تُعدّ ثورة عام 1919 المصرية أحد أبرز المحطات الفاصلة في تاريخ مصر الحديث، إذ شكّلت أول انتفاضة شعبية جامعة تخترق الحواجز الطبقية والدينية والجهوية في مواجهة الاحتلال البريطاني، بعدما امتدت المشاركة فيها لتشمل الفلاحين والعمال والطلاب والمرأة المصرية جنباً إلى جنب مع النخبة السياسية والقانونية التقليدية. اندلعت الثورة في أعقاب نفي الزعيم الوطني سعد زغلول وعدد من رفاقه إلى جزيرة مالطا في مارس 1919، إثر رفض السلطات البريطانية السماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس للمطالبة باستقلال مصر عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى[1]. وقد أفضت هذه الانتفاضة، رغم قمعها العسكري العنيف في مراحلها الأولى، إلى سلسلة من التطورات السياسية المتلاحقة تُوّجت بإصدار بريطانيا تصريحاً أحادياً بإنهاء الحماية والاعتراف باستقلال مصر في فبراير 1922، ثم إقرار أول دستور مصري حديث عام 1923[3].
أولاً: مصر تحت الحماية البريطانية وجذور الاحتقان الوطني
تعود الجذور المباشرة لثورة 1919 إلى التحول القانوني الذي طرأ على وضع مصر عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين أعلنت بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، ثم أعلنت في ديسمبر من العام نفسه فرض حمايتها الرسمية على مصر، فعزلت الخديوي عباس حلمي الثاني، ونصّبت عمه حسين كامل بلقب سلطان، منهية بذلك الصلة القانونية الشكلية التي كانت لا تزال تربط مصر بالدولة العثمانية اسمياً[3]. ورغم أن مصر لم تُلزم بتقديم قوات مقاتلة في الحرب، فقد عانى المصريون، وبخاصة الفلاحون، من الآثار الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة للحرب، من فرض الأحكام العرفية وتعليق أعمال الجمعية التشريعية، إلى عمليات التجنيد القسري للعمل في خدمة المجهود الحربي البريطاني ومصادرة المحاصيل والمواشي، وهي عوامل أرست تربة خصبة للسخط الشعبي المتصاعد ضد الوجود البريطاني.
ثانياً: تشكيل الوفد المصري ومطالب سعد زغلول
بعد يومين فقط من توقيع هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى، بادر سعد زغلول، القيادي القانوني والسياسي المصري البارز، إلى تشكيل وفد ضم ثلاثة من أبرز الأعضاء السابقين في الجمعية التشريعية، وتوجه في الثالث عشر من نوفمبر 1918 لمقابلة المندوب السامي البريطاني السير ريجنالد ونجت، مطالباً بحق مصر في إيصال صوتها إلى لندن وإلى مؤتمرات الصلح المزمع عقدها في أعقاب الحرب[1]. وقد شكّل هذا الوفد، الذي عُرف لاحقاً باسم “الوفد المصري”، نواة الحركة السياسية التي تحولت في وقت لاحق إلى حزب الوفد، أكبر الأحزاب الوطنية المصرية تأثيراً طوال النصف الأول من القرن العشرين[2]. وسرعان ما تحوّل هذا الوفد من مجرد بعثة تفاوضية محدودة إلى حركة شعبية واسعة النطاق، حين انطلق مندوبوه إلى المدن والقرى المصرية لجمع تواقيع المواطنين تفويضاً لهم بالمطالبة رسمياً باستقلال البلاد التام أمام الحكومة البريطانية والمجتمع الدولي.
ثالثاً: نفي زغلول واندلاع الثورة الشعبية
أمام الزخم الشعبي المتنامي الذي حظي به الوفد وقادته، وخشية السلطات البريطانية من اتساع رقعة الاضطرابات، أقدمت الحكومة البريطانية في الثامن من مارس عام 1919 على اعتقال سعد زغلول ونفيه هو وعدد من رفاقه إلى جزيرة مالطا، في خطوة أثارت موجة غضب عارمة اجتاحت البلاد بأسرها[1]. فاندلعت مظاهرات واسعة وإضرابات شاملة عمّت المدن والقرى المصرية طوال شهر مارس، شارك فيها الطلاب والمحامون وموظفو الحكومة والعمال، وانضمت إليها لأول مرة في التاريخ السياسي المصري الحديث مجموعات نسائية منظمة خرجت في مسيرات احتجاجية علنية، في مشهد غير مسبوق عكس الطابع الجامع والعابر للفئات الاجتماعية الذي ميّز هذه الانتفاضة عن الحركات الاحتجاجية السابقة عليها. وقد واجهت السلطات البريطانية هذه الاحتجاجات بقمع عسكري مباشر أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين المصريين، إلى جانب أعمال تخريب طالت خطوط السكك الحديدية وبعض الممتلكات الأجنبية في الأرياف.
أدى نفي سعد زغلول ورفاقه إلى مالطا إلى ثورة شاملة، شارك فيها المصريون من كل الطبقات والانتماءات في مواجهة الاحتلال البريطاني.
— من التوصيف التاريخي لاندلاع ثورة 1919
رابعاً: لجنة ملنر ومسار التفاوض السياسي
أمام استمرار حالة الاضطراب واتساع رقعتها، أرسلت الحكومة البريطانية في ديسمبر عام 1919 لجنة تحقيق برئاسة اللورد ألفريد ملنر، عُرفت باسم “لجنة ملنر”، بهدف دراسة أسباب الثورة وتقديم توصيات بشأن مستقبل الوضع الدستوري في مصر تحت مظلة الحماية البريطانية[3]. وقد قوطعت هذه اللجنة رسمياً من قبل الحركة الوطنية المصرية باعتبارها تكريساً لاستمرار الوصاية البريطانية، غير أن رئيسها اللورد ملنر أجرى في وقت لاحق محادثات غير رسمية مع سعد زغلول في لندن، انتهت إلى تقرير أوصى فيه بأن نظام الحماية البريطانية على مصر بات غير قابل للاستمرار وينبغي التخلي عنه[3]. وفي هذا السياق، سعى المندوب السامي البريطاني الجديد اللورد اللنبي إلى مناورة سياسية استهدفت تجاوز نفوذ زغلول عبر الدفع بوعد استقلالي فوري دون تأمين المصالح البريطانية مسبقاً عبر معاهدة رسمية، على أمل بناء تيار سياسي مصري موالٍ لبريطانيا يوازن نفوذ الوفد المتصاعد.
خامساً: تصريح 28 فبراير 1922 ونتائج الثورة
تُوّج هذا المسار السياسي المتوتر بإصدار الحكومة البريطانية تصريحها الأحادي الشهير في الثامن والعشرين من فبراير عام 1922، الذي أنهى رسمياً نظام الحماية البريطانية المفروضة على مصر منذ عام 1914، مع احتفاظ بريطانيا لنفسها، إلى حين إبرام تفاهمات لاحقة، بأربع مسائل رئيسية ظلت خاضعة لتقديرها المنفرد، وهي أمن خطوط المواصلات الإمبراطورية، والدفاع عن مصر ضد أي اعتداء خارجي، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات، وقضية السودان[3]. وقد أفضى هذا التصريح إلى تحول مصر رسمياً إلى مملكة مستقلة تحت حكم أسرة محمد علي، وتُوّج الملك فؤاد الأول ملكاً على البلاد، فيما أُقرّ عام 1923 أول دستور مصري حديث نظّم الحياة النيابية والبرلمانية في البلاد. وقد أُفرج عن سعد زغلول لاحقاً، فعاد إلى مصر بطلاً وطنياً شعبياً، وقاد حزب الوفد إلى فوز ساحق في الانتخابات التشريعية عام 1924، ليتولى بعدها رئاسة الوزراء المصرية لفترة وجيزة من العام نفسه[2]. ورغم أن الاستقلال الذي تحقق عام 1922 ظل منقوصاً بحكم استمرار السيطرة البريطانية الفعلية على عدد من المرافق السيادية الحساسة، فإن ثورة 1919 تبقى في الذاكرة الوطنية المصرية اللحظة التأسيسية التي أرست تقاليد العمل السياسي الجماهيري الحديث، ومهّدت الطريق أمام موجات نضالية لاحقة استمرت حتى قيام ثورة يوليو عام 1952[1].