اتفاقية الطائف — المعروفة رسمياً بـ”وثيقة الوفاق الوطني” — هي الاتفاقية التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية الممتدة بين عامَي 1975 و1990، وأرست إطاراً دستورياً وسياسياً جديداً لا يزال يحكم الجمهورية اللبنانية حتى اليوم. وُقِّعت الاتفاقية في الثاني والعشرين من أكتوبر 1989 في مدينة الطائف السعودية، بعد مفاوضات مضنية استمرت أسابيع جمعت النواب اللبنانيين الناجين من برلمان عام 1972، بوساطة سعودية مباشرة وتأثير سوري وأمريكي موازٍ، تحت إشراف الجامعة العربية. وقد أعادت الاتفاقية توزيع السلطة السياسية بين الطوائف اللبنانية من خلال تعديلات جوهرية: فخفّضت صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني وعزّزت سلطة مجلس الوزراء والرئيس السني للحكومة، وعدّلت نسبة التمثيل البرلماني من 6:5 لصالح المسيحيين إلى المناصفة التامة 50:50 بين المسيحيين والمسلمين، ورفعت عدد مقاعد البرلمان من 99 إلى 128. كذلك ألزمت المليشيات جميعها بالحل والتسريح — باستثناء حزب الله الذي احتفظ بسلاحه بذريعة المقاومة ضد إسرائيل — وأقرّت بـ”علاقات مميزة” بين لبنان وسوريا، مانحةً دمشق ضمنياً دوراً محورياً في إدارة المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من أن الاتفاقية أنجزت ما عجزت عنه عقود من الدم والنار — وهو إيقاف الاقتتال — فإنها في الوقت نفسه أرّخت الطائفية في الدستور بدلاً من اجتثاثها، ومنحت أمراء الحرب شرعية سياسية بدلاً من محاسبتهم، وأخضعت الدولة اللبنانية لوصاية سورية امتدت حتى عام 2005، لتُشكّل في مجملها الإرث المعقد الذي يثقل كاهل لبنان حتى اليوم.
| اتفاقية الطائف — وثيقة الوفاق الوطني | |
|---|---|
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | وثيقة الوفاق الوطني (Document of National Understanding) |
| تاريخ التوقيع | 22 أكتوبر 1989 |
| تاريخ التصديق البرلماني | 5 نوفمبر 1989 [1] |
| مكان المفاوضات | مدينة الطائف — المملكة العربية السعودية |
| رئيس المفاوضات | حسين الحسيني — رئيس مجلس النواب اللبناني (أبو الاتفاقية) |
| مدة الحرب التي أنهتها | 15 عاماً (1975–1990) |
| ضحايا الحرب الأهلية | 120,000 – 200,000 قتيل · نحو مليون مهجَّر [2] |
| الأطراف والرعاة | |
| الراعي الرئيسي | المملكة العربية السعودية (الأمير سعود الفيصل وزيراً للخارجية · رفيق الحريري وسيطاً) |
| المشرف الإقليمي | الجامعة العربية — لجنة ثلاثية (المغرب · الجزائر · السعودية) |
| الدور السوري | حافظ الأسد — مؤثر ومُنفِّذ رئيسي للاتفاقية بعد توقيعها |
| الدور الأمريكي | دعم إدارة بوش الأب للاتفاقية وإضفاء الشرعية الدولية عليها |
| المشاركون اللبنانيون | 62 نائباً من أصل 73 ناجياً من برلمان 1972 |
| أبرز الإصلاحات السياسية | |
| التمثيل البرلماني | من نسبة 6:5 (مسيحي:مسلم) → مناصفة 50:50 تامة [3] |
| مقاعد البرلمان | من 99 مقعداً → 128 مقعداً (64 مسيحياً + 64 مسلماً) |
| رئاسة الجمهورية | تقليص صلاحياتها لصالح مجلس الوزراء — تبقى مارونية |
| رئاسة الحكومة | تعزيز صلاحياتها — تبقى سنية |
| رئاسة مجلس النواب | تمديد ولايتها من سنة إلى أربع سنوات — تبقى شيعية |
| المليشيات | حلّ جميع المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية — باستثناء حزب الله |
| الانسحاب السوري | مُقرَّر في غضون عامين — لم يتحقق فعلياً حتى 2005 [4] |
| المسار اللاحق | |
| انتخاب رنيه معوض | 5 نوفمبر 1989 — اغتيل بعد 17 يوماً |
| انتخاب الياس الهراوي | 24 نوفمبر 1989 — أكمل التسوية |
| حلّ المليشيات رسمياً | عام 1991 بموجب مرسوم حكومي |
| دمشق تُقصي ميشال عون | 13 أكتوبر 1990 — هجوم جوي على القصر الجمهوري |
| الانسحاب السوري | أبريل – يونيو 2005 (عقب اغتيال الحريري وثورة الأرز) |
الجذور التاريخية: لبنان والميثاق الوطني ١٩٤٣
لا يمكن فهم اتفاقية الطائف فهماً عميقاً دون الغوص في البنية التأسيسية للدولة اللبنانية منذ استقلالها عام 1943؛ إذ إن اتفاقية الطائف ما هي في جوهرها إلا محاولة لإصلاح النظام الطائفي الذي أرساه الميثاق الوطني عام 1943، بعد أن انفجر ذلك النظام حرباً أهلية مدمرة دامت خمسة عشر عاماً. فقد استند لبنان منذ استقلاله عن الانتداب الفرنسي على اتفاق غير مكتوب بين الرئيس بشارة الخوري (ماروني) ورئيس الوزراء رياض الصلح (سني)، عُرف بـ”الميثاق الوطني”، وحدّد توزيع السلطة وفق المبادئ الآتية: رئاسة الجمهورية لماروني، ورئاسة الحكومة لسني، ورئاسة مجلس النواب لشيعي، مع تخصيص مقاعد البرلمان بنسبة 6:5 لصالح المسيحيين اعتماداً على إحصاء عام 1932 الذي أجرته سلطة الانتداب الفرنسي[5].
كان هذا النظام الطائفي يفترض توازناً ديموغرافياً ثابتاً بين الطوائف، وكان يستطيع الاستمرار ما دامت الأوزان السكانية النسبية لكل طائفة تتوافق مع حصتها السياسية. غير أن عقوداً من التحولات الديموغرافية جعلت المسلمين أغلبية سكانية متزايدة دون أن تنعكس هذه الأغلبية في التمثيل السياسي الذي ظل مجمّداً عند إحصاء 1932. وبمرور الوقت، شعرت الطوائف الإسلامية — ولا سيما الشيعة الذين باتوا الطائفة الأكبر عدداً — بأنها مُهمَّشة وأن النظام يُكرّس تفوقاً مسيحياً لم يعد يعكس الواقع السكاني الحقيقي. وكان الحرمان الاجتماعي والاقتصادي يتركز في الغالب في المناطق ذات الكثافة المسلمة والشيعية بصورة خاصة، بينما كانت مؤسسات الدولة ورأس المال يتمركزان في يد الطبقة الموارونية والبرجوازية البيروتية.
وبعد عام 1948، أضافت النكبة الفلسطينية وتدفّق اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بُعداً جديداً لتعقيد المعادلة الطائفية؛ إذ بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بحلول عام 1975 ما يزيد على ثلاثمئة ألف شخص، معظمهم من المسلمين، ينتشرون في مخيمات تُمثّل دولة داخل الدولة. وعقب أحداث أيلول الأسود 1970 التي طُرد إثرها المسلحون الفلسطينيون من الأردن، تحوّل لبنان إلى القاعدة الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي باتت تعمل بصورة شبه مستقلة من المخيمات، مستجلبةً الغارات الإسرائيلية على لبنان، ومُعقِّدةً المشهد الأمني والسياسي الداخلي، ومُقوِّيةً موقف الفصائل الإسلامية المؤيدة للقضية الفلسطينية في مواجهة المسيحيين الرافضين لوجود الفصائل المسلحة[6].
الحرب الأهلية اللبنانية ١٩٧٥–١٩٩٠: خمسة عشر عاماً من النار
في الثالث عشر من أبريل 1975، اعترضت ميليشيا الكتائب المارونية بقيادة بيار الجميل حافلةً تقل فلسطينيين في منطقة عين الرمانة في بيروت، وفتحت عليها النار فقتلت سبعة وعشرين شخصاً. كان ذلك الاعتداء الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية في بلد مشحون أصلاً بالتوترات، إذ سرعان ما تحوّل إلى مواجهات طائفية شاملة بين تحالف القوى اليمينية الانعزالية المسيحية بقيادة الجبهة اللبنانية، وتحالف الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط الممثّل للفصائل اليسارية والتقدمية الإسلامية والفلسطينيين. وقسّمت الخطوط الأمامية بيروت إلى شطرين: غربي مسلم وشرقي مسيحي، وصارت كل منطقة إمارةً مسلحة يحكمها أمير ميليشيا.
كانت الحرب اللبنانية لافتة بتحوّلاتها المتقلّبة والمدهشة في التحالفات، إذ سرعان ما بات يقاتل “الجميع ضد الجميع” وفق تعبير المؤرخين. فسوريا الأسد تدخّلت عام 1976 لأسباب تتعلق بتوازن المصالح الإقليمية، مدعومةً بقرار جامعة عربية. وإسرائيل اجتاحت جنوب لبنان عام 1978 وعام 1982، وأقامت في الجنوب منطقة أمنية بوساطة جيش لبنان الجنوبي الانفصالي بقيادة أنطوان لحد. وإيران دعمت تأسيس حزب الله في مطلع الثمانينيات في أعقاب ثورتها الإسلامية، وحوّله جناحاً عسكرياً وأيديولوجياً لها في لبنان. وتنازع داخل كل طائفة بين فصائلها بنفس الشراسة: فاقتتل المسيحيون في حرب الإلغاء بين عون والقوات اللبنانية، وتصارع الأمل وحزب الله على السيطرة الشيعية في “حرب الإخوة” بين 1988 و1990[7].
في عام 1988، أفضى انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل دون التوافق على خلف له إلى أزمة دستورية حادة: فعيّن الجميل قبيل مغادرة القصر الجمهوري الجنرال ميشال عون قائداً للجيش رئيساً انتقالياً للحكومة، فيما رفض رئيس الوزراء سليم الحص المسلم الاعتراف بهذا التعيين الذي يُخالف اتفاق الطائف المستقبلي وروح الميثاق الوطني. وأعلن عون “حرب التحرير” ضد السوريين في فبراير 1989، رافضاً مبدأ التدخل السوري ومطالباً بخروجه. وقد قسّم هذا الموقف المسيحيين أنفسهم بين مؤيد ومعارض، وجعل من عون عقبةً أمام أي تسوية تحظى بالرضا السوري، وهو ما سيُدفع ثمنه لاحقاً.
كان المشهد اللبناني في خريف 1989 مجموعة من الأزمات المتراكمة: دولة منهارة، وسلطة موزعة بين قادة ميليشيات، واقتصاد ممزق، وشعب أنهكه الموت والتهجير، ومبنى دستوري متصدع. بحلول ذلك الحين، كان الكثير من اللبنانيين يتوقون إلى أي حل يُوقف النزيف، حتى لو كان ذلك الحل بعيداً عن العدالة الكاملة أو المحاسبة الحقيقية.
الطريق إلى الطائف: المساعي الدبلوماسية ١٩٨٩
لم يأتِ مؤتمر الطائف من فراغ، بل سبقته جهود دبلوماسية عربية ودولية متعددة استمرت طوال سنوات الحرب. وقد شكّلت الجامعة العربية في مطلع 1989 “لجنة الثلاثة” المؤلفة من المغرب والجزائر والمملكة العربية السعودية للتوسط في الأزمة اللبنانية، غير أن الجهود الأولى اصطدمت بجدار الخلافات وتعقيد المصالح الإقليمية. وكان الدور السعودي مركزياً في هذه المرحلة؛ إذ كانت الرياض تنظر إلى استقرار لبنان بوصفه مصلحة استراتيجية تتعلق بحضورها وثقلها في الساحة العربية، وكانت في الوقت ذاته حريصة على منع التمدد الإيراني عبر لبنان. وقاد الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي مسيرة الوساطة، بمساعدة خفية لكنها فعّالة من رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري الذي كانت تربطه شبكة واسعة من العلاقات بزعماء لبنانيين وقيادات سعودية على حدٍّ سواء[8].
انعقد الإطار الدبلوماسي الفعلي للمفاوضات في سبتمبر 1989، حين توجّه ثلاثة وستون نائباً لبنانياً من أصل ثلاثة وسبعين ناجياً من برلمان عام 1972 — البرلمان الشرعي الأخير قبيل اندلاع الحرب — إلى مدينة الطائف. وكانت غياب بعض النواب ووفاة آخرين وتهديد بعض القوى المسلحة لبعضهم قد خفّضت العدد من 99 إلى ثلاثة وسبعين. وقد التأمت جلسات العمل والتداول بعيداً عن الضجيج الإعلامي في فنادق المدينة، تحت حراسة سعودية مشددة، في أجواء مزجت بين ثقل القرار وحساسية المواقف وضغط الساعة. وأدار المفاوضات رئيس مجلس النواب حسين الحسيني بمهارة دبلوماسية استثنائية، فجمع خيوط الخلافات المتشعبة ورعى المساومات الصعبة حتى بلغ البنيان بنيانه.
وعلى صعيد التأثيرات الخارجية على مسار المفاوضات، لعبت سوريا بحافظ الأسد دوراً مزدوجاً بالغ الدقة: فهي من ناحية أبدت موافقتها على الاتفاقية ودعمتها، ومن ناحية أخرى كانت تُدرك تماماً أن شروط الاتفاقية ستُضفي شرعيةً على وجودها العسكري في لبنان وتُقنّن نفوذها بدلاً من أن تُنهيه. والولايات المتحدة في عهد إدارة جورج بوش الأب كانت تُشجّع الاتفاقية وتدعمها، ليس لأنها تُحرّر لبنان بالضرورة، بل لأنها تُحوّل سوريا إلى شريك إقليمي مسؤول في ملف لبنان، وذلك في سياق التحوّلات التي رافقت نهاية الحرب الباردة وعملية إعادة ترتيب الشرق الأوسط.
بنود الاتفاقية: تشريح الوثيقة وإصلاحاتها
تضمّنت وثيقة الطائف محورين رئيسيين مترابطين: المحور الأول يشمل الإصلاحات الداخلية ويستحوذ على نحو ثلاثة أرباع حجم الوثيقة، والمحور الثاني يتناول علاقات لبنان الخارجية ولا سيما علاقته مع سوريا. وفيما يلي استعراض لأبرز هذه البنود وتفاصيلها:
أولاً — إعادة توزيع السلطة التشريعية: حوّلت الاتفاقية التركيبة التمثيلية في البرلمان من نسبة 6:5 لصالح المسيحيين التي كانت معمولاً بها منذ الميثاق الوطني عام 1943، إلى مناصفة تامة 50:50 بين المسيحيين والمسلمين. ورُفع عدد المقاعد من 99 إلى 108 مقاعد في البداية، ثم إلى 128 مقعداً عند التطبيق الفعلي. وكان هذا التعديل يهدف إلى الاعتراف بالتحولات الديموغرافية التي شهدها لبنان، وإن بقيت العلاقة مع عدد السكان الحقيقي موضع جدل إذ كانت المناصفة تمنح المسلمين نصف المقاعد رغم كونهم غالبية سكانية[9].
ثانياً — تحوّل في موازين السلطة التنفيذية: كان النظام السياسي اللبناني قبل الطائف ذا طابع شبه رئاسي، تتمركز فيه السلطة الفعلية في يد رئيس الجمهورية الماروني الذي يعيّن رئيس الحكومة وينهي عمله متى شاء، ويرئس جلسات مجلس الوزراء، ويتمتع بصلاحيات واسعة في التشريع والتنفيذ. وقد قلّصت اتفاقية الطائف صلاحيات رئاسة الجمهورية تقليصاً جوهرياً، وحوّلت النظام إلى نظام برلماني بالفعل، إذ انتقلت السلطة التنفيذية الفعلية إلى مجلس الوزراء الذي يصدر قراراته جماعياً، وأصبح رئيس الحكومة السني مسؤولاً عن الوزارة أمام البرلمان. كذلك مُدِّدت ولاية رئيس مجلس النواب من سنة واحدة إلى أربع سنوات متوازيةً مع ولاية البرلمان، مما عزّز موقع رئيس المجلس في المعادلة السياسية وجعله قوة مستقلة بحد ذاتها[10].
ثالثاً — إلغاء الطائفية السياسية كهدف مُؤجَّل: نصّت الاتفاقية صراحةً على أن “إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي”، وطالبت بتشكيل “هيئة وطنية” تتولى دراسة السُّبُل الكفيلة بتحقيق ذلك. غير أن الاتفاقية لم تُحدد أي جدول زمني ملزِم لهذا الإلغاء، ولم تُنشأ الهيئة المذكورة حتى اليوم. وقد فهم كثير من المحللين هذا البند على أنه “لفظي” موجّه لاسترضاء المطالبين بالإصلاح، دون التزام حقيقي بالمضي فيه. ولا يزال النظام الطائفي ماثلاً في لبنان بكامل حضوره حتى اللحظة.
رابعاً — حلّ المليشيات وإعادة بناء الجيش: ألزمت الاتفاقية جميع المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية المسلحة بتسليم سلاحها وحلّ نفسها، وأُصدر مرسوم الحل الرسمي عام 1991. وفعلاً، سلّمت معظم المليشيات الكبرى أسلحتها: القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل وغيرها. وأُعيد هيكلة الجيش اللبناني الذي انقسم خلال الحرب على خطوط طائفية، وصار مؤسسة وطنية تضم منتسبين من جميع الطوائف. غير أن حزب الله كان الاستثناء الفاقع الذي أخلّ بمنطق الاتفاقية كلها: إذ نصّت الاتفاقية ضمنياً على حق “قوى المقاومة” في مواصلة نضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما وظّفه حزب الله مسوّغاً للإبقاء على سلاحه وتطويره، متحوّلاً بمرور الوقت إلى “دولة داخل الدولة” تعجز الدولة اللبنانية عن احتوائها[11].
خامساً — العلاقات اللبنانية السورية: تضمّنت الاتفاقية محوراً كاملاً حول “العلاقات اللبنانية السورية”، ووصفتها بـ”العلاقات المميزة” المبنية على “التمييز والمصالح المشتركة”. وطالبت باتفاقيات ثنائية تنظّم هذه العلاقة في المجالين الأمني والسياسي. وعلى المستوى العملي، أُعطيت سوريا مهمة “مساعدة قوات الشرعية اللبنانية على بسط سلطة الدولة” على جميع الأراضي اللبنانية، وهو ما ترجمته دمشق إلى سلطة وصاية مديدة. وكانت الاتفاقية قد نصّت على انسحاب القوات السورية من لبنان في غضون عامين من إصدار الحكومة اللبنانية الجديدة لقانون الانتخابات، إلا أن سوريا لم تُجلِ قواتها فعلياً إلا في أبريل-يونيو 2005، بعد ستة عشر عاماً من توقيع الاتفاقية، وتحت وطأة الضغط الشعبي والدولي الهائل عقب اغتيال رفيق الحريري.
سادساً — الهوية العربية ورفض التوطين: أكدت الاتفاقية أن “لبنان عربي الانتماء والهوية”، وهو بند جاء لاسترضاء الطوائف المسلمة التي طالما رفضت الانعزالية المسيحية القائلة بأن لبنان دولة مسيحية شرقية محايدة في محيطها العربي. كذلك نصّت صراحةً على رفض التوطين الدائم للفلسطينيين في لبنان، وهو بند طالب به الجانب المسيحي بقوة حماية للتوازن الديموغرافي الطائفي الذي يُعدّ أصل المعادلة السياسية برمّتها.
ميشال عون وأزمة رفض الاتفاقية
لم يُجمع اللبنانيون على اتفاقية الطائف بصورة انعكست فيها الوحدة الوطنية المنشودة؛ إذ رفض الجنرال ميشال عون قائد الجيش اللبناني والقائم بأعمال رئيس الحكومة الاتفاقيةَ رفضاً مطلقاً، معتبراً إياها إذعاناً للوصاية السورية وتجاهلاً لمطالب المسيحيين الجوهرية في الحفاظ على صلاحيات رئيس الجمهورية. وتمترس عون في قصر بعبدا الجمهوري رافضاً الاعتراف بحكومة الهراوي التي جاءت الاتفاقية بها، فيما أيّده شطر من الرأي العام المسيحي الذي رأى في الاتفاقية تنازلاً مُهيناً.
في الثالث عشر من أكتوبر 1990، شنّت القوات الجوية السورية هجوماً على القصر الجمهوري في بعبدا ومواقع الجيش الموالي لعون، بمباركة أمريكية ضمنية في سياق التوافق الدولي على تفويض سوريا تطبيق الاتفاقية بالقوة. اضطر عون في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى السفارة الفرنسية في بيروت، ثم غادر في اليوم التالي إلى المنفى في فرنسا حيث أمضى خمسة عشر عاماً حتى عودته عام 2005. كان الانقسام المسيحي الداخلي — بين من رأى في عون بطلاً وطنياً ومن رآه عائقاً أمام السلام — يكشف عن عمق الجروح التي تتخطى مجرد توزيع المقاعد والصلاحيات.
“ذهبنا إلى الطائف وعدنا بسلام أعرج. أعطينا السلام كلمةً، ولم نُعطِه حقيقةً. أعطينا أمراء الحرب سلطةً مشروعة بدلاً من محاسبتهم، وأعطينا سوريا ولايةً قانونية على ما يجري في بيروت.”
— كرم كرم، باحث لبناني متخصص في شؤون المصالحة، معهد تعزيز السلام والتوافق المدني، تقرير مؤتمر برلين، 2003[12]
مرحلة ما بعد الطائف: اغتيال رنيه معوض والبداية المأساوية
في الخامس من نوفمبر 1989، انتخب البرلمان اللبناني النائب رنيه معوض رئيساً للجمهورية أول رئيس في عهد ما بعد الطائف، بعد 409 أيام من الفراغ الرئاسي. كان معوض سياسياً ماورانياً مستقلاً معروفاً بمواقفه المعتدلة وبراغماتيته، ويُنظر إليه بوصفه الرجل القادر على جمع الطوائف المختلفة. غير أن الأمل الذي أشعله انتخابه لم يدم سوى سبعة عشر يوماً: ففي الثاني والعشرين من نوفمبر 1989 — وهو عيد استقلال لبنان — اغتيل معوض بسيارة مفخخة في بيروت الغربية في عملية أودت بحياته وبحياة ثلاثة وعشرين شخصاً آخرين. ولم يتمّ التحقيق الرسمي الكامل في الجريمة حتى اليوم، وظلت أصابع الاتهام تُشير إلى أجهزة سورية رأت في معوض رئيساً غير خاضع بما يكفي لإملاءاتها[13].
خلف معوض رئيسُ الجمهورية الياس الهراوي في الرابع والعشرين من نوفمبر 1989، الذي حكم لبنان في ظل الوصاية السورية حتى عام 1998. وتلاه إميل لحود (1998–2007) ثم ميشال سليمان (2008–2014) قبل أن يبدأ لبنان مرحلة فراغات رئاسية مطوّلة جديدة كشفت عن عمق الأزمة البنيوية في النظام الذي جاءت به الاتفاقية. وفي عام 1991، أصدرت الحكومة مرسوم حلّ المليشيات، وانطلقت عملية إعادة بناء الجيش اللبناني وانتشاره التدريجي، فيما بدأت إعادة الإعمار الاقتصادي التي ارتبطت اسم رفيق الحريري رئيس الحكومة الذي أمسك بزمام الاقتصاد اللبناني منذ 1992.
الوصاية السورية: جوهر التطبيق ١٩٩٠–٢٠٠٥
مثّل الحضور السوري في لبنان بعد الطائف الوجه الحقيقي لتطبيق الاتفاقية، وكان هذا الحضور مزدوج الطابع: عسكري بإبقاء ما يتراوح بين ثلاثين وأربعين ألف جندي سوري منتشرين في مختلف المناطق اللبنانية، وسياسي باستئثار الاستخبارات السورية بدور محوري في صنع القرار اللبناني على كل المستويات، من تعيين الوزراء والنواب إلى توجيه السياسة الخارجية وتحديد هامش المعارضة المسموح بها. وكان كبار المسؤولين اللبنانيين يُقرّون ضمنياً — وبعضهم صراحةً — بأن لا قرار مصيرياً في بيروت يُتخذ دون مشورة دمشق أو بمخالفة رغبتها.
وقد وثّق باحثون لبنانيون وغربيون كثيرون هذه الحقبة وأثارت عناوين مثل “لبنان في ظل سوريا” و”الدولة ضمن الدولة” النقاش الأكاديمي والسياسي حول طبيعة الاتفاقية: هل كانت حقاً سلاماً لبنانياً أم أنها في حقيقتها تسوية إقليمية قايضت فيها القوى الكبرى السيادة اللبنانية بالاستقرار الإقليمي؟ فالولايات المتحدة التي أعطت مباركتها لاحتلال الكويت الذي قادت هي التحالف الدولي لإخراج العراق منه في عام 1991، قبلت في الوقت ذاته بما وصفه المنتقدون باحتلال سوري ناعم للبنان، لأن دمشق كانت شريكة في التحالف الدولي ضد العراق.
وكانت محطات عديدة تكشف هشاشة السيادة اللبنانية في تلك الحقبة: فاغتيال الصحفيين والسياسيين المعارضين للوصاية السورية كان يمر دون محاسبة، وكان الرئيس لحود المقرّب من دمشق يُجدَّد له خارج الأعراف الدستورية بضغط سوري صريح عام 2004، مما أثار موجة احتجاجات داخلية وانتقادات دولية حادة.
ثورة الأرز ٢٠٠٥ والانسحاب السوري: استحقاق متأخر
في الرابع عشر من فبراير 2005، اغتيل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بعبوة ناسفة ضخمة في قلب بيروت راح ضحيتها معه نحو عشرين شخصاً. كان اغتيال الحريري، الرجل الذي أعمار بيروت ما بعد الحرب والذي كان قد انشقّ عن الوصاية السورية في مرحلة متأخرة، الشرارة التي أشعلت ما عُرف بـ”ثورة الأرز” أو “انتفاضة الاستقلال”. تدفّق الملايين إلى شوارع بيروت مطالبين بانسحاب القوات السورية وكشف حقيقة المسؤولية عن الاغتيال، ووقف بجانبهم الرأي العام الدولي والقرار الأممي 1559 الذي طالب بالانسحاب السوري وبنزع سلاح الميليشيات.
تحت هذا الضغط الشعبي والدولي الهائل، أجلت سوريا قواتها من لبنان في أبريل ويونيو 2005 — بعد خمسة عشر عاماً على التزام المقرر في الاتفاقية والمحدود بعامين. وكان الانسحاب نهايةً لحقبة الوصاية المباشرة، وإن ظلّت سوريا تحتفظ بنفوذ غير مباشر واسع عبر حلفائها في الداخل اللبناني. وشكّلت عودة ميشال عون من المنفى في مايو 2005 مشهداً درامياً، حين هبط في مطار بيروت ليجد نفسه سياسياً في مرحلة جديدة، وأطلق ما فاجأ كثيرين: تحالفه مع حزب الله في عام 2006، في منعطف يُجسّد التحولات الحادة في خريطة التحالفات اللبنانية.
الإرث والانتقادات: ما أنجزته الاتفاقية وما أخفقت فيه
يقف المحللون والباحثون في شأن الطائف أمام سؤال جوهري: هل أنقذت الاتفاقية لبنان أم أنها أدامت أزمته بصيغة أقل دموية؟ ويبدو الجواب الأمين أن الاتفاقية فعلت الاثنين معاً في آن واحد.
على صعيد ما أنجزته، أوقفت الاتفاقية الحرب الأهلية وسيلان الدم، وهو إنجاز هائل بأي مقياس بعد خمسة عشر عاماً من المجازر والدمار. وأعادت الشرعية الدستورية لمؤسسات الدولة اللبنانية، وأسّست لمناصفة طائفية تُعبّر بشكل أدق عن الواقع الديموغرافي من النسبة القديمة. وأجرت إصلاحاً في موازين القوى بين المواقع الرئاسية الثلاث، وأرست نهجاً للتوافق الطائفي كآلية للحوكمة. وفيما يخص المليشيات، نجحت الاتفاقية في حلّ معظمها وإعادة الجيش الوطني مؤسسةً جامعة، وهو إنجاز لم يكن مضموناً.
أما على صعيد الإخفاقات البنيوية، فثمة جملة من الثغرات الجوهرية يُجمع عليها المحللون: فالاتفاقية كرّست الطائفية ومأسستها في الدستور بدلاً من أن تضع لها جدولاً زمنياً ملزِماً للتجاوز. وأعطت أمراء الحرب والزعماء الطائفيين شرعية سياسية جديدة بدلاً من محاسبتهم، فتحوّلوا من قادة ميليشيات إلى زعماء أحزاب يتوارث أبناؤهم نفوذهم بعدهم، مُرسِّخين نظام المحاصصة والزبائنية السياسية. واستثنى سلاح حزب الله من حلّ المليشيات، مما خلق تناقضاً بنيوياً في منطق الاتفاقية بين سلطة الدولة وشرعية المقاومة المسلحة[14]. وأضفى شرعيةً على الوصاية السورية بدلاً من تقييدها ووضع آليات تنفيذ فعلية للانسحاب. وبالنتيجة، بنت الاتفاقية نظاماً قادراً على توزيع الغنيمة وعاجزاً عن بناء الدولة، وهو ما تجلّى في الانهيار الاقتصادي الكارثي عام 2019 وما أعقبه.
وفي أكتوبر 2019، خرجت مليونية لبنانية غاضبة في شوارع بيروت وسائر المدن اللبنانية تحت شعار “كلن يعني كلن”، رفضاً للطبقة السياسية الطائفية الحاكمة منذ عهد الطائف، ومطالبةً بدولة مدنية خارج منطق المحاصصة. كانت تلك الانتفاضة شهادةً شعبية صاخبة على أن اتفاقية الطائف، رغم إيقافها الحرب، لم تُؤسّس لدولة. وقد أتت انفجار مرفأ بيروت المروّع في الرابع من أغسطس 2020 لتكشف بصورة مأساوية وفاجعة عن حجم انهيار الدولة وغياب المحاسبة وتآكل السيادة الحقيقية الذي صنعه نظام الطائف على مدى ثلاثة عقود.
“اتفاقية الطائف أسدلت ستار الحرب، لكنها لم تُطفئ أسبابها. هي وثيقة صُنعت لتُوقف الاقتتال لا لتبني الوطن، فأوقفت الاقتتال، وأجّلت الوطن.”
— زياد بارود، وزير الداخلية اللبناني الأسبق وكاتب سياسي لبناني بارز، مقابلة مع مجلة السفير، 2019
اتفاقية الطائف في ضوء الأزمة اللبنانية المفتوحة
في عام 2026، يعيش لبنان في ظل أزمة عميقة متشعبة الأبعاد — اقتصادية وسياسية وأمنية — تجعل السؤال عن مستقبل اتفاقية الطائف سؤالاً محورياً لا يمكن تأجيله. فمن ناحية، لا يزال الإطار الدستوري الذي أرسته الاتفاقية قائماً وما زال التزام المناصفة الطائفية وتوزيع الرئاسات الثلاث حجر الزاوية الذي يقوم عليه النظام. ومن ناحية أخرى، تتصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة شاملة للاتفاقية أو بتجاوزها في اتجاه نظام غير طائفي أو لا مركزي.
وتظل المعضلة الكبرى أن الاتفاقية لم تُعالَج جراحها بالإصلاح الداخلي الجاد، بل جرى الحفاظ عليها بحجة أنها الصيغة الوحيدة التي تضمن “التعايش” — وهي حجة تُوظّفها الطبقة السياسية الطائفية لصالح استمرار وجودها ونفوذها. ويُلاحظ المراقبون أن حزب الله — أكبر قوة طائفية مسلحة في لبنان اليوم بعد أن أضعفته الحرب في غزة عام 2024 وما تبعها — ما زال العقبة الكبرى أمام أي تطبيق حقيقي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة الذي نصّت عليه الاتفاقية. وهكذا يبدو لبنان اليوم في موقف مفارق: اتفاقية تُؤطّر نظامه منذ 1989، وواقع يُكذّب مقاصدها المُعلنة في كل مناسبة.