الحروب العثمانية الصفوية هي سلسلة طويلة ومتعاقبة من النزاعات المسلحة دارت بين الدولة العثمانية ذات المذهب السني والدولة الصفوية الفارسية ذات المذهب الشيعي الاثني عشري، امتدت على مدى أكثر من قرن وربع القرن بين عامي 1514 و1639، وشكّلت أطول وأعنف صراع جيوسياسي ومذهبي عرفه العالم الإسلامي في العصر الحديث المبكر
[1].
انفجر هذا الصراع الممتد من تشابك عميق بين أبعاد سياسية واستراتيجية ومذهبية في آن واحد؛ فمنذ صعود الشاه إسماعيل الأول مؤسس الدولة الصفوية في إيران مطلع القرن السادس عشر وإعلانه المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا إلزاميًا لدولته، رأت فيه الدولة العثمانية، حامية الخلافة الإسلامية السنية وأكبر قوة عسكرية في العالم الإسلامي حينها، تهديدًا وجوديًا مزدوجًا يجمع بين التحدي العقائدي المباشر لشرعيتها الدينية والتنافس الاستراتيجي على السيطرة على بلاد الرافدين والأناضول الشرقي والقوقاز. واندلعت الشرارة الأولى الكبرى لهذا الصراع في معركة جالديران الشهيرة عام 1514، التي حققت فيها الدولة العثمانية انتصارًا حاسمًا أوقف الزحف الصفوي لعقود، قبل أن تتجدد الحروب في موجات متعاقبة عبر القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، تبادل خلالها الطرفان السيطرة على مدينة بغداد وأذربيجان والقوقاز مرات عديدة، إلى أن استقرت الحدود النهائية بينهما بشكل شبه دائم بموجب معاهدة قصر شيرين عام 1639، التي رسمت خطوط الحدود الإيرانية العراقية والتركية المعاصرة حتى يومنا هذا.
| معلومات عامة | |
| الاسم الرسمي | الحروب العثمانية الصفوية |
| التاريخ | 1514 – 1639 (نحو 125 عامًا من النزاع المتقطع عبر عدة جولات حربية) |
| الجولات الرئيسية | حرب 1514 (جالديران)؛ حرب 1532–1555؛ حرب 1578–1590؛ حرب 1603–1618؛ حرب 1623–1639 |
| الموقع | شرق الأناضول، أذربيجان، القوقاز (جورجيا وأرمينيا)، بلاد الرافدين (بغداد)، تبريز |
| السبب المباشر | إعلان الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا إلزاميًا وتوسعه في شرق الأناضول |
| النتيجة | انتصار عثماني عام؛ ضم العراق نهائيًا للدولة العثمانية؛ ترسيم الحدود بموجب معاهدة قصر شيرين 1639 |
| الأطراف المتحاربة | |
| الطرف الأول | الدولة العثمانية |
| الطرف الثاني | الدولة الصفوية، بقوات القزلباش التركمانية الموالية لها |
| القادة | |
| قيادة العثمانيين | السلطان سليم الأول؛ السلطان سليمان القانوني؛ السلطان مراد الرابع |
| قيادة الصفويين | الشاه إسماعيل الأول؛ الشاه طهماسب الأول؛ الشاه عباس الأول الكبير |
| القوى العسكرية (معركة جالديران 1514) | |
| الجيش العثماني | نحو 140 ألف جندي مزود بالمدفعية الحديثة |
| الجيش الصفوي | قوات القزلباش الفرسانية، تفتقر إلى المدفعية الحديثة |
| المعاهدات الفاصلة | |
| معاهدة أماسيا | 29 مايو 1555، أول معاهدة رسمية بين الدولتين، قسّمت أرمينيا وجورجيا |
| معاهدة قصر شيرين (زهاب) | 17 مايو 1639، رسّمت الحدود النهائية ومنحت العراق للعثمانيين بشكل دائم |
الخلفية والأسباب
صعود الدولة الصفوية والتحدي المذهبي
نشأ الخطر الصفوي بالنسبة للدولة العثمانية مع صعود الشاه إسماعيل الأول الذي أسس دولته اعتمادًا على تحالف وثيق مع قبائل تركمانية صوفية متشددة عُرفت بـ”القزلباش”، وفرض المذهب الشيعي الاثني عشري بالقوة مذهبًا رسميًا إلزاميًا على رعاياه ذوي الغالبية السنية التقليدية، الأمر الذي أثار ردود فعل عنيفة، خصوصًا في المدن الكبرى كتبريز ذات الغالبية السنية التاريخية
[2].
وقد رافق هذا الفرض المذهبي القسري أعمال عنف موثقة شملت احتلال الصفويين لبغداد عام 1508 وهدمهم لقبور أئمة أهل السنة وذبحهم عددًا من علمائهم البارزين، فضلًا عن مجازر متكررة بحق السكان السنة في المناطق التي سيطر عليها الشاه إسماعيل، وهي ممارسات اعتبرها العثمانيون تهديدًا مباشرًا لشرعيتهم الدينية بصفتهم حماة المذهب السني والعالم الإسلامي بأسره
[3].
التنافس الاستراتيجي والاستفزازات المتبادلة
إلى جانب البعد العقائدي العميق، تنافس الطرفان بشدة على السيطرة على شرق الأناضول وأذربيجان وبلاد الرافدين، المناطق الحيوية التي كانت تتحكم بطرق التجارة الرئيسية بين الشرق والغرب، وعلى رأسها طريق تجارة الحرير الفارسي الذي يمر عبر تبريز وحلب وصولًا إلى بورصة في غرب الأناضول
[2].
وقد توترت العلاقات بين الجانبين بشكل حاد حين رفض الشاه إسماعيل تهنئة السلطان سليم الأول عند توليه الحكم عام 1512، بل أرسل وفدًا ضخمًا إلى السلطان المملوكي قانصوه الغوري داعيًا إياه للتحالف ضد العثمانيين، في خطوة استفزازية مباشرة وضعت السلطان سليم أمام خيار وحيد هو إعداد العدة لمواجهة عسكرية حاسمة
[3].
وقبل تحركه شرقًا، تبادل السلطان سليم رسائل تهديد مباشرة مع الشاه إسماعيل، أرسل في إحداها خرقة درويش ومسبحة وعصا تذكّره بأصله الصوفي، فردّ عليه الشاه بإرسال علبة ذهبية مليئة بالأفيون، في إشارة ساخرة مفادها أن خطاب السلطان كُتب تحت تأثير المخدرات، وهي مراسلات حادة عكست حجم الاستقطاب الشخصي والسياسي بين الزعيمين قبيل المواجهة الحاسمة
[4].
معركة جالديران (1514)
في مارس 1514، جمع السلطان سليم الأول كبار رجال الدولة والعلماء والقضاة في مدينة أدرنة، وأصدر الفقيه حمزة أفندي فتوى دينية تعتبر طائفة الصفويين قد استخفت بشريعة الإسلام ووجوب قتالها، فحصل السلطان بذلك على تفويض ديني وسياسي كامل لخوض الحرب
[5].
وقبل تحركه شرقًا، نفّذ السلطان سليم حملة تطهير واسعة استهدفت أتباع الشاه إسماعيل من القزلباش المنتشرين في شرق الأناضول، فقتل نحو أربعين ألفًا منهم وسجن آخرين، في إجراء استباقي قاسٍ هدف لقطع أي دعم استخباراتي أو عسكري محتمل للصفويين داخل الأراضي العثمانية
[6].
وتحرّك السلطان سليم على رأس جيش ضخم قُدّر بنحو مائة وأربعين ألف جندي، مرورًا بولايات قونيا وقيصري وأرضروم، في مسيرة استمرت خمسة أشهر كاملة باتجاه تبريز عاصمة الصفويين، فيما كان الشاه إسماعيل يحرق المدن والأراضي في طريق العثمانيين تطبيقًا لتكتيك الأرض المحروقة بهدف استنزافهم وقطع طرق إمدادهم
[7].
وقد استفاد السلطان سليم من انضمام مقاتلين أكراد كانوا قد تركوا صفوف الجيش الصفوي احتجاجًا على الظلم المذهبي الذي مارسه القزلباش بحقهم بسبب انتمائهم السني، فمنحوه معلومات استخباراتية حيوية، وكافأهم لاحقًا بمنحهم حكمًا ذاتيًا لمناطقهم والاعتراف بإماراتهم
[4].
وفي صبيحة الأربعاء 23 أغسطس 1514، التقى الجيشان في سهل جالديران شرق الأناضول، وحسم تفوق المدفعية العثمانية الحديثة المعركة لصالح السلطان سليم بشكل ساحق، فسقط أقوى قادة الجيش الصفوي صريعًا، وأُسر عدد كبير من قادته، فيما جُرح الشاه إسماعيل نفسه في ذراعه وفرّ من ساحة المعركة بأعجوبة بمساعدة أحد ضباطه
[8].
ودخل السلطان سليم تبريز عاصمة الصفويين منتصرًا، وضم إلى دولته مناطق واسعة من عراق العجم وأذربيجان وكردستان وشمال العراق، إلا أن تمرد بعض قادة الانكشارية ودخول فصل الشتاء القارس اضطراه إلى العودة دون استكمال مطاردة الشاه إسماعيل والقضاء على دولته بشكل كامل
[8].
ومثّل هذا الانتصار نقطة تحول استراتيجية محورية، إذ أوقف التوسع الصفوي لمدة قرن كامل من الزمان، ومهّد الطريق مباشرة لتوجه السلطان سليم بعدها نحو بلاد الشام لإكمال انتصاراته على المماليك حلفاء الصفويين في معركة مرج دابق
[4].
حرب 1532-1555 ومعاهدة أماسيا
استأنفت الدولة العثمانية، بقيادة السلطان سليمان القانوني خليفة سليم الأول، الحرب ضد الصفويين بين عامي 1532 و1555 بهدف استكمال السيطرة على بلاد الرافدين، فتمكنت القوات العثمانية من فتح العراق واحتلال بغداد عام 1534، في إنجاز استراتيجي ضخم أضاف مدينة الخلافة العباسية السابقة إلى الأملاك العثمانية
[9].
وانتهت هذه الجولة الطويلة من الصراع بتوقيع معاهدة أماسيا في التاسع والعشرين من مايو 1555 بين السلطان سليمان القانوني والشاه طهماسب الأول، وهي أول معاهدة رسمية مكتوبة تُبرم بين الدولتين، ورسّمت الحدود الدولية بينهما انطلاقًا من الجبال الفاصلة بين شرق وغرب جورجيا وأرمينيا وصولًا إلى الخليج العربي، فقسّمت أرمينيا وجورجيا بالتساوي تقريبًا، إذ سيطر العثمانيون على القسمين الغربيين منهما بينما بقي القسمان الشرقيان بيد الفرس، فضلًا عن تقسيم مناطق كردية كشهرزور وقارص وبايزيد بين الجانبين، وأسست لفترة سلام استمرت نحو عشرين عامًا
[10].
حرب 1578-1590 ومعاهدة إسطنبول
لم يدم السلام المؤسس على معاهدة أماسيا طويلًا، فاندلعت حرب جديدة عام 1578 استغل خلالها العثمانيون حالة الضعف النسبي في الدولة الصفوية، التي وجدت نفسها مضطرة لمواجهة هجوم عثماني من الغرب بالتزامن مع ضغط متزامن من السلالة الشيبانية الأوزبكية على إقليم خراسان شرقًا
[11].
وانتهت هذه الحرب بانتصار عثماني واضح وحاسم تُوّج بتوقيع معاهدة إسطنبول عام 1590، تمكن العثمانيون بموجبها من السيطرة المؤقتة على مساحات واسعة من جورجيا وأذربيجان ويريفان، بل وحتى مدينة تبريز نفسها، عاصمة الصفويين السابقة، في أوسع مدى توسعي عثماني حققته هذه الحروب باتجاه الشرق على الإطلاق
[1].
حرب 1603-1618 وعودة الزخم الصفوي
استغل الشاه عباس الأول الكبير، الذي أصلح الجيش الصفوي بشكل جذري على الطراز الحديث وقلّص الاعتماد على فرسان القزلباش غير المنضبطين لصالح قوات نظامية مدربة على استخدام الأسلحة النارية، انشغال الدولة العثمانية بحروبها الأوروبية المتزامنة، فشن هجومًا مضادًا واسع النطاق استعاد به أغلب الأراضي التي خسرها الصفويون في الحرب السابقة، بما فيها تبريز ويريفان وجورجيا، في انعكاس حاد لموازين القوى السابقة لصالح إيران الصفوية هذه المرة.
حرب 1623-1639 وفتح بغداد النهائي
شكّلت هذه الجولة الأخيرة والأطول من الصراع، التي امتدت بين عامي 1623 و1639، المرحلة الحاسمة والنهائية في تاريخ الحروب العثمانية الصفوية بأسرها؛ فبعد أن نجح الصفويون في استعادة السيطرة على بغداد ومعظم أراضي العراق المعاصر لسنوات عدة، وصلت الحرب إلى طريق مسدود حين عجز الفرس عن مواصلة الضغط العسكري، فيما انشغل العثمانيون أنفسهم بحروبهم الأوروبية واضطرابات داخلية متلاحقة
[9].
وفي عام 1636، استعاد العثمانيون مدينة يريفان وحققوا نصرًا في معركة منظمة في وادي مهربان، قبل أن يقود السلطان مراد الرابع شخصيًا حملة عسكرية ضخمة نحو بغداد، فضرب حصاره على المدينة بدءًا من الخامس عشر من نوفمبر 1638، مشرفًا بنفسه على أعمال الحصار الشاقة لتحفيز معنويات جنوده ومسلطًا عليها مدافع ضخمة نقلها خصيصًا لهذا الغرض
[12].
وفي صبيحة الخامس والعشرين من ديسمبر 1638، شنّت القوات العثمانية هجومها الشامل على المدينة بعد أن أحدثت المدافع ثغرة كافية في أسوارها، ودام القتال ثمانية وأربعين ساعة متواصلة قبل أن يحسمه العثمانيون لصالحهم ويستعيدوا بغداد نهائيًا تحت سيادتهم، رغم سقوط الصدر الأعظم نفسه في خضم المعارك
[12].
معاهدة قصر شيرين وترسيم الحدود النهائية
عقب فتح بغداد، رغب الشاه الصفوي في إيقاف القتال، فعرض الصلح على الدولة العثمانية شريطة أن تتنازل له عن مدينة يريفان مقابل احتفاظ العثمانيين ببغداد، واستمرت المفاوضات بين الجانبين نحو عشرة أشهر كاملة، حتى تم التوصل أخيرًا إلى اتفاق نهائي
[12].
وفي السابع عشر من مايو 1639، وُقّعت معاهدة قصر شيرين، المعروفة أيضًا بمعاهدة زهاب، في منطقة زهاب الواقعة شرق كركوك، بعد مفاوضات مباشرة استغرقت ثلاثة عشر يومًا، فرسّمت بشكل شبه نهائي الحدود الفاصلة بين الدولتين على طول مسافة بلغت نحو 2,185 كيلومترًا استنادًا إلى الوضع الميداني الراهن حينها، فأبقت مدينة يريفان ضمن النفوذ الفارسي، فيما منحت العراق وبلاد الرافدين بأكملها للدولة العثمانية بشكل دائم
[13].
وقد بقي العراق تحت السيادة العثمانية بشكل متواصل منذ هذه المعاهدة، رغم استعادة الفرس له لفترات وجيزة لاحقًا، خصوصًا في عهد نادر شاه مؤسس الدولة الأفشارية، حتى خسرته الدولة العثمانية نهائيًا في أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى عام 1918
[9].
نتائج الحروب وتداعياتها
أرست معاهدة قصر شيرين توازنًا إقليميًا مستقرًا نسبيًا استمر لعقود طويلة، وشكّلت حدودها الأساس التاريخي المباشر للحدود المعاصرة الفاصلة بين إيران من جهة وكل من العراق وتركيا من جهة أخرى حتى يومنا هذا، رغم أن النزاعات الحدودية بين الجانبين لم تنته تمامًا، إذ وقّعت الدولتان ما لا يقل عن ثماني عشرة معاهدة إضافية بين عامي 1555 و1918 لمعالجة خلافات حدودية متجددة، أبرزها معاهدتا أرضروم الأولى والثانية واتفاقية طهران 1911
[14].
ومن أبرز التداعيات بعيدة المدى لهذه الحروب الطويلة أنها رسّخت تقسيمًا جغرافيًا وسياسيًا دائمًا لمنطقة كردستان بين الدولتين العثمانية والصفوية، إذ قسّمت معاهدتا أماسيا وقصر شيرين مناطق كردية تاريخية كشهرزور وقارص وبايزيد بين النفوذين، في تجزئة سياسية تركت أثرًا عميقًا على الحياة الاجتماعية والسياسية لسكان هذه المناطق استمر يتفاعل لقرون طويلة لاحقة وصولًا إلى اتفاقية سايكس بيكو في القرن العشرين
[15].
وعلى المستوى الحضاري والمذهبي الأوسع، كرّست هذه الحروب الطويلة الانقسام السياسي والمذهبي بين عالمين إسلاميين متجاورين، السني العثماني والشيعي الصفوي، بشكل عميق ومستمر شكّل ملامح الخريطة الجيوسياسية والمذهبية للشرق الأوسط الحديث، فيما أنهكت الموارد البشرية والمالية الهائلة التي استنزفتها هذه الحروب المتعاقبة كلا الإمبراطوريتين على حد سواء، في وقت كانت فيه القوى الأوروبية الصاعدة تراكم تفوقًا تقنيًا وعسكريًا واقتصاديًا متزايدًا سيغيّر موازين القوى العالمية بشكل جذري في القرون اللاحقة.