تشير “الثورة اليمنية” في أشهر استخداماتها التاريخية إلى ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بنظام الإمامة الزيدية المتوكلية الذي حكم شمال اليمن قروناً طويلة، لتُعلن بدلاً منه الجمهورية العربية اليمنية، في تحول جذري قاد البلاد من عزلة سياسية واجتماعية صارمة إلى الانخراط المباشر في تيار القومية العربية الناصرية وصراعاتها الإقليمية. وقد جاءت هذه الثورة تتويجاً لعقود من التململ المتصاعد ضد حكم أئمة أسرة آل حميد الدين الذين فرضوا على اليمن سياسة انغلاق شبه تام عن العالم الخارجي، وسبقتها محاولتا انقلاب فاشلتان في عامي 1948 و1955[1]. غير أن نجاح الثورة العسكرية في السيطرة على العاصمة صنعاء لم يضع حداً للصراع، بل أشعل حرباً أهلية طاحنة استمرت قرابة ثماني سنوات بين الجمهوريين المدعومين من مصر الناصرية والملكيين الموالين للإمام المدعومين من السعودية والأردن، لم تُحسم إلا بمصالحة وطنية عام 1970[1].
| معلومات عامة | |
| تاريخ الثورة | 26 سبتمبر 1962 |
| النظام المُطاح | المملكة المتوكلية اليمنية (الإمامة الزيدية) |
| الدولة المُعلنة | الجمهورية العربية اليمنية |
| قائد الثورة وأول رئيس | عبدالله السلال |
| آخر إمام | محمد البدر بن أحمد |
| خلفية تاريخية | |
| محاولة انقلاب الوزير الفاشلة | فبراير 1948، اغتيال الإمام يحيى[2] |
| عهد الإمام أحمد بن يحيى | 1948 – سبتمبر 1962 |
| الحرب الأهلية ونتائجها | |
| الطرف الداعم للجمهوريين | مصر الناصرية (الجمهورية العربية المتحدة) |
| الطرف الداعم للملكيين | السعودية والأردن[1] |
| المصالحة الوطنية | 1970 |
| استقلال جنوب اليمن (موازٍ) | 30 نوفمبر 1967[3] |
أولاً: عهد الإمامة وسياسة العزلة تحت حكم الإمام يحيى
حكم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين شمال اليمن منذ عام 1904 إماماً زيدياً ثم حاكماً مستقلاً بعد إجباره الأتراك عام 1911 على الاعتراف باستقلال حكمه، ليتوّج لاحقاً حاكماً معترفاً به دولياً عقب انهيار الحكم العثماني نهاية الحرب العالمية الأولى[2]. وقد اتسم عهده الطويل بسياسة عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي، إذ اعتمد في إدارة البلاد على طبقة نبلاء دينية ضيقة عُرفت بـ”السادة”، وأحكم قبضته على التجارة الخارجية لليمن، رافضاً بإصرار أي علاقات دبلوماسية وثيقة مع القوى الأجنبية باستثناء بعض المساعدات الإيطالية المحدودة في العشرينيات والثلاثينيات[2]. وقد بدأ الاستياء الشعبي من هذا الانغلاق المفرط يتصاعد تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً في أوساط اليمنيين الذين احتكوا بالعالم الخارجي عبر ميناء عدن البريطاني المجاور، وهو استياء غذّى نشأة تيار معارض عُرف بـ”حركة الأحرار اليمنيين” سعى إلى إصلاح نظام الإمامة من الداخل قبل أن يتحول لاحقاً إلى المطالبة بإسقاطه كلياً.
ثانياً: اغتيال الإمام يحيى ومحاولة انقلاب 1948
بلغ الاستياء الداخلي ذروته الأولى في فبراير 1948، حين لقي الإمام يحيى مصرعه في كمين دبّرته مجموعة من المعارضين المتحالفين مع “حركة الأحرار اليمنيين”، الذين أعلنوا فوراً عبدالله الوزير إماماً جديداً وشكلوا حكومة تدّعي الإصلاح الدستوري. غير أن ابن الإمام المقتول، ولي العهد أحمد بن يحيى، سارع لحشد القبائل الموالية له من معقله في تعز، وتمكن خلال أسابيع قليلة من استعادة العاصمة صنعاء وسحق حركة الانقلاب، ليتولى بذلك مقاليد الحكم إماماً جديداً حتى وفاته عام 1962. وقد عزز هذا الانقلاب الفاشل شكوك الإمام أحمد إزاء أي تيار إصلاحي، فأدار حكمه بقبضة أكثر تشدداً من والده، رغم استمرار محاولات معارضة متفرقة، من بينها محاولة انقلابية أخرى فاشلة عام 1955.
ثالثاً: ثورة 26 سبتمبر 1962 وإعلان الجمهورية
توفي الإمام أحمد بن يحيى لأسباب طبيعية في سبتمبر 1962، ليخلفه ابنه محمد البدر إماماً جديداً، غير أن حكمه لم يدم سوى أيام معدودة، إذ نفّذت عناصر من الجيش، بدعم من تنظيمات سياسية متعددة متأثرة بالفكر القومي العربي الناصري، انقلاباً عسكرياً في 26 سبتمبر 1962 أعلنت بموجبه قيام الجمهورية العربية اليمنية، بقيادة الضابط عبدالله السلال الذي غدا أول رئيس لها[1]. وقد نجا الإمام البدر بأعجوبة من الهجوم الذي استهدف قصره، وفرّ إلى المرتفعات الشمالية حيث بدأ فوراً باستنهاض القبائل الموالية له تقليدياً، مستنداً إلى ولاء تاريخي عميق لدى قبائل الزيدية في الشمال، بينما استنجدت الحكومة الجمهورية الوليدة بمصر الناصرية طلباً للدعم العسكري العاجل، فوصلت قوات وعتاد مصريان بسرعة لحماية النظام الجديد المهدد[1].
رابعاً: الحرب الأهلية وتدويل الصراع اليمني
تحول الصراع الداخلي بسرعة إلى حرب أهلية شاملة ومدولة بامتياز، استقطبت تدخلاً مباشراً من قوى إقليمية متنافسة؛ فبينما التزمت مصر بدعم الجمهوريين عسكرياً بقوات وصل تعدادها في بعض المراحل إلى عشرات الآلاف من الجنود، وقفت السعودية والأردن إلى جانب الإمام البدر وقواته الملكية، فيما قدّمت بريطانيا دعماً سرياً محدوداً لهذا الجانب الأخير، وانخرط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في مساندة الجانب الجمهوري بشكل غير مباشر[1]. وقد أثبتت هذه الحرب كلفة باهظة على مصر بشكل خاص، إذ استنزفت جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية والمالية على مدى سنوات طويلة من دون حسم عسكري واضح، في نزاع بات يُعرف لاحقاً بـ”فيتنام مصر”، وهو استنزاف يرى كثير من المؤرخين أنه أضعف موقف القاهرة العسكري عشية هزيمتها في حرب يونيو 1967.
خامساً: نهاية الحرب والمصالحة الوطنية
دفعت هزيمة مصر في حرب 1967 الرئيس جمال عبد الناصر إلى إعادة تقييم جذرية لالتزاماته العسكرية الخارجية، فسحب تدريجياً قواته من اليمن، وهو ما ترك الحكومة الجمهورية في صنعاء عرضة لضغط عسكري متصاعد من الملكيين، بلغ ذروته في حصار طويل الأمد فُرض على العاصمة أواخر عام 1967 ومطلع 1968. وقد نجحت القوات الجمهورية، بدعم من تعزيزات سوفيتية ومساندة قبلية جنوبية، في فك هذا الحصار، وهو صمود شكّل نقطة تحول حاسمة أقنعت الأطراف المتحاربة أخيراً بجدوى التفاوض بدلاً من مواصلة الاقتتال. وبعد سنوات إضافية من المفاوضات المتقطعة، تُوّج المسار بمصالحة وطنية شاملة عام 1970 اعترفت بموجبها السعودية رسمياً بالجمهورية العربية اليمنية، مقابل ضمان مشاركة سياسية للعناصر الملكية المعتدلة في الحكومة الجديدة، لتطوي بذلك البلاد صفحة ثماني سنوات من الحرب الأهلية الدامية[1].
سادساً: الثورة الموازية في الجنوب وطريق الوحدة اليمنية
تزامنت ثورة الشمال مع مسار تحرري مواز في جنوب اليمن، حيث خاضت تنظيمات وطنية، أبرزها الجبهة القومية للتحرير ذات التوجه اليساري، كفاحاً مسلحاً ضد الوجود الاستعماري البريطاني القديم في عدن ومحمياتها المجاورة، انتهى بانسحاب بريطاني كامل وإعلان استقلال الجنوب في 30 نوفمبر 1967 تحت اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي تبنّت لاحقاً نهجاً ماركسياً واضحاً وأقامت علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي[3]. وهكذا نشأ عن هاتين الثورتين المتزامنتين، وإن باختلاف مسارهما الأيديولوجي والسياسي، دولتان يمنيتان منفصلتان ظلتا قائمتين بحدودهما وأنظمتهما المتباينة حتى تحقق توحيدهما سلمياً عام 1990 تحت مسمى الجمهورية اليمنية.