تُعدّ الحضارة السومرية أقدم حضارة موثقة في تاريخ الإنسانية، نشأت في جنوب بلاد الرافدين في منطقة تقع ضمن حدود جنوب العراق ووسطه الحاليين، وتمتد جذورها إلى الألفية السادسة قبل الميلاد حين بدأت مستوطنات الدور العبيدي تتشكل على ضفاف نهري دجلة والفرات في واحدة من أخصب البقاع التي عرفتها الأرض. وقد أطلق السومريون على أنفسهم تسمية “ذوي الرؤوس السوداء”، وسمّوا أرضهم بالسومرية “كلام” (Kalam) أي “الأرض”، في حين جاءت تسمية “سومر” من اللغة الأكادية تعني “أرض الملوك المتحضرين”، وهي التسمية التي رسّخها علماء الآثار منذ اكتشافات القرن التاسع عشر الميلادي. تقوم عظمة هذه الحضارة على جملة من الإنجازات الإنسانية الأولى التي غيّرت مسار البشرية تغييراً جذرياً لا يزال يتردد صداه حتى اليوم: فهي أول من اخترع الكتابة إذ طوّر السومريون الخط المسماري نحو عام 3500 ق.م، وأول من أسس المدن كأوروك وأور وإريدو ونيبور التي أصبحت نماذج الحضر الأولى للبشرية، وأول من وضع منظومة قانونية مكتوبة تسبق قانون حمورابي البابلي بقرون، وأول من أرسى نظام الزقورات المعمارية، وأول من نظّم الزمن بوحداته الستينية التي نستخدمها نحن اليوم. امتدت الحضارة السومرية عبر مراحل متعاقبة من الدور العبيدي إلى عصر أوروك فعصر فجر السلالات فالغزو الأكدي فالنهضة السومرية في أور الثالثة (2112 – 2004 ق.م) قبل أن تُفضي غزوات العيلاميين إلى نهاية السيادة السياسية السومرية عام 2004 ق.م. غير أن الحضارة السومرية لم تمُت مع غروب نجمها السياسي، بل واصلت حياتها الثقافية واللغوية والدينية في الحضارات الأكادية والبابلية والآشورية اللاحقة، مما جعل عالم السومريات الأمريكي صامويل نوح كريمر يرى أن ثمةً تسعةً وثلاثين “أولاً” في التاريخ الإنساني يمكن نسبتها بمشروعية إلى السومريين.
[1]
| الحضارة السومرية | |
| التسمية الذاتية | كلام (Kalam) — “الأرض” أو “أرض ذوي الرؤوس السوداء” |
| الفترة الزمنية | نحو 5000 ق.م – 1750 ق.م (الاختفاء الإثني) |
| الموقع الجغرافي | جنوب بلاد الرافدين (جنوب العراق الحالي) |
| اللغة | السومرية (معزولة لغوياً، لا تصنيف عائلي لها) |
| الكتابة | الخط المسماري (Cuneiform)، نشأ نحو 3500 ق.م |
| الدين | تعدد الآلهة، بانثيون سومري بقيادة أنو وإنليل وإنكي |
| المراحل التاريخية الكبرى | |
| الدور العبيدي | نحو 5000 – 4100 ق.م |
| عصر أوروك | 4100 – 2900 ق.م |
| عصر فجر السلالات | 2900 – 2350 ق.م |
| الغزو الأكدي (سرجون) | 2334 – 2218 ق.م |
| النهضة السومرية (أور الثالثة) | 2112 – 2004 ق.م |
| نهاية السيادة السياسية | 2004 ق.م (سقوط أور على يد العيلاميين) |
| المدن والمعالم | |
| أبرز المدن | أوروك، أور، إريدو، نيبور، لجش، كيش، لارسا |
| أبرز الشخصيات | جلجامش (ملك أوروك)، أور-نمو (مؤسس أور الثالثة)، شولقي |
| أبرز الإنجازات | اختراع الكتابة، الزقورات، نظام الستينيات، ملحمة جلجامش، القانون السومري |
| الاكتشاف الأثري | منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، بوادر الاهتمام الغربي بالشرق الأدنى |
الجغرافيا والبيئة
قامت الحضارة السومرية في قلب السهل الرسوبي لجنوب بلاد الرافدين، وهي المنطقة التي كوّنها ترسّب طمي نهري دجلة والفرات على مدى آلاف السنين ليخلقا واحداً من أغنى السهول الزراعية في العالم القديم بما تراكم فيه من رواسب خصبة تُنتج إنتاجاً زراعياً استثنائياً. تمتد هذه المنطقة جنوباً حتى مصبّي النهرين في الخليج العربي، وكانت في العصور السومرية تختلف اختلافاً ملحوظاً عن اليابسة الحالية، إذ يرى علماء الجغرافيا التاريخية أن خط الساحل كان يمتد أبعد إلى الداخل مما هو عليه اليوم، ومن المحتمل أن مدن كإريدو كانت قريبةً من الخليج أو شبه ساحلية في فجر تاريخها، مما أضفى عليها طابعاً تجارياً بحرياً مبكراً جعلها نقاط عبور للتجارة مع منطقتَي دلمون (البحرين) وماغان (عُمان) والحضارة الهندية الوادية.
[2]
وعلى الرغم من خصوبتها الأسطورية، لم تكن بيئة جنوب الرافدين سهلةً لكل أوجه الحياة؛ فقد اتسم المناخ بصيف قاسٍ بالغ الحرارة والجفاف وشتاء بارد نسبياً، فيما كانت الفيضانات السنوية لدجلة والفرات غير منتظمة وأحياناً مدمّرة بخلاف النيل المصري ذي الفيضانات الأكثر انتظاماً وقابليةً للتنبؤ. هذا الواقع الطبيعي اضطر السومريين إلى تطوير أنظمة ري وصرف صناعية بالغة التعقيد وحفر قنوات لتوزيع المياه والسيطرة على الفيضانات، وقد أسهمت هذه الضرورة الحضارية في تطوير المهندسين السومريين الأوائل لمعرفة هيدرولوجية وإدارة مائية لا مثيل لها في عالمهم. غير أن اعتماد الري الصناعي المكثف على مدى قرون أفضى تراكمياً إلى تملّح التربة بصورة متصاعدة؛ إذ كانت مياه الري تُبخَّر تاركةً ملحها في التربة مما أدى إلى تراجع الإنتاجية الزراعية تدريجياً، وهو عامل هيكلي طويل الأمد يرى بعض الباحثين أنه كان أحد الأسباب العميقة التي أسهمت في التدهور الاقتصادي للمدن السومرية في مراحلها المتأخرة.
[2]
النشأة والأصول
لغز الأصل السومري
يُعدّ أصل السومريين إثنياً ولغوياً من أعقد الألغاز التي تواجه علم الآثار وعلم اللغات حتى اليوم، إذ لا يزال العلماء يتجادلون حوله دون توصل إلى إجماع. فمن الناحية اللغوية، تُصنَّف اللغة السومرية بوصفها لغةً معزولة (Language Isolate)، لا تنتمي إلى أي عائلة لغوية معروفة ولا يمكن استخلاص أي صلة بينها وبين السامية أو الهندية الأوروبية أو أي مجموعة لغوية ذات وزن، وهو ما يجعل إثبات انتماء الشعب السومري عرقياً عبر المنهج اللغوي المقارن أمراً عسيراً. وتتراوح الفرضيات الأكاديمية المطروحة بين القائلين بأن السومريين كانوا سكان المنطقة الأصليين الذين تطوروا محلياً من ثقافات ما قبل الحضارة، وبين من يرى أنهم قدموا في هجرة من مكان مجهول ربما كان المناطق الجبلية شرقاً أو الساحلية جنوباً، استناداً إلى بعض النصوص السومرية ذاتها التي تشير إلى جزيرة بدائية أو مكان أصل مائي.
[3]
وقد مهّد لظهور الحضارة السومرية المتكاملة ثقافةٌ سابقة تُعرف بثقافة العبيد (Ubaid Culture) التي ازدهرت بين نحو 5500 و4100 ق.م، وتمثّل المرحلة الانتقالية بين القرى الزراعية البدائية والمدن السومرية الناضجة. وقد أسس شعب العبيديين معظم المدن السومرية الكبرى كأور ونيبور وإريدو قبل أن يندمج السومريون معهم في كيانٍ حضاري واحد، كما شهدت هذه الحقبة تطوراً في فن الفخار وبناء المعابد والأختام الأسطوانية التي ستغدو لاحقاً سمةً حضارية مميزة لبلاد الرافدين في مجمله. والجدير بالملاحظة أن السومريين أنفسهم لم يعتنوا بتمييز أصولهم من الآخرين في نصوصهم، بل انصرفوا إلى بناء هويتهم الحضارية الحاضرة وتسجيل تاريخهم المعاش بصورة تعكس اطمئناناً مذهلاً بانتمائهم الأصيل إلى أرضهم.
[4]
الدور العبيدي وعصر أوروك (5000 – 2900 ق.م)
بدأت الثورة الحضارية السومرية في الشكل الذي نعرفه خلال عصر أوروك (4100 – 2900 ق.م)، الذي يُعدّ بحق عصر الاختراعات الكبرى لكونه شهد ظهور المدن بمعناها الاجتماعي والإداري الحقيقي عبر تجمّع السكان في مراكز حضرية متخصصة تتجاوز مجرد التجمعات الزراعية. كانت مدينة أوروك (الوركاء) في هذه الحقبة من أكبر مدن العالم وأكثرها تطوراً، يُقدّر المؤرخون أن عدد سكانها بلغ بين خمسين ومئة ألف نسمة في ذروتها، وهو رقم لم يكن له نظير في عالم ذلك الزمان. وفي مطلع هذا العصر حوالي 3500 ق.م وُلد اختراع الكتابة التي بدأت رسوماً تصويرية بدائية لتسجيل الفائض الزراعي والمعاملات التجارية قبل أن تتطور على مدى قرون إلى الخط المسماري (Cuneiform) الذي سيصبح وسيلة الكتابة المهيمنة في الشرق الأدنى لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
[2]
كذلك ظهر في عصر أوروك الختم الأسطواني واستُخدم لأغراض التوثيق والملكية والإدارة، وتطور نظام العدّ والحساب لتلبية احتياجات الاقتصاد الزراعي المعقد، فضلاً عن ظهور العجلة في سياقها البدائي كالحجر الدوّار ثم تطورها إلى وسيلة نقل. ومن المفارقات الدالة أن كثيراً من هذه الاختراعات العظيمة لم تنبع من روح الإبداع الخالص بل من ضغوط الضرورة الاقتصادية والإدارية الإلحاحة، إذ كانت تسجيل كميات الحبوب والماشية والمنسوجات في مستودعات المعابد الكبرى هو الدافع الأول لظهور الكتابة، مما يجعل الحضارة السومرية نموذجاً فريداً للإبداع المدفوع بالحاجة الاجتماعية لا بالترف الفكري وحده.
[4]
عصر فجر السلالات (2900 – 2350 ق.م)
شكّل عصر فجر السلالات المرحلة الأولى من التاريخ المكتوب للحضارة السومرية الناضجة، وتميّز بظهور نظام دولة المدينة (City-State) كوحدة سياسية أساسية تحكم المدينة ومنطقتها الزراعية المحيطة بها. كانت كل مدينة سومرية كبرى تتمتع بسيادة مستقلة يحكمها ملك يُعرف بـ”لوكال” (Lugal) أو حاكم يُسمى “إنسي” (Ensi)، وكانت السلطة في الأصل مشتركة بين المعبد والمواطنين عبر جمعية شعبية مبكرة قبل أن تتمركز في الملكية الفردية مع مرور الوقت تحت ضغط الحروب والتنافسات الداخلية. يُروي ثبت الملوك السومري — وهو وثيقة مسمارية مكتوبة نحو 2100 ق.م تُحصي أسماء الملوك وإنجازاتهم — أن الملك الأول الموثق بصورة شبه تاريخية كان إيتانا ملك كيش الذي “وطّد دعائم البلاد”، وإن كان الثبت يمزج بين التاريخ والأسطورة خلطاً واضحاً في أقدم أجزائه بذكر ملوك ذوي أعمار أسطورية قبل “الطوفان” تبلغ آلاف السنين.
[5]
وقد اتسم هذا العصر بحروب متواصلة بين دول المدن السومرية المتنافسة على السيطرة على مجاري المياه والأراضي الزراعية والطرق التجارية، وأفرزت هذه الحروب بدورها تطوراً ملحوظاً في المنظومة العسكرية والتحصينية؛ فبنت المدن أسواراً ضخمة وطوّرت تشكيلات قتالية منظمة ظهرت بوضوح في ألواح بصمة الانتصار (Stele of the Vultures) من مدينة لجش التي تُصوّر جيشاً مشاةً متراصاً خلف دروع كبيرة في ما يُعدّ أقدم تصوير عسكري معروف لتشكيل “الفالانكس”. وفي هذا العصر ذاته برز الملك الأسطوري جلجامش ملك أوروك الذي حكم نحو 2750 ق.م وخلّده السومريون في ملحمتهم الأدبية الكبرى كرمز للبطولة الإنسانية والبحث عن الخلود.
[2]
الكتابة المسمارية والفكر السومري
اختراع الكتابة
يُجمع علماء الآثار واللغويون على أن الكتابة المسمارية السومرية هي أعظم الإنجازات الحضارية التي أسدتها سومر إلى البشرية، وأنها تمثّل واحدة من أعظم التحولات في تاريخ الإنسانية العقلية مقارنةً باختراعات كبرى كالعجلة والبناء. نشأت الكتابة المسمارية نحو عام 3500 ق.م في أوروك حين شرع كتبة المعابد في استخدام رموز تصويرية بدائية (Pictographs) لتسجيل المعاملات الاقتصادية وحصص توزيع الغلال، ونقشوها بقصبة ذات رأس مثلثي على ألواح من الطين الرطب. وقد تطورت هذه الرسوم تدريجياً على مدى قرون؛ إذ مالت الرموز نحو التجريد ونُقلت من الاتجاه الرأسي إلى الأفقي وانتقلت من الرسم الوصفي إلى الرمز الصوتي في عملية تحوّل ملحمية بطيئة أثمرت عن الخط المسماري الناضج الذي بات قادراً على التعبير عن مفردات الفكر الإنساني المجردة كالعدالة والحب والخلود.
[6]
وقد بدأ استخدام الكتابة إدارياً قبل أن يتوسع ليشمل كل مجالات الحياة؛ فكُتبت بها القوانين والعقود والرسائل الدبلوماسية والتراتيل الدينية والأعمال الأدبية والسجلات الطبية والحسابات الفلكية وقوائم المفردات والنصوص التعليمية. وقد أسهم انتشار الكتابة المسمارية خارج سومر إلى الأكاديين والبابليين والآشوريين والحيثيين والإيلاميين والميتانيين وغيرهم — الذين تبنوها وكيّفوها لكتابة لغاتهم الخاصة — في جعلها أداة الكتابة الدولية في الشرق الأدنى القديم لأكثر من ثلاثة آلاف سنة. وقد كشف فكّ رموزها في القرن التاسع عشر الميلادي عن حقيقة صاعقة اهتزت لها القناعات الراسخة: فملحمة جلجامش السومرية-البابلية تتضمن قصة طوفان عظيم شبيهة بالتفاصيل بقصة نوح في الكتاب المقدس، مما غيّر جذرياً نظرة العلم إلى مصادر النصوص التوراتية وإلى تاريخ الفكر الديني الإنساني.
[7]
ملحمة جلجامش والأدب السومري
تحتلّ ملحمة جلجامش مكانةً استثنائية في الموروث الأدبي الإنساني بوصفها أقدم عمل أدبي ملحمي موثق في تاريخ البشرية، تروي قصة جلجامش الملك شبه الأسطوري لمدينة أوروك الذي كتب عنه ثبت الملوك السومري أنه كان ثلثاه إلهاً وثلثه بشراً. يصف النص رحلة جلجامش مع صديقه المتوحش إنكيدو في مغامرات بطولية عديدة، ثم صدمته بموت إنكيدو التي تُفجّر في نفسه وعياً حاداً بزوال الوجود الإنساني، فينطلق في رحلة يائسة عبر العالم السفلي والأعماق بحثاً عن سر الخلود قبل أن يعود خائباً ليقبل حقيقة الفناء. تكمن عظمة الملحمة في عمقها الفلسفي وهواجسها الوجودية التي تعكس اهتماماً إنسانياً عميقاً بالمصير والموت والصداقة ومعنى الحياة، وهي هواجس لم يُعبَّر عنها في نص أدبي سابق لها من أي حضارة معروفة.
[8]
ومن الناحية الأدبية الفنية، تتميز ملحمة جلجامش باستخدامها المتقن للمتوازيات الشعرية والتكرارات الطقسية والرحلة البطولية كإطار بنيوي، وهي أساليب أدبية ستتردد صداها في الملاحم والأساطير اللاحقة من هوميروس إلى الأديان الإبراهيمية. أما بقية الأدب السومري فيشمل مجموعةً غنيةً من النصوص الدينية كالترانيم والصلوات الموجهة لآلهة بعينها، والأساطير الكوزمولوجية كأسطورة الخليق “إنوما إيليش” بصيغتها البابلية المتأثرة بالأصول السومرية، والأمثال الحكمية، وأشعار المراثي، وقصائد الحب، فضلاً عن نصوص تعليمية تُصوّر حياة الطلاب في مدارس الكتاب (إدوبا)، وهي مدارس متخصصة لتعليم الكتابة والإدارة لصالح المعابد والمنظومة الإدارية.
[4]
النظام السياسي والإداري
دولة المدينة والملكية السومرية
اتخذت السياسة السومرية شكل دولة المدينة (City-State) وحدةً تنظيميةً أساسية، إذ كانت كل مدينة كبرى تُشكّل كياناً سياسياً مستقلاً له جيشه وآلهته الحامية ومعبده الرئيسي وأراضيه الزراعية وحدوده الترابية. وقد شهد النظام السياسي السومري تطوراً دراماتيكياً عبر الزمن؛ ففي أوائل عصر فجر السلالات كانت ثمة جمعيات شعبية تضم كبار المواطنين تشارك في القرارات الكبرى وتنتخب قادة الحرب، وهو نظام يرى فيه بعض المؤرخين بُذوراً لمفهوم الديمقراطية التشاركية قبل انتشاره لاحقاً في اليونان. ثم تمركزت السلطة تدريجياً في يد الملك “لوكال” (الرجل العظيم) الذي جمع في يده القيادة العسكرية والوظيفة الدينية والسلطة التشريعية.
[3]
تميّزت الإدارة السومرية بدرجة عالية من التنظيم البيروقراطي لا نظير لها في عالمها الزمني، إذ وُجدت طبقة واسعة من الكتبة والمديرين والمحاسبين المتخصصين الذين سجّلوا كل صغيرة وكبيرة بالألواح الطينية: من مخزون الحبوب في المستودعات والإنتاج الزراعي الموسمي إلى المرتبات والتوزيعات والعقود التجارية والقضايا القانونية، مما جعل الأرشيف السومري مصدراً لا يُقدَّر لدراسة الاقتصاد الحضاري في التاريخ القديم. وقد كان المعبد الكبير (Ziggurat) مركز هذه الإدارة من الناحيتين الدينية والاقتصادية معاً؛ فالمعبد كان في آنٍ واحد بيت الإله الحامي للمدينة ومستودع الغلال ومركز توزيع الإعاشة ومصدر الائتمان وهيئة تسوية النزاعات وبيت الكتاب والتعليم.
[9]
القانون السومري
يُعدّ السومريون رواد التدوين القانوني في تاريخ البشرية، وإن كانوا كثيراً ما يُحجبون خلف شهرة قانون حمورابي البابلي اللاحق بهم بقرنين. فقد وضع الملك أور-نمو مؤسس أسرة أور الثالثة نحو عام 2100 ق.م ما يُعدّ أقدم مجموعة قانونية مكتوبة معروفة في تاريخ البشرية، اشتملت على أحكام تتناول العقوبات والتعويضات والجرائم والحقوق الاجتماعية. والمثير في القانون السومري بالمقارنة مع قانون حمورابي اللاحق أنه مال إلى التعويض المادي بدلاً من العقوبة البدنية في كثير من الجرائم؛ فعوضاً عن “السن بالسن” كانت أحكام كثيرة تُقرّ دفع غرامة مالية للمتضرر.
[4]
تناولت المنظومة القانونية السومرية جوانب شتى من الحياة الاجتماعية والاقتصادية كتنظيم الزواج والطلاق والإرث وحقوق الأرامل والأيتام والعبيد وشروط الاستئجار والتجارة والقروض وتحديد الأجور. وقد كشفت الألواح القانونية المكتشفة عن حساسية اجتماعية لافتة تجاه الضعفاء ومحدودي الدخل، ويذكر بعض الحكام السومريين في نصوصهم الإصلاحية صراحةً أنهم أعادوا العدل إلى المظلومين ومنعوا الأقوياء من ابتزاز الفقراء. وتشمل أيضاً نصوص إصلاح المدينة السومرية أوروكاجينا ملك لجش (نحو 2380 ق.م) في ما يُعدّ أقدم وثيقة إصلاح اجتماعي معروفة تندّد فيها بفساد الموظفين واستغلالهم للمواطنين وتُعلن الحدّ من الضرائب والامتيازات المجحفة.
[3]
المنظومة الدينية والأسطورية
تُمثّل الديانة السومرية من أقدم المنظومات الدينية الموثقة كتابياً في تاريخ الإنسانية، وقد تميّزت بثرائها الأسطوري وتعقيد علاقاتها بين الآلهة وتأثيرها العميق على الديانات والأساطير اللاحقة في الشرق الأدنى وما وراءه. كان البانثيون السومري يضم مئات الآلهة تتدرج في هرمية واضحة؛ يتصدّرها الإله أنو (An) إله السماء الأعلى رمزاً للسلطة الكونية المطلقة، ثم الإله إنليل (Enlil) سيد الرياح والعواصف وإله الأرض والهواء الذي يُجسّد السلطة التنفيذية الفعلية على شؤون الإنسانية، وكذلك إنكي (Enki) إله الحكمة والمياه العذبة وصاحب الحيلة والمعرفة الذي يُعدّ ولياً للحضارة والفنون والعلوم، وإنانا (Inanna) الإلهة الأنثى ملكة السماء إلهة الحب والحرب والخصوبة التي ستُعرف لاحقاً بعشتار في الأكادية وأفروديت في الإغريقية وفينوس في الرومانية.
[2]
وقد آمن السومريون بأن الإنسان خُلق خصيصاً لخدمة الآلهة وإعفائها من عناء العمل، وأن عمله الأساسي هو بناء المعابد وتقديم القرابين وأداء الطقوس، وهي رؤية كونية تبرّر بنيوياً التسلسل الهرمي الاجتماعي وتُشرّع للملكية بالوساطة الإلهية. كان كل إله يمتلك معبداً رئيسياً في مدينة بعينها اعتُبرت ملكاً له يُدار لمصلحته، وكان الكهنة إدارياً موظفين في خدمة هذا الإله-المالك. والأساطير الكوزموجونية السومرية الكبرى كأسطورة خلق الإنسان من طين ودم الآلهة وأسطورة الطوفان الكبير وأسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي وعودتها منه ستترك آثاراً بالغة على اللاهوت الأكدي والبابلي، وستجد مقابلاتها لاحقاً في نصوص دينية يهودية ومسيحية وإسلامية مما يجعل الموروث الأسطوري السومري جذراً حقيقياً لكثير من مفاهيم الإنسانية الدينية.
[10]
العمارة والزقورات
يُعدّ السومريون رواد العمارة الدينية الضخمة في التاريخ القديم، وأبرز إسهاماتهم المعمارية الزقورة (Ziggurat)، وهي منشأة معمارية على شكل هرم مدرّج ذات طوابق متراكبة تضيق تدريجياً نحو الأعلى لتنتهي بمعبد صغير على قمتها. كانت الزقورة المركز الروحي والعملي للمدينة السومرية، وتُمثّل بشكل رمزي الجبل الكوني الذي يصل الأرض بالسماء وتسكن فيه الآلهة، وهو تصوّر ديني يعكس حنين السومريين القاطنين في السهل المنبسط إلى الجبال التي ربما جاء أجدادهم منها أو رأوا فيها مساكن الآلهة. تُعدّ زقورة أور التي بناها الملك أور-نمو نحو 2100 ق.م أجمل الزقورات السومرية المحفوظة وأوفرها حظاً من السلامة، وتبلغ قاعدتها نحو أربعة وستين متراً في ثمانية وأربعين متراً وارتفاعها الأصلي كان يُقدَّر بنحو ثلاثين متراً، وتُظهر الدراسات الهندسية الحديثة أن جدرانها بُنيت بانحراف متعمد نحو الداخل لإيجاد وهم بصري يجعلها تبدو أشد انتصاباً وعظمةً للناظر من الأسفل.
[4]
استخدم السومريون الطوب المجفف بالشمس (اللبن) مادةً بناء رئيسية لانعدام الحجر في السهل الرسوبي، وغلّفوا الواجهات الخارجية بطوب مشوي أكثر صلابةً ومقاومةً، وحرصوا على وضع طبقات عازلة من القار (الزفت الطبيعي) لحماية البنايات من الرطوبة. وقد طوّروا تخطيطاً مدينياً متقدماً يشمل أنظمة الصرف الصحي ومجاري المياه وتوزيع الأحياء بين السكنية والدينية والتجارية، وإن كان كثير من هذا التطور مدفوناً أو مدمراً مما يجعل مقارنة دقيقة مع حضارات أخرى أمراً عسيراً. والجدير بالذكر أن أسطورة برج بابل المذكورة في سفر التكوين التوراتي تُرجّح نشأتها من أثر زقورات بلاد الرافدين الشامخة في وجدان الجماعات السامية التي تعاملت مع سومر.
[11]
الاقتصاد والتجارة والعلوم
الاقتصاد الزراعي والتجاري
قام الاقتصاد السومري أساساً على الزراعة المروية التي استثمرت مياه دجلة والفرات عبر شبكات القنوات المتطورة لزراعة الحبوب وبخاصة الشعير والقمح اللذين شكّلا العماد الغذائي للحضارة، إلى جانب التمر الذي كان غذاءً ومشروباً وصادراً تجارياً. وكان الاقتصاد في جوهره اقتصاداً مُوزَّعاً يتمحور حول المعبد الذي يملك الأراضي الزراعية الكبرى ويُوظّف عمالةً واسعة ويُوزّع الحصص الغذائية ويُدير الصناعات الحرفية كالنسيج والفخار والمعادن، مما يجعله أشبه بتكتل اقتصادي متكامل لا مجرد مؤسسة دينية. كما كانت الأسر الكبرى والملكية تمتلك الأراضي والمشاريع الاقتصادية، فيما عمل العمال الأحرار وشبه الأحرار والعبيد في طبقات اجتماعية متعددة الأدوار الاقتصادية.
[9]
وعلى صعيد التجارة الخارجية، فقد كانت سومر تفتقر إلى المعادن والأحجار والأخشاب الضرورية للبناء والصناعة والتسليح، مما دفعها إلى إقامة شبكات تجارية واسعة تمتد إلى عيلام في الشرق ومنطقتَي دلمون وماغان في الجنوب والمنطقة السورية الشمالية والأناضول غرباً وحتى الحضارة الهندية الوادية بمدنها موهنجودارو وهارابا. وكانت سومر تُصدّر النسيج الصوفي والزيوت والحبوب الفائضة والفخار مقابل استيراد الأخشاب والمعادن والأحجار الكريمة ولازورد الأفغاني. وقد كشفت سجلات الألواح المسمارية التجارية عن نظام ائتماني مبكر يعتمد على عقود القرض بفوائد محددة، والشراكات التجارية، وخطابات الاعتماد التي تُعدّ أسلاف الأدوات المالية الحديثة.
[4]
الرياضيات والفلك والعلوم
أسهم السومريون إسهاماً جوهرياً في تأسيس العلوم الدقيقة، لعل أشهره على الإطلاق تطوير النظام العددي الستيني (Sexagesimal) القائم على الرقم ستين الذي نستخدمه نحن في عصرنا الحديث دون أن يدري كثيرون أصله السومري؛ فالساعة تتكون من ستين دقيقة والدقيقة من ستين ثانية والدائرة من ثلاثمائة وستين درجة كلها موروثات مباشرة من النظام العددي السومري. كذلك طوّر السومريون علم الفلك مدفوعين بضرورات دينية وزراعية، فرصدوا مواقع الكواكب والنجوم وطوّروا تقويماً قمرياً يعتمد على دورة القمر لتحديد مواعيد الزراعة والأعياد الدينية والأحداث الإدارية.
[12]
وفي الطب، خلّف السومريون ألواحاً طينية تضم وصفات علاجية وتشخيصات طبية تُمثّل من أقدم الوثائق الطبية المعروفة في التاريخ، كانوا فيها يستخدمون مستحضرات نباتية ومعدنية وطقوساً تعويذية في آنٍ واحد مما يُجسّد التداخل الحي بين الطب التجريبي والفكر السحري في تلك المرحلة. كذلك تُوجد وثائق تدل على وجود ملاحظات جغرافية منظمة وخرائط طينية مبكرة جداً تُعدّ من أقدم الخرائط المعروفة في تاريخ الإنسانية. ومن الإنجازات التي يرصدها المؤرخ صامويل كريمر في كتابه “التاريخ يبدأ من سومر” أن السومريين كانوا أول من أسّس مدارس الكتاب (إدوبا) التي أنتجت الخريجين المتخصصين في الكتابة والإدارة والحساب والموسيقى، وهي ما قد يُعدّ أولى المؤسسات التعليمية المتخصصة في تاريخ البشرية.
[5]
التاريخ يبدأ من سومر، فهم من أسّسوا الحضارة كما نعرفها.
— صامويل نوح كريمر، “التاريخ يبدأ من سومر”، 1956
النهضة السومرية والغزو الأكدي
سرجون الأكدي وأول إمبراطورية في التاريخ
في حوالي عام 2334 ق.م وحّد سرجون الأكدي (المعروف أيضاً بسرجون العظيم) بلاد سومر تحت سلطة مركزية واحدة مؤسساً ما يُعدّه كثير من المؤرخين أول إمبراطورية حقيقية في تاريخ الإنسانية. كانت الأكادية لغةً سامية تحدّث بها سكان شمال بلاد الرافدين، وقد استوعبت الدولة الأكادية الإرث الثقافي والإداري السومري بصورة واسعة مع ترقية الأكادية لغةً رسمية بدلاً من السومرية. واستمر السومريون يُشكّلون ركيزةً حضاريةً فاعلة في الدولة الأكادية التي امتدت في أوج قوتها من الخليج العربي حتى البحر المتوسط. بيد أن الدولة الأكادية عانت من اضطرابات داخلية وضربات خارجية من شعوب الجوتيين (الكوتيين) الجبليين الذين دمّروا المدن الكبرى وأسقطوا سلالة سرجون نحو عام 2218 ق.م، فدخلت بلاد الرافدين ما يُعرف بالعصر المظلم الكوتي (2218 – 2047 ق.م).
[5]
أور الثالثة والنهضة السومرية (2112 – 2004 ق.م)
بعد تحرير بلاد الرافدين من هيمنة الكوتيين على يد أوتو-حيغال ملك أوروك، أسّس أور-نمو أسرة أور الثالثة عام 2112 ق.م لتبلغ الحضارة السومرية ذروتها الثقافية والإدارية في ما يُعرف بالنهضة السومرية الكبرى. فقد أعاد أور-نمو ترسيخ السومرية لغةً رسمية للدولة، وبنى أكبر وأجمل الزقورات كزقورة أور الشهيرة، ووضع أقدم قانون مكتوب معروف يحمل اسمه، وأرسى منظومةً إداريةً مركزيةً متطورة تجمع أقاليم متعددة تحت سلطة موحدة. خلفه ابنه شولقي الذي حكم لأكثر من ثمانية وأربعين عاماً وكان إداريّاً من الطراز الرفيع أعاد تقنين القوانين وطوّر نظام الكتابة وأنشأ أرشيفات ضخمة ورعى الأدب والموسيقى حتى ادّعى لنفسه الألوهية في حياته في نموذج استثنائي للملك الإله في الفكر السومري. شهد عهد أور الثالثة ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً وتوسعاً في التجارة وكثافة في الإنتاج الأدبي والأرشيف الإداري حتى وصل إلينا من هذه الحقبة وحدها آلاف الألواح الطينية تُوثّق أدق تفاصيل الحياة الاقتصادية والإدارية، وهو ما يجعل أور الثالثة المرحلةَ الأغنى توثيقاً في التاريخ السومري.
[2]
السقوط والإرث الحضاري
نهاية السيادة السومرية
أفضت مجموعة متشابكة من العوامل إلى نهاية سيادة أور الثالثة وانتهاء العصر السومري السياسي عام 2004 ق.م. فمن الخارج، تعرضت بلاد سومر لضغوط متصاعدة من العيلاميين في الشرق وقبائل الأموريين الرعوية القادمة من الغرب، وقد نجح العيلاميون في النهاية في اختراق المنظومة الدفاعية السومرية وتدمير مدينة أور وأسر آخر ملوكها أبي-سين. ومن الداخل، أضعف التنافس بين الأسر الحاكمة في المدن المختلفة والصراعات على الموارد المائية التماسكَ الذي أرسى قواعد النهضة، فيما أسهمت عملية تملّح التربة التراكمية في تراجع الإنتاج الزراعي وتدهور القاعدة الاقتصادية للمدن.
[13]
وقد أُرّخت للمصيبة في نصوص مراثٍ سومرية بالغة الحزن مما يعكس عمق الصدمة الحضارية التي شعر بها السومريون، كمرثية تدمير أور التي تصف بصوت إلهة المدينة نين‑ليل خراب المعابد والأزقة وفرار الناس. وبعد سقوط أور سيطر الأموريون على بلاد الرافدين وأسسوا سلالات عديدة كان أبرزها بابل التي ستحكمها أسرة حمورابي (1792 – 1750 ق.م) لتُطلق عصر الحضارة البابلية التي تُعدّ في حقيقتها وريثةً مباشرة للتراث السومري.
[1]
الإرث السومري في الحضارات اللاحقة
لم تمُت الحضارة السومرية بسقوطها السياسي، بل واصلت حياتها في أشكال حضارية تالية بصورة تجعل الفصل بين “السومري” و”البابلي” و”الآشوري” مجرد تمييز سياسي لا ثقافي في كثير من الأحيان؛ فاللغة السومرية استمرت كلغة دينية وليتورجية في المعابد البابلية والآشورية على غرار استمرار اللاتينية في الكنيسة الكاثوليكية لقرون بعد زوال الإمبراطورية الرومانية. وتوارثت الحضارة البابلية الكتابة المسمارية والبانثيون الديني بإعادة تسمية الآلهة السومرية بأسماء أكادية (إنليل ← إنليل، إنانا ← عشتار)، والأنظمة القانونية (قانون حمورابي أكمل مسيرة بدأها قانون أور-نمو)، والأسس الفلكية والرياضية.
[4]
وعلى صعيد أبعد، فإن أساطير جلجامش والطوفان الكبير وخلق الإنسان من طين ودم الآلهة تجد مقابلاتها التوراتية في تفاصيل مذهلة تُرجّح تأثيراً مباشراً أو تشابهاً في الجذور الإنسانية المشتركة، وكذلك إلهة إنانا ستُلهم تمثّلات الإلهة الأنثى في الحضارات المتوسطية لاحقاً. ولا يزال النظام الستيني يحكم قياساتنا الزمنية والهندسية، والكتابة العالمية تستخدم نظام الحروف الأبجدية الذي يُرجَّح أنه تطوّر جزئياً من اختصارات الخط المسماري. وقد أثمرت ألواح المكتبة الملكية الآشورية في نينوى، التي أعاد الملك آشور بانيبال جمع آلاف الألواح السومرية فيها، عن حفاظ الحضارة الآشورية على كثير من النصوص السومرية وتوريثها لعلم الآثار الحديث الذي لم يكتشفها ويفكّ رموزها إلا في القرن التاسع عشر الميلادي ليُعيد للإنسانية ذاكرتها الأقدم.
[14]