🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / الإمبراطوريات / حضارة الإنكا
الإمبراطوريات

حضارة الإنكا

👁 7 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 4/8/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

حضارة الإنكا أعظم إمبراطوريات أمريكا ما قبل الكولومبية وأوسعها امتداداً وأكثرها تنظيماً وإدهاشاً في تاريخ القارة الأمريكية بأسرها؛ قامت في قلب جبال الأنديز بجنوب أمريكا وبلغت ذروتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حتى باتت تُسيطر على رقعة جغرافية ضخمة تمتد على نحو أربعة آلاف كيلومتر من أطراف كولومبيا الجنوبية شمالاً حتى منتصف تشيلي جنوباً، شاملةً البيرو وإكوادور وبوليفيا والأرجنتين الشمالية الغربية في أكبر إمبراطورية عرفتها الأمريكيتان عبر تاريخهما كله
[1].
أسماها أبناؤها “تاوانتينسويو” (Tawantinsuyu) بمعنى “أرض الأقاليم الأربعة” في لغة الكيتشوا، وعاصمتها مدينة كوسكو المقدسة التي اعتبروها سرّة العالم وملتقى الكون. وما يستوقف الباحث في هذه الإمبراطورية الضخمة أنها قامت وازدهرت وأدارت ملايين البشر وشيّدت منجزاتها المعمارية الباهرة دون استخدام العجلة أو الحيوانات الجرّارة الثقيلة أو الأدوات الحديدية أو منظومة كتابية أبجدية بالمعنى الكامل، مستعيضةً عن الكتابة بنظام “الكيبو” (Quipu) البديع من الحبال المعقودة الذي أتاح تدوين الأعداد والإحصاءات والمعلومات الإدارية بكفاءة رائعة
[2].
وقد أقام الإنكا شبكة طرق تمتد على أكثر من أربعين ألف كيلومتر تتخللها الأنفاق والجسور المعلقة وتربط الإمبراطورية من أطرافها بعاصمتها، وشيّدوا مدناً جبلية كماتشو پيتشو تُحيّر العقول بدقتها المعمارية وتناسقها مع الطبيعة الجبلية، وطوّروا زراعة مدرجات الجبال لاستثمار أقل قطعة خصيبة في البيئة الأنديزية الصعبة، وأنشأوا نظاماً اقتصادياً قائماً على العمل الإلزامي التبادلي (الميتا) لا على النقود، في تجربة حضارية فريدة لا مثيل لها في تاريخ العالم.

حضارة الإنكا
التسمية بالكيتشوا Tawantinsuyu — تاوانتينسويو (أرض الأقاليم الأربعة)
الفترة الزمنية نحو 1200م (مملكة كوسكو) – 1572م (سقوط فيلكابامبا)
ذروة الإمبراطورية 1438 – 1533م (من عهد باتشاكوتي حتى إعدام آتاهوالبا)
الموقع الجغرافي جبال الأنديز والساحل الغربي لأمريكا الجنوبية
العاصمة كوسكو (Cusco / Qosqo)
اللغة الرسمية الكيتشوا (Quechua) مع أكثر من 700 لغة محلية
نظام التسجيل الكيپو (Quipu) — حبال معقودة للتسجيل الإداري
نظام الحكم ملكية إلهية مطلقة يتربّع عليها “سابا إنكا” (ابن إله الشمس)
عدد السكان في الذروة نحو 10–12 مليون نسمة من أكثر من 100 مجموعة عرقية
أبرز الحكام
المؤسس الأسطوري مانكو كاباك (Manco Cápac) — نحو 1200م
الفاتح الأعظم باتشاكوتي (Pachacuti) — 1438–1471م
آخر الأباطرة آتاهوالبا (Atahualpa) — أُعدم 1533م
الإسهامات الكبرى زراعة المدرجات، الكيپو، شبكة الطرق، العمارة الحجرية بلا مونة
COSMALORE · الموسوعة العربية

الجغرافيا والبيئة الأنديزية

جبال الأنديز: مسرح الحضارة الأصعب

لا يمكن فهم حضارة الإنكا بمعزل عن البيئة الجغرافية القاسية التي نشأت في أحضانها وتفاعلت معها بإبداع بالغ التميّز؛ إذ إن سلسلة جبال الأنديز التي تمتد على طول الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية تُعدّ من أطول السلاسل الجبلية وأشدها وعورةً في العالم، وتضم قمماً تتجاوز ستة آلاف متر وهضاباً شاسعة (الآلتيبلانو) تقع على ارتفاعات تتراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف متر فوق مستوى البحر. وقد فرضت هذه البيئة الجبلية المرتفعة تحديات جمّة: شُح الأكسجين في الهواء، وتقلبات مناخية حادة تتراوح بين البرودة الشديدة ليلاً والدفء نهاراً، وشُح الأراضي الزراعية المنبسطة الخصيبة، وصعوبة التواصل بين المجتمعات المتفرقة على سفوح الجبال. فضلاً عن ذلك، تتشابك مع الأنديز أقاليم بيئية متباينة: الساحل الجاف الضبابي (الديزيرتو كوستيرو) المطل على المحيط الهادئ، والغابة الاستوائية الكثيفة (سيلفا) في السفوح الشرقية المحاذية للأمازون، والسهول الجنوبية (الپاتاغونيا). وقد واجه الإنكا هذه التحديات بحلول هندسية إبداعية جعلت حضارتهم نموذجاً فريداً في الاستجابة للبيئة القاسية: فنظام المدرجات الزراعية (أندينس) حوّل السفوح المنحدرة إلى حقول منتجة، ونظام الطرق المدهش ربط الأقاليم المتباينة بشبكة تواصل كفوءة، والتنوع الزراعي والتبادل بين مناطق الارتفاع المختلفة وفّر غذاءً متنوعاً وطاقة اقتصادية ثرية.

الأقاليم الأربعة وهندستها الإدارية

قسّم الإنكا إمبراطوريتهم الشاسعة إلى أربعة أقاليم إدارية كبرى (سويو) تلتقي زواياها جميعاً عند مدينة كوسكو العاصمة في منظومة إدارية هرمية بالغة الإتقان: شينتشايسويو (الشمال الغربي) نحو إكوادور وكولومبيا الجنوبية، وأنتيسويو (الشمال الشرقي) نحو الغابات الأمازونية، وكونتيسويو (الجنوب الغربي) نحو الساحل الجاف، وكولياسويو (الجنوب الشرقي) نحو بوليفيا وتشيلي والأرجنتين. وكان هذا التقسيم يعكس في جوهره الاتجاهات الكونية الأربعة في الكون الإنكاوي، ويرمز إلى هيمنة العاصمة كوسكو على الجهات الأربع بوصفها مركز الوجود وسرّة الأرض. وتحت كل سويو جاء تقسيم إداري دقيق ينزل إلى مستوى الوحدات القبلية (آيو) والأسر المعيشية الفردية التي كانت تُعدّ للضريبة ويُوزّع عليها العمل الإلزامي بنظام المحاصصة. وكانت كوسكو نفسها مُخططةً على شكل ويضكاتشا (الپوما المقدسة) من منظور الطائر في إشارة إلى التوتيم الملكي الإنكاوي، مؤلفةً من قسمَين علوي (هانان كوسكو) وسفلي (هورين كوسكو) يعكسان الثنائية الكونية المحورية في التفكير الأنديزي.

التاريخ والأصول

الجذور الأسطورية والتاريخية (1200–1438م)

تنسج الرواية الأسطورية لنشأة حضارة الإنكا قصةً إلهية آسرة؛ إذ يؤمن الإنكا بأن مانكو كاباك أول ملوكهم وشقيقته-زوجته ماما أوكيو كانا ابنَي إله الشمس إنتي، أخرجهما أبوهما الإلهي من جوف بحيرة تيتيكاكا المقدسة (التي تعتلي هضبة الآلتيبلانو على ارتفاع 3812 متراً بين بيرو وبوليفيا) وأمرهما بالسير شمالاً حتى يغوص عصا ذهبية أعطاها لهما في التربة، فحيثما استقرّ العصا تكون الأرض المختارة لتأسيس الحضارة. وعند وادي كوسكو انغرست العصا وبنى الإثنان مدينتهما. غير أن الرواية التاريخية المستندة إلى الأدلة الأثرية ترسم صورة أكثر تدرجاً وتعقيداً: فقد نشأ كيان سياسي إنكاوي أولي في منطقة كوسكو منذ نحو القرن الثالث عشر الميلادي، وكان في بداياته مجرد قبيلة صغيرة تتشارك حوض كوسكو مع مجموعات قبلية أخرى منافسة. وخلال القرنَين الثالث عشر والرابع عشر ووسط القرن الخامس عشر توسّعت هذه المملكة الناشئة تدريجياً عبر التحالفات والزيجات السياسية والحروب المحدودة مع القبائل المجاورة في نطاق وادي كوسكو والمناطق المحيطة به، قبل أن يأتي باتشاكوتي ليُحوّل هذه المملكة الإقليمية الصغيرة إلى إمبراطورية عالمية في غضون عقود قليلة.

باتشاكوتي: مُحوِّل العالم وباني الإمبراطورية (1438–1471م)

يُجمع المؤرخون على أن باتشاكوتي (Pachacuti، ومعناها “مُحوِّل العالم” أو “زلزال الزمن”) هو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية الإنكاوية بمعناها الكامل، وربما أعظم قائد سياسي وعسكري عرفته الأمريكيتان في تاريخهما ما قبل الكولومبي. كان قبل توليه العرش الأمير الثاني في ترتيب الخلافة حين أطلّت قبائل تشانكا على كوسكو بجيش ساحق عام 1438م، فتخلى الأب المَلك فيراكوتشا عن المقاومة وانسحب، فيما صمد باتشاكوتي وحشد المقاتلين وأحاط نفسه بالأرواح الحجرية (پوروراوكاس) وفق الرواية الأسطورية، لينتصر انتصاراً مذهلاً على قبائل تشانكا وليتبوّأ العرش في أعقابه
[3].
وما إن استقرّ باتشاكوتي على العرش حتى انطلق في حملات توسعية بالغة السرعة والكفاءة: فخلال ثلاثة عقود فحسب وسّع رقعة مملكة كوسكو الصغيرة لتشمل معظم هضبة الأنديز الوسطى وشريط الساحل الغربي من بيرو وإكوادور. وكان باتشاكوتي يُحكم إدارة ما يفتحه فور افتتاحه: إذ كان يُعيّن حاكماً إنكاوياً على كل إقليم مفتوح، ويُلزم الزعماء المحليين بإرسال أبنائهم إلى كوسكو ليتعلموا الكيتشوا ويتشرّبوا الثقافة الإنكاوية، وينقل مجموعات سكانية موثوقة (الميتماكوناس) لتسكين المناطق الجديدة وتفتيت الولاءات القبلية القديمة. كما يُنسب إليه تخطيط مدينة كوسكو تخطيطاً هندسياً دقيقاً وإقامة معبد كوريكانتشا الذهبي وأهمّ المنشآت المعمارية فيها، ويُرجَّح أن أمر ببناء ماتشو پيتشو الأسطورية كمقرّ ملكي خاص أو ملجأ ديني.

توبا إنكا يوپانكي وهوانا كاباك: اكتمال الإمبراطورية (1471–1527م)

خلف توپا إنكا يوپانكي (1471–1493م) والده باتشاكوتي ليواصل التوسع بنفس الزخم، بل وسّع الإمبراطورية في عهده توسعاً يفوق ما أنجزه أبوه من حيث المساحة الجغرافية المضمومة؛ إذ ضمّ المملكة الشيمو الساحلية القوية ذات عاصمتها تشان تشان، ومدّ السيطرة جنوباً حتى وسط تشيلي حيث اصطدم بقبائل ماپوتشي الشرسة التي كانت الحدود الجنوبية الحقيقية للإمبراطورية. ويُنسب إلى توپا إنكا أيضاً إرسال رحلة استكشافية بحرية إلى جزر المحيط الهادئ، وإن ظلت هذه الرواية موضع جدل أكاديمي. ثم جاء هوانا كاباك (1493–1527م) ليحكم إمبراطوريةً في ذروتها يبلغ عدد سكانها قرابة اثني عشر مليون نسمة يتوزعون على أكثر من مئة مجموعة عرقية وإثنية مختلفة، ويتواصلون فيما بينهم باللغة الكيتشوا التي فرضها الإنكا لغةً رسمية للإمبراطورية على تنوّع ألسنة مناطقها
[4].
وفي أواخر عهد هوانا كاباك بدأت بوادر الضعف تطلّ برأسها؛ إذ امتد توسع الإمبراطورية إلى حدوده القصوى مُرهقاً موارد الدولة، وتصاعد التوتر بين عاصمتَي الإمبراطورية الفعليتين كوسكو التقليدية وكيتو الشمالية المكتسبة. وهو الذي ستفجّر وفاتهُ المفاجئة التوترات السياسية تفجيراً يُسرّع نهاية الإمبراطورية.

نظام الحكم والإدارة

سابا إنكا: الإله الحاكم على الأرض

كان نظام الحكم الإنكاوي يقوم على مفهوم الملكية الإلهية في صورته الأكثر تطرفاً وشمولاً؛ فالسابا إنكا (الإنكا الأوحد) لم يكن يُعدّ مجرد حاكم مفوّض من الآلهة كما في كثير من الملكيات الإلهية القديمة، بل كان في العقيدة الإنكاوية ابناً مباشراً للإله إنتي إله الشمس، ذا طبيعة تتجاوز البشرية محتلاً منزلةً مزدوجة بين الألوهية والإنسانية. ولم يكن للسابا إنكا أن يُعرَّض للمسّ الجسدي من عامة الناس: فكان يُنقل على محفّة ذهبية يحملها أشراف متخصصون، ويتناول طعامه من أواني ذهبية وفضية تُدمَّر بعد الاستخدام منعاً لأي مساس به غير مباشر، ويتكلم عبر وسيط يُترجم كلامه للحاضرين. وحين يموت الإمبراطور، كانت جثته تُحنَّط وتبقى تُسكن قصره وتحتفظ بممتلكاتها الشخصية والأراضي التي تعود إليها، ويتولى أحفاده خدمتها وإطعامها رمزياً وإحضارها إلى المناسبات الرسمية كأن الإمبراطور المتوفى شريكٌ حيٌّ في تدبير شؤون الدولة
[5].
وقد خلّف هذا النظام عواقب اقتصادية جسيمة؛ إذ أن ثروات كل إمبراطور راحل ظلت في ملكية مومياه وخدم قصره الحي، مما كان يُرغم كل إمبراطور جديد على خوض حروب توسعية جديدة لتوليد ثروات خاصة به، وهو ما يُفسّر جزئياً سرعة التوسع الإنكاوي المذهلة وجزئياً آخر التنافسات الحادة بين أسر الأباطرة الراحلين.

نظام الميتا: الاقتصاد بلا نقود

أقام الإنكا نظاماً اقتصادياً لا مثيل له في العالم القديم أو الحديث، قائماً على مبدأ العمل الإلزامي التبادلي المعروف بـ”الميتا” (Mit’a) بدلاً من النقود والضرائب التقليدية. فكل أسرة في الإمبراطورية كانت مُلزَمة بتقديم جزء من وقتها وجهودها خدمةً للدولة في صور متنوعة: العمل في مشاريع البناء الكبرى كالطرق والمعابد والقصور، أو في مناجم الذهب والفضة، أو في الزراعة على الأراضي الملكية والمعبدية، أو في الخدمة العسكرية. وفي المقابل كانت الدولة الإنكاوية تُقدّم للعمال الغذاءَ والكساءَ والأدواتِ طوال فترة الميتا، وتُدير شبكة من المستودعات الضخمة (القولكا) المبنية على ارتفاعات أنديزية تحافظ على الغذاء المخزون بالتبريد الطبيعي. وقد وفّر هذا النظام حلاً عبقرياً للمشكلة الاقتصادية الجوهرية: كيف تُحرّك قوة العمل الجماعية في اقتصاد لا نقود فيه، مستعيضاً عن آلية السوق النقدية بآلية الالتزام المجتمعي المُنظَّم
[6].
وكانت المستودعات الإنكاوية (القولكا) نظاماً بالغ الكفاءة للأمن الغذائي، إذ كانت تتوزع على طول شبكة الطرق وتخزّن كميات ضخمة من المواد الغذائية المجففة والمجمّدة والمحفوظة كفريدة من الإنجاز في ظروف مناخية ما كانت لتستلزمه لولا بصيرة مخططي الدولة: اللحوم المجففة (تشارك)، والبطاطا المجففة (تشونيو)، والذرة المحفوظة، والتي كانت تُعيد توزيعها في أوقات المجاعات والكوارث الطبيعية على نطاق يُذكّر بأنظمة الرفاه الاجتماعي الحديثة.

الإنجازات الهندسية والمعمارية

شبكة الطرق الإنكاوية: شرايين الإمبراطورية

شيّد الإنكا شبكة طرق تُعدّ من أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ أمريكا ما قبل الكولومبية، وتمتد على أكثر من أربعين ألف كيلومتر تتوزع على طريقين رئيسيين: الطريق الساحلي يسير على طول الشريط الساحلي الضيق الغربي، وطريق الأنديز يشقّ جبال الأنديز طولاً عبر الهضاب والمرتفعات. وكانت هذه الطرق مُبلَّطة بالحجارة في المناطق الجبلية ومضغوطة التراب في المناطق الساحلية، وتتخللها جسور معلقة مُحكمة الصنع من الألياف النباتية المضفورة تُعلَّق فوق الأخاديد الجبلية العميقة، وبعضها بلغ طوله مئة وعشرين متراً كجسر كيسواتشاكا الشهير الذي ما زال أبناء المنطقة يُجدّدونه تقليداً متوارثاً حتى اليوم. وكانت على طول الطرق محطات استراحة (تامبو) بمسافات منتظمة تُوفّر الغذاء والمأوى والتبديل للمسافرين والجنود، وشبكة من حاملي الرسائل (تشاسكيس) يتناوبون الركض لنقل الأخبار والطرود الخفيفة بسرعة قُدِّرت بمئة وأربعين كيلومتراً في اليوم على طول الامتداد الشامل للإمبراطورية
[7].

ماتشو پيتشو وفن البناء الحجري بلا مونة

يقف الإنسان المعاصر أمام مدينة ماتشو پيتشو الجبلية متسائلاً في دهشة حقيقية: كيف أمكن لقوم لا يملكون الحديد ولا العجلة ولا القوة الحيوانية الثقيلة أن يشيّدوا هذه المدينة الرائعة المحلّقة عند ارتفاع 2430 متراً على رأس سفح ضيق بين قمتين جبليتين فوق نهر أوروبامبا في قلب الأنديز البيروفية؟ بُنيت ماتشو پيتشو على الأرجح في عهد باتشاكوتي بين عامَي 1450 و1460م، وتضم نحو مئتي منشأة معمارية من قصور ومعابد ومساكن ومخازن ومدرجات زراعية وقنوات مائية، كلها مُشيَّدة بتقنية حجرية استثنائية تُعرف بـ”أشلار الإنكا” أو “البناء بلا مونة”؛ إذ تُقطع الحجارة الحجرية الضخمة بدقة هندسية بالغة حتى تتشابك وجوهها معاً كأسنان الزمل دون أي مادة لاصقة، فتصمد أمام زلازل الأنديز المتكررة بمرونة تُعجز المباني الحديثة
[8].
واللافت أن ماتشو پيتشو ظلت مجهولةً للعالم الغربي حتى اكتشفها المستكشف الأمريكي هيرام بينغهام عام 1911م بدليل مزارع محليين، ولم يكن قد طمرها شيء سوى الغابة الاستوائية الزاحفة. والأكثر إثارةً أن هذه المدينة كانت مهجورة قبل الفتح الإسباني وربما لم يعلم بها المحتلون الإسبان أصلاً، مما نجّاها من عمليات النهب والهدم الممنهجة التي طالت عواصم الإنكا الأخرى، وأتاح للعالم اليوم رؤية مثال شبه كامل للعمارة الإنكاوية في أصالتها.

الزراعة المدرجية والتنوع المحصولي

حوّل الإنكا جبال الأنديز الوعرة إلى مصدر غذاء وفير من خلال تقنية المدرجات الزراعية (أنديروس أو أندينيس) التي تعود جذورها إلى حضارات أنديزية أسبق لكن الإنكا رفعوها إلى مستوى غير مسبوق من الشمول والكفاءة. وتقوم هذه التقنية على نحت السفوح الجبلية في شرائح أفقية متتالية تُحاط بجدران حجرية تمنع تآكل التربة وتحبس المياه، وتُغذَّى بأنظمة ري دقيقة تستخدم الجاذبية لتوزيع المياه بين المدرجات المتتالية. وقد أتاح هذا النظام توليد بيئات مناخية متعددة على نفس السفح الجبلي: المدرجات العليا للمحاصيل المتحملة للبرد كالبطاطا والكينوا، والمدرجات الوسطى للذرة، والمدرجات السفلى لمحاصيل شبه استوائية. وكان تنوع الحضارة الإنكاوية الزراعي لافتاً بحق: فقد زرعوا أكثر من ثمانية وثلاثين نوعاً من البطاطا (التي هي إحدى أبرز هداياهم للعالم) وأكثر من خمسة وعشرين نوعاً من الذرة، إضافةً إلى الكينوا والأوكا والأولوكو والكانيوا والعديد من محاصيل جبلية فريدة لا تُعرف خارج الأنديز. وربّوا الياما والألپاكا ذلك اللاميّة المرتفعة التي أتاحت لهم الصوف واللحم والجلد والقوة الجرّارة في نفس الوقت.

الكيپو: الذاكرة المعقودة للإمبراطورية

نظام الكيپو وآلية عمله

من أكثر إنجازات الحضارة الإنكاوية إثارةً للتساؤل الأكاديمي والفلسفي معاً نظام الكيپو (Quipu أو Khipu) الذي أقامت به الإمبراطورية إدارتها دون حاجة إلى كتابة أبجدية. والكيپو في بنيته الأساسية حبل رئيسي يتدلى منه مئات الحبال الفرعية بألوان متعددة، وعلى كل حبل فرعي سلسلة من العقد بأشكال وتقنيات ومواضع متنوعة. وقد أتاح هذا النظام تسجيل الأرقام بطريقة عشرية دقيقة وفق موضع العقدة على الحبل والفراغ بين العقد: فالعقدة في الأسفل تُمثل الآحاد وفوقها العشرات وفوقها المئات وهكذا. وكانت الكيپو تُستخدم لتسجيل التعداد السكاني وإحصاءات المواشي ومحتويات المستودعات ونتائج الحملات العسكرية والمعلومات التقويمية وسجلات الضرائب
[9].
وقد كان متخصصون مدرّبون يُعرفون بـ”كيپوكاماياوك” (قرّاء الكيپو) يُجيدون قراءتها وتفسيرها وهم طبقة إدارية مهنية داخل النظام البيروقراطي الإنكاوي. وبعد الفتح الإسباني أمرت الكنيسة بتدمير عدد كبير من الكيپو بوصفها أدوات وثنية، مما أدى إلى ضياع حجم هائل من الذاكرة المؤسسية الإنكاوية. وما زال النقاش الأكاديمي قائماً حول ما إذا كان الكيپو يُسجّل فقط البيانات الكمية أم أنه كان يحمل أيضاً معلومات نصية وسردية، إذ يُلمّح بعض الباحثين إلى أن أنواعاً معينة من الكيپو ربما كانت نصوصاً سردية مُشفَّرة لا نظام إحصائي فحسب.

الدين والمعتقدات

إنتي وبانثيون الآلهة الإنكاوية

كان الدين الإنكاوي منظومة عقدية شاملة تعبد آلهة متعددة أعلاها إله الشمس إنتي (Inti)، الذي كان يُعدّ الجد الإلهي المباشر للأسرة الإنكاوية الحاكمة وبالتالي مصدر شرعيتها الإلهية. وكان إنتي يُمثَّل على شكل قرص شمسي ذهبي يُحيط به شعاع من الأشعة مع وجه إنساني في وسطه، وكان معبده الكبير كوريكانتشا في كوسكو (ومعناه “السياج الذهبي”) من أروع مبانيها وأكثرها ثراءً؛ إذ كانت جدرانه الداخلية مكسوّة بألواح ذهبية يبلغ وزن كل لوح منها نحو كيلوغرامَين، وتضم حديقة ذهبية مصغّرة بها نباتات وحيوانات مصنوعة من الذهب الخالص
[10].
وفي بانثيون الآلهة الإنكاوي يحتل فيراكوتشا (Viracocha) مكانة الإله الخالق الأعلى الذي خلق الكون والأرض والشمس والقمر والنجوم والبشر، وكانت له صورة مختلفة في اللاهوت الإنكاوي عن إنتي إذ كان أبعد وأقل حضوراً في الشعائر اليومية رغم سموّه اللاهوتي المطلق. وتتنوع الآلهة الأخرى في المنظومة الدينية الإنكاوية تبعاً لوظائفها الطبيعية: إيلاپا إله الرعد والمطر المعبود من الفلاحين بحرارة، وماما كيليا ربة القمر وزوجة إنتي وحامية الأمومة والزواج، وباتشاماما ربة الأرض الحامية للخصب الزراعي التي لا تزال تُعبد في المجتمعات الأنديزية حتى اليوم. وتتشابك مع هذا البانثيون الرسمي ممارسات دينية محلية لشعوب الإمبراطورية الخاضعة التي أبقى الإنكا عليها مُدمِجين إياها في المنظومة الدينية الكبرى.

التحنيط والأجداد المومياء

كان تبجيل الأجداد ركيزةً مركزية في الديانة الإنكاوية، وقد اتخذ أشكالاً طقسية بالغة التميّز؛ فالأباطرة المتوفون كانوا يُحنَّطون بعناية فائقة ويُحفَظون في قصورهم مع كامل ممتلكاتهم وحاشيتهم، ثم يُستحضَرون في المناسبات الرسمية الكبرى ليُشاركوا بشكل رمزي في اتخاذ القرارات وحضور الأعياد. وكان يُقدَّم للمومياء الملكية طعام وشراب بشكل دوري ويُؤخذ إليها الضيوف لتحية المَلك الغائب-الحاضر. ولم تقتصر الممارسة على الملوك؛ فعامة الشعب أيضاً كانوا يضعون أسلافهم في مغارات طبيعية باردة جافة تُشجّع على التحنيط الطبيعي، ويستحضرونهم في مناسبات كالزواج والحصاد والاجتماعات القبلية الكبرى. وتُعدّ ظاهرة مومياء الأطفال الإنكاوية المُكتشَفة في قمم جبال الأنديز بارتفاعات تتجاوز ستة آلاف متر من أكثر المكتشفات الأثرية إثارةً في القرن العشرين؛ فهؤلاء الأطفال كانوا ضحايا طقس الكاباكوتشا (capacocha) أو القرابين الكبرى التي كانت تُقدَّم في مناسبات استثنائية كالاعتلاء الجديد أو الحرب أو الجفاف الشديد
[11].

الفتح الإسباني وانهيار الإمبراطورية

الجدري والحرب الأهلية: مقدمات الانهيار

يصعب تفسير سقوط الإمبراطورية الإنكاوية الضخمة على يد مئة وثمانية وستين جندياً إسبانياً بقيادة فرانسيسكو بيزارو دون استيعاب الظروف الكارثية التي أضعفت الإمبراطورية قبل وصوله. فقد سبق قدوم الإسبان وباءُ الجدري الذي انتشر من المستوطنات الإسبانية في المكسيك وأمريكا الوسطى عبر شبكات التجارة البرية الجنوبية ووصل إلى الأنديز قبل أن يطأها إسباني واحد. وقد أباد هذا الوباء الإمبراطور هوانا كاباك وولي عهده نيمان كويوتشيك عام 1527م في ضربة مزدوجة لا تُقدَّر خسارتها على الإمبراطورية، إذ خلّف فراغاً في السلطة سرعان ما تحوّل إلى حرب أهلية دموية طاحنة بين ابنَيه هواسكار المتمسك بعاصمة كوسكو التقليدية وآتاهوالبا المتحصن في كيتو الشمالية ومعه أقوى جيوش الإمبراطورية
[12].
انتصر آتاهوالبا في هذه الحرب الأهلية المُدمِّرة وأسر هواسكار وأباد معظم الأسرة الحاكمة المنافسة في مذبحة لا هوادة فيها، وكان يحتفل بانتصاره في كاخاماركا حين تلقّى أخبار وصول ضيوف غريبي الشكل من الشمال يمتطون حيوانات ضخمة مجهولة (الخيل) ويحملون أسلحة تُطلق رعداً وناراً.

معركة كاخاماركا ونهاية الإمبراطورية (1532–1572م)

في السادس عشر من نوفمبر عام 1532م وقع في ميدان كاخاماركا أحد أكثر الأحداث فداحةً وتأثيراً في تاريخ البشرية: إذ أمر الكاهن الإسباني فيسنتي دي فالفيردي آتاهوالبا بقبول الكتاب المقدس ووضع نفسه تحت سلطة ملك إسبانيا والكنيسة الكاثوليكية، فما إن ألقى آتاهوالبا الكتاب أرضاً حين لم يسمع منه صوتاً ولم يفهم مضمونه، حتى أطلق بيزارو الإشارة للهجوم المباغت. وفي غضون ساعتين فحسب قتل ستة آلاف وثمانية وستون جندياً إسبانياً مسلحاً بالأسلحة النارية وزرهم الفولاذي وخيولهم ما يُقدَّر بعشرة آلاف من المحاربين الإنكاويين العزّل وأسروا آتاهوالبا دون أن يُصاب الإسبان بأي خسائر بشرية. وعرض آتاهوالبا فدية غير مسبوقة للإفراج عنه: ملء الغرفة التي كان فيها ذهباً وملء غرفتين أخريين فضةً، وهو عرض قُبل وقُدِّمت الفدية كاملةً في عملية جمع استغرقت أشهراً، غير أن بيزارو أعدم آتاهوالبا في يوليو 1533م بتهمة تلفيقية من التآمر والهرطقة بعد استكمال الفدية. ثم دخل الإسبان كوسكو في نوفمبر 1533م مستكملين فتحها. واستمرت مقاومة الإنكا في مناطق الأمازون الوعرة تحت قيادة مانكو إنكا ثم خلفائه في دولة النيو-إنكا بعاصمتها المؤقتة فيلكابامبا حتى عام 1572م حين قُبض على آخر ملوكها توباك أمارو وأُعدم في كوسكو أمام حشود الناس، مسدلاً الستار الأخير على دولة الإنكا السياسية
[13].

“حين دخل الإسبان معبد كوريكانتشا الذهبي في كوسكو، قطعوا جميع صفائحه الذهبية وأرسلوها تبائك مصهورة إلى إشبيلية. لقد أزالوا في ساعات ما بنته الحضارة في قرون. والأفدح أنهم لم يُدركوا ماذا يُزيلون.”
— مستوحى من كيم ماكواري، The Last Days of the Incas، Simon and Schuster، 2007

الإرث الحضاري والمجتمعات الإنكاوية المعاصرة

الإرث المادي والمعنوي

لم تنتهِ حضارة الإنكا بسقوط إمبراطوريتهم السياسية عام 1533م؛ فأكثر من عشرة ملايين شخص في بيرو وبوليفيا وإكوادور يتكلمون الكيتشوا وأخواتها الأيمارا حتى اليوم، وكثير منهم لا يزالون يُمارسون عادات ثقافية وشعائر دينية جذورها أنديزية ما قبل كولومبية. ومهرجان إنتي رايمي (عيد الشمس) في كوسكو الذي يُقام كل عام بتاريخ الانقلاب الشتوي (21 يونيو في نصف الكرة الجنوبي) ويحضره آلاف الزوار، هو بقاء حيّ للتقاليد الدينية الإنكاوية. وعلى الصعيد الزراعي، تُعدّ الحضارة الإنكاوية المصدر الأول لما يقارب نصف المحاصيل الغذائية الأساسية المُستهلَكة اليوم على مستوى العالم: البطاطا في مختلف أنواعها، والذرة، والطماطم، والفلفل، والكينوا التي تشهد اليوم انتشاراً عالمياً متصاعداً بوصفها مصدراً بروتينياً ممتازاً، والكاكاو وغيرها. وماتشو پيتشو التي أُدرجت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1983م وأُعلنت عام 2007م واحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة، تستقطب سنوياً ما يزيد على مليون ونصف زائر، مما يجعلها الوجهة السياحية الأولى في أمريكا الجنوبية والأكثر تمثيلاً لوجدان القارة الأمريكية ما قبل الكولومبية في الخيال الإنساني العالمي.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
الإمبراطورية الأخمينية
أولى الإمبراطوريات العالمية الكبرى
🔍