🔍
اضغط Esc للإغلاق  •  Enter للبحث الكامل
🏠 الرئيسية Uncategorized الأديان والفلسفة الاقتصاد التاريخ التاریخ الإسلامی التكنولوجيا الجغرافيا الرياضة
الرئيسية / التاريخ / الحركة الصهيونية
التاريخ

الحركة الصهيونية

👁 3 مشاهدة ⏱ 1 دقيقة قراءة 📅 4/8/2026 ✏️ 4/8/2026
100%

الحركة الصهيونية (بالعبرية: הציונות، Zionism) حركةٌ قوميةٌ يهوديةٌ نشأت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي في أوروبا، وهدفت في جوهرها إلى تجميع يهود العالم في وطن قومي مستقل، وسرعان ما تمحور هذا الهدف حول فلسطين تحديداً باعتبارها «أرض الميعاد» الواردة في الموروث الديني اليهودي.[1] يُعدّ الصحفي النمساوي المجري تيودور هرتزل (1860–1904م) مؤسّس الصهيونية السياسية الحديثة، إذ أرسى أُطرها النظرية في كتابه «الدولة اليهودية» (Der Judenstaat) عام 1896م، ثم تَوَّج ذلك بعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في أغسطس 1897م، الذي وضع برنامج بازل الداعي إلى إقامة «وطن للشعب اليهودي في فلسطين مصون بموجب القانون العام».[2] استقطبت الحركةُ تأييدَ القوى الكبرى تدريجياً، وتجلّى ذلك في وعد بلفور الشهير الصادر في الثاني من نوفمبر 1917م، حين أعلنت بريطانيا دعمها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم أُدرج هذا الوعد في صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين الذي أقرّته عصبة الأمم عام 1922م.[3] أفضت الحركة في نهاية المطاف إلى قيام دولة إسرائيل في الخامس عشر من مايو 1948م، بيد أنها أنتجت في الوقت ذاته نكبةً فلسطينية حلّت بمئات الآلاف من السكان الأصليين الذين هُجِّروا من ديارهم، وهو ما جعل الصهيونية موضوعاً للجدل التاريخي والسياسي والأخلاقي الحادّ في العالمين العربي والدولي على حدٍّ سواء.

الحركة الصهيونية
الاسم الحركة الصهيونية (Zionism / הציונות)
التأسيس 1897م — المؤتمر الصهيوني الأول في بازل
المؤسس تيودور هرتزل (1860–1904م)
المقرّ الأول فيينا، النمسا-المجر (ثم لاحقاً جنيف)
الهدف المُعلَن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين
المحطات التاريخية الكبرى
1896م نشر «الدولة اليهودية» لهرتزل
1897م المؤتمر الصهيوني الأول — تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية
1917م وعد بلفور — الدعم البريطاني الرسمي للمشروع الصهيوني
1920م مؤتمر سان ريمو — إدراج وعد بلفور في الانتداب البريطاني
1948م إعلان قيام دولة إسرائيل / النكبة الفلسطينية
أبرز القيادات
المؤسسون تيودور هرتزل، ماكس نوردو، دافيد ولفسون
الجيل الثاني حاييم وايزمان، دافيد بن غوريون، زئيف جابوتينسكي
التيارات الرئيسية الصهيونية السياسية · العمالية · التصحيحية · الثقافية · الدينية
COSMALORE · الموسوعة العربية

السياق التاريخي ونشأة الحركة

معاداة السامية في أوروبا والدافع الوجودي

لا يمكن فهم الصهيونية بمعزل عن السياق التاريخي الذي ولدت فيه، وهو مناخ معاداة السامية (Antisemitism) الذي اجتاح أوروبا في القرن التاسع عشر بأشكال متصاعدة، من التشريعات التمييزية في روسيا القيصرية إلى المجازر والمذابح (البوغروم) التي طالت الجاليات اليهودية في شرق أوروبا وروسيا بين عامَي 1881 و1884م. كانت تلك المذابح صدمةً عنيفةً للمثقفين اليهود الذين كانوا يُعوِّلون على الاندماج في المجتمعات الأوروبية سبيلاً للخلاص من الاضطهاد، فأعادت هذه الأحداث طرح «المسألة اليهودية» من زاويةٍ مختلفة تماماً. في روسيا، شكّلت الموجة الأولى من الهجرة اليهودية نحو فلسطين ما عُرف بـ«العَليا الأولى» (الهجرة الأولى) بين عامَي 1882 و1903م، وتزامنت مع بروز حركة «أحبّاء صهيون» (Hovevei Zion) التي أسّست مستوطنات زراعية يهودية في فلسطين قبل أن يُصيغ هرتزل مشروعه السياسي المنظَّم. وكان موسى هس قد مهّد الأرض الفكرية من قبل بكتابه «روما وأورشليم» (1862م) الذي نادى فيه بإحياء قومية يهودية علمانية، تبعه ليو بنسكر بكتابه «التحرر الذاتي» (1882م) الذي رأى أن الاضطهاد المزمن يجعل الوجود اليهودي في المجتمعات الأوروبية بنيةً هشّة لا حلّ لها إلا بامتلاك وطن مستقل.[4]

قضية درايفوس والتحوّل عند هرتزل

كانت قضية ضابط الجيش الفرنسي اليهودي ألفريد درايفوس عام 1894م اللحظةَ الفارقة التي دفعت هرتزل نحو الصهيونية السياسية. فقد شهد هرتزل بنفسه محاكمة درايفوس الذي اتُّهم زوراً بالتجسس لصالح ألمانيا، وأُدين في أجواء من الهستيريا الشعبية والشعارات المعادية للسامية، فبعثت فيه هذه القضية قناعةً راسخةً بأن الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوروبية أمرٌ متعذّر في ظل بنية الكراهية المتجذّرة. خلص هرتزل إلى أن معاداة السامية ليست مجرد تحيّز اجتماعي قابل للتجاوز بالتثقيف أو الإصلاح، بل هي قوة سياسية واجتماعية دائمة لا سبيل إلى إنهائها إلا بتوفير وطن مستقل للشعب اليهودي يُخرجه من حالة الشتات (الديياسبورا) التي هي في نظره المصدر الجوهري لهذا الاضطهاد المزمن.[5] وفي عام 1896م، أصدر هرتزل كتيّبه المؤسِّس «الدولة اليهودية» (Der Judenstaat) بالألمانية، الذي أدرج فيه رؤيته بوصفها مشروعاً سياسياً عقلانياً لا حلماً مشيحانياً دينياً، مستنداً إلى مفاهيم الدولة الحديثة والدبلوماسية الدولية والتنظيم السياسي بدلاً من الانتظار الغيبي. وتضمّن الكتيّب رؤيته التفصيلية لكيفية تنظيم هجرة اليهود إلى الوطن الجديد، وإقامة المؤسسات المالية والسياسية والاجتماعية اللازمة لبناء الدولة، وهو مما جعله وثيقةً تأسيسيةً في تاريخ الصهيونية السياسية الحديثة.

المؤتمر الصهيوني الأول ومنظومة المؤسسات

في الفترة الممتدة من التاسع والعشرين إلى الحادي والثلاثين من أغسطس 1897م، انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في قاعة المدينة (Stadtcasino) بمدينة بازل السويسرية، وحضره نحو مائتين وثمانية مندوبين من سبعة عشر بلداً إضافةً إلى ستةٍ وعشرين مراسلاً صحفياً، في حدث نادر استقطب اهتمام وسائل الإعلام الدولية.[6] صاغ المؤتمر «برنامج بازل» الذي نصّ على أن «الصهيونية تسعى إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين مصون بموجب القانون العام»، وأسّس المنظمة الصهيونية العالمية (World Zionist Organization) التي انتُخب هرتزل رئيساً لها. وكتب هرتزل في مذكراته الخاصة بعد انتهاء المؤتمر: «لو أردت تلخيص مؤتمر بازل في كلمة واحدة — وهو ما سأحترز من البوح به علناً — فستكون: في بازل أسّستُ الدولة اليهودية. لو قلت هذا اليوم بصوت عالٍ لقابلني الجميع بالضحك العام. ربما في خمس سنوات، ولكن بالتأكيد في خمسين سنة، سيُدرك الجميع ذلك.» وقد صدق حدسه بدقّة مذهلة: ففي عام 1947م تماماً — أي بعد خمسين سنة — صوّتت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين.[7] أعقب المؤتمرَ الأول سلسلةٌ من المؤسسات الضرورية لتحويل الرؤية إلى واقع: فأسّس هرتزل الصندوقَ الاستعماري اليهودي (Jewish Colonial Trust) عام 1899م بوصفه الأداة المالية للمشروع، وصحيفة «دي فيلت» (Die Welt) بوصفها ناطقاً رسمياً باسم الحركة، ودأب على عقد مؤتمرات صهيونية سنوية جمعت التيارات المتعددة داخل الحركة.

الدبلوماسية الهرتزلية والبحث عن الراعي الدولي

آمن هرتزل إيماناً قاطعاً بأن المشروع الصهيوني لن يتحقق دون دعم قوة دولية كبرى، فانطلق في حملة دبلوماسية واسعة استمرت حتى وفاته المبكرة عام 1904م. قصد هرتزل القيصر الألماني فيلهلم الثاني آملاً في انتزاع دعمه للضغط على السلطان العثماني، والتقى به في الأرض المقدسة عام 1898م ضمن الزيارة الإمبراطورية لفلسطين، لكنّ المساعي ذهبت أدراج الرياح بعد أن تراجع فيلهلم تحت ضغط السياسة الألمانية العثمانية. وسعى هرتزل من جانبٍ آخر إلى استئجار أو شراء فلسطين من السلطان عبد الحميد الثاني مقابل تقديم المساعدة اليهودية المالية الدولية لتسوية ديون الدولة العثمانية المنهَكة، غير أن السلطان رفض بحزم أي مسٍّ بسيادة الدولة على فلسطين، وتقول الروايات إنه قال: «لم أحصل على هذه البلاد بالشراء كي أبيعها، بل دفعنا ثمنها دماء أجدادنا.»[8] في المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903م، عرض هرتزل «مشروع أوغندا» (Uganda Scheme) الذي أبدت فيه بريطانيا استعدادها لمنح اليهود منطقة في شرق أفريقيا (في كينيا اليوم لا أوغندا) ملجأً مؤقتاً، فأحدث هذا المشروع شرخاً عميقاً داخل الحركة إذ رفضه تياران قويان: المتمسّكون بفلسطين تحديداً بوصفها الوطن المقدس الوحيد المقبول، والروس المنكوبون بمجازر كيشنيف الذين كانوا يرون في المشروع استسلاماً لا حلاً، وانتهى الأمر برفض المشروع في المؤتمر السابع عام 1905م بعد وفاة هرتزل.

«في بازل أسّستُ الدولة اليهودية. لو قلت هذا اليوم بصوت عالٍ لقابلني الجميع بالضحك العام. ربما في خمس سنوات، ولكن بالتأكيد في خمسين سنة، سيُدرك الجميع ذلك.»
— تيودور هرتزل، مذكراته الخاصة، سبتمبر 1897م

تيارات الصهيونية وتعدّد مشاربها الفكرية

الصهيونية السياسية والثقافية

لم تكن الصهيونية كتلةً أيديولوجيةً واحدةً متجانسة، بل احتوت منذ نشأتها على تيارات متعددة ومتنازعة أحياناً حول الأهداف والأساليب ومفهوم «اليهودية» ذاته. وُلدت الصهيونية الثقافية (Cultural Zionism) رداً على نهج هرتزل السياسي المحض، وكان أحاد هَعام (Asher Ginzberg) منظّرها الأبرز، إذ رأى أن إقامة دولة يهودية قبل إحياء الثقافة واللغة والهوية اليهودية ستكون مجرد صورة شكلية فارغة من الروح. وانتهج أحاد هعام مساراً أطول نَفَساً يقوم على إنشاء مركز روحي وثقافي يهودي في فلسطين يُشعّ على شتات اليهود في العالم، قبل أي حسم سياسي في مسألة الدولة. وفي السياق ذاته، استعاد إليعازر بن يهودا مشروع إحياء اللغة العبرية كلغة حيّة للتواصل اليومي، مشروعٌ بدا في وقته طوباوياً ولكنه أثبت نجاحاً لافتاً إذ أصبحت العبرية الحديثة لغةَ حياة يومية كاملة، وهي إنجاز لم يتكرر في أي حركة قومية أخرى في التاريخ الحديث.[9]

الصهيونية العمالية والكيبوتسات

مثّلت الصهيونية العمالية (Labor Zionism) التيارَ المهيمن في الحركة طوال النصف الأول من القرن العشرين، إذ جمعت بين الوطنية اليهودية والفكر الاشتراكي في منظومة أيديولوجية متماسكة تجعل «غزو العمل» أساسَ بناء الوطن القومي. آمن رواد الصهيونية العمالية — كبيره بوروخوف وآرون دافيد غوردون — أن الفلاح اليهودي الذي يعمل بيديه في إصلاح الأرض وزراعتها هو الحجر الأساس في بناء الإنسان اليهودي الجديد، بعيداً عن صورة «اليهودي التاجر المنبوذ» التي أفرزها الشتات. أنتج هذا التيار نموذج الكيبوتس (Kibbutz) أو المستوطنة الزراعية التعاونية التي يشترك أعضاؤها في الملكية والعمل والاستهلاك، وقد شكّلت الكيبوتسات البنيةَ الاقتصادية والاجتماعية للاستيطان الصهيوني في فلسطين طوال عقود، كما أفرزت الكوادر القيادية للحركة؛ إذ خرج منها دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل وكبار قادة المؤسسة العسكرية والسياسية اللاحقة.[10]

الصهيونية التصحيحية وجابوتينسكي

أسّس زئيف جابوتينسكي عام 1925م تيار الصهيونية التصحيحية (Revisionist Zionism) الذي مثّل جناحاً يمينياً قومياً متشدداً داخل الحركة. رفض جابوتينسكي استراتيجية وايزمان في البناء التدريجي المتأنّي، ونادى باستخلاص السيادة الفورية على كامل أرض إسرائيل التاريخية التي تشمل ضفتَي نهر الأردن معاً، وكان صريحاً في رفض فكرة إمكانية الوصول إلى تفاهم «طوعي» مع العرب، إذ آمن بضرورة بناء «جدار حديدي» من القوة العسكرية اليهودية لكسر المقاومة العربية قبل أي تسوية.[11] أسّس جابوتينسكي حركة شبابية عسكرية «بيتار» (Betar) عام 1923م وبثّ فيها الروح القومية والتدريب العسكري، وقد تفرّعت من الصهيونية التصحيحية منظمة «إيتسل» (Irgun) الإرهابية التي نفّذت عمليات مسلّحة ضد البريطانيين والعرب في فلسطين الانتدابية. انشقّ جابوتينسكي عن المنظمة الصهيونية العالمية عام 1935م وأسّس المنظمة الصهيونية الجديدة، ويرى المؤرّخون أن خطّه الفكري والسياسي يمثّل الأب الروحي لليمين الإسرائيلي الذي تُمثّله أحزاب حيروت وليكود لاحقاً.

الصهيونية الدينية والمعارضة اليهودية

أفرزت العلاقة بين الصهيونية والدين توتراتٍ داخلية عميقة؛ فقد رأى فريقٌ من المتديّنين اليهود — الحريديم تحديداً — أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء الماشيح (المسيح المنتظر) تتعارض مع الشريعة اليهودية التي تنهى عن «استعجال الخلاص». أما أكثر الجماعات تطرفاً في هذا الموقف فهي «نيتوري كارتا» التي لا تزال حتى اليوم ترفض الاعتراف بدولة إسرائيل جملةً وتفصيلاً. في المقابل، طوّر التيار المعروف بـ«الصهيونية الدينية» (Religious Zionism) توليفةً فريدة جمعت الوطنية الصهيونية بالإيمان الديني، مُؤوِّلاً قيام دولة إسرائيل باعتباره «فجر الفداء» أو مرحلة الخلاص الجزئي التي ستتطور إلى الكمال المشيحاني. ومنذ عام 1967م غدا هذا التيار الأكثر إسهاماً في مشاريع التوسّع الاستيطاني في الضفة الغربية، من خلال حركة «غوش إيمونيم» التي اعتبرت الاستيطان في أرض كنعان التاريخية فريضةً دينيةً لا خياراً سياسياً.

وعد بلفور والانتداب البريطاني

مثّلت الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) فرصةً ذهبيةً للقيادة الصهيونية لتحويل مشروعها من حلم دبلوماسي إلى ورقة قانونية دولية. اضطلع حاييم وايزمان، العالم الكيميائي والزعيم الصهيوني البارز في بريطانيا، بدور المحرّك الدبلوماسي الرئيسي؛ إذ نسج شبكة علاقات متينة مع كبار الساسة البريطانيين كبلفور ولويد جورج وونستون تشرشل، مستثمراً في ذلك ما قدّمه من خدمة علمية للحرب بابتكاره طريقة تركيب الأسيتون اللازم لصناعة الذخيرة. في الثاني من نوفمبر 1917م، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالةً تاريخيةً إلى اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد رئيس الجالية اليهودية البريطانية، يُعلن فيها: «إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتيسير تحقيق هذا الهدف، على أن يُفهم جليّاً أنه لن يُفعَل شيء قد يُخلّ بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين.»[12] وقد جاء الإعلان في سياق الحسابات الاستراتيجية البريطانية التي استهدفت استمالة اليهود الروس لمنع روسيا من الانسحاب من الحرب، واستمالة يهود الولايات المتحدة لتسريع دخولها فيها، كما أسهمت قناعات بلفور الشخصية الدينية البروتستانتية التي رسّختها نبوءات «العودة إلى صهيون» في تشكيل موقفه المتعاطف مع المشروع الصهيوني. في مؤتمر سان ريمو عام 1920م أُدرج الوعد في صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين، وصادقت عليه عصبة الأمم عام 1922م، فأصبح التزاماً قانونياً دولياً ينظّم سياسة الهجرة اليهودية والاستيطان في فلسطين.

موجات الهجرة اليهودية والاستيطان في فلسطين

شهدت فلسطين في ظل الانتداب البريطاني خمس موجات هجرة يهودية كبرى عُرفت بـ«العَليا» (Aliyah أي الصعود)، أسهمت كل موجة منها في تحويل التركيبة الديموغرافية والاقتصادية للبلاد بصورة جذرية. انطلقت العَليا الأولى (1882–1903م) قبيل التنظيم الرسمي للحركة وعاد بها مهاجرون يهود من روسيا ورومانيا أسّسوا الموجات الاستيطانية الأولى. أما العَليا الثانية (1904–1914م) فقد جلبت قيادات العمالية الصهيونية التي ستُشكّل مستقبل إسرائيل، ومنها دافيد بن غوريون نفسه. وبعد وعد بلفور، تصاعدت وتيرة الهجرة بشكل لافت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ولا سيما مع صعود النازية في ألمانيا عام 1933م التي دفعت موجات ضخمة من يهود ألمانيا وأوروبا الوسطى نحو فلسطين. بين عامَي 1931 و1947م ارتفع عدد اليهود في فلسطين من نحو مئة وسبعة وسبعين ألفاً إلى ستمئة وخمسين ألف نسمة، مقابل عرب فلسطينيين كانوا يشكّلون غالبية ساحقة في مطلع القرن العشرين.[13] وقد تمولّت عمليات شراء الأراضي في الغالب من خلال الصندوق القومي اليهودي (Keren Kayemeth LeIsrael) الذي استحوذ على مساحات واسعة من الأراضي أحياناً بشرائها من ملّاك غائبين مقيمين خارج البلاد، مما أدّى إلى تهجير الفلاحين الفلسطينيين من أراضيهم التي كانوا يزرعونها. تصاعد التوتر بين المجتمعَين اليهودي والعربي تصاعداً متواصلاً، وتجلّى في اضطرابات عام 1920م ومجازر الخليل عام 1929م والثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939م) التي أعلن فيها الفلسطينيون إضراباً شاملاً واحتجاجاً مسلّحاً ضد السياسة الانتدابية البريطانية والهجرة الصهيونية.

المقاومة الفلسطينية والعربية للمشروع الصهيوني

لم تكن فلسطين «أرضاً بلا شعب» كما ادّعى بعض الزعماء الصهيونيين المبكّرين، بل كانت تضم نحو سبعمئة ألف نسمة في مطلع القرن العشرين معظمهم عرب مسلمون ومسيحيون يمارسون نمط حياتهم التقليدي في مدن وقرى راسخة. وعلى عكس ما أوحى به هذا الخطاب التبريري، كان الوعي الوطني الفلسطيني في طور التشكّل المبكر، وقد أصدر الصحفي العربي المسيحي نجيب نصار أول صحيفة فلسطينية معادية للصهيونية عام 1908م. تصاعدت المقاومة العربية مع ازدياد الهجرة، فأسّس الحاج أمين الحسيني مجلس الإفتاء الأعلى ومجلس الأمة الفلسطيني وحوّلهما إلى منبر سياسي للمطالبة بوقف الهجرة وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة. كما قدّم المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس عام 1919م عريضةً احتجاجيةً إلى مؤتمر باريس للسلام رفضت الانتداب ووعد بلفور جملةً وتفصيلاً. وعلى الصعيد الدولي العربي، اتّخذت جامعة الدول العربية التي تأسّست عام 1945م من القضية الفلسطينية قضيتها المحورية، وكان رفض قرار تقسيم فلسطين الأممي (181) في نوفمبر 1947م تحرّكاً عربياً جماعياً معبِّراً عن هذا الموقف.[14]

الهولوكوست وتحوّلات ما بعد الحرب

أضفت المحرقة النازية (الهولوكوست) التي راح ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي أوروبي بين عامَي 1933 و1945م زخماً إنسانياً وأخلاقياً هائلاً على المطالبات الصهيونية بإقامة ملجأ آمن لليهود، وغيّرت الموازين السياسية الدولية تغييراً جذرياً. فبينما كانت بريطانيا تُضيِّق على الهجرة اليهودية إلى فلسطين بموجب الكتاب الأبيض عام 1939م ترضيةً للمزاج العربي، تحوّل المناخ الدولي بعد نهاية الحرب نحو التعاطف الواسع مع ناجي الهولوكوست الساعين إلى الهجرة. وفي عام 1947م أحالت بريطانيا المسألة إلى الأمم المتحدة بعد أن عجزت عن التوفيق بين التزاماتها المتناقضة تجاه العرب واليهود وانشغلت بمعالجة اضطراباتها الداخلية، فاقترحت لجنة الأمم المتحدة الخاصة (UNSCOP) تقسيم فلسطين بين دولة يهودية ودولة عربية مع تدويل القدس. وفي التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م صادقت الجمعية العامة بأغلبية ثلثَي الأصوات على القرار 181، فقبلته القيادة الصهيونية وفرحت به وأعلنت في الخامس عشر من مايو 1948م قيام دولة إسرائيل. أما الجانب العربي فقد رفض القرار وخاض حرب 1948م التي انتهت بسيطرة إسرائيل على نحو ثمانية وسبعين بالمئة من فلسطين التاريخية، وتهجير ما بين سبعمئة ألف وثمانمئة وخمسين ألف فلسطيني في ما عُرف بـ«النكبة».[15]

الإرث والجدل حول الصهيونية

الصهيونية في الخطاب الأممي والحقوقي

ظلّت الصهيونية منذ قيام إسرائيل موضوعاً للجدل الدولي المتواصل. ففي أكتوبر 1975م، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المثير للجدل رقم (3379) الذي وصف الصهيونية بأنها «شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، وقد أُلغي هذا القرار عام 1991م بقرار أممي آخر في سياق مفاوضات مؤتمر مدريد. وفي مؤتمر ديربان الأممي لمكافحة العنصرية عام 2001م، اشتعل الجدل مجدداً حول توصيف الصهيونية في الوثائق الختامية. ويرى المنتقدون العرب والفلسطينيون وقطاع من الرأي الحقوقي الدولي أن التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية يمثّل التجسيد العملي لأيديولوجيا إحلالية تُقصي السكان الأصليين، بينما يرى المدافعون عن الصهيونية أنها حركة تحرّر قومي مشروعة لشعب تعرّض لأشدّ أشكال الاضطهاد في التاريخ الحديث.[16]

ما بعد الصهيونية والنقد الأكاديمي الإسرائيلي

منذ ثمانينيات القرن العشرين، برز تيار أكاديمي إسرائيلي يُعرف بـ«المؤرخين الجدد» يعيد مساءلة الرواية الصهيونية الرسمية عن قيام إسرائيل، ولا سيما فيما يتعلق بحوادث 1948م وطبيعة التهجير الفلسطيني. شكّل بيني موريس ودان عاموس وإيلان بابيه وآفي شلايم وغيرهم هذا التيار، مستندين إلى الوثائق الأرشيفية الإسرائيلية التي رُفعت عنها السرية، وأثبتوا أن عمليات التهجير الفلسطيني لم تكن كلها نتاج «هروب طوعي» كما روّجت الرواية الرسمية، بل أن بعضها جاء نتاج عمليات عسكرية وأوامر مباشرة. وقد أحدثت أعمالهم موجة من الجدل الحاد داخل الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية، ويرى كثيرون منهم أن المصالحة الحقيقية بين الشعبين لن تتحقق دون مواجهة صادقة مع هذا التاريخ.[17] في المقابل، ظهر ما يُسمّى بـ«ما بعد الصهيونية» (Post-Zionism) كتيار فكري داخل إسرائيل يرى أن الأيديولوجيا الصهيونية قد أنجزت مهمتها بقيام الدولة، وينبغي أن تفسح المجال لهوية مدنية جامعة تتجاوز التعريف القومي-الإثني الضيّق.

🖼 اختر صورة مجانية
قيّم هذه المقالة
كن أول من يقيّم
👁 شاهده الآخرون أيضاً
أبرز علماء المسلمين عبر التاريخ
قادة الفكر والحضارة الإسلامية
الاتحاد السوفيتي
أضخم تجربة اشتراكية في التاريخ
الإبادة الجماعية في كمبوديا
مجازر الخمير الحمر ١٩٧٥–١٩٧٩
اتفاقيات جنيف
ميثاق الإنسانية في زمن الحرب
الإمبراطورية البارثية
أعتى خصوم روما في الشرق
إبادة البوسنة والهرسك
جريمة إبادة في قلب أوروبا
🔍