السياق التاريخي: من 1948 إلى عشية كامب ديفيد

لا يمكن فهم اتفاقيات كامب ديفيد في حقيقتها وأبعادها دون العودة إلى الخلفية التاريخية الممتدة من إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948م، مروراً بسلسلة من الحروب التي اندلعت بين العرب وإسرائيل وكانت مصر في طليعة المشاركين فيها. فمنذ إعلان الدولة الإسرائيلية في مايو 1948م واندلاع الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، كانت مصر تمثّل الثقل الاستراتيجي والعسكري الأكبر في المواجهة العربية مع إسرائيل. شاركت في حروب 1948م، و1956م (العدوان الثلاثي)، و1967م (النكسة)، و1973م (حرب أكتوبر)، وكان كل واحد من تلك الصراعات يُخلّف جروحاً جديدة ومعطيات جيو-سياسية مستجدة[7].

كانت حرب يونيو 1967م، المعروفة بـ”النكسة”، نقطة تحوّل جوهرية في تشكيل الظروف التي أفضت لاحقاً إلى كامب ديفيد؛ ففي ستة أيام خاطفة، استولت إسرائيل على سيناء وقطاع غزة من مصر، وعلى الضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، وعلى هضبة الجولان من سوريا. خرجت إسرائيل من تلك الحرب وهي تسيطر على أراضٍ تزيد مساحتها ثلاثة أضعاف أراضيها الأصلية، وتواجه تحدي ما سيُسمى لاحقاً “الأراضي المحتلة”. وبعد تلك الحرب، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الذي أصبح لاحقاً المرجعية الأساسية لكل المفاوضات بما فيها كامب ديفيد، ونصّ على مبدأ “الأرض مقابل السلام” وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. غير أن الجانب العربي ردّ في مؤتمر الخرطوم بـ”اللاءات الثلاث الشهيرة”: لا سلام، لا اعتراف، لا مفاوضات مع إسرائيل[8].

جاءت حرب أكتوبر 1973م التي أطلق عليها المصريون “حرب العبور” وأسماها الإسرائيليون حرب “يوم الغفران” لتُعيد رسم المشهد النفسي والسياسي من زاوية مختلفة؛ فقد اجتاحت القوات المصرية خط بارليف الذي كان يُعدّ منيعاً، وعبرت قناة السويس لأول مرة منذ 1967م، مستعيدةً بذلك قدراً من الكرامة العسكرية المُهانة. وقد أثّر ذلك النصر المصري الجزئي تأثيراً نفسياً بالغاً؛ فرأى الرئيس السادات أن مصر أعادت إحياء كرامتها العسكرية، وأن الوقت قد حان للتحرك نحو حل سياسي بدلاً من الاستمرار في الضخ العسكري في حرب استنزاف مكلفة[9]. كما أن تجربة 1973م أقنعت كثيراً من النخب السياسية والفكرية العربية بأن إسرائيل باتت واقعاً راسخاً في المنطقة لا يمكن محوه عسكرياً، وأن مسار التفاوض لا مناص منه، وإن كان ذلك الإقرار ظلّ محاطاً بالتحفظات والمحاذير.

في الفترة بين 1974 و1977م، جرى تبادل اتفاقيات فصل القوات بين مصر وإسرائيل من جهة، وبين سوريا وإسرائيل من جهة أخرى، بوساطة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر. وحين تولّى جيمي كارتر الرئاسة الأمريكية في يناير 1977م، كان الملف الشرق أوسطي في صدارة أولوياته، وسعى في البداية إلى إعادة إحياء مؤتمر جنيف الذي كان قد عقد جلسة واحدة يتيمة عام 1973م تحت الرعاية الأمريكية-السوفيتية المشتركة، لكن الديناميكيات السياسية المعقدة أعاقت تلك المساعي، لتجد الأحداث طريقها نحو مسار مختلف كلياً[10].

زيارة السادات للقدس: القفزة الكبرى التي أذهلت العالم

في التاسع من نوفمبر 1977م، وقف الرئيس أنور السادات أمام مجلس الشعب المصري في جلسة استثنائية، وبين الحضور زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ليُخرج من فمه عبارةً أحدثت صدمة ذهبت مذاهب العالم وفاجأت حتى المقربين منه: قال إنه مستعد للذهاب إلى إسرائيل نفسها ومخاطبة الكنيست من على منبره. صفّق له الحضور ظانّين أنه يُلقي خطاباً سياسياً من قبيل المجاز، وأن الرجل لن يُنفّذ فعلياً ما قاله[11]. غير أن السادات كان جاداً تمام الجدية، وما هي إلا أحد عشر يوماً حتى كانت طائرته تحطّ في مطار تل أبيب في التاسع عشر من نوفمبر 1977م، فيما ذهب وزير خارجيته إسماعيل فهمي إلى حد تقديم استقالته احتجاجاً.

استقبل الإسرائيليون ضيفهم العربي استقبالاً مهيباً لم يكن أحد يتوقعه، وكان الحدث كفيلاً بزعزعة كل اليقينيات القائمة في المنطقة؛ فمصر كانت تقنياً في حالة حرب مع إسرائيل حين قدِم السادات زائراً. قبل وصوله إلى الكنيست، صلّى السادات في المسجد الأقصى في القدس في أول يوم من أيام عيد الأضحى، وتوجّه إلى متحف يد فاشيم الذي يوثّق محرقة اليهود، وزار كنيسة القيامة. ثم وقف على منبر الكنيست الإسرائيلي ليُلقي خطاباً تاريخياً قال فيه: “اليوم أقولها وأُعلنها على العالم كله: إننا نقبل أن نعيش معكم في سلام عادل ودائم”[12]. وأكد في خطابه رفضه القاطع للسيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، ومطالبته بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة منذ عام 1967م، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. غير أن الخطوة نفسها كانت متناقضة مع هذه المبادئ؛ إذ أن مجرد الوجود على تلك المنصة كان اعترافاً ضمنياً بإسرائيل ومشروعية وجودها.

فجّرت الزيارة ردود أفعال مدوية عربياً؛ حيث أشعلت موجات الرفض والإدانة في العواصم العربية، ووصف المعارضون السادات بالخيانة والتآمر. خرجت سوريا واليمن الجنوبي وليبيا والجزائر بصوت واحد لإدانة الخطوة، وراح عرفات يرى في الزيارة طعنةً موجّهةً مباشرةً لظهر القضية الفلسطينية. لكن على الجانب الآخر، أحدثت الزيارة في الرأي العام العالمي أثراً مختلفاً تماماً؛ إذ رأى فيها كثيرون شجاعةً نادرة وبصيرة سياسية استثنائية، وشهدت شعبية السادات في الغرب ارتفاعاً ملحوظاً. أجرى بيغن زيارة مقابلة للإسماعيلية المصرية في ديسمبر 1977م، وجرت محادثات مباشرة في ذلك الشهر، لكنها لم تُسفر عن تقدم جوهري بسبب عمق الهوّة بين الموقفين على قضايا الضفة الغربية وغزة[13].

طريق كامب ديفيد: المراحل التمهيدية والتعثر الدبلوماسي

في أعقاب زيارة القدس، عاد مسار المفاوضات إلى الجمود النسبي؛ فبينما كانت مصر تتمسك بضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967م كأساس لأي اتفاق، كان موقف بيغن يتمحور حول رفض الانسحاب الكامل من الضفة الغربية وغزة. تراجعت وتيرة الاتصالات المصرية-الإسرائيلية المباشرة، وعاد الدور الأمريكي إلى الواجهة بقوة؛ إذ سعت إدارة كارتر خلال ربيع وصيف 1978م إلى إيجاد أرضية مشتركة بين الطرفين في ما يخص الانسحاب من سيناء والضفة الغربية وغزة[14].

في مارس 1978م، شنّت إسرائيل عمليةً عسكريةً كبيرة في جنوب لبنان رداً على هجمات منظمة التحرير الفلسطينية، مما أوجد توتراً إضافياً ومنح بيغن بعض المرونة الداخلية، لكنه كاد يُطيح بمسار المفاوضات. في تلك الأجواء، اتخذ كارتر قراراً جريئاً بدعوة الزعيمَيْن مباشرةً إلى المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد؛ مُراهناً برصيده السياسي الشخصي ومكانة الولايات المتحدة على نجاح تلك القمة. في أغسطس 1978م، وجّه الدعوة رسمياً، وقبلها الطرفان في سبتمبر[15].

كان الطرفان يصلان إلى كامب ديفيد بموازين قوى داخلية متباينة تماماً؛ فالسادات كان يحمل وطأة ثقيلة من الضغط الدولي والعربي المترتب على زيارة القدس، وكان على وعي بأنه “تخلّى عن ورقة الاعتراف بإسرائيل” مقدّماً قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، مما ضيّق هامش مناورته الدبلوماسية. أما بيغن فكان في وضع تفاوضي أقوى نسبياً؛ فالكنيست لم يكن يضغط عليه ضغطاً داخلياً قوياً، وكانت سيناء ورقة يمكنه تقديمها مقابل سلام دون أن يمسّ الضفة الغربية التي كان يعدّها جزءاً من “أرض إسرائيل الكاملة”[16].

ثلاثة عشر يوماً في الجبال: كواليس المفاوضات

في الخامس من سبتمبر 1978م، وصل الوفدان المصري والإسرائيلي إلى كامب ديفيد بالتزامن مع الرئيس كارتر وفريقه التفاوضي. كانت المنطقة محاطة بإجراءات أمنية مشددة، ومعزولة عن العالم الخارجي في قصد مدروس، بعيداً عن صخب الإعلام وضغوط الرأي العام. قضى الوفدان في تلك البيئة المعزولة ثلاثة عشر يوماً من التفاوض المضني، عبّر عنها المشاركون لاحقاً بالإحباط والأزمات والانهيار وإعادة البناء[17].

تكشف الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقاً من أرشيف إدارة كارتر أن المفاوضات مرّت بمراحل خطيرة كادت تودي بها؛ فقد بلغ التوتر ذروته في اليوم التاسع حين قرر السادات الانسحاب من المفاوضات ومغادرة كامب ديفيد، فيما ذهبت بعض الروايات إلى أن كارتر أقنعه بالبقاء في مشهد بالغ التأثير حين جاءه بصور أحفاده موقّعاً عليها من طرفه، ذاكراً أسماءهم، ومتوسلاً إليه بمستقبل الأجيال القادمة[18]. كما اصطدمت المفاوضات مراراً بعقبة المستوطنات الإسرائيلية في سيناء وصعوبة إقناع بيغن بإزالتها، وهو ما استدعى تدخلاً أمريكياً مباشراً وضمانات قاطعة. جرى تبادل 23 مسودة منقّحة قبل التوصل إلى الصياغة النهائية التي أُعلنت في مساء السابع عشر من سبتمبر 1978م.

صاغت المفاوضات فجوات واضحة في الرؤى؛ فقد جاء السادات إلى كامب ديفيد كما تنقل المصادر المصرية وهو “لا يريد أن يُساوم”، مكرراً مرجعيته الثابتة: قرار مجلس الأمن 242 وانسحاب إسرائيل الكامل، فيما كان كارتر وبيغن كلاهما مقتنعَين بأن السادات لن يوافق على أي وجود إسرائيلي في سيناء. أما الفريق الأمريكي فكان يراهن على أن الحصول على إطار مصري-إسرائيلي جزئي أفضل من الخروج بلا شيء، وأن الإطار الفلسطيني الأشمل يمكن أن يُعالَج لاحقاً[19].

تشريح الاتفاقيتَين: بنود الإطارَيْن المتمايزَيْن

أسفرت مفاوضات كامب ديفيد عن وثيقتَيْن مستقلتَيْن، كل واحدة منهما تعالج منظومة من القضايا المختلفة:

أولاً: إطار السلام في الشرق الأوسط: هذه الوثيقة الأشمل نطاقاً وضعت مبادئ للتعامل مع القضية الفلسطينية والوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة. بدأت ديباجتها بالإشارة إلى المبادرة التاريخية للسادات وزيارته للقدس، وزيارة بيغن المقابلة للإسماعيلية، وأكدت أن ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي توفر معايير لسير العلاقات بين الدول. ثم انتقلت إلى محورها الجوهري متناولةً مسارات القضية الفلسطينية في ثلاث مراحل[20]:

نصّت المرحلة الأولى على انسحاب إدارة الحكم العسكري الإسرائيلي وإدارتها المدنية من الضفة الغربية وغزة، فور انتخاب سلطة حكم ذاتي من سكان تلك المناطق. وأتاحت للأردن المشاركة في المفاوضات التفصيلية. أما المرحلة الثانية فنصّت على بدء مرحلة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات تُمنح فيها سلطة الحكم الذاتي الكاملة لسكان الضفة الغربية وغزة. وفي المرحلة الثالثة، تُجرى مفاوضات تحدّد الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة، ويُستهدف إبرام معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن. ونصّت على مشاركة مصر وإسرائيل والأردن وممثلين عن الشعب الفلسطيني في تلك المفاوضات. وكانت قضية القدس الشرقية وملف اللاجئين وحق العودة، غائبَيْن بصورة لافتة عن النص بسبب عجز الطرفين عن التوصل لأي توافق بشأنهما[21].

ثانياً: إطار إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل: هذه الوثيقة الأكثر مباشرةً ووضوحاً كانت تُرسي الأساس للمعاهدة الثنائية المزمع إبرامها لاحقاً. تضمّنت التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من كامل شبه جزيرة سيناء خلال ثلاث سنوات، وتفكيك المستوطنات والقواعد الجوية الإسرائيلية التي أقيمت فيها. في المقابل، تعهّدت مصر بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وفتح قناة السويس أمام السفن الإسرائيلية التي ظلت محظورة من المرور فيها منذ 1948م، وضمان حرية الملاحة في مضيق تيران وخليج العقبة. كما تضمّنت القبول بتحديد الوجود العسكري المصري في سيناء وإنشاء مناطق منزوعة السلاح على طول الحدود[22].

أضافت الولايات المتحدة إلى الصورة بُعداً مالياً وأمنياً جوهرياً؛ إذ التزمت بتقديم حزم مساعدات اقتصادية وعسكرية ضخمة للبلدين بصورة سنوية؛ فمصر حصلت على مليارات الدولارات سنوياً كمساعدات تصل في أغلب السنوات إلى حدود 1.5 مليار دولار في السنوات اللاحقة (الجزء الأكبر منها عسكري)، وحصلت إسرائيل بدورها على مساعدات مماثلة أو أكثر، فضلاً عن ضمانات أمنية استراتيجية أمريكية[23]. وقد رسّخت هذه المساعدات المديدة ارتباط مصر وإسرائيل معاً بالسياسة الأمريكية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً ظل يُشكّل التوجهات الاستراتيجية للبلدين في العقود التالية.

معاهدة السلام في مارس 1979م: التوقيع على أرض الواقع

في السادس والعشرين من مارس 1979م، وعلى أرض البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، وفي حضور الرئيس جيمي كارتر، وقّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن على معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، مُسدِلَيْن الستارَ رسمياً على عقود من حالة الحرب القائمة بين البلدين. كانت تلك لحظة بالغة الثقل التاريخي؛ فأول معاهدة سلام رسمية بين إسرائيل ودولة عربية توقّع أمام عيون العالم في مشهد إعلامي مدوٍّ. حملت المعاهدة في جوهرها ما نصّ عليه إطار كامب ديفيد، وأضافت إليه تفاصيل تنفيذية محددة[24].

نُفِّذت بنود المعاهدة المتعلقة بسيناء وفق الجدول الزمني المتفق عليه: انسحبت إسرائيل من الأجزاء الغربية من سيناء في أبريل 1979م، ثم من مزيد من الأراضي تدريجياً، وفكّكت مستوطناتها ومنها مدينة يميت التي شهدت مواجهات حادة بين المستوطنين الرافضين والجيش الإسرائيلي، وأكملت الانسحاب الكامل من سيناء في أبريل 1982م، بعد عام واحد من موعده المحدد. وقدّمت مصر التزامها بإقامة سفارات متبادلة وتبادل السفراء، وفتحت قناة السويس أمام السفن الإسرائيلية. وبقيت جزيرة طابا نقطة خلاف بين البلدين حتى صدر بشأنها حكم التحكيم الدولي عام 1988م لصالح مصر التي استعادتها في ما بعد[25].

الموقف الفلسطيني والعربي: رفض موحّد وعزل قاسٍ

بينما كان السادات وبيغن يتصافحان على أضواء الكاميرات، كانت العواصم العربية تستعد للرد بأقسى الوسائل الدبلوماسية المتاحة. عقد قادة الدول العربية قمة بغداد في نوفمبر 1978م، وأصدروا قراراتهم بإدانة مصر واتفاقيات كامب ديفيد، وحذّروها من عواقب وخيمة في حال مضيّها في إبرام معاهدة منفردة مع إسرائيل[26]. حين وقّعت مصر المعاهدة في مارس 1979م، نُفِّذت تلك العقوبات فعلاً:

علّقت جامعة الدول العربية عضوية مصر، ونقلت مقرّها من القاهرة إلى تونس في خطوة رمزية لها دلالتها الثقيلة؛ إذ كانت القاهرة هي المؤسِّسة والمضيفة للجامعة منذ تأسيسها عام 1945م. قاطعت العراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن الجنوبي مصر، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها. نظرت دول الخليج إلى الخطوة بمزيج من القلق والتحفظ. وعلى الصعيد المالي، أُوقفت المساعدات العربية الضخمة التي كانت تتدفق إلى مصر في أعقاب حرب أكتوبر، وعانت مصر من عزلة عربية وازنة أطفأت جزءاً من بريق الدبلوماسية المصرية الإقليمية[27].

رفضت منظمة التحرير الفلسطينية الاتفاقيات رفضاً قاطعاً؛ وكان أبرز أوجه ذلك الرفض أن الفلسطينيين لم يكونوا ممثَّلين أصلاً في مفاوضات كامب ديفيد، وأن منظمة التحرير لم تكن طرفاً في أي من الصيغتَيْن. ورأى الفلسطينيون في الإطار المتعلق بـ”الحكم الذاتي الانتقالي” خمس سنوات غير محددة المآل إضفاءً للشرعية على الاحتلال، وتحكيماً في مصيرهم دون استشارتهم. أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد رفضت هي الأخرى “إطار السلام في الشرق الأوسط” لكونه أُبرم خارج نطاق الأمم المتحدة وبلا مشاركة منظمة التحرير[28].

وصف المؤرخ الأمريكي ويليام كوانت الأستاذ في جامعة فيرجينيا الذي شارك بنفسه في مفاوضات ما أفضى إلى المعاهدة، أثرَ الاتفاقية على الوحدة العربية وصفاً لافتاً حين قال إن معاهدة 1979م كانت “ضربة للقومية العربية” وإنها “أفرغت الصف العربي من ثقله الاستراتيجي”، وإن سحب مصر من التوازن الإقليمي خلق فراغاً حاول صدام حسين ملأه بادعاء أنه “الناصر الجديد”، وأن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بيغن باتت تشعر بأنها قادرة على التصرف بجرأة أكبر في الضفة الغربية ولبنان في غياب ورقة الضغط المصرية[29].

اليوم أقولها وأُعلنها على العالم كله: إننا نقبل أن نعيش معكم في سلام عادل ودائم. أنتم تريدون العيش معنا في هذا الجزء من العالم. بكل صراحة أقول لكم: إننا نرحّب بكم بيننا، بأمان تام وأمان حق.
— أنور السادات، خطاب الكنيست الإسرائيلي، 20 نوفمبر 1977م

اغتيال السادات: ثمن السلام المدفوع بالدم

في السادس من أكتوبر 1981م، كانت القاهرة تحتفل بالذكرى الثامنة لحرب أكتوبر 1973م في عرض عسكري مهيب. جلس الرئيس أنور السادات على منصة الشرف يُراقب العرض، حين أوقفت إحدى الشاحنات العسكرية مسيرتها أمام المنصة، وقفز من فوقها مجموعة من العسكريين أطلقوا وابلاً من الرصاص على المنصة الرئاسية. أصيب السادات بعدة رصاصات ولفظ أنفاسه الأخيرة عصر ذلك اليوم. كان منفذو الاغتيال ينتمون إلى تنظيم الجهاد المصري المتطرف بقيادة خالد الإسلامبولي، وكانت اتفاقية السلام مع إسرائيل في صدارة دوافعهم المُعلنة[30].

كان اغتيال السادات لحظةً مأساوية تختزل بشكل دراماتيكي حجم الثمن الذي دفعه الرجل مقابل خياره للسلام. مات بيده رصاصات من أبناء وطنه الذين رأوا فيه خائناً للدين والأمة، وجاء موته بينما كانت مصر لا تزال في عزلتها العربية. خلفه نائبه محمد حسني مبارك رئيساً، فاختار مبارك الاستمرار في الالتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل مع إعادة الانخراط التدريجي في المحيط العربي، حتى أُعيدت مصر إلى جامعة الدول العربية عام 1989م وعادت الجامعة بمقرها إلى القاهرة. كان غياب مصر ثلاثة عشر عاماً كاملة قد أحدث تحولات جوهرية في موازين المنطقة ظلت آثارها حاضرة إلى ما بعد عودتها[31].

ظاهرة “السلام البارد”: سلام الحكومات دون سلام الشعوب

منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979م حتى اليوم، يصف المراقبون والباحثون العلاقة المصرية-الإسرائيلية بأنها “سلام بارد”؛ وهو توصيف جامع يُعبّر عن تناقض صارخ بين المستوى الرسمي الدبلوماسي من جهة، والواقع الشعبي والمجتمعي من جهة أخرى. فعلى المستوى الرسمي، التزم الطرفان بالمعاهدة التزاماً صارماً طوال أربعة وأربعين عاماً؛ تبادلا السفراء، وفتحا حدودهما لحركة التجارة والسياحة رسمياً، وتعاونا في الملفات الأمنية المتعلقة بسيناء وقطاع غزة، وأبقيا على التنسيق الاستراتيجي حول الملف الفلسطيني. أما على المستوى الشعبي، فتحكي الأرقام قصةً مختلفة: نسبة التبادل التجاري ظلت متواضعة نسبياً لعقود، والسياحة الشعبية المتبادلة ظلت دون مستواها المأمول، والمشاعر الشعبية المصرية تجاه إسرائيل حافظت على طابعها السلبي السائد في أوسع شرائح الرأي العام[32].

أجلى وصف لهذا الواقع جاء على لسان محمد أنور السادات نجل شقيق الرئيس الراحل، إذ قال: “ما زال هناك حاجز نفسي بيننا وبين الشعب الإسرائيلي”، مشيراً إلى أن السلام “ظلّ دوماً بارداً”. ويقول المحللون إن هذا البرود مردّه جملة من العوامل؛ أبرزها التعاطف الشعبي العميق في مصر مع القضية الفلسطينية، وما يُعبّر عنه الرأي العام المصري من رفض للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، فضلاً عن الهوية القومية والإسلامية التي لا تجد في التطبيع الشعبي مع إسرائيل موقفاً ثقافياً مريحاً[33].

وقد عرفت العلاقة توترات عدة في تاريخها؛ فمع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000م، استدعت مصر سفيرها من إسرائيل ولم تُعيده إلا بعد سنوات. وحين أسقطت الثورة المصرية نظام مبارك في فبراير 2011م، اندلعت مطالبات شعبية بإلغاء المعاهدة أو مراجعتها، لكن المؤسسة العسكرية المصرية التي تولّت إدارة المرحلة الانتقالية آثرت الحفاظ على ثوابت المعاهدة. ثم جاءت أحداث أغسطس 2011م حين لقي خمسة من عناصر الأمن المصري حتفهم إبان عملية إسرائيلية في سيناء، فاستُدعي السفير المصري مؤقتاً[34].

كامب ديفيد والقضية الفلسطينية: الإطار الذي لم يُنفَّذ

من أشد ما يُميّز اتفاقيات كامب ديفيد إثارةً للجدل مآل الإطار المتعلق بالقضية الفلسطينية؛ ذلك الإطار الذي حمل وعوداً بالحكم الذاتي الانتقالي لخمس سنوات تُجرى خلالها مفاوضات تحدّد الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة. في الواقع، لم يُطبَّق هذا الإطار تطبيقاً حقيقياً أبداً. رفضه الفلسطينيون ابتداءً، وعقبت عليه إسرائيل بصورة تراجعية حين أعلن بيغن بعد وقت قصير من التوقيع أن إسرائيل لن تتخلى عن ادعاء سيادتها على الضفة الغربية وغزة، وأن “السلطة الحاكمة الذاتية المنتخبة” لا تعني أكثر من حكم ذاتي إداري محدود[35].

وبدلاً من تقليص المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية استعداداً للمفاوضات، تضاعفت وتيرة الاستيطان في السنوات التي أعقبت كامب ديفيد؛ إذ بات بيغن يرى أن الإطار المصري-الإسرائيلي لم يُقيّده في الضفة الغربية التي يعتبرها جزءاً من الحق التاريخي اليهودي. وقد تجلّى أحد الأوجه الكبرى لتراجع إسرائيل عن روح كامب ديفيد في قرار ضمّ القدس الشرقية عام 1980م والإعلان عن “قانون القدس” الذي أعلن القدس الموحدة عاصمةً أبدية لإسرائيل، وهو ما استنكره المجتمع الدولي واعتُبر انتهاكاً صريحاً لروح اتفاقيات كامب ديفيد[36].

لم يأتِ التقدم الفعلي في اتجاه مسار السلام الفلسطيني إلا بعد أكثر من عقد ونصف، حين جاءت اتفاقيات أوسلو عام 1993م التي تضمّنت بنوداً بشأن الضفة الغربية وغزة تشابه في جوهرها ما نصّ عليه إطار كامب ديفيد. فمنحت أوسلو السلطة الفلسطينية حكماً ذاتياً في أجزاء من الأراضي الفلسطينية، وشكّلت ما يمكن اعتباره محاولةً لتطبيق جزء مما عجز عنه إطار كامب ديفيد. بيد أن اتفاقيات أوسلو هي الأخرى ظلت ناقصة التطبيق واصطدمت بعقبات جوهرية حالت دون تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة التي كانت الهدف المُعلَن[37].

الإرث الاستراتيجي: ما غيّرته كامب ديفيد في المنطقة

رغم كل انتقاداتها وإشكالياتها، أحدثت اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المترتبة عليها تحولات جوهرية في موازين الشرق الأوسط الاستراتيجية لا يمكن التغافل عنها. وصف المؤرخ الأمريكي ديفيد ليش في كتابه “الصراع العربي-الإسرائيلي: تاريخ” أن كامب ديفيد “أنهى الصراع العربي-الإسرائيلي في صورته الأصلية”. فسحب القوة العسكرية الأكبر عربياً من معادلة المواجهة مع إسرائيل أعاد رسم خريطة القدرات العسكرية الإقليمية بصورة جذرية[38]. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، أتاحت معاهدة كامب ديفيد لإسرائيل أن تُخصّص مواردها العسكرية والاستراتيجية في اتجاهات أخرى غير الجبهة المصرية التي كانت الأثقل تاريخياً.

على صعيد مصر، حقّقت استرداد سيناء كاملةً بأراضيها ونفطها وثرواتها، وأفلتت من دورة الحروب المتعاقبة مع إسرائيل، وانتقلت من التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى الشراكة مع الولايات المتحدة في قفزة أحدثت تحولاً جذرياً في توجهاتها الخارجية والأمنية. وأتاحت لها الضخ المالي الأمريكي الذي موّل قدراً من تحديث جيشها وبنيتها التحتية. غير أن الثمن كان باهظاً: العزلة العربية، واغتيال قائدها، وإرث الاستقطاب الداخلي. أما على صعيد المنطقة الأشمل، فقد مهّد مسار كامب ديفيد الطريق لاتفاقيات السلام اللاحقة؛ فمعاهدة وادي عربة الأردنية-الإسرائيلية عام 1994م، واتفاقيات أبراهام الخليجية-الإسرائيلية عام 2020م، كلها تُدرج في سياق الأثر التحريكي الذي أحدثه “سابقة كامب ديفيد” في كسر حاجز الاعتراف العربي بإسرائيل[39].

قراءة نقدية: ما الذي أخفقت فيه كامب ديفيد؟

يُجمع معظم الباحثين والمحللين الموضوعيين على أن اتفاقيات كامب ديفيد حقّقت نجاحاً واضحاً في جانبها الثنائي المصري-الإسرائيلي، لكنها أخفقت إخفاقاً جوهرياً في جانبها الشمولي المتعلق بالقضية الفلسطينية وسبيل حلّها. يرى الباحث في مؤسسة بروكينغز ويليام كوانت الذي شارك في مفاوضات كامب ديفيد مستشاراً بالوفد الأمريكي، أن “جوهر معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل احتُرم من كلا الطرفين، لكن الوعد الكامل بالسلام والعلاقات الطبيعية لم يتحقق”[40].

من أبرز نقاط الإخفاق: أن الاتفاقية اقتصرت على طرفَيْن بينما أقصت الأطراف الفلسطينية والعربية الأخرى، فأفقدتها الطابع الشمولي الذي كانت تدّعيه في إطارها الأول. وأن الغموض المتعمد في صياغة الجانب الفلسطيني أتاح لكل طرف تفسيره وفق مصالحه، فاتّخذه بيغن ذريعةً لتوسيع الاستيطان بدلاً من تقليصه. وأن إقصاء منظمة التحرير الفلسطينية جعل أي إطار فلسطيني مبتوراً، إذ لا شرعية لأي تمثيل فلسطيني يتجاوزها. وأن غياب قضية القدس وملف اللاجئين من الاتفاقية جعل أعسر القضايا وأكثرها إشعالاً للصراع بلا معالجة.

وفي قراءة نقدية أعمق، يرى بعض الباحثين أن كامب ديفيد رسّخت نمط “اتفاقيات الحكومات” بمعزل عن الشعوب، وأسّست لنموذج “السلام البارد” الذي يُبقي على الدفء الرسمي مع غياب الاندماج الشعبي الحقيقي؛ وهو نموذج ظلّ يُلقي بظلاله على كل محاولات التطبيع اللاحقة في المنطقة. وقد دفع بعضهم بأن الاتفاقية ضخّمت وهم إمكانية الفصل بين السلام مع مصر والسلام الشامل، وأن هذا الوهم أعطى إسرائيل هامشاً واسعاً من الحرية الاستراتيجية مكّنها من التمادي في الضفة الغربية ولبنان بدون الكابح المصري[41].

جائزة نوبل للسلام وتقدير العالم: وجهان للتاريخ

في أكتوبر 1978م، منحت لجنة جائزة نوبل النرويجية جائزة السلام مشتركةً للرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء مناحيم بيغن، تقديراً للدور الذي أدّياه في تحقيق اتفاقية السلام بين بلديهما. كانت اللجنة تُشدّد على أهمية كسر حاجز الحرب العربية-الإسرائيلية المتكررة وإنشاء سابقة السلام الثنائي في منطقة لم تعرف إلا العداء والاقتتال. وقد استقبل السادات الجائزة وسط عاصفة من الانتقادات العربية التي رأت في تكريمه إشكاليةً سياسية لا مديحاً أخلاقياً. أما بيغن فكان لديه مناقبية سياسية مميزة جعلت تكريمه بجائزة السلام لافتاً؛ إذ كان قبل دخوله العمل السياسي زعيماً لمنظمة إرغون المسلحة التي صنّفتها بريطانيا منظمةً إرهابية[42].

كما أن الرئيس كارتر نفسه نال جائزة نوبل للسلام عام 2002م، ولا شك أن دوره في كامب ديفيد كان حاضراً بقوة في الاعتبارات التي أوصلت لمنحه الجائزة، وإن استندت الجائزة رسمياً إلى مجمل جهوده في مجال حل النزاعات وحقوق الإنسان طوال مسيرته.

كامب ديفيد في الأدب الأكاديمي: قراءات ومراجع مؤثّرة

أفرزت اتفاقيات كامب ديفيد أدباً أكاديمياً وتحليلياً ثرياً؛ ففي مقدمة المراجع المؤثرة كتاب ويليام كوانت “كامب ديفيد: صنع السلام وسياسة السلام” (1986م) الذي يُعدّ من أكثر المراجع التفصيلية دقةً وعمقاً، إذ كتبه مشارك مباشر في المفاوضات. وفي “الاتفاقية: رواية شخصية” كتب كارتر نفسه سردياته عن المفاوضات التي أشرف عليها. كما تناول المؤرخ الإسرائيلي إبراهيم بن تسفي الأبعاد الإسرائيلية الداخلية للمفاوضات. وعلى الجانب العربي، قدّمت المصادر المصرية المعتمدة على أرشيف الرئاسة جانباً من الرواية المصرية لتلك الأحداث[43].

خاتمة: السلام الناقص ومستقبل مفتوح

مضى نصف قرن على زيارة السادات للقدس، وأكثر من أربعة وأربعين عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، وما زال المشهد في المنطقة يُجسّد التناقض الذي أرسته كامب ديفيد في أوضح صوره: سلام ثنائي راسخ بين القاهرة وتل أبيب، وصراع لم ينتهِ بين الفلسطينيين وإسرائيل يزداد تعقيداً ودموية مع تصاعد الاستيطان وتراجع أفق الحل. لم تكن كامب ديفيد معجزة السلام الشامل التي روّجت لها الدبلوماسية الأمريكية، لكنها لم تكن خيانة مطلقة كما تصوّرها منتقدوها الأكثر حدّةً. كانت حلاً جزئياً لمشكلة جزئية؛ أوقفت الحرب بين مصر وإسرائيل، لكنها لم تضع حداً للنزاع الجوهري على الأرض والحق والهوية والمصير.

يبقى السؤال الجوهري: ماذا لو اختار السادات طريقاً مختلفاً؟ ماذا لو أبقى على ورقة الوحدة العربية وورقة الاعتراف مُضمَّتَيْن في مسار شامل بدلاً من مسار ثنائي؟ هل كانت ستتحقق الدولة الفلسطينية، أم أن موازين القوى الإقليمية والدولية كانت ستحول دون ذلك في كل الأحوال؟ أسئلة تظل في دائرة الجدل الأكاديمي والتاريخي الحي، وتشهد على أن اتفاقيات كامب ديفيد ليست صفحةً طُويت، بل ملفاً لا يزال مفتوحاً في قلب واحدة من أعقد معادلات السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين[44].