🔍
اضغط Esc للإغلاق • Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية أدوية أعراض طبية أمراض شائعة أمراض نادرة التاريخ الجغرافيا القارات تخصصات طبية
الرئيسية / غیر مصنف / إبادة الأمريكيين الأصليين
غیر مصنف

إبادة الأمريكيين الأصليين

👁 7 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 5/6/2026 ✏️ 5/6/2026
100%
Spanish genocide1.jpg

تُعدّ إبادة الأمريكيين الأصليين واحدةً من أضخم الكوارث الديموغرافية والإنسانية في تاريخ البشرية قاطبةً، إذ تمتدّ جذورها إلى اللحظة التي وطئ فيها كريستوفر كولومبوس شواطئ العالم الجديد عام 1492م، ولا تنتهي بانقضاء القرن التاسع عشر، بل تتواصل تداعياتها المتشعّبة حتى اليوم. وقد أفضى هذا المسار الطويل من الإبادة المتعمّدة إلى انهيار ديموغرافي مهول، حتى ليُقدّر الباحثون في جامعة كوليج لندن، بقيادة الدكتور ألكسندر كوخ، أن ما يزيد على 55 مليون إنسان من السكان الأصليين في الأمريكيتين قد لقوا حتفهم بين عامَي 1492 و1600م جرّاء الحروب والمجازر والأوبئة المُدخَلة[1]. ولم تقتصر هذه الإبادة على الفناء الجسدي، بل شملت أبعاداً بالغة التعقيد والعمق: من الحرب البيولوجية الممنهجة، إلى سياسات الترحيل والتهجير القسري، وصولاً إلى الإبادة الثقافية التي استهدفت اللغة والهوية والموروث الحضاري لهذه الشعوب. وقد انخرطت في هذه الجرائم قوى استعمارية متعاقبة، في مقدّمتها الإمبراطوريات الإسبانية والبريطانية والفرنسية، ثم الدولة الأمريكية الوليدة التي رفعت شعار «القدر الجليّ» — Manifest Destiny — ذريعةً لامتلاك القارة وإزاحة أصحابها الأصليين بأيّ وسيلة كانت.

ولا يزال المجتمع الأكاديمي منقسماً حول التصنيف الدقيق لهذه الأحداث؛ فبينما يصفها كثير من علماء دراسات الإبادة الجماعية بأنها «الهولوكوست الأمريكي»، يميل بعض المؤرخين في مجال التاريخ الأمريكي إلى وصف حوادث بعينها بـ«التطهير العرقي» دون اعتبارها إبادةً شاملة. غير أن الوثائق الحكومية والسجلات العسكرية والشهادات الشفهية لهذه الشعوب تُشكّل مجتمعةً صرحاً من الأدلة التي يصعب دحضها، إذ تكشف عن نمطٍ ممنهج وإراديٍّ استهدف تدمير هذه الجماعات دماراً شاملاً في وجودها الجسدي وتراثها الثقافي واستقلاليتها السياسية.

إبادة الأمريكيين الأصليين — معلومات إجمالية
الفترة الزمنية 1492م — القرن العشرون (الآثار مستمرة حتى اليوم)
الموقع الجغرافي القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية
الضحايا شعوب أمريكا الأصلية (مئات الأمم والقبائل)
تقديرات الوفيات أكثر من 55 مليون (1492–1600م)
[1]؛
انهيار ديموغرافي بنسبة 90% من إجمالي السكان[2]
أساليب الإبادة قتل جماعي، حرب بيولوجية، ترحيل قسري، تجويع ممنهج، إبادة ثقافية، استعباد
الجهات المرتكِبة الإمبراطورية الإسبانية، الإمبراطورية البريطانية، الإمبراطورية الفرنسية، الحكومة الأمريكية، المليشيات الاستيطانية[2]
الدوافع الأيديولوجية الاستعمار الاستيطاني، عقيدة «القدر الجليّ»، العنصرية، التبشير المسيحي، الطمع في الأراضي والموارد
أبرز المجازر مجزرة ساند كريك (1864)، مجزرة ووندد نى (1890)،
مجزرة ماريز ريفر (1870)، مجزرة بير ريفر (1863)
[2]
أبرز السياسات التشريعية قانون إبعاد الهنود 1830، قانون داوز 1887، سياسة المدارس الاستيعابية 1879
التصنيف القانوني الدولي محلّ جدل: إبادة جماعية وفق معظم علماء دراسات الجينوسايد؛ «تطهير عرقي» وفق بعض المؤرخين الأمريكيين
تعداد الناجين اليوم نحو 9.7 مليون (2020م) يُعرّفون أنفسهم كلياً أو جزئياً بانتمائهم للشعوب الأصلية[3]

أولاً: حضارات أمريكا الأصلية قبل الاستعمار الأوروبي

قبل أن يلوح الطيف الأوروبي في أفق القارة الأمريكية، كانت هذه الأراضي الشاسعة تضجّ بحياة حضارية متنوعة وثرية. يُقدّر الباحثون وجود ما بين 500 و600 أمة وقبيلة أصلية مختلفة، كلٌّ منها تمتلك نظامها السياسي ولغتها وموروثها الثقافي المتميز. وتتباين التقديرات العلمية للكثافة السكانية لهذه المنطقة تبايناً كبيراً؛ فبينما يُرجّح الاعتقال السكاني المحافظ وجود 5 إلى 7 ملايين نسمة شمالي المكسيك وقت وصول كولومبوس، تذهب تقديرات أكثر جرأةً ومستندة إلى أبحاث حديثة إلى أن العدد قد يبلغ 15 مليوناً أو يتجاوزه في مناطق شمال أمريكا وحدها
[2].
وعلى صعيد أمريكا اللاتينية والكاريبي، فإن التقديرات المجمّعة للأمريكيتين تُراوح بين 40 و60 مليون نسمة، مما يجعل القارة من أكثر مناطق العالم ازدهاراً من حيث الكثافة السكانية في عصرها.

وكانت هذه الحضارات تمثّل تنوعاً هائلاً: من حضارة المايا والأزتيك في الجنوب بما أبدعته من علوم فلكية ورياضية وهندسية راسخة، إلى اتحاد هوديناشوني (الإيروكوا) في الشمال الشرقي الذي أرسى نموذجاً ديمقراطياً في الحوكمة يرى كثير من الباحثين أنه أثّر لاحقاً في صياغة الدستور الأمريكي، وصولاً إلى حضارات المسيسيبي في المركز التي شيّدت مدنها الضخمة وأقامت شبكات تجارية متشعبة. وكانت هذه الشعوب تمتلك علاقة رمزية ووجدانية عميقة بأرضها، بعيدة عن مفهوم «التملّك» الأوروبي بمعناه القانوني والاقتصادي الضيّق.

ثانياً: وصول الأوروبيين والانهيار الديموغرافي المهوّل

في أكتوبر عام 1492م، رسا كريستوفر كولومبوس على شواطئ جزر الكاريبي، فأطلق بذلك سلسلة من الأحداث المتتالية التي أفضت إلى أكبر انهيار سكاني تشهده القارة في تاريخها المُدوَّن. ففي جزر الباهاماس وحدها، وهي نقطة الوصول الأولى، كان يقطن ما بين 60,000 ومليوني نسمة من شعب اللوكايو (أراواك)؛ فلما استولى عليها البريطانيون في مطلع القرن السابع عشر، كان هذا الشعب قد محي محواً شبه تام
[4].
وكان كولومبوس نفسه قد بدأ بممارسة الاستعباد والعنف منذ أسابيعه الأولى؛ إذ أسر في إحدى حملاته نحو 500 شخص من السكان المحليين لبيعهم رقيقاً في إسبانيا، ومات منهم نحو 200 في أثناء الرحلة العابرة للمحيط
[4].

وعلى امتداد القرن التالي، شهد النزيف البشري تسارعاً مذهلاً. فقد خلص فريق من الباحثين في جامعة كوليج لندن بقيادة ألكسندر كوخ، في دراسة نُشرت ضمن مجلة Quaternary Science Reviews عام 2019م، إلى أنه بين عامَي 1492 و1600م وحدهما، لقي نحو 90% من سكان الأمريكيتين الأصليين حتفهم، أي ما يعادل 55 مليون إنسان، جرّاء الحروب والعنف المباشر والأوبئة والأمراض المُستجلَبة
[1].
وبنهاية الحروب الهندية في أواخر القرن التاسع عشر، لم يبقَ من السكان الأصليين في الأراضي الأمريكية سوى أقل من 238,000 نسمة، بعد أن كانت التقديرات تُشير إلى وجود 5 إلى 15 مليون شخص حين وصول كولومبوس
[2].

وقد أذكت هذا التدمير جملةٌ من العوامل المتشابكة: فالجشع الاستعماري في الاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية كان المحرّك الرئيسي، وإليه انضاف العجرفة العرقية التي طغت على مخيّلة المستوطنين، إذ رأوا في الأمريكيين الأصليين «بدائيين وثنيين» يجب إخضاعهم أو إزالتهم في خدمة ما وصفوه بـ«مسيرة الحضارة». وقد أضفى اللاهوت المسيحي في صيغته الاستعمارية مباركةً دينية على هذا التوحّش، إذ رأى بعض رجال الكنيسة أن «تنصير الوثنيين» يُسوّغ انتزاع أراضيهم وتقييد حريتهم، بل وإبادتهم إن أبدوا مقاومة.

ثالثاً: الحرب البيولوجية وتوظيف الأوبئة أداةً للإبادة

يُمثّل توظيف الأوبئة سلاحاً ضد الشعوب الأصلية أحد أكثر الفصول إثارةً للجدل الأخلاقي والقانوني في هذا التاريخ. فمن المقرّر علمياً وتاريخياً أن الشعوب الأصلية لم تكن تمتلك أي مناعة مكتسبة ضد الأمراض التي جلبها الأوروبيون معهم عبر المحيط؛ كالجدري والحصبة والأنفلونزا والكوليرا وغيرها. وقد حصدت هذه الأوبئة ملايين الأرواح قبل أن يتمكّن المستوطنون من الانتشار جغرافياً، حتى إن بعض القبائل فقدت ما بين 50% و90% من أفرادها في موجة وبائية واحدة.

غير أن المسألة تتجاوز مجرّد الانتقال العرضي للأمراض؛ إذ ثمة أدلة تاريخية موثّقة تُثبت أن بعض القادة الأوروبيين عمدوا إلى توظيف الأوبئة توظيفاً متعمّداً كسلاح إبادة. ومن أبرز هذه الحالات ما جرى عام 1763م في سياق انتفاضة بونتياك؛ حين أوصى الجنرال الإنجليزي جيفري أمهرست، القائد العام للقوات البريطانية في أمريكا الشمالية، ضابطاً من مرؤوسيه صراحةً بـ«توزيع بطانيات ملوّثة بالجدري» على قبائل أمريكية عدائية كوسيلة للقضاء عليهم. وقد أُثبتت صحة هذه الوثائق عبر المراسلات المحفوظة
[5].
وهذه الواقعة تُعدّ من أقدم الأمثلة الموثّقة على الحرب البيولوجية في التاريخ الحديث.

وفي كاليفورنيا خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1846 و1873م، تراجع عدد السكان الأصليين من نحو 150,000 إلى 30,000 نسمة، أي بنسبة انهيار تبلغ 80%
[6].
وقد جاء هذا التراجع نتيجة مزيج مركّب من القتل المتعمّد الذي مارسته مليشيات المستوطنين والجيش، والأوبئة، والتجويع الممنهج عبر تدمير مصادر الغذاء التقليدية. ولم يكن الاستعباد بعيداً عن هذه المعادلة، إذ جرى اختطاف ما بين 10,000 و27,000 شخص ليُستخدموا عمالةً قسرية، كان من بينهم 4,000 إلى 7,000 طفل
[6].

رابعاً: المجازر الكبرى والإبادة الجسدية الممنهجة

شنّت الحكومة الأمريكية وجيشها وسلطات الولايات ما يزيد على 1,500 حرب وهجوم وغارة ضد الشعوب الأصلية، وهو الرقم الأعلى في العالم بالنسبة لأي دولة في تعاملها مع شعوبها الأصلية
[2].
وقد اتّسمت الاستراتيجية العسكرية في أغلب الأحيان بالتعمّد في استهداف المدنيين، وإبادة القرى والمخيمات بمن فيها من نساء وأطفال وشيوخ، بهدف إخماد أي مقاومة وإذكاء الرعب بين القبائل الأخرى.

1. مجزرة ساند كريك (29 نوفمبر 1864م)

تُمثّل مجزرة ساند كريك نموذجاً صارخاً على الوحشية المنظّمة التي مارستها القوات الأمريكية بحق مجتمعات سلمية. ففي فجر ذلك اليوم البارد من خريف عام 1864م، شنّت وحدات فرسان كولورادو — بقيادة العقيد جون تشيفنغتون — هجوماً مباغتاً على مخيم سلمي يجمع أفراداً من قبيلتَي شايان (الشيان) وأراباهو في جنوب كولورادو. وكان الزعيم «الدب الرابض» (Black Kettle) قد رفع العلمَين الأبيض والأمريكي فوق خيمته إيذاناً بالسلام ووفاءً باتفاقياتٍ أبرمها مع الحكومة الفيدرالية. غير أن تشيفنغتون أمر بالهجوم دون تردد، فراح ما بين 150 و200 شخص ضحايا المجزرة، غالبيتهم من النساء والأطفال والمسنّين
[2].
وقد تفاخر المهاجمون لاحقاً بالفظائع التي ارتكبوها، بما في ذلك تشويه الجثث وأخذ أجزاء منها «تذكاراتٍ»، ثم عرض هذه المغانم أمام الجمهور على مسرح في دنفر. وقد أجرت لجنة من الكونغرس تحقيقاً في الحادثة وأدانت ما وصفته بـ«الوحشية الهمجية»، لكن الإفلات من العقاب ظلّ الطابع السائد.

2. مجزرة ووندد نى (29 ديسمبر 1890م)

شكّلت مجزرة ووندد نى الستار الختامي الدموي لما يُعرف تاريخياً بـ«الحروب الهندية» في القرن التاسع عشر. ففي ذلك اليوم الشتائي القارس من ديسمبر 1890م، أحاط الفوج السابع من سلاح الفرسان الأمريكي بمجموعة من اللاكوتا (سيو) المنهكة تضمّ النساء والأطفال والمسنّين، كانت في طريقها إلى محمية باين ريدج هرباً من الجوع والبرد. وفي محاولة لنزع أسلحة المعسكر، انطلقت رصاصة لا يزال مصدرها موضع جدل، فردّت قوات الفوج السابع بإطلاق نيران كثيفة، بما في ذلك مدافع هوتشكيس الجبلية الأربعة التي حاصدت الأرواح بلا رحمة. وتتراوح تقديرات الضحايا بين 150 و300 من اللاكوتا، فيما كانت نحو نصفهم من النساء والأطفال
[7].
وقد منحت الحكومة الأمريكية 19 من الجنود المشاركين في العملية «وسام الشرف»، وهو أرفع وسام عسكري أمريكي، مما أثار موجة من الاحتجاج والسخط من منظمات حقوق الإنسان على مدى عقود
[7].
ومن الدلالات العميقة أن تكون هذه المجزرة قد وقعت بحق قبيلة كانت تؤدّي طقوس «رقصة الأرواح» (Ghost Dance)، وهي طقس روحاني سلمي يطلب فيه الأمريكيون الأصليون من أرواح أجدادهم العودة وإعادة العالم القديم؛ فكان ردّ الجيش على هذه الصرخة الوجدانية اليائسة رصاصاً ومدافع.

3. مجزرة غناديهوتن (8 مارس 1782م)

تُعدّ مجزرة غناديهوتن من أشدّ حوادث العنف إيلاماً من الناحية الأخلاقية؛ إذ أقدم فصيل من المليشيا الأمريكية على قتل 96 شخصاً من هنود ديلاوير المعمّدين الذين اعتنقوا المسيحية وكانوا يعيشون حياة سلمية تحت رعاية الإرساليات الدينية في ولاية بنسلفانيا. وقد عكست هذه المجزرة بجلاء أن التحوّل الديني والاستيعاب الثقافي لم يكونا يحميان الأمريكيين الأصليين من القتل؛ فالعنصرية المتجذّرة لدى قطاعات واسعة من المستوطنين كانت تتجاوز الانتماء الديني أو درجة الاندماج الثقافي
[2].

4. الإبادة الجماعية في كاليفورنيا (1846–1873م)

أفرز اندفاع الذهب والتوسّع الأمريكي في كاليفورنيا واحدةً من أشدّ حلقات الإبادة وطأةً على صعيد الكثافة الزمنية ووضوح التعمّد. فبعد أن ضمّت الولايات المتحدة كاليفورنيا عقب الحرب المكسيكية الأمريكية (1846–1848م)، اندفعت موجات من المستوطنين إليها، وبدأت العمليات العسكرية والأعمال الانتقامية التي يصفها المؤرخون بـ«الصيد البشري»؛ حيث كانت الحكومة الكاليفورنية تدفع مكافآت ثمناً لفروة رأس الأمريكيين الأصليين وجثثهم. وقد وصل عدد الضحايا من العنف المباشر إلى ما بين 9,000 و16,000 شخص وفق الباحث بنجامين مادلي، مع استمرار الانهيار الديموغرافي الشامل
[6].

خامساً: قانون الإبعاد الهندي ودرب الدموع

في الثامن والعشرين من مايو 1830م، أمضى الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون على وثيقة مصيرية عُرفت بـ«قانون إبعاد الهنود» (Indian Removal Act)، فمنح بذلك الحكومة الفيدرالية صلاحية قانونية لنقل جميع الأمم الأصلية من شرقي نهر المسيسيبي قسراً إلى «أرض الهنود» غربه
[8].
وعلى الرغم من أن القانون نصّ نظرياً على أن عمليات النقل ينبغي أن تتمّ طوعاً وسلمياً، فإن الرئيس جاكسون وإدارته انتهكا هذا الشرط بشكل ممنهج، وكثيراً ما لجأا إلى الإكراه والقوة العسكرية لإتمام عمليات الترحيل
[9].

وكانت قبيلة شيروكي من أبرز الأمم التي حاولت مقاومة هذا التهجير القسري بالطرق القانونية؛ إذ رفعت دعاوى قضائية وصلت إلى المحكمة العليا الأمريكية، التي أصدرت في قضية «وورسيستر ضد جورجيا» (1832م) حكماً صريحاً لصالح الشيروكي، مؤكدةً أن ولاية جورجيا لا تملك صلاحية التصرّف في أراضي القبيلة. بيد أن الرئيس جاكسون رفض تطبيق الحكم رفضاً مطلقاً، ويُنسب إليه القول الشهير: «لقد أصدر القاضي مارشال حكمه، فليذهب ليُنفّذه بنفسه!». وهكذا جرى تجاهل سيادة القانون وأُفرغت المؤسسة القضائية من مضمونها حين تعلّق الأمر بحقوق الشعوب الأصلية
[10].

وفي خريف وشتاء عامَي 1838 و1839م، أجبرت القوات العسكرية الأمريكية 16,000 فرد من قبيلة شيروكي على مغادرة أراضي أجدادهم في جورجيا والكارولينا الشمالية وتنيسي، سيراً في رحلة قاسية عبر أكثر من 1,600 كيلومتر من البرد والجوع والمرض. أُطلق على هذه المسيرة اسم «درب الدموع» أو «درب البكاء»، وقد حصدت في طريقها أرواح نحو 4,000 شخص من الشيروكي أي ما يعادل ربع الشعب كله، ليقضوا نحبهم جراء الجوع والبرد والأمراض والإرهاق الجسدي
[8].
ولم تكن مأساة الشيروكي حادثةً منفردة؛ فقد طالت سياسة الإبعاد القبائل الخمس الكبرى الموصوفة بـ«المتحضّرة»: شيروكي وشوكتو وكريك وشيكاساو وسيمينول. وتُشير التقديرات الإجمالية المستندة إلى السجلات القبلية والعسكرية إلى أن ما يقارب 100,000 فرد أُجبروا على مغادرة ديارهم، وأن نحو 15,000 منهم ماتوا في رحلة الترحيل
[10].

وقد جاءت أرقام ضحايا مختلف القبائل كاشفةً عن حجم الكارثة: فقد خسر شعب الشوكتو ما بين 25% و35% من أفراده في أثناء ترحيله الإجباري، وكذلك الشيكاساو والكريك والسيمينول
[11].
وفي المجمل، أسفرت سياسة الإبعاد عن تطهير عرقي لكامل شرق المسيسيبي من ساكنيه الأصليين، وفتح هذه الأراضي الشاسعة أمام المستوطنين البيض ومزارعي القطن ونظام العبودية الراسخ.

سادساً: الإبادة الثقافية — مدارس الاستيعاب القسري

يُمثّل نظام مدارس الاستيعاب القسري أحد أكثر الوجوه إثارةً للصدمة الأخلاقية في مسار الإبادة؛ لأنه استهدف هذه المرة الهوية الجوهرية للشعوب الأصلية: لغتها وذاكرتها وانتمائها الحضاري. فمنذ عام 1819م وحتى الستينيات من القرن العشرين، انخرطت الحكومة الأمريكية — بتعاون وثيق مع مؤسسات الكنيسة المسيحية — في سياسة ممنهجة لانتزاع الأطفال الأصليين من عائلاتهم وقبائلهم وإرسالهم قسراً إلى مدارس داخلية بعيدة، تحت شعار «اقتل الهندي وأنقذ الرجل»
[12].

كان ريتشارد هنري برات، الضابط العسكري الأمريكي، مؤسّس هذا النظام وصاحب شعاره الكريه؛ إذ أسّس عام 1879م مدرسة كارلايل الهندية الصناعية في بنسلفانيا، التي غدت نموذجاً نُسخ عنه أكثر من 400 مدرسة داخلية أخرى
[12].
وكانت المنهجية العملية لهذه المدارس تقوم على محاور متعدّدة: حلق رؤوس الأطفال وسلبهم ملابسهم الأصلية وإلباسهم زيّاً موحداً، ومصادرة أسمائهم وإعطاؤهم أسماء أنجلو-أمريكية بديلاً، وتحريم لغاتهم الأمّ تحريماً مطلقاً تحت طائلة العقوبة الجسدية، وإخضاعهم لتعليم قائم على إهانة موروثهم وتشويه تاريخهم
[12].

وقد بلغ عدد الأطفال في هذه المدارس 20,000 بحلول عام 1900م، ثم تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات بحلول عام 1925م
[13].
وقد عانت هذه المدارس من اكتظاظ حاد وسوء تغذية وغياب شبه تام للرعاية الطبية، فضلاً عن ما تكشف عنه شهادات الناجين من أعمال استغلال وإساءة جسدية وجنسية. وقد وثّقت تحقيقاً حكومياً أُعدّ عام 1928م وعُرف بـ«تقرير ميريام» هذه الأوضاع المأساوية، إذ أدان صراحةً نقص الغذاء والاكتظاظ وسوء الرعاية الصحية والعمل الإجباري الاستغلالي
[12].

وقد وصف مؤرّخون وعلماء دراسات الإبادة هذا النظام بأنه «إثنوسايد» أي إبادة هويّاتية تهدف إلى القضاء على الجماعة ليس بإفناء أجسادها، بل بمحو روحها الجماعية وانتمائها. وذهب بعض الباحثين إلى أن معدلات الوفاة الجراثيمية المرتفعة داخل المدارس، إلى جانب منع المواليد ضمن مجموعات عرقية مستهدفة — وهو ما تُقرّه الاتفاقية الأممية لمنع الإبادة الجماعية بوصفه أحد مظاهرها — يُرقّي هذا النظام إلى مستوى الإبادة الجماعية بمفهومها القانوني الدولي
[14].

سابعاً: الأيديولوجيا والتشريع في خدمة الإبادة

لم تكن الإبادة التي طالت الأمريكيين الأصليين مجرّد تفجّر للعنف الفوضوي، بل كانت في أغلب أحيانها إبادةً مُقنَّنة ومُمنهجة استندت إلى منظومة متكاملة من المبررات الفكرية والقانونية. فعلى الصعيد الديني، كانت «عقيدة الاكتشاف» (Doctrine of Discovery) إطاراً قانونياً صدرت به مراسيم بابوية في القرن الخامس عشر، تُقرّ للقوى الأوروبية المسيحية الحق في الاستيلاء على أراضي «الشعوب غير المسيحية» واعتبارها أراضي مكشوفة غير مستوطنة، بصرف النظر عن وجود ملايين البشر عليها فعلياً. وقد استُند إلى هذه العقيدة في قرارات قضائية أمريكية عليا، أبرزها حكم المحكمة العليا في قضية «جونسون ضد مكينتوش» (1823م)، الذي أرسى مبدأ أن الشعوب الأصلية لا تملك أراضيها ملكيةً كاملة، بل مجرّد حق استخدام يمكن انتزاعه.

وعلى الصعيد الأيديولوجي الدنيوي، برزت عقيدة «القدر الجليّ» (Manifest Destiny) في أربعينيات القرن التاسع عشر إطاراً خطابياً دعا إلى اعتبار توسّع الأمريكيين البيض من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهادئ قدراً إلهياً محتوماً وحضارياً ضرورياً. وكان في ثنايا هذا الخطاب افتراض ضمني بأن كل ما يعترض هذا التمدّد — بما في ذلك الشعوب الأصلية — ينبغي إزالته. وقد أسهمت الصحافة والأدب والخطاب السياسي الأمريكي في تغذية هذه الأيديولوجيا وترسيخها في الوجدان الشعبي.

وقد جاء «قانون داوز» (Dawes Act) عام 1887م ليُحكم الخناق على ما تبقّى من أراضي الشعوب الأصلية؛ إذ قسّم الأراضي القبلية الجماعية إلى قطع فردية وزّعت على الأسر، وفتح ما «فاض» عن هذا التوزيع للاستيطان الأبيض. وبهذه الطريقة فقدت الشعوب الأصلية بحلول عام 1934م نحو 90 مليون فدان من أصل 138 مليون فدان كانت في حوزتها قبيل تطبيق القانون، أي ما يعادل ثلثي ممتلكاتها الأرضية في غضون نصف قرن.

ثامناً: جدل التصنيف القانوني — هل تنطبق مصطلحات الإبادة الجماعية؟

يمثّل سؤال التصنيف القانوني والأكاديمي لهذه الأحداث ساحةً ساخنة من النقاش الأكاديمي والسياسي. فالمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها — التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1948م — تُعرّف الإبادة الجماعية بأنها «الأعمال المرتكبة بقصد التدمير الكليّ أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية». ويرى علماء بارزون في مجال دراسات الإبادة الجماعية أن الوقائع المتعلقة بالأمريكيين الأصليين تستوفي هذا التعريف استيفاءً تاماً، لا سيما أن أفعالاً عديدة تندرج ضمنه قد تكررت بصورة موثّقة، من بينها: القتل المباشر لأعضاء الجماعة، والإلحاق المتعمّد لظروف معيشية يُقصد بها الإفناء الجسدي، وإكراه الجماعة على تدابير تمنع الإنجاب، والنقل القسري للأطفال.

في المقابل، ثمة تيار من المؤرخين الأمريكيين يُقرّ بهول المأساة، لكنه يفضّل تحديد حوادث بعينها بدلاً من اعتبار الظاهرة برمّتها إبادةً موحّدة، مستنداً إلى أن بعض الوفيات ناجمة عن الأوبئة دون تعمّد، أو إلى أن السياسات اتسمت أحياناً بعدم الاتساق. غير أن المنتقدين يردّون بأن غياب الاتساق لا يُلغي وجود النمط الممنهج، وأن الإبادة لا تشترط مرسوماً مركزياً صريحاً، بل يكفي إثبات «القصد» من مجموع الأنماط الموثّقة. وقد أسهم المفكّر وورد تشيرشل في كتابه الشهير A Little Matter of Genocide (1997م) في تأطير هذا الجدل، مستنكراً ما وصفه بإنكار إبادة الشعوب الأصلية في الوقت الذي يُعترف فيه بإبادات أخرى
[15].

تاسعاً: الإرث التاريخي والواقع المعاصر للشعوب الأصلية

لا يزال أثر هذه الإبادة الممتدة حاضراً بجلاء في واقع الشعوب الأصلية في الولايات المتحدة اليوم. فعلى الرغم من ارتفاع عددهم من أدنى مستوياته في مطلع القرن العشرين إلى نحو 9.7 مليون نسمة بحلول تعداد 2020م يُعرّفون أنفسهم كلياً أو جزئياً بانتمائهم الأصلي
[3]،
تظل مؤشرات التنمية البشرية تكشف عن هوّة عميقة بين هذه الجماعات وسائر الجماعات الأمريكية. فمعدلات الفقر بين الشعوب الأصلية القاطنة في المحميات تبلغ أضعاف المعدل الوطني، وتتصدّر هذه الجماعات قوائم وفيات الأمومة ومعدلات السكّري والسلّ وإدمان الكحول والأمراض المزمنة. ويُعزو الباحثون هذه الفجوات إلى مفهوم «الصدمة التاريخية» (Historical Trauma)، أي التراكم الجيلي لجراح الإبادة التي لم تُعالَج ولم تُقرّ الدولة بها قراراً رسمياً كاملاً.

وعلى صعيد الاعتراف الرسمي، أصدر الكونغرس الأمريكي عام 1988م قانون الحقوق المدنية للهنود (Civil Liberties Act) الذي اعترف بجرائم الحرب العالمية الثانية ضد الأمريكيين من أصل ياباني وعوّضهم. لكن اعترافاً مماثلاً بما لحق بالأمريكيين الأصليين لم يصدر حتى اليوم بصيغة رسمية شاملة. وفي عام 2009م، تضمّن قانون التخصيص الدفاعي اعتذاراً رسمياً من الكونغرس للشعوب الأصلية عن معاملتها، غير أن هذا الاعتذار أُدرج في هامش القانون دون تسليط ضوء إعلامي، ودون أن يترتّب عليه أي إجراء تعويضي. وفي عام 2021م، أعلنت إدارة بايدن عن مبادرة لتحقيق في إرث مدارس الاستيعاب القسري، وأصدرت وزارة الداخلية تقريراً موسّعاً وثّق تاريخ هذه المدارس وما خلّفته من آثار مدمّرة — وهو خطوة اعترف بها كثيرون لكنهم رأوا أنها لا تزال قاصرة عن معالجة جذور المأساة.

وعلى صعيد اللغات والهوية الثقافية، يُشير علماء الأنثروبولوجيا اللغوية إلى أن أكثر من 300 لغة أصلية كانت تُتكلّم في أمريكا الشمالية قبيل الاستعمار؛ فباتت الغالبية العظمى منها اليوم في خبر كان، وعلى حافة الانقراض المحقّق. وتبذل مجتمعات الشعوب الأصلية جهوداً حثيثة لإحياء لغاتها وتراثها، لكنها تخوض هذه المعركة من موقع ضعف ديموغرافي واقتصادي بالغ لم يتشكّل من فراغ، بل هو ثمرة مرّة لقرون من الإبادة المتعمّدة.

خاتمة: بين الإقرار والمسؤولية التاريخية

لا يمكن فهم تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأمريكية بمعزل عن هذا الواقع الذي أسّسه التدمير الممنهج للشعوب الأصلية. فالثروات التي تقوم عليها الاقتصادات الأمريكية الحديثة، والأراضي التي قامت عليها مدنها الكبرى، وإلى حدٍّ ما الهياكل السياسية التي صاغت قيمها — كل هذا كان يقتضي انتزاع هذه الأرض ممن كانوا يسكنونها. ويرى كثير من الباحثين أن الاعتراف الصريح بهذه الحقيقة التاريخية ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرط أساسي لأي تسوية عادلة مع ما يعانيه أحفاد تلك الشعوب حتى اليوم.

ومهما اختلف الباحثون حول التسميات والتصنيفات القانونية، فإن الأرقام الصارخة والوقائع الموثّقة تجعل هذه الصفحة واحدةً من أثقل صفحات التاريخ الإنساني وطأةً على الضمير. وإن درس التاريخ الذي تُملقيه هذه الفصول إنما هو درسٌ في أخطار التمييز العرقي والأيديولوجيا الاستعمارية وغياب المساءلة، دروس لا تتقادم بمرور الزمن، بل تزداد إلحاحاً وراهنيةً.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
أبارتهيد جنوب أفريقيا
فصل عنصري مؤسسي بقوة القانون
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
اتفاقية كامب ديفيد
سلام ثنائي غيّر موازين المنطقة
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الدولة العثمانية
إمبراطورية إسلامية حكمت ستة قرون
اتفاقية الطائف
وثيقة الوفاق الوطني اللبناني ١٩٨٩
🔍