🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / حروب الشمال الكبرى
التاريخ

حروب الشمال الكبرى

👁 4 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 8/8/2026 ✏️ 8/8/2026
100%
شكّلت حروب الشمال الكبرى، التي امتدت بين عامي 1700 و1721، أضخم صراع عسكري عرفته شمال أوروبا وشرقها في مطلع القرن الثامن عشر، حيث واجهت السويد – التي كانت تتربع على قمة القوة الإقليمية في منطقة بحر البلطيق منذ عهد الملك غوستاف أدولف – تحالفاً واسعاً ضمّ روسيا القيصرية وممالك الدنمارك والنرويج وساكسونيا-بولندا، انضمت إليها لاحقاً بروسيا وهانوفر[1]. اندلعت الحرب حين رأت هذه القوى في صعود الملك السويدي الشاب تشارلز الثاني عشر، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حين توّج، فرصة سانحة لاسترداد الأراضي التي خسرتها أمام السويد خلال القرن السابع عشر[2]. غير أن الحرب التي بدأت بطموحات روسية ودنماركية وساكسونية متفرقة سرعان ما تحوّلت إلى معركة وجودية بين قوتين عظميين تتنازعان السيادة على البلطيق، انتهت بانهيار الهيمنة السويدية وبروز روسيا قيصراً جديداً للقارة، إذ تُوّج بطرس الأول إمبراطوراً بُعيد توقيع الصلح النهائي[3].
معلومات عامة
التسميةحروب الشمال الكبرى (Great Northern War)
التاريخ1700 – 1721 م[4]
المدةواحد وعشرون عاماً
الموقعشمال ووسط وشرق أوروبا، حوض بحر البلطيق
النتيجةهزيمة السويد وانهيار إمبراطوريتها البلطيقية؛ بروز روسيا قوة عظمى[5]
المعاهدات الختاميةمعاهدات ستوكهولم (1719-1720)، معاهدة فريدريكسبورغ (1720)، معاهدة نيستاد (1721)[6]
الأطراف المتحاربة
التحالف المناهض للسويدروسيا القيصرية، الدنمارك-النرويج، ساكسونيا-بولندا-ليتوانيا، بروسيا (من 1715)، هانوفر (من 1714)
المعسكر السويدي وحلفاؤهالسويد، هولشتاين-غوتورب، قوزاق أوكرانيا تحت قيادة إيفان مازيبا (1708-1710)، فصيل ستانيسواف ليشتشينسكي البولندي[7]
القيادات الرئيسة
السويدالملك تشارلز الثاني عشر (1697-1718)، الملكة أولريكا إليونورا، الملك فريدريك الأول
روسياالقيصر بطرس الأول (بطرس الأكبر)
الدنمارك-النرويجالملك فريدريك الرابع
ساكسونيا-بولنداأوغسطس الثاني القوي
أبرز المعارك
معركة نارفا30 نوفمبر 1700 – انتصار سويدي ساحق[8]
معركة بولتافا8 يوليو 1709 – الانتصار الحاسم لروسيا[9]
معركة غانغوت (هانكو)7 أغسطس 1714 – أول انتصار بحري كبير للأسطول الروسي[10]
النتائج الإقليمية
الأراضي التي خسرتها السويد لروسياإستونيا، ليفونيا، إنغريا، وجزء من فنلندا (منطقة فيبورغ)[11]
الأراضي التي خسرتها السويد لبروسياشتيتين وجزء من بوميرانيا السويدية[12]
الأراضي التي خسرتها السويد لهانوفربريمن وفردن[13]

COSMALORE · الموسوعة العربية
خلفية الصراع وجذوره

عند مطلع القرن الثامن عشر كانت السويد قد بلغت ذروة توسعها الإمبراطوري، فبفضل الإصلاحات العسكرية والانتصارات التي حققها الملك غوستاف أدولف في القرن السابع عشر، أمسكت ستوكهولم بزمام السيطرة شبه الكاملة على حوض بحر البلطيق، وضمّت إلى تاجها أقاليم كاريليا وإنغريا وإستونيا وليفونيا في الشرق، إضافة إلى بوميرانيا الغربية وويزمار ودوقية بريمن وفردن في الغرب، فضلاً عن أجزاء من أراضي الدنمارك والنرويج[14]. وقد أتاحت هذه الهيمنة لستوكهولم فرض رسوم جمركية ثقيلة على طرق التجارة البحرية، وهو ما أثار استياء القوى المجاورة التي رأت في هذه السيطرة عائقاً أمام وصولها المباشر إلى الأسواق الأوروبية وموارد الحبوب والأخشاب والحديد ومواد بناء السفن[15].

في عامي 1698 و1699 تشكّل تحالف سري ثلاثي ضمّ القيصر الروسي بطرس الأول، والملك الدنماركي فريدريك الرابع، والملك أوغسطس الثاني القوي – الذي كان في الوقت ذاته أميراً ناخباً لساكسونيا وملكاً لبولندا-ليتوانيا – وقد رأى هؤلاء الحكام الثلاثة في اعتلاء الملك السويدي الفتى تشارلز الثاني عشر العرش، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فرصة تاريخية لاسترداد ما خسروه من أراضٍ أمام السويد خلال العقود السابقة[16]. وكان الدافع الأعمق للقيصر بطرس هو سعيه الحثيث لانتزاع منفذ بحري على البلطيق، بعدما حُرمت روسيا من هذا المنفذ منذ توقيع معاهدة ستولبوفو عام 1617 التي نقلت إقليم إنغريا إلى السيادة السويدية[17]، في حين كان أوغسطس الثاني يطمح إلى استرجاع ليفونيا لتعزيز سلطته الهشة في بولندا وليتوانيا، بينما استهدف فريدريك الرابع دوقية هولشتاين-غوتورب الحليفة للسويد والمتاخمة لحدوده الجنوبية.

اندلاع الحرب والانتصارات السويدية الأولى (1700-1709)

بدأت الأعمال العدائية في إبريل من عام 1700 حين شنّت الدنمارك هجومها على دوقية هولشتاين-غوتورب الحليفة للسويد، تلاه في يونيو من العام ذاته غزو بولندي-ساكسوني لإقليم ليفونيا بقيادة أوغسطس الثاني الذي حاصر مدينة ريغا، ثم تبعه في أغسطس حصار روسي لمدينة نارفا الإستونية الواقعة تحت السيادة السويدية[18]. لم يتردد تشارلز الثاني عشر، رغم حداثة سنه، في المبادرة بتوجيه ضربة استباقية ضد أضعف أطراف التحالف، فقاد حملة بحرية جريئة عبر مياه محفوفة بالمخاطر ونزل بجيشه على بعد أميال قليلة من كوبنهاغن، الأمر الذي أرغم الدنماركيين على توقيع معاهدة تراڤنتال في أغسطس 1700، والتي أعادت الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب وأخرجت الدنمارك من التحالف المناهض للسويد[19].

بعد تحييد الدنمارك، توجّه تشارلز الثاني عشر بجيشه نحو ليفونيا على رأس قوة لا يتجاوز قوامها ثمانية آلاف جندي، بهدف فك الحصار المضروب على ريغا، إلا أنه قرر بدلاً من ذلك التوجه نحو نارفا حيث كان القيصر بطرس الأول يحاصر المدينة بجيش يضم نحو أربعين ألف مقاتل[20]. وفي الثلاثين من نوفمبر عام 1700، وفي خضم عاصفة ثلجية عاتية، حقق الجيش السويدي انتصاراً ساحقاً في معركة نارفا أدى إلى تدمير الجزء الأكبر من الجيش الروسي الذي كان لا يزال في طور التأسيس وفق النموذج الأوروبي الحديث[21]. ولم يلاحق تشارلز فلول الجيش الروسي المنسحب، بل آثر التوجه نحو بولندا لمواجهة أوغسطس الثاني، وهو قرار سيثبت لاحقاً أنه كان من أخطر الأخطاء الاستراتيجية في مسيرته العسكرية.

استغل بطرس الأول هذا الفسحة الزمنية الثمينة لإعادة بناء جيشه على أسس أوروبية حديثة، فاستقدم الخبراء العسكريين الغربيين وحسّن من تدريب قواته وتسليحها[22]. وفي يناير 1702 حقق الروس أول انتصار كبير لهم في معركة إيريستفر بليفونيا الشرقية، حيث سقط نحو ثلاثة آلاف جندي سويدي، واحتفلت موسكو بهذا النصر بمأدبة ضخمة وعروض للألعاب النارية[23]. وفي يوليو من العام نفسه واجه القائد الروسي شيريمتيف القوات السويدية بقيادة الكولونيل فولمار أنطون فون شليبنباخ في معركة هوميلشوف بليفونيا، حيث كادت القوات السويدية أن تُباد بالكامل، الأمر الذي ترك الإقليم شبه خالٍ من أي دفاع جدي[24].

في غضون ذلك، أمضى تشارلز الثاني عشر ست سنوات كاملة من حملاته العسكرية في ملاحقة أوغسطس الثاني عبر الأراضي البولندية، إلى أن نجح عام 1706 في إجبار خصمه على التنازل عن العرش البولندي والاعتراف بستانيسواف ليشتشينسكي ملكاً دمية موالياً للسويد، فضلاً عن إرغامه على فسخ تحالفه مع روسيا بعدما اجتاحت القوات السويدية أراضي ساكسونيا نفسها[25]. وقد منح هذا الانتصار تشارلز شعوراً بالقدرة المطلقة دفعه عام 1707 إلى التوجه شرقاً صوب روسيا نفسها، آملاً في إسقاط بطرس الأول واستبداله بقيصر أكثر مهادنة من صفوف النبلاء الروس، ونجح في استمالة إيفان مازيبا، هتمان قوزاق أوكرانيا، للانضمام إليه في هذه الحملة، غير أن الدعم الذي توقعه من داخل الأراضي الروسية لم يتحقق[26].

بولتافا: نقطة التحول الحاسمة

شكّل الزحف السويدي نحو الأراضي الأوكرانية في شتاء 1708-1709 منعطفاً قاتلاً لجيش تشارلز الثاني عشر، إذ تعرضت قواته لأحد أقسى فصول الشتاء في تاريخ أوروبا، وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والإمدادات قبل أن تصل إلى ساحة المعركة الفاصلة. وفي الثامن من يوليو عام 1709 وقعت معركة بولتافا، التي تُجمع المصادر التاريخية على اعتبارها اللحظة الفاصلة في مسار الحرب بأكملها، حيث ألحق الجيش الروسي بقيادة بطرس الأول هزيمة ساحقة بالجيش السويدي المنهك[27]. وقد أدى هذا الانتصار إلى تدمير الجزء الأعظم من القوة العسكرية السويدية في الميدان، واضطر تشارلز الثاني عشر، الذي أُصيب قبيل المعركة، إلى الفرار جنوباً واللجوء إلى الأراضي العثمانية حيث أمضى سنوات طويلة في المنفى يحرّض الباب العالي على شن الحرب ضد روسيا[28].

وقد عبّر الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهلم لايبنتز عن حجم الصدمة التي أحدثها هذا الانتصار في الأوساط الأوروبية حين وصف بطرس الأول، عقب بولتافا، بأنه سيصبح “ترك الشمال الجديد”، في إشارة إلى المخاوف الأوروبية المتصاعدة من صعود قوة روسية لا يمكن كبح جماحها[29]. ودفعت هذه الهزيمة كلاً من الدنمارك وساكسونيا-بولندا إلى العودة من جديد إلى صفوف التحالف المناهض للسويد، بعدما كانتا قد أُخرجتا منه قسراً في السنوات الأولى من الحرب.

اتساع رقعة الحرب وانهيار الإمبراطورية السويدية (1709-1718)

عقب بولتافا، تحوّلت موازين القوى بشكل جذري لصالح التحالف المناهض للسويد. ففي عام 1713 تمكّن بطرس الأول من احتلال كامل الأراضي الفنلندية، آملاً في استخدامها ورقة مساومة في مفاوضات السلام التي بدت وشيكة آنذاك[30]. وفي مايو من عام 1713 ضرب الروس حصاراً على هلسنغفورس (هلسنكي) التي أحرقتها الحامية السويدية المنسحبة قبل التخلي عنها، ثم سيطروا في أغسطس من العام ذاته على مدينة أبو (توركو) التي كانت آنذاك عاصمة فنلندا السويدية وأكبر مدنها[31]. وقد عُرفت فترة الاحتلال الروسي القاسي لفنلندا بين عامي 1714 و1721 في الذاكرة الفنلندية باسم “الغضب الكبير” نظراً لما اقترن بها من نهب وتدمير واسع النطاق[32].

وفي السابع من أغسطس عام 1714 حقق الأسطول الروسي أول انتصار بحري كبير له في تاريخه حين هزم الأسطول السويدي في معركة غانغوت قبالة شبه جزيرة هانكو الفنلندية، وقد جاء هذا الانتصار بفضل مناورة جريئة نفذتها القوارب الروسية الصغيرة عبر اليابسة لتطويق السفن السويدية والاشتباك معها عن قرب، ما أسفر عن الاستيلاء على تسع سفن سويدية وتدمير أخرى[33]. وقد رسّخ هذا الانتصار السيطرة الروسية على خليج فنلندا وأتاح لبطرس الأول تنفيذ غارات متكررة على السواحل السويدية نفسها.

في الوقت نفسه، كانت ممتلكات السويد الألمانية تتهاوى تباعاً؛ فقد سقطت بريمن وشتراسوند وشتيتين بحلول عام 1714 بفعل الضغط المشترك للقوات الروسية وحلفائها الذين تدفقوا إلى شمال ألمانيا[34]. وانضمت كل من هانوفر وبروسيا إلى التحالف المناهض للسويد في عامي 1714 و1715 على التوالي، طمعاً فيما يمكن أن تجنيانه من مكاسب إقليمية على حساب الإمبراطورية السويدية المتداعية[35]. وفي عام 1715 استولى التحالف على إقليم بوميرانيا السويدية بأكمله، في ضربة أخرى موجعة لما تبقى من النفوذ السويدي في ألمانيا الشمالية.

عاد تشارلز الثاني عشر من منفاه العثماني في أواخر عام 1714 بعدما هدد الموظفون الذين تولوا إدارة المملكة في غيابه بعقد صلح منفرد مع روسيا والدنمارك وبولندا[36]. ورغم تدهور الاقتصاد السويدي بشكل حاد، رفض الملك الاعتراف بالهزيمة وشرع في حملة جديدة ضد النرويج الدنماركية، فاستولى على مدينة كريستيانيا (أوسلو حالياً) عام 1716، إلا أن أسطوله مُني بهزيمة افتقرت معها قواته إلى المدفعية اللازمة لمواصلة الحصار، ما اضطره إلى التراجع[37]. وفي عام 1718 جمع تشارلز قوة قوامها ستون ألف مقاتل لحملة جديدة على النرويج، وكان خلال حصار قلعة فريدريكستن أن لقي مصرعه في الحادي عشر من ديسمبر 1718 برصاصة أصابت رأسه، في ظروف لا تزال مثار جدل تاريخي حول كونها جاءت من العدو أم من داخل صفوف جيشه نفسه[38].

السنوات الأخيرة ومسار السلام (1719-1721)

لم يخلّف تشارلز الثاني عشر وريثاً مباشراً، فآل العرش إلى شقيقته الوحيدة الباقية أولريكا إليونورا وزوجها فريدريك أمير هيسه-كاسل، الذي تُوّج لاحقاً ملكاً للسويد باسم فريدريك الأول[39]. وبوفاة تشارلز، أصبح بمقدور جيوش بطرس الأول وأسطوله البلطيقي التحرك بحرية تامة ضد المواقع السويدية المتبقية في شرق البلطيق، بما فيها فنلندا والسواحل السويدية ذاتها[40].

شهد عاما 1719 و1720 استخدام الروس لسيطرتهم الجديدة على البلطيق في شن غارات متكررة على البر السويدي الرئيسي، حتى كادوا يصلون إلى ستوكهولم نفسها، فيما رفضت الملكة أولريكا إليونورا شروط السلام الروسية، ودخل الملك جورج الأول ملك بريطانيا العظمى على خط الصراع بسياسة معادية لروسيا سعت لإجبارها على إعادة الأراضي التي احتلتها إلى السويد، خشية تنامي النفوذ الروسي في منطقة البلطيق وشمال ألمانيا[41]. غير أن هذا التدخل البريطاني جاء متأخراً جداً لتغيير مسار الحرب.

تفاوض الملك فريدريك الأول على سلسلة من التسويات السلمية بين عامي 1719 و1721؛ ففي فبراير 1720 وقّعت السويد معاهدتي سلام مع هانوفر وبروسيا في ستوكهولم، تنازلت بموجبهما عن بريمن لصالح هانوفر، وعن شتيتين وأجزاء من بوميرانيا لصالح بروسيا[42]. وفي يونيو 1720 أبرمت الدنمارك والسويد معاهدة فريدريكسبورغ، حيث أعادت الدنمارك ما احتلته من أراضٍ سويدية مقابل مبلغ مالي كبير، فيما حصلت كوبنهاغن على جزء من إقليم شليسفيغ[43].

بقيت روسيا الخصم الأصعب في مسار التفاوض؛ ففي يوليو 1720 خاض جزء من الأسطول السويدي معركة بحرية مع أسطول المجاديف الروسي في معركة غرنغهام، وقد ظلت نتيجة هذه المعركة محل جدل تاريخي، إلا أنها أدت إلى وقف الغارات الروسية على السواحل السويدية لذلك العام[44]. ولما لم تحرز المفاوضات تقدماً يُذكر، استأنفت المجاديف الروسية غاراتها على الساحل السويدي بين غافله وبيتيو في عام 1721، وكانت معركة سيلونغر في مايو من ذلك العام آخر اشتباك مسلح في هذه الحرب الطويلة[45].

وأخيراً، في الحادي عشر من سبتمبر عام 1721 (أو العاشر بحسب بعض المصادر)، وقّعت روسيا والسويد معاهدة نيستاد التي وضعت حداً نهائياً لحروب الشمال الكبرى[46]. وبموجب هذه المعاهدة، أعادت روسيا للسويد الجزء الأكبر من أراضي فنلندا، لكنها احتفظت رسمياً بإستونيا وليفونيا وإنغريا وجزء من جنوب شرق فنلندا بما فيها منطقة فيبورغ، مقابل دفع تعويض مالي للسويد ومنحها حق شراء كميات من الحبوب معفاة من الرسوم الجمركية من بعض المناطق، إضافة إلى الإفراج عن جميع الرهائن السويديين[47].

نتائج الحرب وتداعياتها التاريخية

لم تكن حروب الشمال الكبرى مجرد صراع إقليمي عابر، بل شكّلت لحظة فاصلة أعادت رسم خريطة موازين القوى في شمال أوروبا وشرقها بأكملها. فقد أدى انهيار الهيمنة السويدية، وفقدان الجزء الأعظم من ممتلكاتها الخارجية باستثناء فنلندا وجزء يسير من بوميرانيا، إلى تراجع السويد من مصاف الدول العظمى إلى مرتبة قوة إقليمية ثانوية، فيما تكشّفت خلال هذه الحرب وللمرة الأولى على نحو حاسم هشاشة الكومنولث البولندي-الليتواني وضعفه السياسي والعسكري[48].

في المقابل، خرجت روسيا من هذا الصراع الطويل قوة عظمى لا يمكن تجاهلها على الساحة الأوروبية، بعدما هزمت القوة التي كانت مهيمنة على المنطقة لعقود طويلة، واستعادت إقليم إنغريا، وضمّت إليها الأقاليم البلطيقية وجزءاً من فنلندا، وأسست في خضم هذه الحرب مدينة سان بطرسبرغ التي ستصبح عاصمتها الجديدة ونافذتها الدائمة على أوروبا الغربية[49]. وترميزاً لهذا الصعود غير المسبوق، تبنّى بطرس الأول بعد أسابيع قليلة من توقيع معاهدة نيستاد لقب “إمبراطور” (Imperator)، في خطوة رمزية حملت دلالات بالغة الأهمية على المسرح الدبلوماسي الأوروبي، وإن لم يُعترف بها فوراً من قبل كافة القوى الأوروبية[50].

يشير المؤرخون إلى أن الاعتراف الأوروبي الكامل بروسيا قوة عظمى لم يكتمل فعلياً إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عقب الانتصارات الروسية اللاحقة في حرب السنوات السبع وتوسعات كاثرين العظمى على حساب بولندا والدولة العثمانية، إلا أن الأساس الحقيقي لهذا الصعود وُضع بلا منازع خلال سنوات حروب الشمال الكبرى الإحدى والعشرين[51]. وقد استلهم الكاتب الفرنسي فولتير هذه الحرب الطويلة في مؤلفاته التاريخية، حيث وصفها بـ”حرب الشمال الشهيرة”، تأكيداً على المكانة التي احتلتها هذه الحرب في الوعي الأوروبي آنذاك[52].

لقد جعل النصر في بولتافا من بطرس مَثَل “ترك الشمال الجديد” في أعين أوروبا المرتاعة من صعود قوة لا تُقهر شرقاً.
— غوتفريد فيلهلم لايبنتز، فيلسوف ألماني، نقلاً عن ردة فعله على معركة بولتافا، 1709

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الإمبراطورية الأخمينية
أولى الإمبراطوريات العالمية الكبرى
🔍