المقدمة
الانتفاضة الفلسطينية الأولى، المعروفة كذلك بـ”انتفاضة الحجارة”، هي انتفاضة شعبية فلسطينية شاملة اندلعت في التاسع من ديسمبر 1987 في مخيم جباليا بقطاع غزة، ثم امتدّت بسرعة لافتة لتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وكافة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حرب يونيو 1967. جاءت هذه الانتفاضة بعد عشرين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي المتراكم المهانات والقهر، وعشرين عاماً من الانتظار العبثي لأي تحوّل سياسي يُزيح ثقل الاحتلال عن كاهل شعب بلا دولة. استمرّت الانتفاضة حتى توقيع اتفاقية أوسلو في الثالث عشر من سبتمبر 1993، لتُشكّل واحدةً من أشدّ اللحظات تأثيراً في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي في القرن العشرين.
تميّزت الانتفاضة الأولى بطابعها الشعبي العفوي الذي نبع من الداخل الفلسطيني المحتل، بعيداً عن توجيهات المركز القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس. عرفت الانتفاضة إجماعاً وطنياً غير مسبوق تجلّى في مشاركة مختلف الفصائل والطبقات والفئات الاجتماعية، من العمال والطلاب والنساء والأطفال، وحتى رجال الدين والتجار والمهنيين. وكان سلاحها الأوّل الحجارة في مواجهة إحدى أقوى الجيوش في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أعطاها رمزيةً أخلاقية عالمية جعلت الرأي العام الدولي يتحوّل، ولو جزئياً، نحو التعاطف مع الحقوق الفلسطينية. وقد راح الجيش الإسرائيلي يواجه الانتفاضة بسياسات قمعية موثّقة، أبرزها سياسة “كسر العظام” التي أقرّها إسحاق رابين وزير الدفاع آنذاك. وحصدت الانتفاضة أكثر من ألف شهيد فلسطيني وأكثر من 130 ألف جريح، واعتُقل عشرات الآلاف، وفق إحصاءات منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان.
المعلومات الأساسية
| الانتفاضة الفلسطينية الأولى | |
| انتفاضة الحجارة · 1987–1993 | |
| معلومات عامة | |
| تاريخ البداية | 9 ديسمبر / كانون الأول 1987 [1] |
| تاريخ النهاية | 13 سبتمبر / أيلول 1993 (اتفاقية أوسلو) |
| الموقع | قطاع غزة، الضفة الغربية، القدس الشرقية |
| المدة | نحو 6 سنوات |
| الشرارة المباشرة | حادثة الدهس في جباليا، 8 ديسمبر 1987 |
| القيادة والتنظيم | |
| الجهة القائدة | القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة |
| الفصائل المشاركة | فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الحزب الشيوعي، حماس (جزئياً) |
| أبرز الأساليب | إلقاء الحجارة، الإضرابات، المقاطعة الاقتصادية، العصيان المدني |
| الحصيلة البشرية (وفق بتسيلم) | |
| الشهداء الفلسطينيون | أكثر من 1,087 (منهم 240 طفلاً) [2] |
| الجرحى الفلسطينيون | أكثر من 130,000 [3] |
| المعتقلون الفلسطينيون | عشرات الآلاف |
| القتلى الإسرائيليون | نحو 100 مدني و60-70 عسكري [4] |
| النتائج | |
| الإنجاز السياسي | مؤتمر مدريد 1991، اتفاقية أوسلو 1993 |
| قرار مجلس الأمن | رقم 605 (22 ديسمبر 1987) |
| ظاهرة بارزة | نشأة حركة حماس في ديسمبر 1987 |
الخلفية التاريخية وجذور الانتفاضة
١. عشرون عاماً من الاحتلال: مراكمة القهر
لا يمكن فهم الانتفاضة الأولى إلا بوصفها نتيجة منطقية لعشرين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي المتراكم منذ حرب يونيو 1967، التي أسفرت عن سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان. في تلك العشرين سنة، عاش نحو مليون وثمانمائة ألف فلسطيني في الأراضي المحتلة تحت نظام أمني واجتماعي شديد التقييد: فرضت إسرائيل نظام تصاريح معقداً يحدّد حركة الفلسطينيين وتنقلهم، وفرضت رقابةً مشددة على المؤسسات التعليمية حتى بلغ الأمر إغلاق الجامعات لفترات مطوّلة، وجعلت كل مظاهر الهوية الوطنية الفلسطينية جريمةً يعاقب عليها القانون؛ فرفع العلم الفلسطيني أو حتى اقتناؤه جريمة، وترديد الأناشيد الوطنية جريمة، وحتى كلمة “فلسطين” نفسها كانت تعرّض قائلها للاعتقال [5].
على الصعيد الاقتصادي، تحوّل الفلسطينيون في الأراضي المحتلة إلى يدٍ عاملة رخيصة تخدم الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ كان عشرات الآلاف منهم يعبرون يومياً إلى إسرائيل للعمل في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، في ظل غياب شبه تام لفرص الاستثمار والتنمية في مناطقهم. وقد رسّخت سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، التي تسارعت وتيرتها بصورة لافتة في عقد الثمانينيات، الشعورَ الفلسطيني الحاد بأن الأرض تُنتزع منهم قطعةً قطعة، وأن الواقع على الأرض يُخلق قبل أي تسوية سياسية [6].
٢. الأجواء الإقليمية والدولية عشية الانتفاضة
كانت الأوضاع الإقليمية والدولية في عام 1987 تُغلق الأفق السياسي أمام أي أمل بالتغيير عبر الطرق الدبلوماسية التقليدية. فالحرب العراقية الإيرانية كانت تستنزف طاقات العالم العربي وتشغل أولوياته. أما منظمة التحرير الفلسطينية فكانت في وضع سياسي وعسكري بالغ الهشاشة؛ أُخرجت من لبنان عام 1982 إثر الاجتياح الإسرائيلي ومجازر صبرا وشاتيلا، وانتقلت قيادتها إلى تونس بعيدة عن الأرض المحتلة وهمومها اليومية. كذلك كانت الأمم المتحدة مشلولةً بحق النقض الأمريكي في وجه أي قرار يُلزم إسرائيل، والإدارة الأمريكية في عهد رونالد ريغان تُوفّر لإسرائيل غطاءً سياسياً ودعماً عسكرياً غير مشروط [7].
في هذا السياق، كانت الطبقة الشبابية الفلسطينية التي وُلدت وترعرعت تحت الاحتلال تحمل وعياً سياسياً أعمق وأحدّ من أي جيل سابق. فقد تشكّلت في الجامعات —قبل إغلاقها— وفي اللجان الشعبية والنقابات العمالية ومنظمات المرأة، وعبر التجربة المتراكمة مع الاعتقال والمداهمات والإهانة اليومية، جيلٌ مستعدٌّ للانفجار متى وُجدت الشرارة المحرّكة. وقد وثّقت الباحثة الفلسطينية في الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن الانتفاضة جاءت وليدة “احتلال كولونيالي استيطاني فظ، وأوضاع اقتصادية صعبة، وتسيّس عميق للفلسطينيين” [8].
٣. عام 1987 المضطرب: الفتيل يقترب
كان عام 1987 بحدّ ذاته عاماً بالغ الاضطراب في الأراضي المحتلة. منذ ديسمبر 1986 وطوال عامٍ كامل، تلاحقت المظاهرات وأعمال العصيان الصغيرة في كافة أنحاء الضفة وغزة. وقد بلغت المواجهات ذروةً دموية سابقة في صيف 1987 في عدد من المخيمات، حين سقط عشرات المتظاهرين بنيران الجيش الإسرائيلي. كذلك أسهم الإفراط في ممارسة الضباط والجنود الإسرائيليين لسلطتهم على حواجز التفتيش ومداخل المدن في توليد تراكم يومي من الإذلال والاستفزاز لا يمكن أن يبقى بلا ردّ. وكان الفلسطينيون يرون في منظمة التحرير —البعيدة في تونس— قيادتهم الوحيدة الشرعية، لكنهم يشعرون بأنها باتت بعيدة المدى عن تفاصيل حياتهم الميدانية [9].
القيادة والتنظيم
١. القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة
من أبرز ما يميّز الانتفاضة الأولى عن غيرها من حركات المقاومة الفلسطينية أن انطلاقتها كانت عفوية، بمعنى حقيقي لا زخرفي؛ فلم تكن جهة مركزية واحدة قد خطّطت لها أو حدّدت توقيتها. وبعد أسابيع من اندلاعها، تشكّلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة التي ضمّت ممثلين من الفصائل الفلسطينية الكبرى في الداخل المحتل: حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والحزب الشيوعي الفلسطيني (الحزب الشعب). وكانت هذه الفصائل قد بنت قبل الانتفاضة بنيةً تنظيمية شبكية في الأراضي المحتلة من خلال اللجان الشعبية ونقابات العمال ومنظمات المرأة ومجالس الطلاب [14].
عملت القيادة الوطنية الموحدة عبر إصدار بيانات دورية —سُمّيت “بيانات القيادة”— كانت تُوزَّع سراً وتُنظّم من خلالها أيام الإضراب والاحتجاج ومقاطعة البضائع الإسرائيلية وتوجيهات المقاومة المدنية. وكانت هذه البيانات تحمل رقماً تسلسلياً، وبلغ مجموعها في السنوات الأولى أرقاماً عالية تعكس استمرار فاعلية القيادة ومتابعتها. وقد فرضت إسرائيل قيوداً شديدة على توزيع هذه البيانات، وأوقفت كثيراً من الناشطين بتهمة طباعتها أو توزيعها [15].
٢. نشأة حركة حماس في رحم الانتفاضة
توازت مع اندلاع الانتفاضة ظاهرةٌ سياسية-دينية بالغة الأثر البعيد: نشأة حركة المقاومة الإسلامية “حماس”. في ديسمبر 1987 ذاته، أعلن الشيخ أحمد ياسين وعدد من المؤسسين تأسيسَ حماس انطلاقاً من رحم جمعية الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وكان ذلك في توقيت لافت يكشف عن أن الجو العام للانتفاضة أسهم في تسريع ميلاد هذا التنظيم. غير أن حماس لم تنضم إلى القيادة الوطنية الموحدة، بل أصدرت بيانات مستقلة، وأدانتها القيادة الموحدة في بيانها الخامس والعشرين (سبتمبر 1988) معتبرةً إياها تنظيماً يُضعف الوحدة الوطنية [16]. ورغم دورها الثانوي في الانتفاضة الأولى مقارنةً بمنظمة التحرير، استثمرت حماس تلك المرحلة لتنمو وترسّخ وجودها، وأصبحت لاحقاً قوةً فلسطينية بالغة التأثير [17].
٣. دور المرأة الفلسطينية في قيادة الانتفاضة
كان دور المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى ظاهرةً اجتماعية وسياسية لافتة تستحق الدراسة المستقلة. فمنذ اندلاع الانتفاضة، تولّت النساء الفلسطينيات أدواراً قيادية ميدانية ولوجستية، سواء في تنظيم الاحتجاجات أو في إدارة “اللجان الشعبية” التي أدارت الحياة اليومية في الأحياء والمخيمات. وأشار الباحثون في مجال حقوق المرأة إلى أن الانتفاضة أتاحت للمرأة الفلسطينية، في سياق شحّ الموارد وإغلاق المدارس والمؤسسات، أن تملأ الفراغ التنظيمي بصورة لم تكن مألوفة قبلاً في المجتمع الفلسطيني المحافظ [18]. وكانت النساء في طليعة المحتجين الذين واجهوا الجنود الإسرائيليين، وكنّ يؤدّين دوراً محورياً في تنظيم التعليم الشعبي غير الرسمي حين أغلقت إسرائيل المدارس والجامعات لشهور متواصلة.
أساليب الانتفاضة وأشكال المقاومة
١. الحجارة: سلاح رمزي وأداة نضالية
اكتسبت الانتفاضة الأولى اسمها الشعبي “انتفاضة الحجارة” من توظيف الحجارة سلاحاً رئيسياً في مواجهة الجنود والمركبات الإسرائيلية. وللحجارة في هذا السياق دلالة رمزية عميقة تتجاوز وظيفتها “العسكرية” المحدودة: فالفلسطيني الذي يرفع حجارة أرضه في وجه دبابات الاحتلال يُجسّد معادلة التكافؤ الأخلاقي بين المظلوم والظالم. وقد التقطت كاميرات الصحفيين الأجانب هذه المشاهد ونشرتها على نطاق واسع، مما أربك الدعاية الإسرائيلية التي كانت تُصوّر الفلسطينيين دائماً بوصفهم إرهابيين، في حين بدت الصورة الآن بيّنة: جنود مدججون بالسلاح يطاردون أطفالاً بأيدٍ تحمل الحجارة [19].
٢. العصيان المدني والمقاطعة الاقتصادية
لم تكن الانتفاضة الأولى ظاهرةً “عسكرية” بالمعنى الدقيق، بل كانت حركة عصيان مدني شاملة اعتمدت طيفاً واسعاً من الأساليب السلمية وشبه السلمية: الإضرابات الشاملة التي كانت تشلّ الحياة التجارية والاقتصادية في الأراضي المحتلة، ومقاطعة البضائع والمنتجات الإسرائيلية، ورفض الفلسطينيين دفع الضرائب الإسرائيلية، وإطفاء أضواء المحلات التجارية وإغلاقها في أيام الإضراب. كما تجلّى العصيان في أشكال رمزية لها معناها العميق، كإلقاء بطاقات الهوية الإسرائيلية وبطاقات التصاريح الأمنية، ورفض العمل في إسرائيل كشكل من أشكال رفض التبعية الاقتصادية [20].
وفي المقابل، طوّر الفلسطينيون في هذه المرحلة نماذج للاعتماد الذاتي محلياً: زراعة الحدائق المنزلية لتوفير الغذاء وقت الإضراب، وإنشاء “مدارس شعبية” سرية في البيوت والمساجد حين أغلقت إسرائيل المؤسسات التعليمية الرسمية لفترات مطوّلة، وبناء شبكات تضامن محلية تتكفّل بالعائلات التي اعتُقل معيلوها أو استُشهدوا. وقد أعطى هذا النموذج التضامني الشعبي الانتفاضةَ قدرتها على الاستدامة والصمود لسنوات متواصلة.
الردّ الإسرائيلي على الانتفاضة
١. سياسة “كسر العظام”
كان إسحاق رابين وزيراً للدفاع في الحكومة الإسرائيلية حين اندلعت الانتفاضة، وهو الذي وضع تعليمات صريحة وموثّقة لقواته بتكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين. وقد تفاخر رابين بهذه السياسة علناً في نقاش انتخابي عام 1988، حين قال: “260 فلسطينياً قتلوا في الشهرين الماضيين، وسبعة آلاف جُرحوا، وثمانية عشر ألفاً اعتُقلوا” [21]. وتمثّلت هذه السياسة عملياً في اعتقال الشباب الفلسطيني وأخذهم بعيداً عن الأنظار، ثم كسر أذرعهم وأرجلهم بأعقاب البنادق والأدوات المعدنية، وذلك بحجة منعهم من رمي الحجارة مستقبلاً [22].
وقد وثّقت منظمة بتسيلم وغيرها من منظمات حقوق الإنسان حالات عديدة موثّقة لكسر عظام الأطفال والشباب الفلسطينيين. وأدانت الأمم المتحدة الممارسات الإسرائيلية، وصدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 605 في الثاني والعشرين من ديسمبر 1987 يدين الانتهاكات الإسرائيلية. كذلك أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي ريغان —على غير عادتها في الانحياز الكامل لإسرائيل— بياناً ندّدت فيه بـ”التدابير الأمنية القاسية والاستخدام المفرط للذخيرة الحية” [23].
٢. الاعتقالات التعسفية وهدم المنازل والترحيل
وثّقت منظمة بتسيلم في تقريرها التفصيلي الصادر عام 1998 بمناسبة مرور عشر سنوات على الانتفاضة، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت منذ بدء الانتفاضة ما لا يقل عن 1318 فلسطينياً، منهم 802 في الضفة الغربية و492 في قطاع غزة. وأوضح التقرير أن 21% من القتلى كانوا أطفالاً دون سن الثمانية عشرة [24]. وإلى جانب القتل، استخدمت إسرائيل أدوات قمعية أخرى متنوعة: هدم منازل عائلات المقاومين، وإغلاق الجامعات والمدارس لفترات بلغت في بعض مراحلها أشهراً متواصلة، وإبعاد قيادات وشخصيات فلسطينية إلى خارج الأراضي المحتلة (الترحيل القسري)، وإعلان مناطق بأكملها “مناطق عسكرية مغلقة” يُمنع التجوّل فيها.
استُخدم كذلك العقاب الجماعي وسيلةً ممنهجة: قطع الكهرباء عن الأحياء والمخيمات أو فرض حظر التجول لأيام متواصلة، وتجريف الأراضي الزراعية وقطع أشجار الزيتون. وقد أدانت هذه الممارسات منظماتُ حقوق الإنسان الدولية باعتبارها انتهاكات صريحة لاتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الاحتلال الحربي، غير أن الموقف الغربي المحابي لإسرائيل عيّق أي محاسبة فعلية.
منذ بداية الانتفاضة، قُتل 1318 فلسطينياً على يد قوات الأمن الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وتوفّي أربعة وعشرون آخرون في أثناء الاحتجاز أو الاستجواب. وقد أدى 21% من القتلى حياتهم وهم أطفال.
— تقرير بتسيلم: عقد من الانتهاكات، يناير 1998
التداعيات السياسية وإعلان الدولة الفلسطينية
١. انتفاضة الداخل وقيادة الخارج: علاقة متوترة
أفرزت الانتفاضة توتراً دقيقاً، بل أحياناً جلياً، بين قيادة الداخل الفلسطيني المتجسّدة في القيادة الوطنية الموحدة، وبين قيادة الخارج المتمثّلة في المكتب السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس بزعامة ياسر عرفات. فقد كان أعضاء الكثير من الكادرات القيادية في الداخل قد نُفيوا أو اعتُقلوا بحلول عام 1987، مما أضعف الحضور الرسمي لمنظمة التحرير داخل الأراضي المحتلة. وحاولت قيادة تونس تأكيد سيطرتها على توجيهات القيادة الموحدة بصورة متدرّجة، ونجحت في ذلك إلى حدٍّ بعيد في المراحل المتأخرة من الانتفاضة [25].
٢. إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة نوفمبر 1988
كان أبرز الثمار السياسية المباشرة للانتفاضة —وربما أكثرها دلالةً وتاريخيةً— إعلانُ الدولة الفلسطينية المستقلة في الخامس عشر من نوفمبر 1988، في إطار جلسة استثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني عُقدت في الجزائر العاصمة. قرأ ياسر عرفات إعلان الاستقلال مستنداً إلى قرار الأمم المتحدة رقم 181 (قرار التقسيم عام 1947) معلناً قيام “دولة فلسطين” على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مع القبول الضمني بمبدأ الدولتين ومبدأ الاعتراف بإسرائيل في حدود ما قبل 1967. وكانت الانتفاضة الشعبية المندلعة في الداخل هي ورقة الضغط الدولية التي أتاحت هذا الإعلان التاريخي وأعطته ثقلاً وقوةً لم يكن ليحوزها بمعزل عن النضال الميداني [26].
أعقب إعلان الاستقلال اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية من قِبَل أكثر من مئة دولة، وفي مقدّمتها الدول العربية والإسلامية ودول حركة عدم الانحياز. واعترف المجلس الوطني الفلسطيني في السياق ذاته بقرار مجلس الأمن رقم 242 وقرار رقم 338، في خطوة اعتُبرت قبولاً ضمنياً بمبدأ الاعتراف بإسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. وقد كان ذلك تحوّلاً استراتيجياً بالغ الأثر في المسار السياسي الفلسطيني، وإن ظل مثار جدل حاد في الداخل الفلسطيني حتى اليوم.
من مؤتمر مدريد إلى اتفاقية أوسلو
١. مؤتمر مدريد 1991: المسار الدبلوماسي يفتح
أسهمت الانتفاضة في إجبار المجتمع الدولي على إيلاء القضية الفلسطينية اهتماماً لم تحظَ به منذ سنوات. وفي أكتوبر 1991، انعقد مؤتمر مدريد للسلام في العاصمة الإسبانية، برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (قبيل انهياره)، وهو أول مؤتمر دولي يلتقي فيه ممثلون فلسطينيون وإسرائيليون وجهاً لوجه في إطار رسمي [27]. وقد ترأس الوفد الفلسطيني الدكتور حيدر عبد الشافي، وكان ممثلاً ضمن وفد أردني-فلسطيني مشترك نظراً لرفض إسرائيل المشاركة المباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وبالرغم من أن مؤتمر مدريد لم يُفضِ إلى نتائج مباشرة، فإنه أسّس لمرجعية التفاوض التي انبثقت منها لاحقاً محادثات أوسلو السرية.
٢. أوسلو: النهاية الرسمية للانتفاضة وبداية مرحلة جديدة
في أعقاب مؤتمر مدريد، جرت في أوسلو النرويجية محادثات سرية وغير رسمية، بين أكاديميين إسرائيليين مفوّضين من وزارة الخارجية الإسرائيلية وممثلين فلسطينيين من قيادة منظمة التحرير. وعلى رأس الجانب الفلسطيني كان أحمد قريع (أبو علاء)، وعلى الجانب الإسرائيلي أسهم شمعون بيريز في دفع المسار سراً. أثمرت تلك المفاوضات المضنية عن “إعلان المبادئ” الذي وُقّع في البيت الأبيض في الثالث عشر من سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وتوقيع إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي وياسر عرفات رئيس منظمة التحرير [28].
تضمّن الاتفاق اعترافاً متبادلاً: فلسطين تعترف بإسرائيل دولةً، وإسرائيل تعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني. وقضى بإقامة سلطة حكم ذاتي فلسطيني مؤقتة في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تُحسم قضايا الوضع النهائي —كالقدس واللاجئين والمستوطنات والحدود— في مفاوضات لاحقة. وقد أنهى هذا الاتفاق رسمياً حقبة الانتفاضة الأولى، غير أن جدله السياسي لا يزال حياً حتى اليوم، ويرى كثير من المحللين أن ثماره لم ترقَ إلى مستوى تضحيات الانتفاضة وآمالها [29].
الأثر الدائم والإرث التاريخي للانتفاضة
١. الانتفاضة وتحوّل الرأي العام الدولي
ترك الحضور المكثّف لكاميرات الصحافة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان في مشاهد الانتفاضة أثراً بالغاً في توجيه الرأي العام الغربي نحو التعاطف مع الحقوق الفلسطينية. فالصور التي نُقلت حول العالم —طفل يواجه جنديًا مسلحاً، أم ترفع صبياً مكسور الذراع، أحياء تحترق— فرضت أجندة إعلامية لا يمكن لأي دبلوماسية أن تتجاهلها. وكانت هذه الصورة الإعلامية إحدى أهم الأسلحة غير المادية للانتفاضة، وقد استقطبت حركات تضامن واسعة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا ودول عديدة [30].
٢. الأثر على البنية السياسية الفلسطينية
على الصعيد الداخلي الفلسطيني، أفرزت الانتفاضة تحوّلات بنيوية عميقة: فقد رسّخت مفهوم “القيادة الداخلية” في مواجهة قيادة المنفى، وأثبتت أن الشعب الفلسطيني المحتل قادر على قيادة نفسه وإدارة كفاحه. كما أنشأت الانتفاضة نماذج للتنظيم الشعبي المحلي من خلال اللجان الشعبية، شكّلت بذرةً ناضجة لمؤسسات الحكم الذاتي التي نشأت لاحقاً بموجب اتفاقية أوسلو. وعلى الصعيد الفصائلي، أسهمت الانتفاضة في صعود حماس وتمكّنها من الحضور في المشهد السياسي الفلسطيني على حساب سلطة منظمة التحرير التقليدية [31].
٣. الانتفاضة في الذاكرة الجمعية والأدب والفن
تركت الانتفاضة الأولى بصمةً لا تُمحى في الوجدان الثقافي والأدبي الفلسطيني والعربي. وانعكس ذلك في موجة من الشعر والأغنية الوطنية والرواية والفن التشكيلي والسينما. وقد كتب الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش قصائد من أعمق ما نُظم في مجال الهوية والمقاومة متأثراً بأجواء الانتفاضة، وهكذا فإن الانتفاضة لم تكن حدثاً سياسياً-أمنياً فحسب، بل كانت تعبيراً حضارياً وجودياً عن شعب يُصرّ على أن يكون. وقد أصبح “طفل الحجارة” رمزاً أيقونياً عالمياً لمقاومة الاحتلال، تردّد صداه في ثقافات مختلفة عبر الصور والأفلام والأدب المقارن.
٤. تقييم الانتفاضة وجدلها المستمر
يختلف المؤرّخون والمحللون في تقييم حصاد الانتفاضة الأولى: هل حقّقت ما كانت تطمح إليه؟ يرى فريق أن الانتفاضة أنجزت تحولاً استراتيجياً كاسحاً، إذ أجبرت إسرائيل على الاعتراف بالفلسطينيين ومنظمة التحريرهم شعباً له حقوق، وأثمرت عن مسار السلام الذي تجسّد في مدريد وأوسلو. ويرى فريق آخر أن الانتفاضة —رغم عظمتها الشعبية وتضحياتها الجسيمة— انتهت إلى اتفاقية أوسلو التي أعادت تشكيل الاحتلال بدلاً من تفكيكه، وأقامت سلطة حكم ذاتي منقوص السيادة فوق جزء من الأرض، مع إبقاء قضايا الجوهر معلّقة. ويرى المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد أن أوسلو كانت “إعلاناً فلسطينياً بالاستسلام” أكثر مما كانت انتزاعاً للحقوق [32].
في نهاية المطاف، يبقى الإنجاز الأكبر للانتفاضة الأولى إنجازاً بشرياً وأخلاقياً في المقام الأول: شعب يرفض الخضوع لمنطق الأمر الواقع، يُثبت للعالم أنه حيٌّ وحاضر ومُصرٌّ على حقه، حتى حين لا يملك سوى الحجارة سلاحاً. وقد غدت الانتفاضة الأولى نموذجاً مرجعياً في دراسات المقاومة الشعبية وحركات التحرر الوطني على الصعيد الأكاديمي الدولي، وستبقى صفحةً مضيئة مؤلمة في الوقت ذاته من التاريخ الفلسطيني والإنساني.