جذور الفكرة: من سولفيرينو إلى أول معاهدة إنسانية

في الرابع والعشرين من يونيو عام 1859م، اشتبكت جيوش فرنسا وسردينيا والنمسا في معركة ضارية عند بلدة سولفيرينو الإيطالية الصغيرة في منطقة لومباردي، وهي معركة راح ضحيتها أكثر من أربعين ألف قتيل وجريح في يوم واحد. لم يكن هذا الصدام شأنه شأن سائر الحروب؛ فقد صادف أن تاجراً سويسرياً شاباً من جنيف اسمه هنري دونان (1828-1910م) كان يُسافر عبر تلك المنطقة ساعياً للقاء الإمبراطور نابليون الثالث بحثاً عن دعم لمشاريع تجارية له في الجزائر الفرنسية. وصل دونان إلى قاسقياتو القريبة من سولفيرينو بُعيد وقف إطلاق النار مباشرةً، ليجد نفسه أمام مشهد من الجحيم: عشرات الآلاف من الجرحى ملقون على أرض المعركة دون رعاية طبية كافية، يموتون من ألمهم وعطشهم وجروحهم المهملة، في غياب شبه تام لأي منظومة إسعاف أو رعاية إنسانية منظمة[9].

لم يُغادر دونان ذلك الموقع؛ بل بادر إلى تنظيم سكان القرى المجاورة لتقديم العون للجرحى بصرف النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم، رافعاً شعاراً بسيطاً لكنه ثوري: “كلهم إخوة”. شهد دونان الحياة تُفارق رجالاً كان بالإمكان إنقاذهم لو توفّرت رعاية بسيطة، وسمع أصوات استغاثة تُلفظ أنفاسها في صمت لا يعرفه إلا أرض المعارك. حمل تلك الصدمة في قلبه عائداً إلى جنيف، ثم سكبها في كتاب صدر عام 1862م بعنوان “ذكرى سولفيرينو” (A Memory of Solferino)، طبع منه 1600 نسخة على نفقته الخاصة ووزّعها على القادة السياسيين والعسكريين في أوروبا[10].

اقترح دونان في كتابه فكرتَيْن ثوريتَيْن وضعتا أساس القانون الإنساني الحديث: الأولى أن تُنشئ الدول في أوقات السلم جمعيات تطوعية مستعدة لمساندة الخدمات الطبية العسكرية في زمن الحرب بصورة محايدة وغير منحازة، والثانية أن تتفق الدول على معاهدة دولية تضمن الحماية لهذه الجمعيات وللمسعفين والجرحى على أرض المعركة. وقعت هاتان الفكرتان كالبذرة في أرض خصبة؛ فأسّست لجنة الرفاه العام في جنيف مجموعة عمل عام 1863م كانت جنين اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعقدت تلك اللجنة في أكتوبر 1863م مؤتمراً دولياً حضرته 36 ممثلاً من 16 دولة، وُضعت فيه اللبنات الأولى للحركة الدولية للصليب الأحمر وجُهّزت لعقد مؤتمر دبلوماسي رسمي في العام التالي[11].

في أغسطس 1864م، دعت الحكومة السويسرية ممثلين حكوميين من سائر أنحاء أوروبا والولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك إلى مؤتمر دبلوماسي في جنيف. في الثاني والعشرين من أغسطس 1864م، وقّعت اثنتا عشرة دولة على أول اتفاقية جنيف في التاريخ، رسمياً سُمِّيت “الاتفاقية الخاصة بتحسين حال الجرحى من الجيوش في الميدان” وكانت تتضمن عشر مواد فقط أرست المبادئ التأسيسية: حياد المنشآت الطبية وعدم استهدافها في الحرب، والمعاملة المتساوية لجميع المقاتلين الجرحى بصرف النظر عن انتمائهم، وحماية المسعفين المدنيين، واعتماد رمز الصليب الأحمر على خلفية بيضاء شارةً دوليةً للحماية. لاحقاً، نال دونان نفسه جائزة نوبل للسلام عام 1901م تقديراً لجهوده، وإن كان قد مرّ بسنوات من الفقر والنسيان قبل أن يلتفت إليه العالم مجدداً[12].

تطور الاتفاقيات: من 1864م إلى 1949م — قرن من التحديث

لم تكن اتفاقية 1864م نقطة نهاية بل كانت نقطة انطلاق؛ إذ تعاقبت بعدها تعديلات وتوسعات تزامنت كل مرحلة منها مع حرب كشفت ثغرات في الصياغة القانونية السابقة أو مستجدات لم تكن متصوَّرة.

اتفاقية 1906م: بعد أن ثبت تطبيق اتفاقية 1864م في حروب الفترة الفاصلة بما فيها الحرب الفرنسية-البروسية (1870م) وغيرها، انعقد مؤتمر دبلوماسي في يوليو 1906م وتوصّل في السادس منه إلى اتفاقية محدّثة ومحسَّنة، عُرفت بـ”الاتفاقية الخاصة بتحسين حال الجرحى والمرضى في الجيوش الميدانية”، وكانت في جوهرها استبدالاً للاتفاقية الأولى وتوسيعاً لأحكامها وتدقيقاً في صياغتها. أضافت هذه الاتفاقية مواد جديدة عالجت ثغرات اكتُشفت في تطبيق الاتفاقية السابقة، وامتدت بعض أحكامها لتشمل الحروب البحرية وفق ما أقرّته مؤتمرات لاهاي 1899م و1907م[13].

اتفاقيتا 1929م: كشفت الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) عن ثغرة جسيمة؛ وهي غياب منظومة قانونية دولية واضحة وكافية تحكم معاملة أسرى الحرب الذين بلغ عددهم الملايين. في السابع والعشرين من يوليو 1929م، وُقِّعت في جنيف اتفاقيتان: الأولى “الاتفاقية الخاصة بتحسين حال الجرحى والمرضى في الجيوش الميدانية” كنسخة محدّثة لاتفاقية 1906م، والثانية وهي الأبرز “الاتفاقية المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب” التي نصّت على وجوب المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب، ومنح الدول المحايدة حق زيارة معسكرات الأسرى، وإلزام الدول بتقديم معلومات عن الأسرى. وقد وقّعت ألمانيا على اتفاقية 1929م، لكن ذلك لم يمنعها من ارتكاب فظائع موثّقة ضد الأسرى المدنيين ولا سيما اليهود ومعسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية؛ وهو ما كشف أن التوقيع وحده لا يكفي دون إرادة حقيقية للتطبيق[14].

مرحلة 1949م – الاتفاقيات الأربع: كانت الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) الكارثة الإنسانية التي أجبرت العالم على الاعتراف بفداحة القصور القانوني القائم. فبالإضافة إلى الملايين من القتلى والجرحى العسكريين، لقي ما يُقارب نصف ضحايا تلك الحرب حتفهم من صفوف المدنيين الذين لم تكن لهم حماية قانونية دولية كافية. استوعبت مدينة جنيف بين أبريل وأغسطس 1949م ثلاثاً وستين وفداً حكومياً في مؤتمر دبلوماسي ضخم استمر أربعة أشهر، وانتهى في الثاني عشر من أغسطس 1949م بتبني أربع اتفاقيات تُعد اليوم ركيزة القانون الدولي الإنساني[15].

الاتفاقية الأولى: حماية الجرحى والمرضى في الميدان

تُجسّد الاتفاقية الأولى الموقّعة في 12 أغسطس 1949م الوريثَ المباشر والمحدَّث لاتفاقية 1864م الأصلية، وهي تُعنى تحديداً بتحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة النظامية في الميدان البري. جاءت بصياغة أكثر شمولاً وإحكاماً مما سبقها، وتضمّنت مواد دقيقة تُحدّد من تشملهم الحماية ومن يتمتعون بالوضع المحمي[16].

نصّت هذه الاتفاقية على أن جميع المقاتلين الجرحى أو المرضى على أرض المعركة، أياً كانت جنسيتهم أو انتماؤهم، يجب أن يُعامَلوا بإنسانية وأن يتلقوا رعاية طبية فورية دون أي تمييز. وحدّدت بصورة مفصّلة وضع الموظفين الطبيين والعسكريين والمدنيين العاملين في الخدمة الطبية، ومنحتهم الحصانة من الأسر والاستهداف شريطة أن يُمارسوا مهامهم الطبية دون مشاركة في الأعمال العدائية. كما نصّت على حظر مطلق لاستهداف المنشآت الطبية كالمستشفيات والسيارات الإسعاف وطائرات الإسعاف، وعلى وجوب السماح لها بالحركة الحرة لتأدية مهامها الإنسانية. واللافت أن الاتفاقية وضعت أحكاماً مفصّلة حتى في ما يتعلق بالحياة المفقودة بعد المعارك؛ إذ أوجبت على الأطراف المتحاربة تفتيش أرض المعارك بعد القتال لإحصاء القتلى والجرحى ودفن الموتى بكرامة وتوثيق هوياتهم[17].

من أبرز ما جاءت به هذه الاتفاقية تعريف “الانتهاكات الجسيمة” (Grave Breaches) تعريفاً دقيقاً، ومن أبرزها: القتل العمد، والتعذيب، والتجارب البيولوجية، والحرمان القصدي من حق المحاكمة العادلة. وأوجبت على الدول الموقِّعة سنّ تشريعات جنائية وطنية تُجرّم هذه الانتهاكات وتُعاقب مرتكبيها، ومنحت الولاية القضائية العالمية لملاحقة مرتكبي تلك الانتهاكات أياً كانت جنسياتهم وأينما وجدوا، وهو ما يُعدّ من أبرز الابتكارات القانونية في الاتفاقيات الأربع.

الاتفاقية الثانية: حماية ضحايا الحرب البحرية

الاتفاقية الثانية لعام 1949م هي الامتداد الطبيعي للاتفاقية الأولى في نطاق العمليات البحرية؛ إذ تُعنى بتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار. وكانت أحكام الحرب البحرية قد عولجت أصلاً في اتفاقيات لاهاي 1899م و1907م قبل أن تُستوعب في منظومة اتفاقيات جنيف عام 1949م. وتُجسّد هذه الاتفاقية وعياً بأن ميادين الحرب لم تعد قاصرة على البر، وأن البحار وما يجري فيها من معارك يستوجب منظومة حماية إنسانية مستقلة[18].

نصّت هذه الاتفاقية على أن الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد البحريات الحربية يجب أن يُلتمَسوا ويُجمَعوا وتُقدَّم لهم الرعاية بصرف النظر عن انتمائهم، وأن سفن الإسعاف الطبية لا تُستهدف ولا تُصادر. وأضافت أحكاماً ثمينة تتعلق بحطام السفن ومصير الغرقى والناجين، وأوجبت على السفن الحربية التقاط الغرقى وإنقاذهم حتى لو كانوا من صفوف العدو، وهو ما يُعدّ في منطق الحرب التقليدي تصرفاً يتجاوز الالتزامات المعتادة. كما نصّت على وجوب المعاملة الإنسانية للطواقم الطبية البحرية وعدم احتجازهم عند وقوعهم في الأسر، ورسمت أُطراً دقيقة للاتفاقيات التي يمكن للأطراف المتحاربة إبرامها بشأن تبادل الجرحى واستئجار السفن المحايدة لنقلهم[19].

الاتفاقية الثالثة: ميثاق حقوق أسرى الحرب

تُعدّ الاتفاقية الثالثة من أكثر الاتفاقيات الأربع حضوراً في الوعي العام، وهي المعنية بالمعاملة الإنسانية لأسرى الحرب. وتمتد على 143 مادة تُشكّل منظومة قانونية متكاملة تضبط جوانب شتى من حياة الأسير منذ لحظة وقوعه في الأسر حتى إطلاق سراحه. وتُعرّف الاتفاقية أصناف المحتجزين الذين يستحقون وضع “أسير الحرب” الذي يمنحهم الحماية القانونية، وتشمل أصنافاً من أفراد القوات المسلحة النظامية والميليشيات المنظمة ومقاومة الاحتلال والمرتبطين بالقوات المسلحة كالمراسلين الحربيين[20].

ونصّت الاتفاقية على مبادئ جوهرية لا تقبل التنازل عنها في معاملة الأسرى: وجوب معاملتهم بإنسانية في جميع الأوقات وحمايتهم من أعمال العنف والترهيب والإهانة وفضول العامة؛ وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم مجاناً وبصورة متساوية مع الرعاية المقدمة لقوات الدولة الحاجزة؛ وضمان إقامتهم في مساكن ملائمة وتغذيتهم الكافية وتزويدهم بالملابس اللازمة؛ وإبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر فور وقوعهم في الأسر مع السماح لها بزيارتهم وتفتيش معسكرات الاحتجاز؛ وإبلاغ الدولة التي ينتمون إليها باعتقالهم عبر القنوات الرسمية. كما منحت الاتفاقية الأسرى حق مراسلة ذويهم، وتلقّي الطرود والمساعدات الإنسانية[21].

ومن أبرز ما جاءت به الاتفاقية الثالثة حظر التعذيب والمعاملة المهينة الصريح والمطلق، وتقييد ما يمكن للدولة الحاجزة أن تستجوب الأسير عنه بمعلوماته الشخصية فقط (الاسم والرتبة والتاريخ وأرقام التعريف)، وعدم إلزامه بالإدلاء بمعلومات عسكرية أو تشغيلية. كما نصّت على حق الأسير في الاحتفاظ بممتلكاته الشخصية باستثناء الأسلحة والمعدات العسكرية، وعلى حقه في ممارسة شعائره الدينية، وعلى تحريم إرغامه على العمل في الأعمال الخطرة أو المحرَّمة. وتُوجب الاتفاقية على الدولة الحاجزة الإفراج عن الأسرى وإعادتهم فور انتهاء الأعمال العدائية الفعلية دون إبطاء[22].

يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات. كل عمل أو إهمال غير مشروع من جانب الدولة الحاجزة يُسبب الموت أو يُعرّض بصحة أسير الحرب لخطر جسيم محظور، ويُعدّ انتهاكاً جسيماً للاتفاقية الحالية.
— المادة الثالثة، الاتفاقية الثالثة لجنيف، 12 أغسطس 1949م

الاتفاقية الرابعة: الدرع الإنسانية للمدنيين

تُمثّل الاتفاقية الرابعة، المعروفة رسمياً بـ”الاتفاقية الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب”، القفزة الأهم والأكثر إبداعاً في مسيرة تطور القانون الإنساني الدولي. فللمرة الأولى في تاريخ القانون الدولي، تحظى المدنيون بمنظومة حماية قانونية مستقلة ومتكاملة تتجاوز الأعراف والتقاليد الحربية التي كانت تُتركهم في الغالب عُرضةً لمصير مجهول. جاء هذا الابتكار القانوني استجابةً مباشرة للفداحة الإنسانية التي كشفت عنها الحرب العالمية الثانية، حيث شكّل المدنيون ما يقارب نصف ضحاياها[23].

تحتوي الاتفاقية الرابعة على أحكام تتوزع على قسمَيْن رئيسيَّيْن: الأول يتعلق بالمدنيين الأجانب في أراضي الدول المتحاربة، والثاني بسكان المناطق المحتلة عسكرياً. وتنص المادة الثالثة المشتركة بين الاتفاقيات الأربع على الحد الأدنى من الحماية الإنسانية واجبة التطبيق في أي نزاع مسلح أياً كانت طبيعته[24]. وتُحدّد الاتفاقية الرابعة جملةً من المحظورات المطلقة على الدولة الحاجزة وقوات الاحتلال تجاه المدنيين: حظر القتل الجماعي أو الترحيل القسري، وحظر العقوبات الجماعية وأخذ الرهائن وأعمال الانتقام، وحظر الاستخدام غير المشروع للمدنيين كدروع بشرية، وحظر إجراء التجارب الطبية عليهم، وحظر تعريضهم للتعذيب والمعاملة المهينة.

أما فيما يخص قواعد الاحتلال العسكري فقد جاءت أحكام الاتفاقية الرابعة تفصيلية ودقيقة إلى حد بعيد: أوجبت على قوة الاحتلال ضمان الأمن الغذائي والطبي للسكان المحتلين، وأجازت لها التجنيد الإجباري للعمل فقط في حدود ضيقة مشروطة، وحظرت نقل المدنيين المحتجزين إلى خارج الأراضي المحتلة وفرض العقوبات الجماعية. كما نصّت على أن المحتلَّ لا يُعدّ سيداً مطلقاً على الأراضي التي يسيطر عليها، بل هو أمين مؤقت ملزم بالحفاظ على البنية القانونية والإدارية القائمة قدر المستطاع. وتتضمن الاتفاقية كذلك أحكاماً تتعلق بالمناطق والمواقع الإنسانية المحمية، كالمستشفيات والمدارس ودور العبادة[25].

المادة الثالثة المشتركة: الحد الأدنى الإنساني غير القابل للتجاوز

من أبرز ما جاءت به اتفاقيات 1949م، وجود “المادة الثالثة المشتركة” التي تتكرر في صياغة متطابقة في الاتفاقيات الأربع كلها. وهذه المادة ذات أهمية بالغة لكونها تُطبَّق في النزاعات الداخلية غير الدولية (أي الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة بين الحكومة وجماعات مسلحة داخل حدود الدولة) التي كانت تقليدياً خارج نطاق القانون الدولي الإنساني. تحظر المادة الثالثة المشتركة في هذه النزاعات الداخلية على وجه الخصوص[26]: القتل والإيذاء والتشويه والمعاملة القاسية، وأخذ الرهائن، وإهانة الكرامة الإنسانية لا سيما المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، والأحكام القضائية التي تصدر دون محاكمة عادلة. وتوجب على الأطراف المتحاربة أن تُتيح للجنة الدولية للصليب الأحمر تقديم خدماتها الإنسانية. وتعكس هذه المادة وعياً متنامياً بأن معظم النزاعات المسلحة في القرن العشرين وما بعده هي في جوهرها نزاعات داخلية لا دولية، وأن حصر الحمايات في الحروب بين الدول كان يُفضي إلى ثغرة إنسانية واسعة.

البروتوكولان الإضافيان لعام 1977م: تعزيز الحمايات للقرن الحادي والعشرين

في يونيو 1977م، في السنوات التي شهدت حروب التحرر الوطني وصعود الجماعات المسلحة غير الحكومية والنزاعات الداخلية المعقدة، اعتُمد بروتوكولان إضافيان للاتفاقيات الأربع لسدّ ثغرات اكتُشفت في إطارها القانوني[27].

البروتوكول الإضافي الأول المتعلق بضحايا النزاعات الدولية المسلحة وسّع نطاق الحماية وشمل مزيداً من فئات المقاتلين بما فيهم المشاركون في حروب التحرر من الاستعمار أو الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العنصرية، إذ أعيد تعريفها كنزاعات دولية لا داخلية. وعزّز البروتوكول الحمايات المقدَّمة للمدنيين بصورة ملموسة، مُرسياً مبادئ أساسية لقانون النزاعات من أبرزها: مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين بوصفه واجباً جوهرياً، ومبدأ التناسب الذي يحظر الهجمات التي يُتوقع أن تُسبب ضرراً للمدنيين يفوق الميزة العسكرية المتوخاة، ومبدأ الحيطة في الهجوم بما يُلزم الأطراف باتخاذ كل التدابير اللازمة لتجنب الأضرار المدنية. وهو ما أثار جدلاً سياسياً أمريكياً إذ رفضت الولايات المتحدة التصديق على هذا البروتوكول بسبب ما اعتبرته تقييداً لحقها في التمييز بين مقاتلي المقاومة والإرهابيين[28].

البروتوكول الإضافي الثاني المتعلق بضحايا النزاعات الداخلية غير الدولية جاء تطويراً للمادة الثالثة المشتركة وتوسيعاً لها، ووضع أُطراً قانونية أكثر تفصيلاً للحروب الأهلية والنزاعات المسلحة الداخلية. نصّ على جملة من الحمايات الجوهرية كحظر الهجمات على السكان المدنيين وعلى المنشآت والأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان كمصادر الطعام والمياه، وحظر العمليات التي تنتهج التجويع أسلوباً من أساليب القتال. غير أن هذا البروتوكول يشترط لتطبيقه أن يكون طرف النزاع الداخلي من الجماعات المسلحة غير الحكومية قد وصل إلى قدر من التنظيم والسيطرة على الأرض، وهو شرط أعاق تطبيقه في كثير من النزاعات المعاصرة التي تتميز بحالة من الفوضى والتشتت.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر: الحارس الأمين للاتفاقيات

لا يُمكن الحديث عن اتفاقيات جنيف بمعزل عن المؤسسة التي ارتبطت بها منذ اللحظة التأسيسية، وهي اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC). فهذه اللجنة التي نشأت في جنيف عام 1863م من رحم مبادرة هنري دونان، تضطلع بدور إشرافي وميداني لا غنى عنه في تطبيق اتفاقيات جنيف، وهو دور منصوص عليه صراحةً في نصوص الاتفاقيات ذاتها. تتمتع اللجنة بحق الوصول الحصري لزيارة معسكرات أسرى الحرب والمحتجزين بموجب الاتفاقيات، وتُعدّ الهيئة الوحيدة التي تستطيع المطالبة بحقوقها هذه في مواجهة الدول[29].

تتمحور مهام اللجنة حول ثلاثة محاور رئيسية: الحماية التي تشمل زيارة المحتجزين وتفتيش أماكن احتجازهم وتوثيق المعاملة التي يتلقونها والتدخل لدى الجهات المختصة عند اكتشاف انتهاكات؛ والمساعدة الإنسانية المتمثلة في توفير الغذاء والدواء والمواد الإنسانية للمحتاجين في مناطق النزاعات؛ والتبادل والإخطار من خلال جمع المعلومات عن المفقودين وتبادلها بين الأسر والحكومات. وتشتغل اللجنة وفق مبادئ راسخة من الحياد والنزاهة والاستقلالية التي تُتيح لها العمل في مناطق النزاعات مع جميع الأطراف بمن فيهم من يتعامل معهم المجتمع الدولي بحذر أو عداء[30].

الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب: من النظرية إلى الملاحقة القضائية

تُميّز اتفاقيات جنيف بين نوعَيْن من الخروق: الانتهاكات العادية التي تتطلب من الأطراف التحقيق فيها واتخاذ الإجراءات التصحيحية، والانتهاكات الجسيمة (Grave Breaches) التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وتستوجب الملاحقة القضائية أمام المحاكم الوطنية أو الدولية. تشمل الانتهاكات الجسيمة: القتل العمد والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والتجارب البيولوجية، والحرمان المتعمد من حق التقاضي العادل، وتدمير الممتلكات وضمّها بصورة غير مشروعة[31].

في الممارسة التاريخية، شهد القرن العشرون تطوراً ملموساً في آليات الملاحقة القضائية على جرائم الحرب؛ فمحاكم نورمبرغ وطوكيو (1945-1948م) التي أُقيمت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وإن لم تستند مباشرةً إلى اتفاقيات 1949م التي جاءت لاحقة لها، فإنها أرست مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات الأعراف الحربية، ووفّرت الأرضية التي انطلقت منها منظومة العدالة الجنائية الدولية اللاحقة. ثم جاءت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (ICTY) التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 1993م لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في حروب البلقان، بما فيها جريمة مجزرة سريبرينيتسا، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) التي أُسِّست عام 1994م لمحاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية الرواندية[32].

أما المحكمة الجنائية الدولية (ICC) التي تأسّست بموجب نظام روما الأساسي عام 1998م ودخل حيّز التنفيذ عام 2002م، فهي الجهة القضائية الدائمة المختصة بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وتُمثّل الخطوة الأبعد أثراً في تطوير منظومة تطبيق القانون الإنساني الدولي. غير أن المحكمة الجنائية الدولية تواجه قيوداً جوهرية؛ فدول كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين لم تُصادق على نظام روما الأساسي، مما يُقيّد صلاحيتها ويُضعف قدرتها على الردع الشامل[33].

آليات التطبيق والتحدي الراهن: بين النص والواقع

تُشكّل الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني معضلة جوهرية تُحيط بمنظومة اتفاقيات جنيف منذ نشأتها. فالاتفاقيات على رسوخها وتفصيلها الدقيق لا تملك آلية إلزامية ذاتية لضمان تطبيقها؛ وتعتمد في جوهرها على إرادة الأطراف المتحاربة في الالتزام بأحكامها. وتشمل آليات التطبيق المنصوص عليها في الاتفاقيات: نظام الدول الحامية حين تُعيّن دولة محايدة لتتولى رعاية مصالح الأطراف المتحاربة، وزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمرافق الاحتجاز، ومفوضية التحقيق الإنسانية التي أنشأها البروتوكول الإضافي الأول عام 1977م، وإجراءات الملاحقة الجنائية أمام المحاكم الوطنية والدولية[34].

غير أن هذه الآليات اصطدمت في التطبيق بعقبات جوهرية؛ فنظام الدول الحامية نادراً ما طُبِّق فعلياً، ومفوضية التحقيق لم تُستخدم إلا في حالات نادرة جداً بسبب اشتراط موافقة دولة عليها من الطرف المُدّعى عليه. وفي عام 2024م، مع اندلاع نزاعات في غزة وأوكرانيا وسوريا وميانمار وغيرها، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ذكرى الاتفاقيات الخامسة والسبعين أن “كتاب قواعد الحرب تحت وطأة ضغط شديد وكثيراً ما يُتجاهل”، وأن العالم يحتاج إلى التزام جديد بالإطار الحمائي الإنساني الراسخ في الاتفاقيات[35]. وقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان انتهاكات جسيمة في نزاعات معاصرة عديدة شملت استهداف المستشفيات وقوافل الإغاثة الإنسانية، وتعريض الأسرى لأساليب التعذيب والمهانة، واستخدام المجاعة سلاحاً حربياً.

الاتفاقيات وقضية الإرهاب: معضلة المقاتلين غير النظاميين

فتحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وما أعقبها من “حرب على الإرهاب” جدلاً قانونياً عميقاً حول مدى انطباق اتفاقيات جنيف على عناصر التنظيمات الإرهابية والمسلحة غير الحكومية المتهمة بارتكاب هجمات على المدنيين. فالاتفاقية الثالثة تمنح وضع “أسير الحرب” لأصناف محددة من المقاتلين تشمل من يحملون السلاح جهاراً ويميّزون أنفسهم عن المدنيين ويلتزمون بقوانين الحرب. غير أن الولايات المتحدة حين اعتقلت مئات من المشتبه بهم في أفغانستان بعد 2001م، أطلقت عليهم تسمية “المقاتلين غير الشرعيين” ورأت أنهم لا يستوفون معايير الحماية المنصوص عليها في الاتفاقية الثالثة[36].

أفضى ذلك الجدل إلى مواجهة قانونية حادة حول ما جرى في سجن غوانتانامو وما كُشف عنه من ممارسات في سجن أبو غريب في العراق، وفي مراكز الاحتجاز السرية التي أداتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية. ورأت المحكمة العليا الأمريكية في حكم “حمدان ضد رامسفيلد” عام 2006م أن المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف تنطبق على المحتجزين في غوانتانامو بصرف النظر عن تصنيفهم، وأن المحاكم العسكرية الاستثنائية التي أُنشئت للنظر في قضاياهم تنتهك الاتفاقيات. ويتواصل هذا الجدل القانوني حول كيفية تطبيق القانون الإنساني الدولي في مواجهة الأشكال الحديثة من النزاعات غير التقليدية والجماعات المسلحة العابرة للحدود[37].

الرموز الإنسانية المحمية: الصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستال الأحمر

من أبرز ما أرسته اتفاقيات جنيف نظام رموز الحماية التي تُمنح الحصانة لحامليها في ميادين الحرب. تبنّت الاتفاقية الأولى عام 1864م رمز الصليب الأحمر على خلفية بيضاء شارةً حماية لأفراد الخدمات الطبية والمستشفيات والوسائل المستخدمة في نقل الجرحى؛ وهو عكس العلم السويسري (الصليب الأبيض على خلفية حمراء) اختير تكريماً لسويسرا مستضيفة الاتفاقية ومنبع مبادرة دونان[38]. في سبعينيات القرن التاسع عشر، بدأت الدولة العثمانية باستخدام رمز الهلال الأحمر على خلفية بيضاء بديلاً عن الصليب لاعتبارات دينية مفهومة، وانتشر هذا الرمز بين الدول ذات الأغلبية المسلمة. اعترفت اتفاقية جنيف الأولى عام 1929م رسمياً بالهلال الأحمر إلى جانب الصليب الأحمر، كما اعترفت بالأسد والشمس الأحمرَيْن اللذَيْن استخدمتهما إيران تاريخياً قبل أن تتخلى عنهما عام 1980م. وجاء البروتوكول الإضافي الثالث عام 2005م ليعترف بشارة ثالثة هي “الكريستال الأحمر” (مربع أحمر على وجهه) تُستخدم من المنظمات الإنسانية التي لا ترغب أو لا تستطيع استخدام شعار الصليب أو الهلال لأسباب سياسية أو دينية[39].

اتفاقيات جنيف وذاكرة العالم اليونسكو: إرث إنساني مصوَّن

في عام 2017م، أدرجت منظمة اليونسكو في سجل “ذاكرة العالم” وثائق اتفاقيات جنيف الأصلية (1864م، 1906م، 1929م، 1949م) وبروتوكولاتها الإضافية (1977م، 2005م)، اعترافاً بقيمتها الوثائقية الكونية الفريدة وأهميتها بوصفها إرثاً إنسانياً جماعياً يتجاوز حدود أي دولة أو ثقافة. وتُحفظ النسخ الأصلية لتلك الاتفاقيات في الأرشيف الفيدرالي السويسري في جنيف، ويضطلع الأرشيف السويسري بدور وديع رسمي لكل الاتفاقيات، مما يُضفي على مكانة سويسرا بوصفها حاضنة هذا الإرث القانوني الإنساني بُعداً تاريخياً وجغرافياً ورمزياً في آن[40].

خاتمة: القانون الذي يُقاوم بربرية الحرب

في عالم لم يكف يوماً عن الاقتتال، تظل اتفاقيات جنيف تُجسّد شيئاً نادراً ومعجزاً في آن: توافقاً إنسانياً عالمياً شبه مطلق حول الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية التي يجب صونها حتى في أقسى الظروف الحربية. ولدت من رحم صدمة رجل واحد شهد الموت في وضح النهار دون رعاية، وتطوّرت عبر قرن وستة عقود من التجارب المريرة والكوارث الإنسانية المتعاقبة، لتُجسّد الإجابة الجماعية للإنسانية على سؤال محوري: هل ثمة حدود أخلاقية وقانونية لا يجوز تجاوزها حتى في أشد الأوقات عنفاً وحرباً؟

الإجابة التي تُقدّمها اتفاقيات جنيف هي نعم قاطعة، وإن كانت الحدود تُنتهك يومياً في مناطق كثيرة من العالم. فقيمة هذه الاتفاقيات لا تكمن فقط في ما تمنع حدوثه، بل في ما توفّره من معيار قانوني وأخلاقي يُحتجّ به أمام الرأي العام والمحاكم الدولية، ومن لغة مشتركة يتحدث بها الضحايا ومنظمات الإغاثة والمجتمع الدولي حين تُرتكب الجرائم. إنها القانون الذي يُقاوم بربرية الحرب، ليس لأنه يوقفها، بل لأنه يُبقي على شمعة الإنسانية مضيئةً حتى في أعتم الليالي الحربية، ويُذكّر البشر بأنهم حين يتقاتلون يظلون بشراً[41].