تُعدّ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990م) من أعقد الصراعات المسلحة في تاريخ المنطقة العربية الحديثة، وأكثرها تشعّباً في أسبابها وأطرافها وتداخلاً في أبعادها المحلية والإقليمية والدولية. دامت خمسة عشر عاماً متواصلة أبادت ما يزيد على مئة وخمسين ألف إنسان وشرّدت أكثر من مليون ودمّرت بنية دولة كانت تُلقَّب بـ«سويسرا الشرق» قبل أن يلتهمها النزيف الأهلي. لم تكن هذه الحرب في جوهرها حرباً أهلية بالمعنى الكلاسيكي بين جبهتين أو أيديولوجيتين؛ بل كانت فسيفساء متشابكة من النزاعات المتداخلة: بين طوائف متعددة على تقاسم السلطة، وبين فصائل فلسطينية مسلحة ومحيطها اللبناني، وبين التدخل السوري والاحتلال الإسرائيلي والتوازنات الإقليمية المتغيرة، وبين حرب باردة تخوضها واشنطن وموسكو بالوكالة على الجغرافيا اللبنانية.
[1]
انطلقت شرارتها الأولى في الثالث عشر من أبريل 1975م بهجوم الكتائب المارونية على حافلة تقلّ فلسطينيين في ضاحية عين الرمانة ببيروت، فتفجّرت بذلك صراعات كانت تتراكم في الجسد اللبناني منذ الاستقلال عام 1943م. مرّت الحرب بمراحل متعددة تتداخل فيها التحالفات وتنقلب: فالحليف يصبح عدواً والعدو يصبح حليفاً في غضون أشهر، وكثيراً ما كانت الخطوط الفاصلة داخل الطائفة الواحدة أشد حدّةً من تلك الفاصلة بين الطوائف. تدخّلت سوريا مرتين بذرائع متناقضة، واحتلّت إسرائيل جنوب لبنان وبيروت، ونشأ حزب الله في رحم الاحتلال الإسرائيلي، وأُبيدت مخيمات صبرا وشاتيلا، وتساقطت الرؤساء اغتيالاً. وانتهت الحرب باتفاق الطائف عام 1989م الذي رسم خارطةً جديدة لتوزيع السلطة بين الطوائف، غير أنه لم يُعالج البنية الطائفية التي أنتجت الحرب من الأساس، فظلّت لبنان تحمل في جيناتها السياسية بذور أزمات متجددة تتكشّف حتى اليوم.
[2]
| الحرب الأهلية اللبنانية | |
| الاسم بالإنجليزية | Lebanese Civil War |
| التاريخ | 13 أبريل 1975 – 13 أكتوبر 1990م |
| المدة | خمسة عشر عاماً |
| الموقع | لبنان — بيروت والجنوب والجبل والشمال والبقاع |
| النتيجة | اتفاق الطائف (1989م) — نهاية الحرب وإعادة رسم تقاسم السلطة |
| الأطراف الرئيسية | |
| الكتائب اللبنانية (فالانج) | ميليشيا مارونية بقيادة بشير الجميّل وبيار الجميّل |
| الحركة الوطنية اللبنانية | تحالف يساري قومي بقيادة كمال جنبلاط |
| منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) | قوات مسلحة فلسطينية بقيادة ياسر عرفات |
| حركة أمل | ميليشيا شيعية بقيادة نبيه بري |
| حزب الله | نشأ عام 1982 بدعم إيراني، قاوم الاحتلال الإسرائيلي |
| الحزب التقدمي الاشتراكي | ميليشيا درزية بقيادة كمال جنبلاط ثم وليد جنبلاط |
| القوات اللبنانية | اتحاد الميليشيات المارونية بقيادة بشير الجميّل ثم سمير جعجع |
| القوى الإقليمية المتدخّلة | |
| سوريا | تدخّلت 1976م — بقيت حتى 2005م |
| إسرائيل | غزو 1982م — احتلال الجنوب حتى 2000م |
| إيران | دعمت تأسيس حزب الله بعد 1982م |
| الخسائر والأرقام | |
| إجمالي الضحايا | ~150,000 قتيل |
| المهجّرون داخلياً | ~800,000 إلى مليون شخص |
| المهاجرون إلى الخارج | ~900,000 لبناني |
| مجزرة صبرا وشاتيلا | سبتمبر 1982 — مئات إلى آلاف القتلى (تقديرات متباينة) |
| المعالم السياسية الكبرى | |
| اتفاق القاهرة 1969 | أتاح للفصائل الفلسطينية حق العمل العسكري من لبنان |
| اتفاق الطائف 1989 | أنهى الحرب وأعاد توزيع السلطة بين الطوائف |
السياق التاريخي
لبنان الكبير: خلق دولة على صدع طائفي
فهم الحرب الأهلية اللبنانية يستدعي أولاً استيعاب كيفية نشأة الكيان اللبناني ذاته وطبيعة التركيبة الهشّة التي قام عليها. في عام 1920م، أعلنت سلطة الانتداب الفرنسية «دولة لبنان الكبير» بضمّ جبل لبنان — ذو الغالبية المارونية والدرزية — إلى مناطق جديدة تضم الجنوب (ذو الغالبية الشيعية) وطرابلس والبقاع (ذوا الغالبية السنية)، منتجةً كياناً ديموغرافياً مختلطاً بالغ التعقيد لم يكن للطوائف المختلفة فيه تاريخ طويل من العيش المشترك المتسق. كان الدافع الفرنسي في جوهره حماية الأقليات المسيحية في المشرق وإنشاء كيان مرتبط بفرنسا ثقافياً ودينياً، بيد أن التصميم البنيوي لهذا الكيان حمل في طيّاته تناقضاً جوهرياً: فهو يضمّ طوائف ذات هويات ومرجعيات إقليمية متباينة في دولة واحدة دون أن يُوفّر آليات دمج وطني فعّالة تتجاوز التوزيعات الطائفية.
[3]
الميثاق الوطني 1943: ديمقراطية الطوائف
حين نال لبنان استقلاله عام 1943م، توصّل زعيم الموارنة الرئيس بشارة الخوري ورئيس الوزراء السني رياض الصلح إلى ما عُرف بـ«الميثاق الوطني» — اتفاق شفهي غير مكتوب يُشكّل العقد التأسيسي للدولة اللبنانية. استند هذا الميثاق إلى آخر إحصاء سكاني أُجري عام 1932م في عهد الانتداب الفرنسي، وأظهر أن المسيحيين يُشكّلون نحو 54% من السكان، فخُصّص على أساسه توزيع الحصص: رئاسة الجمهورية للموارنة المسيحيين، ورئاسة الحكومة للسنّة المسلمين، ورئاسة البرلمان للشيعة المسلمين، ونيابة رئاسة الحكومة للروم الأرثوذكس، وحقيبة الدفاع عادةً للدروز. وقُسّمت مقاعد البرلمان بنسبة ستة مسيحيين لكل خمسة مسلمين. وكان البند الصامت في هذا الميثاق مبدأً ضمنياً: يتعهّد المسيحيون بعدم طلب حماية غربية أجنبية، مقابل تعهّد المسلمين بعدم السعي لدمج لبنان في أي وحدة عربية. كانت هذه المعادلة تنطوي على وهم بنيوي واحد: أنها تجمّدت على معطيات إحصاء 1932م وعلّقت كل مراجعة لاحقة، رافضةً كل محاولة لإجراء إحصاء جديد يعكس التحولات الديموغرافية الفعلية — خشية أن تكشف تلك التحولات عن تراجع الثقل المسيحي وتوجب إعادة رسم موازين السلطة.
[4]
الاختلال الديموغرافي والضغط على الميثاق
على مدى العقود الثلاثة التالية للاستقلال، كانت الديناميكيات الديموغرافية تُنخر صلاحية الميثاق الوطني بصمت: فمعدلات الخصوبة في الطوائف الإسلامية — ولا سيما الشيعية والسنية — كانت أعلى بكثير من الطائفة المارونية، فيما كان الهجرة الخارجية تطال المسيحيين بصورة غير متناسبة. وبحلول منتصف السبعينيات، كان الباحثون الديموغرافيون يُقدّرون أن المسلمين باتوا يُشكّلون أغلبية واضحة من السكان — تقديرات تتراوح بين 60 و70% — بينما كان النظام السياسي لا يزال يعمل وفق أرقام 1932م. وقد أضاف إلى هذا الاختلال وصولُ موجات متعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين: الأولى إثر نكبة 1948م بعشرات الآلاف، والثانية إثر أحداث الأردن (أيلول الأسود) 1970-1971م حين طُردت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن فانتقلت إلى لبنان تاركةً وراءها في بيروت والجنوب قوةً عسكرية منظّمة ودولةً داخل الدولة. وقد أثّر وجود هذا الكيان المسلح — الذي أضفت عليه اتفاقية القاهرة 1969م شرعيةً رسميةً بمنح م.ت.ف حق العمل العسكري من الأراضي اللبنانية — تأثيراً بالغاً في إعادة رسم خريطة التحالفات اللبنانية الطائفية.
[5]
الشرارة والاندلاع
عين الرمانة: شرارة الثالث عشر من أبريل
في صباح الثالث عشر من أبريل 1975م، أُطلق النار على موكب بيار الجميّل — زعيم حزب الكتائب الماروني — أثناء حضوره تدشين كنيسة في حي عين الرمانة ببيروت، فقُتل اثنان من حراسه ومرافقيه. وبعد ساعات، اعترض مسلحو الكتائب حافلةً تنقل مقاتلين فلسطينيين عائدين من مهمة في منطقة عين الرمانة، فأطلقوا النار على ركابها وقتلوا ما بين سبعة وعشرين وبعضهم يقول تسعة وعشرين شخصاً في ما بات يُعرف بـ«مجزرة الحافلة». أعلنت م.ت.ف مسؤوليتها عن الهجوم الأول على موكب الجميّل، وتدرّجت المواجهات بسرعة من عمليات انتقامية إلى اشتباكات شاملة في أحياء بيروت. كان هذان الحدثان في الظاهر شرارتين عرضيتين، لكنهما في الحقيقة كانا تكثيفاً لتوترات متراكمة منذ سنوات بين الميليشيات المارونية التي كانت ترى في الوجود المسلح الفلسطيني تهديداً وجودياً لكيان لبنان وتفوّقها السياسي، وبين الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية التي كانت ترى في النظام الطائفي الماروني هيمنةً انتهى وقتها.
[1]
تشكّل الخطوط وبروز الخندقين
في غضون أشهر من الاندلاع، كانت بيروت تتشقق على «خط أخضر» فاصل اشتهر في الأدبيات الصحفية والتاريخية: خط يفصل بيروت الشرقية ذات الغالبية المسيحية المارونية عن بيروت الغربية ذات الغالبية المسلمة، وكان يمتد من جنوب المدينة إلى شمالها عبر ما كان مركز المدينة التجاري التاريخي فتحوّل إلى أرض لا أحد مدمّرة. وقد أنتج هذا الخط نظاماً مزدوجاً من الحياة والسلطة في مدينة واحدة: عملات مختلفة، وراديو مختلف، وجيوش صغيرة مختلفة، وقوانين عرفية مختلفة، وأسواق متوازية. وعلى مدى خمسة عشر عاماً، كان عبور هذا الخط محفوفاً بخطر الاعتقال أو القتل على الهوية الطائفية — وباتت «نقاط التفتيش» التي يُفرز فيها المواطنون وفق بطاقاتهم الهوية ليُقرَّر مصيرهم أحياءً أو أمواتاً رمزاً أسوداً لتلك الحقبة في الذاكرة اللبنانية.
[6]
مراحل الحرب
المرحلة الأولى: الحرب بين الكتائب والحركة الوطنية (1975-1976م)
في المرحلة الأولى من الحرب، كانت الجبهتان الأساسيتان واضحتين نسبياً: الكتائب والميليشيات المارونية المتحالفة من جهة، والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط المتحالفة مع فصائل م.ت.ف الفلسطينية من جهة أخرى. شهدت هذه المرحلة معارك عنيفة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين كمخيم تل الزعتر الذي حاصرته الكتائب صيف 1976م وسقط في أغسطس من العام ذاته بعد حصار مضنٍ راح ضحيته آلاف الفلسطينيين. كانت كفّة الحركة الوطنية والفلسطينيين تميل أحياناً نحو السيطرة على مناطق واسعة، مما أثار قلقاً حقيقياً من انهيار الوجود المسيحي الماروني ككيان منظّم. في هذه الأجواء المضطربة، أرسل الرئيس السوري حافظ الأسد قواته العسكرية إلى لبنان في يونيو 1976م — لكن ليس لدعم الجانب الإسلامي الفلسطيني كما توقّع كثيرون، بل للتدخل لصالح الجانب الماروني ووقف تقدّم الحركة الوطنية. كان للأسد حسابات استراتيجية معقّدة: كان يخشى انتصاراً فلسطينياً قد يُعيد رسم الخارطة الإقليمية خارج سيطرته، وكان يطمح إلى إحكام القبضة السورية على لبنان بدلاً من السماح بنشوء قوة مستقلة عنه. تحوّلت هذه القوات السورية لاحقاً إلى جزء من «قوة الردع العربية» التي أقرّتها جامعة الدول العربية في أكتوبر 1976م.
[7]
اغتيال كمال جنبلاط ومتاهة التحالفات المتبدّلة (1977-1981م)
في السادس عشر من مارس 1977م، اغتيل كمال جنبلاط — زعيم الحركة الوطنية اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وأحد أبرز وجوه اليسار العروبي في لبنان — في كمين على طريق المختارة في الشوف. وجّهت أصابع الاتهام نحو المخابرات السورية التي وجدت في جنبلاط خصماً سياسياً بالغ التأثير. خلفه ابنه وليد جنبلاط في زعامة الطائفة الدرزية والحزب، غير أن مقتل كمال جنبلاط أفقد الحركة الوطنية ثقلها الكاريزماتي وأربك تحالفاتها. وبين عامَي 1977 و1982م، تحوّلت الحرب إلى متاهة من التحالفات المتبدّلة والصراعات البينية داخل المعسكر الواحد: فالكتائب تقاتل حركات مارونية أخرى (كقوات فرنجية وأحرار شمعون)، وفصائل م.ت.ف المختلفة تتقاتل فيما بينها، وسوريا تضغط على كل الأطراف. وبحلول منتصف عام 1981م، أحصى الباحثون وجود ثلاث وخمسين ميليشيا مسلحة تعمل في وقت واحد على الأرض اللبنانية — في تعبير صارخ عن تفتّت السلطة وغياب الدولة.
[8]
الغزو الإسرائيلي 1982م: تحوّل جذري في المشهد
في السادس من يونيو 1982م، شنّت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير دفاعه أريئيل شارون عمليةً عسكرية واسعة النطاق أُطلق عليها «عملية سلامة الجليل»، بذريعة محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف (نفّذته منظمة أبو نضال وليس م.ت.ف). اندفعت القوات الإسرائيلية بسرعة فائقة عبر جنوب لبنان ووصلت في غضون أيام إلى ضواحي بيروت التي فرضت عليها حصاراً شاملاً. كان الهدف المُعلَن طرد م.ت.ف من لبنان، والهدف غير المُعلَن فرض معادلة سياسية موالية لإسرائيل في لبنان بدعم الرئاسة المارونية بقيادة بشير الجميّل. دارت في أثناء التقدم الإسرائيلي معارك ضارية في البقاع مع القوات السورية، وتصادمت طيارات الجانبين في واحدة من أكبر المعارك الجوية في تاريخ المنطقة، أسقطت فيها إسرائيل ادّعاءً بنحو اثنتين وثمانين طائرة سورية. استمر حصار بيروت الغربية شهرين ونصف وسقطت فيه أحياء سكنية كاملة تحت وابل القصف، وقُدّر عدد قتلى اللبنانيين والفلسطينيين في الغزو بنحو عشرين ألف قتيل.
[7]
في أغسطس 1982م، غادر ياسر عرفات وآلاف المقاتلين الفلسطينيين بيروت تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات، مُنهين بذلك الوجود العسكري الفلسطيني المنظّم في لبنان. غير أن هذا الإنجاز الإسرائيلي جاء مصحوباً بعواقب لم يتوقعها شارون: فبدلاً من إقامة لبنان موالٍ لإسرائيل، أفرز الغزو ظروفاً وُلد فيها حزب الله على يد حركة الحرس الثوري الإيراني في البقاع عام 1982م — وهو الكيان الذي سيُكلّف إسرائيل أكثر بما لا يُقاس مما كلّفته م.ت.ف.
مجزرة صبرا وشاتيلا: الجريمة الكبرى
في الرابع عشر من سبتمبر 1982م، اغتيل الرئيس اللبناني المنتخَب بشير الجميّل في تفجير استهدف مقرّ الكتائب في أشرفية، وكان عليه أن يتسلّم مقاليد الرئاسة بعد أسابيع قليلة. اتُّهمت المخابرات السورية بتنفيذ العملية عبر عميل سوري من الحزب السوري القومي الاجتماعي يُدعى حبيب شرتوني. بعد يوم واحد من الاغتيال، وعلى خلفية الغضب العارم في صفوف الميليشيات المارونية، أذنت القيادة العسكرية الإسرائيلية بدخول مسلحي الكتائب اللبنانية — بقيادة إيلي حبيقة — إلى مخيمَي صبرا وشاتيلا الفلسطينيَّين في الجانب الغربي من بيروت التي كانت تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. بين السادس عشر والثامن عشر من سبتمبر 1982م، ارتكبت مسلحو الكتائب مجزرةً جماعية في المخيمين طالت الرجال والنساء والأطفال والمسنّين من الفلسطينيين وعدد من اللبنانيين الشيعة القاطنين في المنطقة. ظلّت التقديرات العددية للضحايا محلّ جدل: الأرقام الأولية ذكرت ثلاثة آلاف وخمسمئة، فيما تراجعت تقديرات أكثر تحفظاً إلى بين سبعمئة وألفين وخمسمئة قتيل.
[1]
كان الهدف من القصف واضحاً: إزالة معنويات السكان المدنيين وتدمير مهد الشعب الباسكي.
— جورج ستير، مراسل صحيفة التايمز عن قصف غرنيكا — غير أن تحقيقات لجنة كاهان الإسرائيلية عام 1983م وصلت إلى نتيجة أن إسرائيل تحمل «مسؤولية غير مباشرة» عمّا جرى في صبرا وشاتيلا، وطالبت بإقالة أريئيل شارون من وزارة الدفاع «لإهماله خطر الانتقام الدموي» خلال المجزرة.
أحدثت المجزرة صدمةً دولية واسعة وأجبرت الحكومة الإسرائيلية على إجراء تحقيق رسمي، انتهت نتائجه في لجنة كاهان (فبراير 1983م) إلى تحميل إسرائيل مسؤولية غير مباشرة، ومطالبة أريئيل شارون بالاستقالة من وزارة الدفاع بسبب «إهماله خطر الانتقام الدموي» خلال المجزرة.
[9]
كشفت صبرا وشاتيلا — إلى جانب بشاعتها الإنسانية المستقلة — عمقَ الجروح المتراكمة في الواقع اللبناني وحجم الفجوات الأخلاقية والسياسية التي جعلت الحرب ممكنة وطويلة ومُدمِّرة.
أعوام الفوضى والتشابك (1983-1988م)
حرب الجبل وأحداث 6 فبراير
في أعقاب خروج م.ت.ف والغزو الإسرائيلي، بدا لوهلة أن لبنان قد يتجه نحو استقرار نسبي بحكومة مركزية أكثر قدرةً، غير أن الأشهر التالية كشفت عن عمق الشرخ وعجز الدولة اليتيمة. في صيف 1983م، اشتعلت «حرب الجبل» في مناطق الشوف والجبل بين الميليشيا الدرزية بقيادة وليد جنبلاط والقوات اللبنانية المارونية، وانتهت بانسحاب الوجود المسيحي من مناطق واسعة في الجبل وتهجير قسري للمجتمعات المسيحية منها في ما شكّل إعادة رسم ديموغرافي قسري بامتياز. وفي السادس من فبراير 1984م — الذي يُعرف في التاريخ اللبناني بـ«أحداث 6 فبراير» — انتفضت ميليشيا أمل الشيعية والقوى اليسارية وسيطرت على بيروت الغربية، مُنهيةً السيطرة الاسمية للجيش اللبناني على المدينة، وأوقعت بذلك ضربة موجعة لحكومة الرئيس أمين الجميّل الذي أُلزم بإلغاء اتفاق 17 مايو مع إسرائيل تحت هذا الضغط. تصاعدت موجة الاغتيالات السياسية وأعمال التفجير خلال هذه الفترة واستهدفت قوات حفظ السلام الدولية المنتشرة في بيروت: ففي الثالث والعشرين من أكتوبر 1983م، أودى تفجيران انتحاريان متزامنان في مقرَّي المارينز الأمريكيين والمظليين الفرنسيين بحياة 241 جندياً أمريكياً و58 جندياً فرنسياً، فانسحبت قوات التدخل متعددة الجنسيات من لبنان في أواخر عام 1983م وأوائل 1984م.
[10]
حرب المخيمات وصراع الإخوة الأعداء
في مرحلة 1985-1988م، تشابكت الحرب إلى درجة أن المراقب الخارجي كان يعجز عن إدراك حدود الجبهات: فقد اندلعت «حرب المخيمات» بين حركة أمل الشيعية اللبنانية المدعومة سورياً ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة) في غرب بيروت، وكانت أمل تسعى إلى تصفية بقايا النفوذ الفلسطيني في لبنان وفق التوجيهات السورية. وقد دارت في هذه الحرب البينية — التي يتقاتل فيها حلفاء أمس على امتداد عام ونيّف (1985-1987م) — معارك حضرية وحشية بين شيعة لبنانيين وفلسطينيين مسلمين وخلّفت آلاف الضحايا، كاشفةً عن استحالة الصراع اللبناني وانتهاء كل تصنيف بسيط له. وبالتوازي مع ذلك، انفجرت في عام 1988م «حرب التحرير» التي أعلنها الجنرال ميشال عون — رئيس الحكومة العسكرية الانتقالية المعيّن بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل دون التوافق على خلف له — ضد القوات السورية في لبنان وضد القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع.
[11]
اتفاق الطائف: نهاية الحرب
في سبتمبر وأكتوبر 1989م، اجتمع النواب اللبنانيون في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية تحت رعاية عربية ثلاثية سعودية-جزائرية-مغربية، وتوصّلوا في الثاني والعشرين من أكتوبر 1989م إلى «وثيقة الوفاق الوطني» المعروفة بـ«اتفاق الطائف». كانت الوثيقة تُعيد توزيع السلطة بين الطوائف معترفةً بتحوّل الواقع الديموغرافي وإن لم تُلغِ الطائفية: فنقلت جزءاً من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وساوت توزيع المقاعد البرلمانية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين بدلاً من نسبة الستة إلى خمسة، وأقرّت الوصاية السورية على لبنان في إطار يُضفي عليها الشرعية. رفض الجنرال ميشال عون الاتفاق وواصل قتاله، إلى أن أجبرته القوات السورية في الثالث عشر من أكتوبر 1990م على مغادرة القصر الجمهوري في بعبدا ومن ثم على النفي إلى فرنسا. كان يوم الثالث عشر من أكتوبر 1990م اليوم الأخير من الحرب الأهلية رسمياً.
[12]
الجراح والإرث
ما بعد الطائف: السلم الهشّ والوصاية السورية
أفضى اتفاق الطائف إلى وقف الحرب العسكرية لكنه لم يُعالج أسبابها البنيوية، وظل النظام الطائفي — الذي كان من أبرز العوامل المُولِّدة للأزمة — مُكرَّساً ومُعمَّقاً بصورة رسمية. استلمت سوريا الهيمنة الفعلية على لبنان وبقيت قواتها على أرضه حتى عام 2005م حين أفضى اغتيال رفيق الحريري إلى انتفاضة شعبية ضخمة في ما عُرف بـ«انتفاضة الاستقلال» أو «ثورة الأرز»، أجبرت دمشق على سحب آخر جندي من أراضيها. وقد خلّفت سنوات الوصاية السورية موروثاً سياسياً أثقل من أن يُرفع: شبكات نفوذ وتوافقات طائفية مُدارة فوق تصدّعات حقيقية لم تُعالج، وجيل سياسي نشأ في كنف هذه المنظومة. وفي الوقت ذاته، كان حزب الله — الذي نشأ في ظل الاحتلال الإسرائيلي وشكّل قوة محورية في مقاومته حتى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في مايو 2000م — يُرسّخ وجوده كدولة داخل الدولة وحامل سلاح منفرداً يتحدى الدولة اللبنانية من داخلها.
[12]
القبور المفتوحة وجراح الذاكرة
لا يزال لبنان يحمل جراح حربه الأهلية في جسد حيّ غير متئدّ. يُقدَّر عدد المعتقلين الذين فُقدوا ولم يُعرَف مصيرهم خلال الحرب بأكثر من سبعة عشر ألف شخص — مختطفون على نقاط التفتيش، أو في سجون الميليشيات المتعددة، أو في السجون السورية — لم تُعرَف مصائرهم بعد. ومنذ عام 2019م، يُطالب ذوو المفقودين بإنشاء آليات رسمية للكشف عن مصائر أقاربهم، في حين تتعثّر هذه المطالبات في متاهة النظام الطائفي ذاته الذي تحمي كل طائفة أسرار ميليشياتها السابقة. واللافت أن لبنان لا يملك حتى اليوم متحفاً وطنياً أو نصباً تذكارياً رسمياً موحّداً يُخلّد ضحايا الحرب، وكأن الاتفاق الضمني على استمرار الحكم الطائفي اقتضى أيضاً الاتفاق على تجنّب محاسبة طائفية تطال الجميع بلا استثناء.
[1]
النموذج اللبناني في الفكر السياسي المقارن
يحتلّ لبنان وحربه الأهلية مكانةً استثنائية في الفكر السياسي المقارن وأدبيات بناء الدولة ومعالجة النزاعات. فالنظام التوافقي (Consociationalism) اللبناني — بصورتَيه ما قبل الطائف وما بعده — بات نموذجاً مرجعياً يُدرَس في أكاديميات السياسية في العالم لما يكشفه من إمكانيات هذا النظام وحدوده في الوقت ذاته: فهو يُضمن التمثيل ويوفّر استقراراً حدّياً، لكنه يُكرّس الانقسامات ويُعطي الطوائف حوافز للتنافس لا للتعاون، ويجعل كل مسؤول حارساً على حصة طائفته قبل أن يكون مسؤولاً أمام الوطن. وتُعدّ التجربة اللبنانية مثالاً تطبيقياً حياً يُفنّد وهم الحلول التوافقية الطائفية الدائمة، ويُدمي في الوقت ذاته ذاكرة شعب حمل ثمن هذه الدروس وحده.
[13]