى مملكة أكسوم المسيحية في الحبشة (إثيوبيا الحالية) هرباً من الاضطهاد الذي مارسته قريش ضدهم في مكة، وذلك في نحو سنة 615م، أي قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بنحو سبع سنوات[1]. جاءت هذه الهجرة استجابة لتصاعد حدة العنف والمقاطعة الاجتماعية والاقتصادية التي مارستها زعامات قريش ضد المسلمين الأوائل، وبخاصة أولئك الذين لم يتمتعوا بحماية قبلية قوية تحول دون تعرضهم للأذى المباشر. نصح النبي محمد أتباعه المضطهدين بالتوجه إلى الحبشة تحديداً، لكونها بلداً يحكمه ملك مسيحي عادل عُرف في المصادر الإسلامية باسم النجاشي، لا يظلم أحداً عنده، فكانت بذلك أول هجرة جماعية في تاريخ الدعوة الإسلامية، وسبقت الهجرة النبوية إلى المدينة بسنوات[2].

وقعت الهجرة على مرحلتين متعاقبتين؛ ضمت الأولى مجموعة صغيرة نسبياً من نحو اثني عشر رجلاً وأربع نساء، بينما شملت الثانية عدداً أكبر بكثير، قُدّر بنحو ثمانين إلى ثلاثة وثمانين رجلاً إضافة إلى عدد من النساء والأطفال، بقيادة جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي وأخي الإمام علي بن أبي طالب[1]. حاولت قريش استرداد هؤلاء المهاجرين عبر إرسال وفد دبلوماسي محمّل بالهدايا إلى بلاط النجاشي، غير أن الملك الحبشي رفض تسليمهم بعد أن استمع إلى دفاع جعفر بن أبي طالب عن عقيدة الإسلام الجديدة، في واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في السيرة النبوية المبكرة.

معلومات عامة
التاريخ التقريبي 613 – 615م (السنة الخامسة للبعثة)
الوجهة مملكة أكسوم، الحبشة (إثيوبيا الحالية)
السبب اضطهاد قريش للمسلمين الأوائل في مكة
الحاكم المستقبِل النجاشي أصحمة بن أبجر
الهجرة الأولى
التاريخ رجب، السنة الخامسة للبعثة
العدد اثنا عشر رجلاً وأربع نساء
من أبرز المهاجرين عثمان بن عفان ورقية بنت النبي
الهجرة الثانية
التاريخ نحو 615م
العدد نحو ثمانين رجلاً مع النساء والأطفال
القائد جعفر بن أبي طالب
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق: اضطهاد قريش للمسلمين الأوائل

بدأ النبي محمد دعوته السرية في مكة عقب تلقيه الوحي الأول، واستمر على هذا النهج قرابة ثلاث سنوات قبل أن يُؤمر بالجهر بالدعوة علناً، وهو ما أثار توتراً متصاعداً مع زعامات قريش المتمسكة بالمعتقدات الوثنية التقليدية المرتبطة بمكانة الكعبة الاقتصادية والدينية[1]. استند المجتمع المسلم الناشئ في مكة إلى رابطة عقدية جديدة تجاوزت الروابط القبلية التقليدية، وهو ما جعله عرضة بشكل خاص للانتقام الاجتماعي، إذ كان بمقدور قريش ممارسة ضغوط غير رسمية متفاوتة الشدة، من المضايقة والعنف المباشر ضد أضعف الفئات، إلى مقاطعة اقتصادية شاملة استهدفت عشيرة النبي نفسها، رغم بقاء أغلب أفرادها على معتقداتهم الوثنية القديمة[1].

عانى المسلمون الذين افتقروا إلى حماية قبلية قوية، وبخاصة العبيد المحررون والغرباء والفئات الاجتماعية الأضعف، من أشد صنوف الأذى الجسدي والاقتصادي، بينما ظل النبي نفسه محمياً نسبياً بفضل مكانة عشيرته بني هاشم ودعم عمه أبي طالب له، رغم عدم اعتناقه الإسلام. في ظل هذا الاحتقان المتصاعد، بدأ النبي وأصحابه المقربون التفكير جدياً في إعادة تشكيل جماعتهم في بيئة أقل عداءً لهم.

دوافع اختيار الحبشة مقصداً للهجرة

لم يكن اختيار الحبشة وجهة للهجرة عشوائياً، بل استند إلى اعتبارات عملية ودينية معاً؛ فقد كانت مملكة أكسوم دولة مسيحية مستقرة ذات تاريخ من العداء التقليدي للنخبة التجارية الوثنية في مكة، وكانت تعبد إلهاً واحداً هو ذاته الإله الذي بشّر النبي محمد برسالته باسمه، وهو ما رجّح لدى المسلمين الأوائل احتمال حصولهم فيها على ملاذ آمن نسبياً[1]. كما اشتهر ملك الحبشة، المعروف في المصادر الإسلامية بلقب النجاشي، بسمعة راسخة في العدل وعدم ظلم رعاياه أياً كانت خلفياتهم الدينية، وهي سمعة بلغت أصداؤها الحجاز قبل وقوع الهجرة بفترة، ما جعله خياراً مطمئناً في نظر النبي وأصحابه المهددين.

يشير المؤرخ البريطاني وليام مونتغمري وات إلى أن دوافع المهاجرين ربما تجاوزت مجرد البحث عن الأمان الشخصي، لتشمل أيضاً حسابات تتعلق بإعادة تنظيم الجماعة المسلمة الناشئة بعيداً عن الضغط المكي المباشر، في وقت كان فيه النبي وأقرب المقربين إليه يفكرون في احتمالات إعادة تشكيل مجتمعهم كجماعة مستقلة بذاتها بمعزل عن السياق المكي الخانق[3].

الهجرة الأولى (615م تقريباً)

وقعت الهجرة الأولى إلى الحبشة في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة النبوية، حين غادر مكة سراً نحو اثني عشر رجلاً وأربع نساء، متوجهين إلى ميناء الشعيبة على ساحل البحر الأحمر، ومنه أبحروا نحو سواحل الحبشة[4]. ضمت هذه المجموعة الأولى شخصيات بارزة من الصحابة، أبرزهم عثمان بن عفان الذي سيصبح لاحقاً ثالث الخلفاء الراشدين، برفقة زوجته رقية بنت النبي محمد نفسه، إلى جانب عدد من كبار الصحابة الآخرين الذين تحملوا مشقة الرحلة والاغتراب بحثاً عن حرية ممارسة عقيدتهم الجديدة بأمان.

استقبل النجاشي هذه المجموعة الأولى من المهاجرين استقبالاً حسناً، وسمح لهم بالإقامة في مملكته دون تعرضهم لأي أذى، وهو ما شجّع لاحقاً على تنظيم موجة هجرة ثانية أوسع نطاقاً حين تفاقم الاضطهاد في مكة من جديد.

الهجرة الثانية بقيادة جعفر بن أبي طالب

بعد فترة وجيزة من عودة بعض أفراد الهجرة الأولى إلى مكة إثر إشاعات غير دقيقة عن تحسن الأوضاع هناك، تفاقم الاضطهاد ضد المسلمين من جديد، مما دفع مجموعة أكبر بكثير من المهاجرين، قُدّر عددها بنحو ثمانين أو ثلاثة وثمانين رجلاً مع نسائهم وأطفالهم، إلى التوجه ثانية نحو الحبشة، هذه المرة بقيادة جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي وأخي الإمام علي بن أبي طالب[1]. مثّلت هذه الموجة الثانية العدد الأكبر والأكثر تأثيراً من موجتي الهجرة، إذ ضمت شريحة واسعة من قيادات المجتمع المسلم الناشئ الذين استقروا في الحبشة لسنوات طويلة تالية.

سعي قريش لاسترداد المهاجرين

لم تتقبل زعامات قريش استقرار هذا العدد الكبير من المسلمين في مأمن خارج نطاق سيطرتها المباشرة، فأرسلت وفداً دبلوماسياً إلى بلاط النجاشي، ضم شخصيتين بارزتين هما عمرو بن العاص، الذي سيعتنق الإسلام لاحقاً، وعبد الله بن أبي ربيعة، محمّلاً بهدايا ثمينة موجهة إلى الملك وكبار حاشيته ورجال دينه، سعياً لإقناعهم بتسليم المهاجرين المسلمين وإعادتهم قسراً إلى مكة[4]. زعم الوفد القرشي أن المهاجرين قد اعتنقوا ديناً جديداً غريباً لا هو بدين آبائهم ولا بالمسيحية التي يدين بها النجاشي وقومه، محاولين بذلك استمالة الملك ضدهم دون عقد جلسة استماع مباشرة لهم.

خطاب جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي

رفض النجاشي البت في الأمر دون الاستماع مباشرة إلى المهاجرين أنفسهم، فاستدعاهم إلى بلاطه وسألهم عن طبيعة الدين الذي اعتنقوه وتركوا من أجله دين آبائهم. تولى جعفر بن أبي طالب الرد نيابة عن الجماعة، فألقى خطاباً بليغاً وصف فيه حال العرب في الجاهلية قبل الإسلام، من عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام وأكل مال اليتيم وظلم الجار الضعيف، ثم شرح كيف بعث الله فيهم نبياً دعاهم إلى توحيده وترك عبادة الأوثان، والصدق في القول، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء[4].

ثم تلا جعفر بن أبي طالب على مسامع النجاشي وأساقفته آيات من سورة مريم، التي تتناول قصة ميلاد المسيح عيسى بن مريم من منظور إسلامي يتقاطع في جوانب منه مع العقيدة المسيحية، فتأثر النجاشي وحاشيته من رجال الدين بما سمعوه تأثراً بالغاً، حتى فاضت دموعهم بحسب الروايات الواردة في السيرة النبوية.

إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، والشيوم الآمنون، من سبّكم غرم، ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم.
— النجاشي أصحمة بن أبجر، رداً على وفد قريش، بحسب سيرة ابن هشام

موقف النجاشي ورفض تسليم المهاجرين

بعد سماعه لخطاب جعفر بن أبي طالب وتلاوته لآيات سورة مريم، رفض النجاشي طلب وفد قريش بتسليم المهاجرين، وأعلن حمايته الكاملة لهم في مملكته، معلناً أنه لن يسلّمهم مهما بلغت الإغراءات المادية المقدمة له[4]. مثّل هذا القرار انتصاراً دبلوماسياً ومعنوياً مهماً للمسلمين الأوائل، إذ أثبت أن الجماعة الناشئة قادرة على الحصول على حماية دولية خارج نطاق النفوذ القرشي المباشر، وهو ما أرسى سابقة مهمة لاحقاً في تعامل الدولة الإسلامية الناشئة مع القوى الإقليمية المجاورة.

تشير بعض الروايات التاريخية اللاحقة إلى أن النجاشي اعتنق الإسلام سراً عقب هذه الحادثة دون أن يُعلن ذلك صراحة أمام رعيته حفاظاً على استقرار مملكته، وأن النبي محمداً صلى عليه صلاة الغائب عند بلوغه خبر وفاته لاحقاً، وهي رواية تحظى بقبول واسع في المصادر الإسلامية التقليدية وإن ظلت تفاصيلها الدقيقة موضع نقاش تاريخي بين الباحثين.

حياة المهاجرين في الحبشة وعودتهم

استقر المهاجرون المسلمون في مملكة أكسوم لسنوات عديدة، بعيدين عن الاضطهاد المباشر الذي كانوا يعانون منه في مكة، بينما واصل النبي محمد وأصحابه المتبقون في مكة مواجهة الضغوط والمقاطعة الاقتصادية المتصاعدة من قريش، والتي بلغت ذروتها في مقاطعة شاملة فُرضت على بني هاشم استمرت سنوات عدة. عاد بعض المهاجرين إلى مكة تدريجياً في السنوات اللاحقة، بينما ظل آخرون في الحبشة حتى بعد هجرة النبي إلى المدينة، إذ لم يلتحق كثير منهم بالمجتمع الإسلامي في المدينة إلا سنة 628م، عقب سنوات طويلة من الغياب[2].

الأهمية الدينية والتاريخية للهجرة

تحمل الهجرة إلى الحبشة دلالة دينية وتاريخية خاصة في الذاكرة الإسلامية، إذ تُعدّ أول تجربة هجرة جماعية منظمة في تاريخ الدعوة، سبقت الهجرة النبوية الكبرى إلى المدينة التي أصبحت لاحقاً بداية التقويم الهجري الإسلامي. وقد استُخدم مصطلح الهجرة لاحقاً في المصادر الإسلامية للإشارة إلى كل من هجرة الحبشة وهجرة المدينة معاً، بوصفهما تجسيداً لمبدأ ديني أوسع يتمثل في مغادرة دار الأذى طلباً لحرية العقيدة، وهو مبدأ امتد تطبيقه لاحقاً على هجرات المسلمين من الأراضي الواقعة تحت حكم غير إسلامي في عصور لاحقة[2].

كما تحظى هذه الهجرة بأهمية خاصة في سياق تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية المبكرة، إذ تقدّم نموذجاً استثنائياً للتعايش والحماية المتبادلة بين جماعة دينية ناشئة ومملكة مسيحية راسخة، في وقت كانت فيه العلاقات بين الأديان الإبراهيمية المختلفة في شبه الجزيرة العربية ومحيطها تتسم غالباً بالتوتر والتنافس السياسي والاقتصادي.

الإرث والعلاقات الإسلامية الإثيوبية اللاحقة

خلّفت هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة إرثاً تاريخياً ورمزياً استثنائياً في العلاقات بين العالم الإسلامي وإثيوبيا، إذ أصبحت مدينة نقاش الإثيوبية، التي احتضنت بعض هؤلاء المهاجرين، موقعاً ذا مكانة دينية خاصة لدى المسلمين، وتحديداً في مسجد النجاشي الذي أُسّس تخليداً لذكرى الملك الحبشي الذي حمى المسلمين الأوائل في محنتهم. وقد ظلت هذه الحادثة على مر القرون مرجعاً يُستدل به في الخطاب الإسلامي التقليدي على مبادئ التعايش الديني وحماية اللاجئين، وعلى إمكانية قيام علاقات ثقة واحترام متبادل بين جماعات دينية مختلفة حين تتوفر الإرادة والانفتاح على الحوار، بعيداً عن منطق الصراع والإقصاء المتبادل.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الإمبراطورية البريطانية
الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس
الإمبراطورية البيزنطية
ألف عام من القسطنطينية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الحرب العالمية الأولى
صراع صنع العالم المعاصر ودمّره
الإمبراطورية الروسية
إمبراطورية عملاقة حكمت ثلاث قارات.
الحرب العالمية الثانية
أضخم نزاع مسلح في التاريخ
🔍