| الاستعمار الألماني في أفريقيا | |
| معلومات عامة | |
| مدة الاستعمار | 1884 – 1919 م (35 عامًا) |
| نقطة البداية | إعلان الحماية الألمانية على توغو وكاميرون وجنوب غرب أفريقيا (1884) |
| نهاية الاستعمار | معاهدة فرساي 1919 — نزع المستعمرات من ألمانيا |
| الإطار القانوني | مؤتمر برلين 1884–1885 |
| المستعمرات الأفريقية | 4 مستعمرات رئيسية |
| المستعمرات الأربع الكبرى | |
| جنوب غرب أفريقيا الألمانية | ناميبيا الحالية (1884–1915) |
| أفريقيا الشرقية الألمانية | تنزانيا ورواندا وبوروندي الحالية (1885–1919) |
| كاميرون الألمانية | كاميرون وأجزاء من نيجيريا والكونغو وأفريقيا الوسطى (1884–1916) |
| توغولاند | توغو وأجزاء من غانا الحالية (1884–1914) |
| أبرز الجرائم والأحداث | |
| الإبادة الجماعية للهيريرو والناما | 1904–1908 م — أولى إبادات القرن العشرين [1] |
| ضحايا الهيريرو والناما | 40,000–80,000 هيريرو (80% من شعبهم) و10,000 ناما (50% من شعبهم) |
| تمرد ماجي ماجي | 1905–1907 م في أفريقيا الشرقية |
| ضحايا ماجي ماجي | 75,000–300,000 أفريقي (معظمهم جوعًا) [2] |
| أمر الإبادة | 2 أكتوبر 1904 — الجنرال لوتار فون تروتا |
| إجمالي ضحايا الاستعمار الألماني | مئات الآلاف في 30 عامًا [3] |
| الاعتراف والتعويضات | |
| اعتراف ألمانيا بالإبادة | 2021 م (بعد 117 عامًا) |
| التعويضات المُقررة | 1.1 مليار يورو لناميبيا (منحة تنمية لا تعويضات قانونية) |
| التجارب الطبية | د. أوجين فيشر — تجارب على ذرية الاغتصاب أثّرت لاحقًا في أيديولوجيا النازية |
الاستعمار الألماني في أفريقيا — رغم قِصَر أمده النسبي بالمقارنة مع نظيريه البريطاني والفرنسي — يُمثّل واحدًا من أكثر الفصول الاستعمارية فتكًا ودلالةً في تاريخ القرن التاسع عشر والعشرين، ليس فقط بسبب حجم الجرائم التي ارتكبتها القوات الألمانية في مستعمراتها الأفريقية الأربع، بل أيضًا لأن هذه الجرائم حملت في رحمها بذور الفكر الإبادي العنصري الذي ستُعيد النازية توظيفه بعد ثلاثة عقود على نطاق أوسع وبأدوات أشد فتكًا. دخلت ألمانيا ساحة التنافس الاستعماري الأفريقي متأخرةً في عام 1884 م، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا وفرنسا والبرتغال قد رسّخت حضورها الاستعماري في القارة منذ عقود. لكنها في غضون سنوات قليلة أقامت إمبراطورية استعمارية تضم أربع مستعمرات أفريقية كبرى: جنوب غرب أفريقيا الألمانية (ناميبيا الحالية)، وأفريقيا الشرقية الألمانية (تنزانيا ورواندا وبوروندي الحالية)، وكاميرون، وتوغو [4].
وعلى مدى الخمسة والثلاثين عامًا من الحضور الاستعماري الألماني في أفريقيا (1884–1919 م)، عُرِّضت شعوب هذه المستعمرات لمنظومة قمع ممنهجة: من مصادرة الأراضي والعمل القسري والضرائب المُبهظة، وصولًا إلى أشد أشكال العنف الاستعماري وحشيةً في التاريخ الحديث؛ تمثّلت في الإبادة الجماعية للهيريرو والناما في جنوب غرب أفريقيا (1904–1908 م)، التي يُجمع المؤرخون اليوم على تصنيفها أولى الإبادات الجماعية في القرن العشرين، وفي سياسة الأرض المحروقة الكارثية التي استُخدمت لإخماد تمرد ماجي ماجي في أفريقيا الشرقية (1905–1907 م)، والتي أودت بحياة ما بين خمسة وسبعين ألفًا وثلاثمئة ألف أفريقي، في موجة من المجاعة الإبادية المُصطنعة المتعمَّدة.
ألمانيا تُتأخر وتتدارك: المدخل إلى أفريقيا
أولًا: بسمارك والتحوّل من التردد إلى الاندفاع
لم يكن المستشار الألماني أوتو فون بسمارك في البداية مُتحمّسًا للمشروع الاستعماري. ففي الأوراق الداخلية لحكومته قبيل عام 1880 م، تكشف وثائق الأرشيف الألماني أنه كان يرى المستعمرات أعباءً مالية وإدارية لا تُقارن بمردودها الاقتصادي المحدود. ولم يكن تحوّل موقفه عن اقتناع أيديولوجي بأهمية الامتداد الاستعماري، بل كان بالدرجة الأولى استجابةً ذرائعية لضغوط متعددة: شكاوى التجار والمبعوثين الألمان في السواحل الأفريقية الذين طالبوا بالحماية الرسمية لمصالحهم أمام منافسة القوى الأوروبية؛ والحسابات الداخلية المُعقّدة التي رأى فيها الاستعمار ورقةً للتوحيد الوطني وتعزيز الشعور القومي الألماني؛ والتنافس الدبلوماسي مع بريطانيا وفرنسا الذي جعل امتلاك المستعمرات مسألةَ مكانة دولية [5].
كانت المفارقة أن الدافع المباشر للمبادرة الاستعمارية الألمانية جاء من شخصيات من القطاع الخاص لا من الحكومة. فالتاجر الهامبورغي فرانز أدولف ليدريتز كان قد اشترى عام 1883 م قطعة أرض في خليج أنغرا بيكينا على الساحل الجنوب غربي الأفريقي بطريقة احتيالية واضحة: اتّفق مع زعماء محليين على شراء ما بُعده خمسة أميال من الساحل، غير أن العقد وُضع بالأميال الجغرافية لا بالأميال الساحلية، فأصبح المساحة الفعلية المكتسبة خمسة أضعاف ما توقّعه الطرف الأفريقي. وحين طلب ليدريتز الحماية الرسمية من برلين لممتلكاته، وجد بسمارك الفرصة مؤاتيةً لإعلان الحماية الألمانية على المنطقة في الرابع والعشرين من أبريل عام 1884 م — وكان ذلك أول قرار استعماري ألماني رسمي في أفريقيا.
ثانيًا: مؤتمر برلين وانطلاقة التوسع
حين دعا بسمارك القوى الأوروبية إلى مؤتمر برلين في نوفمبر عام 1884 م، كان يُدار بصرف النظر عن مبررات التمدين والتجارة الحرة — غرضٌ مضمر لوضع ألمانيا في موقع قوة على طاولة التقسيم الاستعماري. وبحلول انعقاد المؤتمر، كانت ألمانيا قد أعلنت حمايتها على توغو وكاميرون في يوليو 1884 م، وسعت خلال المؤتمر وبعده لتوطيد مطالبها وتوسيع رقعتها. وفي عام 1885 م، دفعت ألمانيا مدمّراتها البحرية إلى شرق أفريقيا للطعن في مطالب سلطنة زنجبار بالسيادة على الساحل الشرقي، فاستولت على الأراضي التي ستتحول إلى “أفريقيا الشرقية الألمانية” بمساحة تفوق مساحة ألمانيا ذاتها [6].
كانت أدوات التوسع الألماني نمطية بالنسبة إلى الاستعمار الأوروبي: مستكشفون ومبشّرون وتجار يُمهّدون الطريق، ثم “اتفاقيات” مع زعماء محليين كثيرًا ما كانت مُبهمة المصطلحات ومضلِّلة المحتوى. وقد لعب المستكشف كارل بيترز دورًا محوريًا في شرق أفريقيا، إذ وقّع بين نوفمبر 1884 وفبراير 1885 م أكثر من عشرين اتفاقية مع زعماء قبائل مختلفة يتنازلون فيها — وفق الصياغة الألمانية — عن “السيادة” للإمبراطور الألماني في مقابل وعود بالحماية والتجارة. وقد اكتسب بيترز لاحقًا لقب “ميلكونو وا دامو” أي “الرجل صاحب اليدين الملطّختين بالدماء” لشهرته بالوحشية التي مارسها في التعامل مع الأفارقة.
المستعمرات الأربع: جغرافيا الهيمنة
أولًا: جنوب غرب أفريقيا الألمانية — ناميبيا
كانت “جنوب غرب أفريقيا الألمانية” — التي تُقابل ناميبيا اليوم — الأكثر إغراءً للمستوطنين الألمان بسبب تضاريسها التي ذكّرت بعضَهم بالهضاب الأوروبية. اكتُشفت الماسات في أراضيها عام 1894 م مما ضاعف الاهتمام الاستعماري بها. أقام الألمان هناك نظامًا استيطانيًا مارسوا فيه مصادرةً ممنهجة لأراضي شعوب الهيريرو والناما الرعوية — التي كانت تعتمد في ثقافتها وهويتها اعتمادًا جوهريًا على الماشية والأرض — مع فرض عمل قسري وضرائب مُثقِلة وبنية قانونية تُكرّس دونية الأفارقة أمام المستوطنين البيض بشكل صريح [7].
ثانيًا: أفريقيا الشرقية الألمانية — تنزانيا ورواندا وبوروندي
كانت “أفريقيا الشرقية الألمانية” (Deutsch-Ostafrika) أضخم المستعمرات الألمانية في أفريقيا وأكثرها تعقيدًا. امتدّت على أراضٍ تضم اليوم تنزانيا ورواندا وبوروندي وجزءًا من موزمبيق، بمساحة إجمالية تتجاوز مساحة ألمانيا نفسها. حكمها الألمان عبر منظومة حكم مباشرة-غير مباشرة معًا: فرضوا ضريبة الرأس (1898 م) على الذكور البالغين الأفارقة لإجبارهم على الانخراط في الاقتصاد النقدي، وسخّروا العمالة الأفريقية في مزارع القطن والمطاط، ونصّبوا وسطاء محليين يُعرفون بـ”الأكيدة” لتحصيل الضرائب وإدارة الأمن في اللحظات التي يغيب فيها الضباط الألمان [4]. وقد كانت المستعمرة مسرحًا لأكبر انتفاضة مسلحة شهدتها أفريقيا الاستعمارية الألمانية: تمرد ماجي ماجي (1905–1907 م).
ثالثًا: كاميرون الألمانية
“كاميرون الألمانية” (Kamerun) التي أُعلن قيامها رسميًا عام 1884 م بعد اتفاق وقّعه القنصل الألماني غوستاف ناختيغال مع ملوك قبيلة دوالا الساحلية، كانت تضم أراضٍ تمتد اليوم بين كاميرون والكونغو وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وأجزاء من نيجيريا. شهدت مركز ثقل اقتصادي على غابات الكاكاو والمطاط والعاج. مارست فيها ألمانيا حكمًا يقوم على “الحملات العقابية” المنتظمة ضد أي تمرد قبلي، وشمل تنكيلًا جسديًا وإعدامات ميدانية واسعة وعملًا قسريًا ممنهجًا [3].
رابعًا: توغولاند
كانت “توغولاند” (Togoland) — التي تُقابل اليوم دولة توغو وشريطًا من غرب غانا — أصغر المستعمرات الألمانية وأقلها مساحةً، وإن لم يعنِ ذلك أنها كانت أقلها وطأةً في السياسات الاستعمارية. وقد أُعلنت حمايةً ألمانيةً في الخامس من يوليو عام 1884 م. وتجدر الإشارة إلى أن توغولاند كانت المستعمرة الألمانية الوحيدة التي استسلمت للقوات البريطانية والفرنسية مبكرًا جدًا في أغسطس عام 1914 م، بعد أقل من شهر من اندلاع الحرب العالمية الأولى، مما جعلها أيضًا أقل المستعمرات تورطًا في صفحات العنف الألماني الأشد دموية في أفريقيا.
الإبادة الجماعية للهيريرو والناما: أولى الإبادات الجماعية في القرن العشرين
أولًا: الأسباب والمقدمات (1884–1903)
كانت شعوب الهيريرو (Ovaherero) والناما (Nama) تمثّل السكان الرئيسيين في جنوب غرب أفريقيا الألمانية. الهيريرو شعب بانتو رعوي استقر في المنطقة منذ القرن الثاني عشر، ويرتكز وجوده الثقافي والاقتصادي على تربية الماشية التي تُعدّ ثروته المادية والرمزية الجوهرية. أما الناما فشعب خوي-سان أقدم توطنًا في المنطقة، يمارس الرعي كذلك ويرتبط بأراضٍ بعينها بروابط وجودية عميقة. ومنذ الإعلان الألماني عن الحماية عام 1884 م، تواترت الانتهاكات: مصادرة الأراضي لصالح المستوطنين الألمان المتزايدين، وفرض مواسم قسرية من العمل، وإذلال ممنهج عبر منظومة قانونية تفرّق فروقًا جوهرية بين حقوق “البيض” وحقوق “السود” [8].
بحلول عام 1903 م، كانت مساحة الأراضي الهيريرية قد تضاءلت بفعل الاستيلاءات الألمانية إلى ما دون ثلث ما كانت عليه عند بدء الاستعمار، فيما كانت ديون المزارعين الألمان المستوطنين تُستخدم ذريعةً إضافية لمصادرة الماشية التي يرمز إليها الهيريرو كما كان يرمز الأوروبيون إلى ممتلكاتهم العقارية. وكان الاستياء الشعبي يتراكم بصمت وكبرياء جريح.
ثانيًا: انتفاضة الهيريرو والاستجابة الألمانية
في الثاني عشر من يناير عام 1904 م، شنّ أبناء الهيريرو بقيادة زعيمهم الأعلى صموئيل ماهيريرو هجومًا مفاجئًا على المواقع والحاميات الألمانية، أسفر في مراحله الأولى عن سلسلة من الانتصارات الميدانية أربكت الألمان الذين لم يتوقّعوا مستوى هذا التنظيم والشجاعة. أعطى ماهيريرو أوامر صريحة بعدم التعرض للنساء ولا للأطفال ولا للمبشّرين الأجانب ولا لتجار ذوي دول محايدة، في التزام بالتقاليد الحربية المحلية يتناقض تناقضًا حادًا مع ما ستنتهجه القوات الألمانية في الردّ [9].
استدعت ألمانيا تعزيزات كبيرة من البر الأوروبي، وعيّنت في السادس عشر من يونيو عام 1904 م قائدًا جديدًا للعمليات هو الجنرال لوتار فون تروتا (1848–1920 م)، المعروف بسجلّه من الوحشية في حروب الاستعمار الألماني في شرق أفريقيا وفي حملة الملاكمين بالصين. أبلغ فون تروتا بصراحة لا لبس فيها أنه لا يريد التفاوض، وأن الحلّ الوحيد هو الإبادة العسكرية الشاملة. وقد سقط ذلك في خانة الهوس العنصري أكثر من الاستراتيجية العسكرية.
ثالثًا: معركة فاتربيرغ وأمر الإبادة
في الحادي عشر من أغسطس عام 1904 م، شنّ فون تروتا هجومه الكبير على حشد الهيريرو في هضبة فاتربيرغ (Waterberg). خاض الهيريرو — الذين كان بينهم آلاف المدنيين من النساء والأطفال والمسنّين — معركة دفاعية يائسة ثم انكسروا أمام المدفعية الألمانية الثقيلة. وبدلًا من السماح بالاستسلام أو المفاوضات، أفسح فون تروتا عمدًا ثغرةً في طوق الحصار من جهة صحراء أوماهيكي (Omaheke) الجافة، دافعًا الهيريرو نحوها مع علمه التام أنها صحراء الجفاف والموت. ثم وزّع وحداته على نقاط المياه لمنع أي عودة، وأمر بإغلاق آبار الصحراء وتسميم ما أمكن منها [10].
وفي الثاني من أكتوبر عام 1904 م، أصدر فون تروتا “أمر الإبادة” (Vernichtungsbefehl) الذي يُعدّ من أشد الوثائق العسكرية إجرامًا في تاريخ الاستعمار:
“داخل الحدود الألمانية، كل هيريري سواء حمل سلاحًا أم لم يحمله، سواء أمتلك ماشيةً أم لم يمتلكها، سيُقتَل. لن أقبل بعد الآن لا النساء ولا الأطفال، سأدفعهم نحو شعبهم أو سأأمر بإطلاق النار عليهم. هذه هي كلماتي لشعب الهيريرو.”
— الجنرال لوتار فون تروتا، أمر الإبادة، 2 أكتوبر 1904 م
قضى هذا الأمر بإطلاق النار على كل هيريري يُعثر عليه، رجلًا كان أم امرأةً أم طفلًا، مسلّحًا كان أم عزلًا. وقد نفّذت قوات فون تروتا هذا الأمر على مدى أشهر، فيما مات عشرات الآلاف في صحراء أوماهيكي عطشًا وجوعًا. وحين ضغط المستشار الألماني برنهارد فون بولو على القيصر ويلهلم الثاني لإلغاء الأمر، جرى إلغاؤه في التاسع من ديسمبر 1904 م — لكن بعد أن كان قد أودى فعليًا بحياة عشرات الآلاف.
رابعًا: معسكرات الاعتقال وجزيرة القرش
بعد إلغاء أمر الإبادة، حلّ محلّه نظام جديد لا يقل إجرامًا: أُقيمت معسكرات اعتقال لاستيعاب الناجين من الهيريرو والناما. وكان أشهرها وأشدّها وطأةً “معسكر جزيرة القرش” (Shark Island) قرب مدينة لودريتز الساحلية، حيث وُضع المعتقلون في ظروف مُميتة متعمَّدة: كانت درياح المحيط الأطلسي الباردة تعصف بهم دون مأوى كافٍ، وكانت حصصهم الغذائية ضئيلة لدرجة التجويع المتعمَّد، وبلغت نسبة الوفيات في معسكر جزيرة القرش بين سبعة وأربعين وأربعة وسبعين بالمئة من مجموع المعتقلين [11].
وإلى جانب موجات الجوع والبرد والوباء، جرت في هذه المعسكرات تجارب علمية طبية مروّعة أشرف عليها الطبيب أوجين فيشر (Eugen Fischer)، الذي انتهز وجود الأطفال من “الأصول المختلطة” — المولودين من اغتصاب جنود ألمان لنساء أفريقيات — لإجراء دراسات عنصرية تقيس مدى “دونية” المولودين من ذرية مختلطة. ووضع فيشر عام 1913 م كتابه “المختلطون في الريهوبوث” (Die Rehobother Bastards) الذي استخدم مخرجاته “العلمية” من تلك التجارب لترسيخ الأيديولوجيا العنصرية الألمانية. وقد درس هذا الكتاب أدولف هتلر لاحقًا بعناية، فيما تتلمذ على يد فيشر ذاته الطبيب النازي المرعب يوزف مينغيله الذي أجرى تجاربه الإجرامية في معسكر أوشفيتس [7].
خامسًا: ثورة الناما وامتداد الإبادة
في أكتوبر عام 1904 م، وحين شاهدت الناما مصير الهيريرو المروّع، قرّرت الانتفاضة تحت قيادة الزعيم هندريك ويتبوي الذي كان قبلها حليفًا للألمان منذ عام 1894 م. اعتمد الناما أسلوب حرب العصابات الذي أعاق الجيش الألماني سنوات، حتى مُني ويتبوي بجروح قاتلة في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1905 م. مارس الألمان ضد الناما ما مارسوه ضد الهيريرو: إبادة ميدانية وتهجير وإيداع في معسكرات مُميتة. وقُدِّر أن خمسين بالمئة من شعب الناما لقي حتفه بحلول نهاية الحرب عام 1908 م [1]. وبالمجمل، دمّرت الحرب بين الهيريرو والناما ثمانين بالمئة من الشعب الأول ونصف الشعب الثاني في أربع سنوات، في إبادة لم يُعترف بها رسميًا إلا عام 2021 م.
تمرد ماجي ماجي: الأرض المحروقة في شرق أفريقيا (1905–1907)
أولًا: البذور والجذور
كانت أفريقيا الشرقية الألمانية في السنوات التي سبقت عام 1905 م تغلي بالاستياء المكبوت. فرض الحاكم الألماني فون غوتزن عام 1902 م على القرى الأفريقية في الجزء الجنوبي من المستعمرة زراعةَ القطن كمحصول تصديري إلزامي، ورُتّبت هذه المهمة عبر نظام الأكيدة المحليين ومشرفين يملكون سلطة معاقبة كل مزارع يقصّر عن حصته. كان هذا القرار كارثيًا في تأثيره الاجتماعي: فرض على الرجال التغيب أشهرًا عن قراهم للعمل في حقول القطن، محوّلًا التوازن الاجتماعي رأسًا على عقب، وتاركًا النساء يُدِرن شؤون الأسرة والزراعة الغذائية دون الموارد الذكورية اللازمة. وبينما كانت المزارع الغذائية تُهمل، كان القطن يُرسَل إلى موانئ التصدير [12]. وقد زاد الجفاف عام 1905 م الطين بلّةً، فحوّل القسوة الاقتصادية إلى أزمة معيشية حادة.
ثانيًا: كنجيكيتيلي نغوالي والمياه المقدسة
في هذا المناخ من الإحباط العميق والهوان المتراكم، ظهر روحاني يُدعى كنجيكيتيلي نغوالي في قرية نغارامبي يدّعي التواصل مع أرواح الأجداد. أعلن أنه يملك سرّ سائل مقدس — سمّاه “ماجي ماجي” أي “المياه المقدسة” بالسواحيلية — تُمنح منه قطرة لكل مقاتل فتجعل رصاص الألمان يتحول إلى ماء ويصير غير قاتل. كان هذا الادعاء يُجيب عن السؤال الكبير الذي أعجز المقاومين: كيف يُواجهون الأسلحة النارية الحديثة بالرماح والنبال؟ والجواب الروحي — حتى ولو كان وهمًا بيّنًا — حقّق أثرًا سياسيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية: وحّد لأول مرة عشرين مجموعة عرقية مختلفة لم تتعاون من قبل في أي مشروع مشترك، وحولها إلى جسد مقاوم واحد. وتُعدّ هذه الوحدة العرقية التاريخية غير المسبوقة إنجازًا يفوق في دلالته السياسية الحصيلة العسكرية للانتفاضة [13].
ثالثًا: انطلاق الانتفاضة واتساعها
في الحادي والعشرين من يوليو عام 1905 م، قدّم كنجيكيتيلي نغوالي “المياه المقدسة” لآلاف المقاتلين ودعاهم إلى الزحف. وفي الثالث والثلاثين من الشهر ذاته، هاجمت جموع من المقاتلين محطة تجارية وحقول القطن في منطقة ساماغا محوّلين الرفض العمّالي الصامت إلى اتحاد مسلح. ثم انتشرت الانتفاضة بسرعة فائقة في جنوب أفريقيا الشرقية عبر مساحة تتجاوز مئة ألف كيلومتر مربع، ضمّت القبائل من الماتومبي والنغوني واليياو والزاراموا وغيرهم. وحين أُعدم كنجيكيتيلي نغوالي شنقًا بأمر ألماني في الرابع من أغسطس 1905 م، قال قبل موته: “لقد نشرت الدواء في كل أنحاء البلاد، ومهمتي قد أُنجزت” [2].
تشير التقديرات إلى أن نحو خمسة وثمانين ألف مقاتل من مختلف الأعراق اشتركوا في الانتفاضة على مراحل متعاقبة. وعلى الرغم من حماستهم ووحدتهم، فقد اصطدم المقاتلون بواقع مؤلم: “المياه المقدسة” لم تُحوّل الرصاص. فُقدوا في المعارك المباشرة أمام المدافع الرشاشة بأعداد مرعبة. ولم تحتفظ الانتفاضة بمحطة عسكرية حاسمة سوى صمودها في وجه القوات الألمانية لأشهر عدة.
رابعًا: الأرض المحروقة والمجاعة الكبرى
أعلن قائد القوات الألمانية وقد عرف أنه لا يستطيع الحسم العسكري بالضربة المباشرة الواحدة — استراتيجيةً لم تخلُ من إجرام ممنهج: إحراق القرى وتدمير المخازن الغذائية وحرق المحاصيل وتلويث مصادر المياه. كتب الكابتن الألماني وانغنهايم إلى الحاكم فون غوتزن في أكتوبر عام 1905 م:
“الجوع والشُّح فقط يُمكنهما إحداث الاستسلام النهائي. العمليات العسكرية وحدها لن تعدو كونها قطرةً في المحيط.”
— الكابتن فون وانغنهايم، مذكرة رسمية إلى الحاكم فون غوتزن، أكتوبر 1905 م
نُفِّذت هذه الاستراتيجية بشكل كامل: أُحرقت قرى بأكملها وصودرت مؤونة الشتاء وأُتلفت أشجار الفاكهة وخُرِّبت أنظمة الري. أدّى ذلك إلى المجاعة الكبرى المعروفة بـ”أوكامي” (ukame) التي اجتاحت جنوب تنزانيا وعصفت بملايين من غير المقاتلين من النساء والأطفال والمسنين. تتراوح تقديرات الضحايا الإجمالية للتمرد وما أعقبه بين خمسة وسبعين ألفًا وثلاثمئة ألف أفريقي قتيل، معظمهم ماتوا جوعًا لا رصاصةً [14]. وقد وصف المؤرخون المعاصرون هذه الاستراتيجية بأنها “إبادة جماعية غذائية” متعمّدة، مُصنِّفين إياها في ذيل طويل من الجرائم ضد الإنسانية التي واكبت الاستعمار الألماني في أفريقيا.
صور أخرى من المقاومة الأفريقية
أولًا: ثورة الواهيهي (1891–1898)
قبل الانتفاضتين الكبيرتين، كانت أفريقيا الشرقية الألمانية قد شهدت ثورةً دموية أخرى بقيادة شعب الواهيهي (Wahehe) في مرتفعات جنوب تنزانيا تحت زعيم يُدعى موكواوا — المعروف لاحقًا بلقب “نسر هيهيلاند”. كان الواهيهي أقوى الكيانات السياسية العسكرية في جنوب شرق أفريقيا الألمانية، وكانوا قادرين على خوض حرب عصابات ممتدة سبع سنوات (1891–1898 م) أربكت الإدارة الألمانية وكلّفتها موارد ضخمة. كانت هذه الثورة بالنسبة للمؤرخين “حقل التدريب” الذي خرّج جيلًا من الضباط الألمان الاستعماريين طُبِّقت مهاراتهم لاحقًا في الإبادات الأشدّ كارثيةً.
ثانيًا: انتفاضة دوالا في كاميرون (1884)
لم تنتظر المقاومة الكاميرونية طويلًا: فبعد أشهر قليلة من الإعلان الألماني عن الحماية، رفض زعماء قبيلة دوالا الساحلية شروط الهيمنة الإدارية الألمانية ونزاعاتها على أراضيهم التجارية. واستمرت المواجهات والمقاومات المتقطعة طوال العهد الاستعماري، ولا سيما مقاومة الزعيم رودولف دوالا مانغي الذي أُعدم الألمان عام 1914 م بعد أن قاد احتجاجًا دبلوماسيًا على سياسة مصادرة الأراضي.
البنية الاقتصادية للاستعمار الألماني
على صعيد السياسات الاقتصادية، كانت المستعمرات الألمانية تُدار وفق المنطق الاستخراجي المعتاد للاستعمار الأوروبي: تُجنى من الأرض ثرواتها الطبيعية وتُنقل إلى المركز الصناعي الأوروبي. غير أن الاستعمار الألماني أضاف على هذا المنطق طابعًا مميزًا بنزعته الاستيطانية في جنوب غرب أفريقيا التي أضفت على مصادرة الأراضي طابعًا وجوديًا: إخلاء الأرض من سكانها ليحلّ محلّهم المستوطنون الأوروبيون في نمط يذكّر بما جرى في أمريكا الشمالية وأستراليا. أما في أفريقيا الشرقية وكاميرون وتوغو، فسيطر الإنتاج الزراعي التصديري — القطن والمطاط والكاكاو والقهوة والسيزال — مُنتجًا بعمالة قسرية تقوم على نظام الضرائب الذي يُجبر الأفارقة على العمل للحصول على النقد اللازم لسداد ما عليهم [15].
بيد أن الأرشيفات الألمانية تكشف أن المستعمرات الأفريقية لم تُحقق الثمار الاقتصادية المنتظرة: فقد تكلّفت إدارتها وحملاتها العسكرية أكثر مما جلبت من أرباح، حتى أن المستشار بولو واجه في البرلمان الألماني عام 1907 م “انتخابات الهوتنتوت” التي احتجّ فيها كثيرون على كلفة حروب أفريقيا الدموية. ومع ذلك، ظلّ الوجود الاستعماري حتى أواخر الحرب العالمية الأولى عام 1918 م رمزًا لمكانة ألمانيا الدولية ووسيلةً لتغذية النزعة القومية الداخلية.
نهاية الاستعمار الألماني: الحرب العالمية ومعاهدة فرساي
أُسفر عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى بنهاية واحدة حاسمة للمشروع الاستعماري الألماني في أفريقيا. فبمقتضى المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم الملحقة بمعاهدة فرساي الموقّعة في يونيو عام 1919 م، جُرِّدت ألمانيا من جميع مستعمراتها بحجة أنها أثبتت “عدم كفاءتها في ممارسة الحكم الاستعماري”. وُزِّعت المستعمرات الأفريقية على القوى المنتصرة كـ”انتدابات”: منحت عصبة الأمم جنوب غرب أفريقيا لجنوب أفريقيا الاتحادية التي مارست فيها لاحقًا نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) الذي امتد حتى استقلال ناميبيا عام 1990 م؛ ومنحت أفريقيا الشرقية الألمانية في معظمها لبريطانيا تحت اسم “تانغانيقا” (تنزانيا لاحقًا)؛ وقُسِّمت كاميرون وتوغولاند بين بريطانيا وفرنسا [16].
الإرث التاريخي: الاستعمار الألماني في الضمير المعاصر
أولًا: الصلة بالنازية — المختبر الأفريقي
من أكثر ما يُثيره تاريخ الاستعمار الألماني في أفريقيا من جدل أكاديمي: هل كانت تجارب الإبادة الجماعية في ناميبيا “مختبرًا أيديولوجيًا” للإبادة النازية اللاحقة؟ يرى المؤرخ يورغن زيمرر من جامعة هامبورغ أن الاستعمار الألماني في أفريقيا أسّس لمنظومة أيديولوجية أمدّت النازية بمفاهيمها الإجرامية الرئيسية: مبدأ “مجال المعيشة” (Lebensraum) الذي ابتكره باحثو الجغرافيا الاستعمارية للتدليل على حق الأعراق “المتفوقة” في احتلال أراضي الأعراق “الأدنى”؛ ومفهوم “العرق الأدنى” (Untermensch) الذي كرّسته التجارب العنصرية لأوجين فيشر على ذرية أفريقيا؛ وحتى مصطلح “معسكر الاعتقال” (Konzentrationslager) الذي استعاره الألمان أصلًا من التجربة البريطانية في جنوب أفريقيا ثم طوّروه في ناميبيا قبل أن يُعيده النازيون بصورة مُطوَّرة [17].
ثانيًا: الاعتراف والتعويضات — مسيرة متأخرة وناقصة
ظلّ الاستعمار الألماني لفترة طويلة “ذاكرةً مكبوتة” في الوجدان الألماني الجمعي، إذ هيمن على خطاب الجريمة التاريخية الألمانية ملفّ الهولوكوست الذي احتلّ مساحة شبه كاملة في التفكير الأخلاقي السياسي لما بعد الحرب. غير أن الحركة الحقوقية الناميبية والنقاشات الأكاديمية الألمانية أفضت في مطلع الألفية الثالثة إلى إعادة الملف إلى الواجهة. وفي عام 2015 م، صرّح مسؤول ألماني لأول مرة علنًا بأن ما جرى في ناميبيا “يمكن وصفه بالإبادة الجماعية” [18]. وتوّج ذلك بالاعتراف الرسمي الألماني عام 2021 م بحدوث “إبادة جماعية” في ناميبيا، مشفوعًا بإعلان منحة تنمية بقيمة 1.1 مليار يورو على مدى ثلاثين عامًا — غير أن الجانب الناميبي انتقد الصيغة التي جعلت من التعويض “مساعدةً تنموية” لا اعترافًا بالمسؤولية القانونية الكاملة، وما زالت المفاوضات مستمرة حول حجم الاعتراف وطبيعة الاعتذار.
وفي الموازاة، طالبت تنزانيا ألمانيا باعتذار رسمي وتعويضات عن مجزرة ماجي ماجي، ولبّى الرئيس الألماني فرانك-والتر شتاينماير عام 2023 م هذا الطلب جزئيًا في زيارة لتنزانيا طلب فيها “المغفرة” وأعرب عن “الخزي” إزاء الجرائم الاستعمارية، لكن الاعتراف الرسمي الكامل وطلب التعويضات لا يزال رهين المسار التفاوضي الطويل.
ثالثًا: الإرث الحضاري والهوياتي في الدول الخلف
تحمل الدول الأربع الخلف للمستعمرات الألمانية — ناميبيا وتنزانيا وكاميرون وتوغو — كلٌّ منها إرثًا استعماريًا ألمانيًا يتجلّى في أبعاد مختلفة: من حدودها السياسية المرسومة بحسابات أوروبية لا تراعي الجغرافيا الإثنية، إلى بقايا المعمار الاستعماري الألماني في مدنها، وصولًا إلى ندوب الإبادات التي تتحمّلها الجماعات المتضرِّرة كالهيريرو والناما في ناميبيا، حيث لا تزال الأراضي التي استُولي عليها في الحقبة الاستعمارية في معظمها بيد المجتمعات البيضاء، مؤجِّجةً احتقانًا اجتماعيًا يُغذّي المطالب السياسية الراهنة باستعادة الأرض.
وفي الختام، لا يكتمل فهم القرن العشرين الأوروبي دون قراءة الاستعمار الألماني في أفريقيا: فهو الجذر الأفريقي الذي أمدّ العنصرية الألمانية بمفرداتها العلمية المزيّفة، والتجربة الميدانية التي دلّت الأيديولوجيا الإبادية على ممكناتها التنفيذية. وهو بهذا المعنى لا مجرد فصل مظلم في تاريخ أفريقيا، بل محطة لا يُفهم تاريخ أوروبا في القرن العشرين بمعزل عنها.