🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / التاريخ / الحرب الأهلية الإنجليزية
التاريخ

الحرب الأهلية الإنجليزية

👁 4 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 13/6/2026 ✏️ 13/6/2026
100%
Battle of Preston 1648.svg

تُمثّل الحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651م) من أعمق الأحداث التأسيسية في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة، إذ لم تكن مجرد نزاع مسلح بين ملك وبرلمانه، بل كانت مواجهةً وجودية بين منظومتين سياسيتين متناقضتين تناقضاً جذرياً: منظومة الملكية المطلقة القائمة على الحق الإلهي للملوك، ومنظومة السيادة البرلمانية القائمة على تمثيل المجتمع وسيادة القانون. دارت الحرب على أرض إنجلترا بين مؤيدي الملك تشارلز الأول — المعروفين بـ«الكافالييرز» (Cavaliers) أو الفرسان — ومؤيدي البرلمان المعروفين بـ«الراوندهيدز» (Roundheads) أو ذوي الرؤوس المستديرة، وامتدت عبر ثلاثة أطوار متلاحقة أعقب كلّاً منها تحوّل سياسي حاسم.
[1]
لم يقتصر الصراع على البعد العسكري، بل اشتعل معه جدل فكري وديني وفلسفي عميق: من حق الملوك في السلطة المطلقة؟ من يملك سلطة فرض الضرائب؟ من يحدد طبيعة الكنيسة ونظام عبادتها؟ هل يُحاسَب الملك أمام القانون أم هو فوقه؟ — أسئلة كانت الإجابة عنها بالسيف والمشنقة والقانون لا بالجدل والحوار وحده. انتهت الحرب بنتيجة غير مسبوقة في تاريخ الملكية الأوروبية: إعدام الملك تشارلز الأول على المقصلة في الثلاثين من يناير 1649م أمام الملأ خارج قصر وايتهول، ثم إعلان إنجلترا جمهوريةً تحت اسم «الكومنولث» (Commonwealth)، وهي أولى ولأطول سنواتٍ تجربة جمهورية في التاريخ الإنجليزي. خلفتها لاحقاً الحماية (Protectorate) بقيادة أوليفر كرومويل، الذي حكم إنجلترا بصلاحيات شبه ملكية حتى وفاته عام 1658م. وبعد أن أخفقت التجارب الجمهورية المتعاقبة في إرساء استقرار سياسي حقيقي، عاد الملك تشارلز الثاني إلى العرش عام 1660م في ما عُرف بـ«الاستعادة» (Restoration). بيد أن عودة الملكية لم تعنِ عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب: فقد رسّخت الحرب ونتائجها مبدأ لا رجعة عنه مفاده أن الملك لا يحكم بمعزل عن البرلمان، وهو المبدأ الذي بلغ اكتماله الدستوري في الثورة المجيدة (Glorious Revolution) عام 1688م وصدور وثيقة الحقوق (Bill of Rights) عام 1689م. إن تراث هذه الحرب لا يزال حياً في صميم الديمقراطيات الليبرالية الحديثة: فمن الملكية الدستورية البريطانية إلى مفاهيم فصل السلطات وسيادة القانون التي أثّرت في الإعلان الأمريكي للاستقلال والثورة الفرنسية، كانت الحرب الأهلية الإنجليزية وأفكارها الكبرى الحاضنةَ الأولى التي نضجت فيها بذور الحداثة السياسية.
[2]

الحرب الأهلية الإنجليزية
الاسم بالإنجليزية English Civil War / Wars of the Three Kingdoms
التاريخ 22 أغسطس 1642 – 3 سبتمبر 1651م
الأطوار ثلاثة أطوار: 1642-1646 / 1648-1649 / 1649-1651
الموقع إنجلترا، اسكتلندا، أيرلندا، ويلز
النتيجة انتصار برلماني — إعدام تشارلز الأول — الكومنولث ثم الحماية
أطراف النزاع
الطرف الملكي الملكيون (الكافالييرز) — تشارلز الأول ثم تشارلز الثاني
الطرف البرلماني البرلمانيون (الراوندهيدز) — البرلمان الطويل، جيش الكومنولث
الحلفاء الاسكتلنديون المعاهدون الاسكتلنديون (Covenanters) — حليفوا البرلمان ثم الملكيين
القادة الرئيسيون
قادة الملكيين تشارلز الأول، الأمير روبرت (فون دير بفالز)، اللورد نيوكاسل
قادة البرلمانيين أوليفر كرومويل، السير توماس فيرفاكس، إدوارد مونتاغو (إيرل مانشستر)
أبرز المعارك
معركة إيدجهيل أكتوبر 1642 — أولى المعارك الكبرى، غير حاسمة
معركة مارستون مور 2 يوليو 1644 — انتصار برلماني يكسب الشمال
معركة نيزبي 14 يونيو 1645 — تدمير الجيش الملكي الرئيسي
معركة وورسستر 3 سبتمبر 1651 — نهاية الحرب وفرار تشارلز الثاني
المحطات السياسية الكبرى
إعدام تشارلز الأول 30 يناير 1649م
الكومنولث 1649-1653م — جمهورية إنجلترا
الحماية (Protectorate) 1653-1659م — كرومويل حاكماً
الاستعادة (Restoration) 1660م — عودة الملكية مع تشارلز الثاني
الثورة المجيدة 1688م — تأسيس الملكية الدستورية نهائياً
الخسائر البشرية
إجمالي الضحايا (قتلى وأمراض) تقديرات تتراوح بين 180,000 و200,000 في إنجلترا وحدها
ضحايا أيرلندا واسكتلندا مئات الآلاف (جوع ووباء وقتال)
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق التاريخي

أسرة ستيوارت والحق الإلهي: بذور الأزمة

جاءت الحرب الأهلية الإنجليزية نتيجةً لتراكمات طويلة من التوتر بين الملكية والبرلمان، تجذّرت على مدى عقود قبل انفجارها المسلح. فمنذ أن تولّى الملك جيمس الأول (1603-1625م) — أول ملوك أسرة ستيوارت على عرش إنجلترا، القادم من اسكتلندا — شرع في التصادم مع البرلمان بنظريته الراسخة في الحق الإلهي للملوك (Divine Right of Kings): إذ كان يُؤمن بعمق أن سلطته مستمدة من الله مباشرةً، وأن أحداً من البشر — بمن فيهم البرلمان والقضاء — لا يملك حق محاسبته أو تقييد صلاحياته. وقد كان لهذا الموقف صدىً تاريخي عميق في السياق الإنجليزي بالذات: فإنجلترا ورثت قرون من التقليد الذي يعترف بأن الملك يحكم في إطار «العقد» مع مجتمعه، وأن برلمانه — وإن كان بعيداً عن أي مفهوم ديمقراطي حديث — يمثّل وسيطاً لا يمكن تجاوزه في مسائل الضرائب والتشريع. وقد انتقل هذا التصادم من مستوى الجدل النظري إلى مستوى الأزمة الوجودية في عهد تشارلز الأول (1625-1649م)، الذي ورث أيديولوجيا أبيه عن الحق الإلهي وأضاف إليها مزاجاً شخصياً أقل مرونةً وأعلى عناداً، وسلوكاً سياسياً يمزج بين الاستبداد في السر والتنازل المؤقت تحت الضغط مع التخلي عن التنازل حين يزول الضغط.
[3]

الأبعاد الدينية: الصراع على هوية الكنيسة

لا يمكن فهم الحرب الأهلية الإنجليزية فهماً وافياً دون استيعاب بُعدها الديني العميق، الذي كان لا يقل عمقاً عن بُعدها الدستوري. فمنذ إصلاح هنري الثامن الديني في الثلاثينيات من القرن السادس عشر، كانت كنيسة إنجلترا الأنغليكانية (Church of England) قد أسّست هويةً بروتستانتية لا تزال محلّ جدل: إذ احتفظت الكنيسة ببنية أسقفية (Episcopalianism) وبعض الطقوس والممارسات الكاثوليكية، وهو ما رآه التيار البيوريتاني (Puritan) — الإصلاحي الكالفيني المتشدد — مراوغةً غير مكتملة وبقاءً من «بقايا البابوية». كان البيوريتانيون قوةً راسخة ومتنامية في الطبقة الوسطى الإنجليزية وبين كثير من أعضاء البرلمان، وكانوا يطالبون بإصلاح أعمق للكنيسة يُزيل ما تبقّى من تأثيرات كاثوليكية. وفي المقابل، كان تشارلز الأول متزوجاً من الأميرة الكاثوليكية هنريات ماريا الفرنسية، مما أثار هواجس البروتستانت الإنجليز الذين خشوا التأثير الكاثوليكي على بلاط الملك وسياسته الدينية. وحين حاول المطران وليام لود (Archbishop Laud) — الذراع الديني لتشارلز — فرض نظام ليتورجي موحّد على الكنيسة الاسكتلندية الكالفينية عام 1637م، كان ردّ الفعل ثورةً شعبية كاملة تشكّلت في حلف «المعاهدون» (Covenanters)، وهي الأزمة التي ستجبر الملكَ على استدعاء البرلمان بعد أحد عشر عاماً من الغياب، فاتحةً بذلك الباب الذي لن يُغلق.
[4]

التراكم نحو الانفجار

سنوات الحكم الشخصي: طغيان السنوات الإحدى عشرة

في عام 1629م، وبعد سلسلة من المشادات مع البرلمان حول الضرائب والدين والسياسة الخارجية، أقدم تشارلز على خطوة جذرية لم يُقدم عليها ملك إنجليزي من قبله بهذا الشكل المتعمد: أذن بحل البرلمان وأغلق أبوابه، وقرر الحكم دونه بصورة كاملة. امتدت هذه الحقبة المعروفة تاريخياً بـ«الحكم الشخصي» أو «طغيان السنوات الإحدى عشرة» (Eleven Years’ Tyranny) من 1629م حتى 1640م، وكانت محاولةً متعمدة لإثبات أن الملك قادر على الحكم دون حاجة إلى موافقة البرلمان. لتمويل خزينة الدولة دون اللجوء إلى آلية التصويت البرلمانية على الضرائب، ابتكر الملك وأعوانه مصادر دخل من خارج القانون المعهود: كانت أبرزها ضريبة «مال السفن» (Ship Money) التي كانت في الأصل ضريبةً طارئة تُفرض على الموانئ والمدن الساحلية في أوقات الحرب، فوسّع الملك نطاقها ليشمل المقاطعات الداخلية في وقت السلم عام 1634م، وهو ما رآه كثيرون انتهاكاً صريحاً لمبدأ «عدم الضريبة بلا تمثيل» الذي كان الميثاق الكبير (Magna Carta، 1215م) قد رسّخه منذ قرون.
[5]
وكان إدعاء تشارلز بحق فرض ضريبة السفن دون موافقة برلمانية قد أثار بالفعل دعوى قضائية شهيرة — قضية هامبدن (Hampden’s Case، 1637م) — حين رفض مزارع من باكينغهامشير يُدعى جون هامبدن دفعَ الضريبة محتجّاً بعدم شرعيتها، فنظرت فيها المحكمة وانتهت بأغلبية هزيلة إلى مصلحة الملك — وهو ما زاد بدلاً من أن يُهدئ، إذ أثار موجةً من النقاش العام حول حدود السلطة الملكية وحجية القانون.
[6]

العودة القسرية للبرلمان وانهيار التوازن

حين اشتعلت ثورة المعاهدين الاسكتلنديين رداً على محاولة الملك فرض كتاب الصلاة الأنغليكاني عليهم، وجد تشارلز نفسه أمام حرب متصاعدة في شماله دون الموارد المالية اللازمة لمواجهتها. اضطر في أبريل 1640م إلى استدعاء البرلمان بعد أحد عشر عاماً من الغياب، فجاء «البرلمان القصير» (Short Parliament) رافضاً منحه أي أموال قبل أن يُعالج مظالم طويلة المدة، فحلّه الملك بعد ثلاثة أسابيع فقط. غير أن ضغوط الأزمة الاسكتلندية دفعته في نوفمبر 1640م إلى استدعاء برلمان جديد أشدّ استعداداً للمواجهة، عُرف بـ«البرلمان الطويل» (Long Parliament) الذي سيبقى منعقداً — بأشكال متعددة وتحت سلطات متبدّلة — حتى عام 1660م. شرع البرلمان الطويل فوراً في سنّ قوانين تُقيّد السلطة الملكية وتجعل حلّه رهيناً بموافقته هو، وأطاح بكبار مستشاري الملك في مقدّمتهم إيرل ستراتفورد الذي أُعدم عام 1641م. وفي نوفمبر 1641م، تحدّت الكتلة البرلمانية بزعامة جون بيم الملكَ بإصدار «الاحتجاج الكبير» (Grand Remonstrance)، وهو قائمة طويلة بالشكاوى من سياسة الملك مصحوبة بمطالب جذرية بسيطرة البرلمانية على السياسة والدين والوزارة — وتبعها بوثيقة «الأحكام التسعة عشر» (Nineteen Propositions) في يونيو 1642م التي طالبت عملياً بتحويل إنجلترا إلى ملكية دستورية.
[7]

المحاولة الفاشلة لاعتقال أعضاء البرلمان: الشرارة الأخيرة

في الرابع من يناير 1642م، جسّدت محاولة تشارلز الأول الاعتيادَ القاطع مع كل تقاليد الدستور الإنجليزي العرفي: فقد توجّه شخصياً على رأس نحو أربعمئة جندي مسلح إلى مجلس العموم بهدف اعتقال خمسة من الأعضاء البارزين وفي مقدّمتهم جون بيم، متّهماً إياهم بالخيانة. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء قانونياً مثيراً للجدل؛ بل كانت انتهاكاً لمبدأ راسخ يقضي بأن الملك لا يدخل مجلس العموم ولا يُلقي القبض على أعضائه بنفسه. حين وصل الملك إلى مقاعد مجلس العموم، كان الأعضاء الخمسة قد تسرّبوا من النافذة الخلفية وفرّوا إلى الحماية الشعبية في لندن. أطلق الملك جملته الشهيرة يبحث عن أعضائه: «أرى أن الطيور قد فرّت» (I see the birds have flown). كان لهذا الفشل المُحرج أثرٌ معاكس تماماً لما أراده الملك: فقد صوّره خصومه صورةً أعدل دليلاً على الطغيان وعدم احترام سيادة البرلمان، وأذكى المشاعر الشعبية ضده في لندن. وفي أغسطس 1642م، رفع الملك راية الحرب في نوتنغهام رسمياً مُعلناً الحرب على البرلمان، وكانت الحرب قد بدأت.
[8]

الطور الأول: الحرب الأهلية الأولى (1642-1646م)

معركة إيدجهيل والتعادل المبكر

كان الطور الأول من الحرب الأهلية (1642-1646م) أكثر فتراتها تعقيداً وتشابكاً، إذ تخلّلته معارك ميدانية وحصارات مطوّلة ومناورات سياسية وتحالفات متحوّلة. واجهت المعركة الكبرى الأولى — معركة إيدجهيل في الثالث والعشرين من أكتوبر 1642م — الجيشين وكلاهما حديث التأسيس وقليل التدريب؛ انتهت المعركة بنتيجة غير حاسمة يدّعي فيها كلا الطرفين الفوز. وبنهاية عام 1642م، كان لكلٍّ من الجانبين جيوش تتراوح بين 60,000 و70,000 مقاتل. كان الملك يستند إلى قاعدة دعم في الشمال والغرب وويلز، متّخذاً من أوكسفورد مقراً لقيادته في مواجهة برلمان مستند إلى لندن والجنوب الشرقي والمناطق الصناعية الناشئة.
[7]
وكان من أبرز قادة الجيش الملكي الأمير روبرت، ابن شقيقة الملك، الذي برع في قيادة الفرسان لكنه تعوّد على شنّ هجمات اندفاعية تفقده السيطرة على جنوده في خضم المعركة بعد الدفع الأول، وهو ضعف تكتيكي سيتكشّف أثره في اللحظات الحاسمة. وفي المقابل، كان المزارع الكامبريدجي المجهول الاسم أوليفر كرومويل يرتقي بثبات في مناصب القيادة عبر صبر لافت في تدريب كتيبة فروسيته التي ستصبح النواة الصلبة لثورة عسكرية في صناعة الجيش.

التحالف مع الاسكتلنديين ومعركة مارستون مور

في أواخر عام 1643م، حقّق البرلمانيون انقلاباً دبلوماسياً حاسماً بإبرام «العهد الأمني» (Solemn League and Covenant) مع المعاهدين الاسكتلنديين، الذين وعدهم البرلمان بفرض النظام الكنسي الكالفيني في إنجلترا مقابل انضمامهم العسكري إلى جانبه. دفع هذا التحالف بجيش اسكتلندي قوامه نحو 21,000 مقاتل عبر الحدود إلى الشمال الإنجليزي، مما غيّر الموازين بصورة لافتة. في الثاني من يوليو 1644م، دارت معركة مارستون مور (Marston Moor) قرب يورك في أكبر مواجهة ميدانية في تاريخ الجزر البريطانية حتى تلك اللحظة، حيث التقى جيش اتحادي مشترك من البرلمانيين الإنجليز والاسكتلنديين بالجيش الملكي. وكان بروز كرومويل في هذه المعركة استثنائياً: قاد فرسانه بضبط لم تعهده جبهات الخيالة في تلك الحقبة، ولم يسمح لجنوده بالانفلات في مطاردة العدو المنهزم كما كان دأب خيالة الأمير روبرت، بل أعاد تجميعهم وتحويلهم إلى الاشتباك في نقاط أخرى من الميدان في الوقت المناسب. انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للملكيين وخسارة الشمال الإنجليزي بأسره أمام البرلمانيين.
[9]

الجيش النموذجي الجديد ومعركة نيزبي

أفرزت الأداء العسكري المتذبذب للجيوش البرلمانية في عام 1644م ضغطاً متصاعداً نحو الإصلاح الجذري. فبرغم الانتصار في مارستون مور، أخفق البرلمانيون في مواضع أخرى بسبب افتقارهم إلى وحدة القيادة والانضباط العسكري الثابت. في يناير 1645م، أصدر البرلمان «قانون الانكار الذاتي» (Self-Denying Ordinance) الذي يمنع أعضاء مجلسَي اللوردات والعموم من تولّي المناصب العسكرية — وهو ما أزاح قادة من طراز إيرل مانشستر ذوي الحماس الفاتر للحسم، وأتاح تعيين الجنرال توماس فيرفاكس قائداً أعلى للجيش المُعاد تنظيمه، مع استثناء استراتيجي لكرومويل ليتولّى قيادة الخيّالة. وكان الإنجاز الجوهري في هذه المرحلة إنشاء «الجيش النموذجي الجديد» (New Model Army): جيش قومي موحّد مموّل بصورة منتظمة من خزينة مركزية، يُجنَّد ضباطه وفق الكفاءة الموضوعية لا حسب الانتماء الطبقي، ويخضع لنظام انضباط صارم، ويُدار بأسلوب مهني لا يعرف التبعية للمناطق والمحليات — وكان بذلك أول جيش وطني بالمعنى الحديث في التاريخ البريطاني، وسيُعدّ لاحقاً السلف المباشر للجيش البريطاني النظامي الحديث.
[10]
في الرابع عشر من يونيو 1645م، خاض هذا الجيش معركة نيزبي (Naseby) في نورثامبتونشير، وكانت المواجهة الأكثر حسماً في الحرب بأكملها. واجه الجيش البرلماني قوامه نحو 14,000 جندي الجيشَ الملكي بقوة 7,000 رجل تحت القيادة المشتركة لتشارلز والأمير روبرت. أُقحم روبرت بهجوم فرسان اندفاعي معهود كاد ينجح في البداية، لكن كرومويل أمسك بخيّالته ودفعهم في الاتجاه الصحيح وفي التوقيت الصحيح، فانهار الوسط الملكي ودُمّرت المشاة الملكية الرئيسية تدميراً شاملاً. أُسر ما بين 4,000 و5,000 جندي ملكي، وغنم البرلمانيون كل مدفعية الملك وعرباته والأهم — رسائله الشخصية التي كشفت عن مفاوضاته السرية مع الأيرلنديين الكاثوليك وطلبه دعماً من القوى الأجنبية — مما دمّر ما تبقّى من صدقيته.
[11]

إعدام الملك والجمهورية

تسليم الملك ومحاكمته الفريدة

بعد معركة نيزبي، كانت الحرب على الصعيد العسكري محسومةً فعلياً وإن لم تنتهِ رسمياً. رفض تشارلز الاستسلام وواصل المناورة، فيرّ متخفياً إلى معسكر المعاهدين الاسكتلنديين في مايو 1646م أملاً في استغلال الخلاف بين البرلمانيين والاسكتلنديين لمصلحته. انتهى الأمر بأن باعه الاسكتلنديون للبرلمان الإنجليزي مقابل ثلاثمئة ألف جنيه، وهو ما أعطى الجانب البرلماني اليد العليا. مرّت سنوات من الأسر والمفاوضات أبدى فيها تشارلز نفس المرونة المزيّفة التي طبعت علاقته مع البرلمان قبل الحرب: يتفاوض، يُوحي بالقبول، ثم يتراجع متحيّناً الفرصة. في نوفمبر 1647م، فرّ من حراسته في القلعة الجزيرية وعقد سراً تحالفاً جديداً مع الاسكتلنديين مقابل وعود دينية، أشعل به الطور الثاني من الحرب الأهلية عام 1648م — وهو ما رآه كرومويل وقادة الجيش خيانةً لا تُغتفر بعد التضحيات الهائلة التي قُدّمت. حين سُحق هذا التمرد بسهولة نسبية، لم يبقَ في وجدان كثيرين من الضباط أمل في أي تسوية مع الملك الذي يستعد للحرب سراً بينما يتفاوض علناً. في ديسمبر 1648م، أجرى الكولونيل توماس برايد «تطهير برايد» (Pride’s Purge)، إذ طرد من البرلمان كل العناصر المتعاطفة مع الصلح مع الملك، تاركاً ما عُرف بـ«البرلمان الأذيال» (Rump Parliament) الذي أقدم على إعداد المحاكمة.
[8]
كان محاكمة ملك إنجليزي بتهمة الخيانة أمراً بلا سابقة في التاريخ الأوروبي، وعكست التحدي الفلسفي العميق الكامن فيها: فمن يملك صلاحية محاكمة ملك يرى أنه يستمد سلطته من الله؟ أُسّست هيئة قضاء استثنائية من مئة وخمسة وثلاثين قاضياً، رفض كثيرون منهم المشاركة، وغاب آخرون، فلم يحضر إلا سبعة وستون. ورفض تشارلز بدوره الاعتراف بشرعية المحكمة جملةً وتفصيلاً: «لا سلطة لأي محكمة أرضية أن تحاكمني» كان موقفه الثابت. وعلى الرغم من الرفض المعلن والغياب الواسع، صدر حكم الإعدام بأغلبية من حضر.
[12]

يوم الثلاثين من يناير 1649م: إعدام ملك

في يوم بارد من أيام الشتاء الإنجليزي، في الثلاثين من يناير 1649م، خرج تشارلز الأول ملتحياً بثياب متعددة كيلا تراه الجموع يرتجف من البرد فيُساء تفسير الأمر على أنه خوف، وأدّى صلاته، ثم سار بهدوء نحو منصة الإعدام المُقامة أمام قصر وايتهول في لندن أمام حشود صامتة متحيّرة. قال كلمات ألحق بعضها وصمة ببعض خصومه في ذاكرة التاريخ: «الشعب لا شأن له بالحكم، ولا حاجة للرعية أن تشترك في الحكومة، هذا ليس حقهم». ثم وضع رأسه على الحطب، وبضربة واحدة من الفأس أُنهيت حياته وأُعلنت نقطة التحوّل في تاريخ الملكية الأوروبية. وصفت الحاضرون — وفق الروايات المتعددة — ردّةُ فعل جماعية من الصدمة والبكاء بدلاً من الابتهاج، كأن إنجلترا التي شاهدت إعدام ملكها لم تكن متيقّنة تماماً مما فعلت.
[13]
وعلى الرغم من أن الإعدام كان في ظاهره انتصاراً لمبدأ مساءلة الحاكم، إلا أن عملية المحاكمة والتنفيذ كانت في جوهرها صنيعة أقلية عسكرية محدودة أخضعت البرلمان ذاته لإرادتها، وهو ما جعل الحدث ثورياً في منطوقه ومختلفاً في جوهره عن مبدأ السيادة الشعبية.

كرومويل والكومنولث والحماية

الكومنولث: التجربة الجمهورية الأولى

أعلن البرلمان في مارس 1649م إلغاء الملكية ومجلس اللوردات وتحويل إنجلترا إلى «كومنولث» (Commonwealth)، أي جمهورية. غير أن هذه الجمهورية لم تشهد فعلياً ذلك التحرر الديمقراطي الذي حلم به بعض المثاليين: فالبرلمان الأذيال المتبقي كان هيئةً ضيقة لا تمثيل شعبياً حقيقياً فيها، وكانت الجيوش تُهيمن على القرار السياسي. واجهت الجمهورية الوليدة تحدياتٍ فورية ضاغطة من كل الاتجاهات: ثورة أيرلندية مسلحة قاطعت أثناءها مجزرة دروغيدا (Drogheda) عام 1649م — حين أعدم كرومويل الحامية والكثير من السكان المدنيين — صفحةً دموية لا يزال أيرلنديون يذكرونها بمرارة حتى اليوم؛ وثورة اسكتلندية دعمت تشارلز الثاني ملكاً على اسكتلندا ثم على إنجلترا. قضى كرومويل على كلا التمردين بحملات عسكرية سريعة وحاسمة، أنهاها انتصاره في معركة وورسستر (3 سبتمبر 1651م) التي فرّ منها تشارلز الثاني متنكراً إلى المنفى في فرنسا.
[14]

أوليفر كرومويل: الثائر الذي أصبح طاغية

يُمثّل أوليفر كرومويل (1599-1658م) واحدة من أكثر الشخصيات تعقيداً وإشكاليةً في التاريخ البريطاني. كان مزارعاً من كامبريدجشير ذا إيمان بيوريتاني راسخ لم يتولَّ أي منصب قيادي عسكري قبل الحرب الأهلية، ثم ارتقى خلال سنوات قليلة ليصبح القائد العسكري الأبرز والرجل الأقوى في إنجلترا. في عام 1653م، سئم كرومويل من عجز البرلمان الأذيال عن الإصلاح وتحوّله إلى هيئة تتشبّث بامتيازاتها، فدخل قاعة البرلمان على رأس جنوده، وصاح في الأعضاء: «لقد عشتم طويلاً بما يكفي لأي الخير الذي تصنعونه، فرحلوا» (You have sat too long here for any good you have been doing. Depart, I say; and let us have done with you). فتحوّل الرجل الذي حارب الاستبداد الملكي إلى مصدر استبداد بديل. حكم بعدها حاكماً عاماً (Lord Protector) بصلاحيات شبه مطلقة، رفض تاجين اثنين عُرضا عليه لتتويجه ملكاً.
[15]
كانت سياسته الداخلية مثيرةً للجدل في آنٍ معاً: من جهة، أتاح قدراً من التسامح الديني لمختلف التيارات البروتستانتية وسمح لليهود بالعودة إلى إنجلترا لأول مرة منذ طردهم عام 1290م. ومن جهة أخرى، فرض نظاماً أخلاقياً بيوريتانياً صارماً أغلق المسارح وحظر الاحتفالات وقيّد اللهو العام — مما جعله يحتلّ في الوجدان الشعبي الإنجليزي مكانة ذات وجهين: البطل الوطني والطاغية الكئيب في آنٍ واحد. ولم يكن أحد يُدرك حجم اعتماد نظام الحكم على شخصيته وسلطته الكاريزماتية الشخصية حتى توفّي عام 1658م، فخلفه ابنه ريتشارد الذي أثبت أنه بلا الكفاءة والحضور اللازمين، واضطر للتنحي بعد تسعة أشهر.
[8]

الاستعادة والثورة المجيدة

عودة الملكية عام 1660م

مع تفسّخ نظام الحماية بعد وفاة كرومويل وفشل ابنه، وانزلاق إنجلترا إلى فراغ سياسي تتنافس فيه الفصائل البرلمانية والعسكرية المختلفة دون أفق، قرّر الجنرال جورج مونك — القائد العسكري البريطاني في اسكتلندا — التحرك. زحف من اسكتلندا إلى لندن في يناير 1660م ومكّن الأعضاء المُبعَدين سابقاً من العودة إلى البرلمان الذي صوّت فوراً على دعوة تشارلز الثاني للعودة إلى عرش آبائه. وصل تشارلز الثاني إلى لندن في الخامس والعشرين من مايو 1660م وسط احتفالات شعبية حارة، مُنهياً عقداً من التجارب الجمهورية التي أنهكت إنجلترا. جاءت الاستعادة محمّلةً بتسويات: أُعلن العفو العام عن معظم من قاتلوا ضد أبيه، باستثناء من وقّعوا على حكم الإعدام. وكان من المشاهد المُقلقة — بمنطق الانتقام لا بمنطق القانون — استخراج جثمان كرومويل من قبره بعد الاستعادة وشنقه رمزياً قبل قطع رأسه، وهو فعل كشف أن الإرث العاطفي للحرب لم يُشفَ منه.
[16]

الثورة المجيدة: الختام الدستوري

مثّلت الثورة المجيدة (Glorious Revolution، 1688م) الفصلَ الأخير والأكثر اتزاناً في المسيرة التي أطلقتها الحرب الأهلية. حين أقدم الملك جيمس الثاني — خلف أخيه تشارلز الثاني — على فرض سياسة تسامح ديني تصبّ في مصلحة الكاثوليك، وعيّن ضباطاً كاثوليكيين في مناصب قيادية، وتحدّى البرلمان في القضايا الجوهرية، وأنجب وريثاً يُتوقّع تربيته على الكاثوليكية — دفع البرلمانيون الإنجليز بدعوة موجّهة إلى الأمير ويليام الثالث من أورانج، الحاكم البروتستانتي لهولندا وزوج ابنة جيمس البروتستانتية ماري، ليأخذ العرش. أبحر ويليام بجيش هولندي في نوفمبر 1688م وأبحر نحو إنجلترا، فانسحبت جيوش جيمس واحداً تلو الآخر وفرّ الملك إلى فرنسا، وقبل ويليام وماري العرش مشروطاً بقبول «وثيقة الحقوق» (Bill of Rights، 1689م). أرست هذه الوثيقة التاريخية قاعدة دستورية راسخة: لا ضريبة ولا جيش دائم ولا تعليق للقوانين دون موافقة البرلمان، وحق رفع العرائض للملك محمي، والانتخابات حرة، والمحاكمات بحضور هيئة محلفين مكفولة. وكرّست بذلك مبدأ السيادة البرلمانية وهو المبدأ الذي ناضل من أجله البرلمانيون منذ الحرب الأهلية.
[17]

الأفكار الكبرى التي أنجبتها الحرب

مناظرات بوتني وبذور الديمقراطية الحديثة

من أخصب إرث الحرب الأهلية الإنجليزية الفكري مناظرات بوتني (Putney Debates، أكتوبر-نوفمبر 1647م)، وهي سلسلة نقاشات جرت داخل الجيش النموذجي الجديد بين الضباط من جهة وممثلين عن المقاتلين (الرقباء ومن في مرتبتهم) من جهة ثانية، تمثّل شقيفة نادرة في التاريخ السياسي الإنساني: الجدال الأول الموثّق بين قادة يرون أن نظام الاقتراع يجب أن يظل مقيّداً بالملكية والمكانة الاجتماعية، وممثلين عن «المستويين» (Levellers) الذين طالبوا بشيء صادم في عصرهم: حق اقتراع عام لكل رجل بريطاني بالغ بصرف النظر عن ملكيته أو مكانته الاجتماعية. قال أحد ممثلي المقاتلين توماس رينبورو في عبارة ستصبح من كلاسيكيات الفكر الديمقراطي: «أرى أن أفقر رجل في إنجلترا له حياة يحياها كما أغنى شخص فيها؛ ومن ثَمّ فأرى أن كل رجل يعيش في ظل حكومة ما ملزم أولاً بإعطاء موافقته لهذه الحكومة».
[2]
وعلى الرغم من أن كرومويل وإرتون أسكتا هذه المطالب وفرّقوا «المستويين» لاحقاً، إلا أن أفكار بوتني لم تمت؛ بل اختمرت وتحوّلت إلى الخميرة الفكرية التي أطعمت لاحقاً الفيلسوف جون لوك في نظريته عن العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان، والتي أطعمت عبر لوك الآباء المؤسسين الأمريكيين ومنظّري الثورة الفرنسية.
[18]

الأهمية التاريخية

في بنية الديمقراطيات الليبرالية

تحتل الحرب الأهلية الإنجليزية والثورة المجيدة التي أعقبتها مكانةً تأسيسية في نشأة الديمقراطيات الليبرالية الحديثة. فمبدأ «لا ضريبة دون تمثيل» الذي قاتل من أجله البرلمانيون الإنجليز صار الشعار المحوري للثورة الأمريكية، حين رأى المستعمرون الأمريكيون في سياسات لندن تجاههم تكراراً لما فعله تشارلز الأول مع البرلمان الإنجليزي. وقد صرّح الآباء المؤسسون الأمريكيون مراراً بأنهم كانوا يُدافعون عن «حرياتهم الإنجليزية» التقليدية لا عن ثورة ضد الإرث البريطاني. كما استمدّ الفيلسوف الفرنسي مونتسيكيو من دراسته للنظام الإنجليزي نظريته الشهيرة عن الفصل بين السلطات التي صبّها في «روح القوانين» (1748م)، وهي النظرية التي أصبحت ركيزة الدساتير الديمقراطية في العالم. وبهذا المعنى، كانت الحرب الأهلية الإنجليزية — بكل مآسيها ودمائها وتعقيداتها — المختبرَ السياسي الأول الذي حاولت فيه أمة أوروبية الإجابة عن الأسئلة الكبرى عن الحكم والسلطة والمساءلة في صورة عملية تشغيلية حيّة، قبل قرن كامل من الثورتين الأمريكية والفرنسية.
[19]

في التأريخ: الجدل الذي لم ينقضِ

ظلّت الحرب الأهلية الإنجليزية مجالاً للجدل التأريخي المتجدد عبر القرون. فالرؤية «الويغية» (Whig Interpretation) السائدة في القرن التاسع عشر صوّرتها ملحمةً تقدمية لا لبس فيها: برلمان ديمقراطي يُناضل ضد ملك مستبد، وكرومويل بطل التحرر الإنجليزي. وفي القرن العشرين، تحدّى المؤرخون الماركسيون هذا التأطير وأعادوا تقديمها ثورةً برجوازية يتصارع فيها الرأسمالي الزراعي الصاعد ضد الإقطاع الملكي. وفي مرحلة لاحقة، دعا مؤرخون من أمثال كونراد راسل وآخرون إلى التشكيك في فكرة أن الحرب كانت حتمية أيديولوجياً بدلاً من أن تكون محصّلة لأزمات مالية وإدارية وأخطاء شخصية بحتة. واليوم، يُجمع الدارسون على أن الحرب الأهلية الإنجليزية كانت من أكثر الأحداث تعقيداً في تاريخ الجزر البريطانية: لم تكن ثورة شعبية كاملة ولا مجرد نزاع فئوي ضيّق، بل كانت كل ذلك في آنٍ واحد، مصحوباً بسياق ديني ومالي وعسكري وجغرافي أُخرى متداخلة.
[20]

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
الحضارة الفارسية
حضارة إيرانية قديمة متعددة الأسرات
🔍