المقدمة
تُعدّ إبادة البوسنة والهرسك (1992–1995) من أشدّ الجرائم ضد الإنسانية فتكاً في أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ ارتكبت فيها قوات صرب البوسنة — بدعم صريح من حكومة سلوبودان ميلوسيفيتش في بلغراد — سلسلةً من الجرائم الممنهجة استهدفت إبادة البوشناق المسلمين وتفريغ الأراضي البوسنية من سكانها غير الصرب. أودت هذه الجرائم بحياة ما يزيد على مئة ألف شخص، وشردت أكثر من مليوني إنسان فقدوا بيوتهم وأوطانهم في موجة نزوح قسري لم تشهدها أوروبا منذ عقود. [1]
بلغت هذه الجرائم ذروتها في مجزرة سربرنيتسا في يوليو 1995، حين أقدم جيش صرب البوسنة بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش على إعدام أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى من البوشناق في غضون أيام، في أكبر عملية إعدام جماعي في أوروبا منذ الهولوكوست. [2] وكانت سربرنيتسا قد أُعلنت رسمياً منطقةً آمنة من قِبل مجلس الأمن الدولي، مما جعل سقوطها صفعةً مدوّية للمنظومة الأممية وكشف عن عجز مؤلم في منظومة حفظ السلام الدولية.
بعد عقود من التقاضي، أقرّت كلٌّ من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ومحكمة العدل الدولية بأن ما جرى في سربرنيتسا يشكّل إبادةً جماعية وفق القانون الدولي. وقد صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق القائد العسكري راتكو ملاديتش، وبالسجن أربعين عاماً — ثم مدى الحياة — بحق الزعيم السياسي رادوفان كاراجيتش. غير أن ذاكرة الجرح لا تزال حيّة في وجدان الأمة البوسنية، وملف المفقودين الذي يُقدَّر بنحو ثلاثين ألف شخص لم يُغلق بعد.
١. السياق التاريخي: يوغوسلافيا قبل الانهيار
لا يمكن استيعاب إبادة البوسنة والهرسك دون استحضار التربة التاريخية التي نبتت فيها، إذ تعود جذور هذا الصراع إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد خصومات سياسية آنية؛ بل تمتد عبر قرون من التراكمات العرقية والدينية والقومية في منطقة البلقان المضطربة. منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، جُمعت شعوب متنوعة التركيب العرقي والديني تحت سقف واحد هو مملكة يوغوسلافيا، ثم الجمهورية الفيدرالية الاشتراكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. [3]
تحت قيادة الزعيم الشيوعي جوزيب بروز تيتو (1945–1980)، تمكّن النظام من إخماد الفتنة العرقية واحتواء النزعات القومية عبر منظومة أيديولوجية قامت على مبدأ “الأخوة والوحدة”، مدعومةً بأجهزة أمنية صارمة ونظام اتحادي يوزّع السلطة بين جمهوريات الفيدرالية الست. غير أن وفاة تيتو عام 1980 أفضت إلى فراغ سياسي هائل؛ إذ أُزيح الغطاء عن الجمرة المتوقدة، وبدأت النخب السياسية في كل جمهورية تستثمر خطاب القومية سلاحاً في المنافسة على السلطة. [4]
كانت جمهورية البوسنة والهرسك من أكثر جمهوريات يوغوسلافيا تنوعاً وهشاشةً في آنٍ واحد. قبل الحرب مباشرةً، بلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين شخص يتوزعون كالآتي: البوشناق المسلمون بنسبة 44%، والصرب الأرثوذكس بنسبة 31%، والكروات الكاثوليك بنسبة 17%، فضلاً عن أقليات أخرى. [5] كان هذا التنوع يمثّل ثروةً ثقافية في زمن السلم، لكنه أصبح مادةً قابلة للاشتعال حين انطلق المحرّضون القوميون يشحنون الأجواء بخطاب الكراهية والخوف.
البذرة الصربية الكبرى: صعود ميلوسيفيتش
في عام 1987، برز سلوبودان ميلوسيفيتش على الساحة السياسية الصربية بخطاب قومي حادّ استمدّ زخمه من الاستياء الصربي التاريخي تجاه مكانتهم ضمن الفيدرالية اليوغوسلافية. وحين انتُخب رئيساً لصربيا عام 1989، بات يحرّض على القومية الصربية في سائر الجمهوريات بهدف بناء “صربيا الكبرى” الموحّدة، وهو مشروع لم يكن ممكناً إلا بإخضاع الشعوب الأخرى أو تهجيرها قسراً. [6]
كوسوفو هي قلب صربيا، وما دمنا نملك قلوباً نابضة فلن نتركها.
— سلوبودان ميلوسيفيتش، في خطاب ميدان كوسوفو، 1989
أذكى خطاب ميلوسيفيتش مخاوف الكروات والسلوفينيين والبوشناق من الهيمنة الصربية. وفي الانتخابات التعددية الأولى عام 1990، جاءت نتائج الاقتراع في كل جمهورية انعكاساً للانتماءات العرقية، مما يعني أن الفيدرالية قد فقدت عملياً روابطها السياسية قبل أن تتفكك رسمياً. كان المجال مهيَّأً لحروب إثنية فتّاكة.
٢. تفكك يوغوسلافيا وجذور النزاع العرقي
في عام 1991، أعلنت كلٌّ من سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما عن الجمهورية الفيدرالية. ردّ الجيش الشعبي اليوغوسلافي بالقوة العسكرية، غير أن حرب سلوفينيا انتهت في غضون عشرة أيام، فيما امتدت حرب كرواتيا لأشهر واتسمت بقسوة أكبر. اعترفت المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة بسلوفينيا وكرواتيا في مطلع عام 1992، مما أوجد سابقةً دولية شجّعت الجمهوريات الأخرى على المضيّ في مساعي الاستقلال. [7]
في البوسنة والهرسك، أجرت الحكومة استفتاءً على الاستقلال في الفترة من 29 فبراير إلى 1 مارس 1992. أيّد الاستقلال البوشناق والكروات البوسنيون بأغلبية ساحقة (98.9% من الأصوات)، فيما قاطع الصرب البوسنيون الاستفتاء ورفضوا نتيجته. [8] أعلنت الحكومة البوسنية استقلالها رسمياً في الخامس من أبريل 1992، وفي اليوم ذاته أو بعده بساعات، فتح جيش صرب البوسنة نيرانه على سراييفو، لتنطلق شرارة واحدة من أطول وأدمى الحروب في تاريخ أوروبا المعاصرة.
كان قادة صرب البوسنة — وعلى رأسهم رادوفان كاراجيتش ورئيسه العسكري راتكو ملاديتش — يرفضون الاندراج في دولة بوسنية مستقلة ذات أغلبية مسلمة، ويطمحون إلى إلحاق المناطق ذات الغالبية الصربية بصربيا أو إقامة دولة صربية مستقلة. في مايو 1992، أعلنوا تأسيس “جمهورية صرب البوسنة” (Republika Srpska)، ومنحوا أنفسهم شرعية الدفاع عن الصرب في مواجهة “التهديد الإسلامي” الوهمي الذي لم يستحِ خطابهم الدعائي من إطلاقه.
٣. اندلاع الحرب البوسنية 1992
في مطلع مايو 1992، وبعد يومين فقط من اعتراف الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية باستقلال البوسنة والهرسك، انطلق الهجوم العسكري الصربي الشامل. شنّ جيش صرب البوسنة — المدعوم بعتاد الجيش الشعبي اليوغوسلافي وبدعم سياسي مباشر من بلغراد — قصفاً مدفعياً على سراييفو، وشرع في الوقت ذاته باجتياح المدن البوسنية ذات الغالبية المسلمة في شرق البوسنة، من زفورنيك إلى فوتشا وفيشيغراد. [9]
كانت غاية الهجوم معلنةً بوضوح: إقامة منطقة متجانسة عرقياً من الصرب على أكبر قدر ممكن من الأراضي البوسنية، وهو ما عُرف لاحقاً بـ”مشروع درينا”، في إشارة إلى النهر الذي يحدّ شرق البوسنة عند الحدود مع صربيا. [10] اشتملت العمليات العسكرية على قصف المدن، واقتحام القرى، وتهجير السكان المدنيين قسراً، وإنشاء مراكز احتجاز وصفتها التقارير الدولية لاحقاً بأنها “معسكرات اعتقال”. في غضون أشهر قليلة، سيطر جيش صرب البوسنة على ما يقارب ثلاثة أرباع مساحة البوسنة والهرسك.
ثلاثة أطراف في معادلة واحدة
كانت الحرب البوسنية في جوهرها ثلاثية الأطراف: جيش جمهورية البوسنة والهرسك الحكومي الذي تألّف في معظمه من البوشناق المسلمين وإن ضمّ من سائر الإثنيات، ومجلس الدفاع الكرواتي الذي مثّل الكروات البوسنيين، وجيش صرب البوسنة. وقد تقلّبت تحالفات الكروات والبوسنيين بين التعاون والاقتتال الداخلي في مراحل مختلفة من الحرب، مما أضاف تعقيداً على تعقيد. غير أن الصورة الكبرى ظلت واضحة: كان جيش صرب البوسنة هو المحرّك الرئيسي للإبادة والتطهير العرقي، لا سيما في مواجهة البوشناق. [11]
٤. سياسة التطهير العرقي الممنهج
شكّل “التطهير العرقي” المحور الأساسي للاستراتيجية الصربية في البوسنة. يُعرَّف هذا المصطلح بأنه إجبار مجموعة إثنية أو دينية على مغادرة منطقة جغرافية بعينها عبر استخدام العنف والترهيب والتهجير القسري، بهدف تحقيق التجانس العرقي في تلك المنطقة. وقد وصف قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47/121 الصادر في ديسمبر 1992 التطهير العرقي صراحةً بأنه “شكل من أشكال الإبادة الجماعية”. [12]
اتخذ التطهير العرقي في البوسنة أشكالاً متعددة ومتداخلة. كانت العمليات تبدأ عادةً بقصف مدفعي وصاروخي يُرهب السكان ويُجبرهم على الفرار، ثم يدخل المشاة لاحتلال المناطق الخاوية من سكانها. وفي الحالات التي تشبّث فيها السكان بأرضهم أو عجزوا عن الفرار، كانت العمليات تتحول إلى مذابح ميدانية. تشير التقارير إلى أن أكثر من ألف وثلاثمئة قرية بوسنية قد دُمّرت كلياً أو جزئياً، وهُدم ما يزيد على ستمئة وخمسين مسجداً، وأُحرقت المنازل والأسواق وانتُهكت المقدسات لمحو أي أثر للوجود البوسني المسلم في تلك المناطق. [13]
الاغتصاب الممنهج سلاحاً للحرب
من أشد الجرائم المرتكبة في البوسنة بشاعةً ودلالةً: توظيف الاغتصاب سلاحاً منهجياً للحرب بهدف تحطيم النسيج الاجتماعي للمجتمع البوسني المسلم وإذلاله وإرغامه على التهجير. جرت هذه الجرائم في مواقع أُطلق عليها بعض الباحثين تسمية “معسكرات الاغتصاب” أو “بيوت الاحتجاز”، حيث احتُجزت النساء والفتيات كرهينات وتعرضن للعنف الجنسي المتكرر. تتراوح تقديرات عدد الضحايا من الاغتصاب في حرب البوسنة بين عشرين ألفاً ومئة ألف امرأة وفتاة وفق تقارير متعددة. [14]
اعترفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لاحقاً بأن الاغتصاب الممنهج يُشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وصدر عام 2001 حكم تاريخي في قضية فوتشا أدان بموجبه ثلاثة من الجنود الصرب بتهمة الاغتصاب الممنهج — وهو أول حكم دولي من نوعه يُقرّ صراحةً بالاغتصاب جريمةً ضد الإنسانية.
٥. حصار سراييفو 1992–1996
حصار سراييفو هو الأطول في تاريخ الحروب الحديثة على الإطلاق؛ فقد استمر من الخامس من أبريل 1992 حتى التاسع والعشرين من فبراير 1996، أي ما مجموعه 1,425 يوماً متواصلاً. يفوق هذا الرقم بثلاثة أضعاف مدة حصار ستالينغراد الشهير، ويتجاوز حصار لينينغراد بعام كامل. [15]
طوّق جيش صرب البوسنة مدينة سراييفو عاصمة البوسنة من تلالها المحيطة، ونصب قناصةً احترافيين في أماكن استراتيجية تُطلّ على شوارع المدينة وأسواقها وملاعب أطفالها. أصبحت عبارة “Pazite, Snajper!” (حذار من القناصة!) لافتةً شائعة في شوارع سراييفو، وبات السير في بعض الطرقات مجازفةً بالموت. أُطلق على إحدى الطرق الرئيسية تسمية “شارع القناصة” لهذا السبب بالذات. [16]
خلال سنوات الحصار، أُمطرت المدينة بما يزيد على خمسمئة ألف قذيفة، واستُشهد في أحياء سراييفو المدنية 11,541 شخصاً من بينهم 1,601 طفل قضوا برصاص القناصة أو بالقصف العشوائي. [17] تضرّرت أكثر من 80% من مباني المدينة، وانهارت البنى التحتية من مياه وكهرباء واتصالات. عاش سكان سراييفو في ظروف إنسانية بالغة القسوة، يقطعون الخشب من أثاثهم وكتبهم للتدفئة، ويحفرون في الأراضي العامة بحثاً عن مياه نظيفة.
نفق الحياة: بطولة في زمن الحصار
في مواجهة الخنق الصربي، ابتكر أهالي سراييفو أسلوباً استثنائياً للصمود والبقاء: حفروا نفقاً يمتد على طول 800 متر تحت أرضية مطار سراييفو، يربط منطقة دوبرينيا الخاضعة للحصار ببوتمير خارج دائرة الحصار. أُنجز حفر النفق ما بين نوفمبر 1992 ويوليو 1993، وكان ارتفاعه نحو 1.5 متر مما اضطر العابرين إلى الانحناء في كل الوقت. عبر هذا النفق الضيّق نقلت عائلات سراييفو الغذاء والدواء والسلاح والحياة. أصبح نفق سراييفو — الذي بات اليوم متحفاً — رمزاً استثنائياً لإرادة الإنسان في مقاومة الموت. [18]
عشنا في الظلام، لكننا لم نُطفئ شمعة الأمل. كنّا نؤمن أن العالم لن يتركنا ننزف حتى الموت.
— شهادة مدنية من سراييفو المحاصرة، أرشيف الذاكرة البوسنية
٦. معسكرات الاعتقال والانتهاكات الجنسية
منذ الأشهر الأولى للحرب، كشف الصحفيون الدوليون عن وجود شبكة من مراكز الاحتجاز التي أنشأتها قوات صرب البوسنة في مناطق سيطرتها. في أغسطس 1992، نشرت صحيفة نيويورك تايمز ووسائل إعلامية بارزة أخرى صوراً وتقارير عن معتقلين بوشناق هزيلي الأجسام خلف أسلاك شائكة في معسكرات مثل أومارسكا وتيرنوبوليه وكيراتيرم، في مشاهد استحضرت بشكل صادم صور معسكرات اعتقال الحرب العالمية الثانية. [19]
في معسكر أومارسكا — الذي كان في الأصل منجماً لخام الحديد — احتُجز آلاف البوسنيين المسلمين في أوضاع لا إنسانية؛ نقص حادّ في الغذاء والماء والرعاية الصحية، وتعرّضوا للتعذيب والضرب والقتل العشوائي. ارتكب الحراس جرائم فظيعة بحق المحتجزين، وعُثر في المنطقة المحيطة لاحقاً على مقابر جماعية تؤكد وقوع عمليات إعدام ميداني. [20]
كانت المدينة البوسنية فوتشا نموذجاً مكثّفاً لسياسة التطهير العرقي المتكامل. استُولي عليها الصرب عام 1992 وطُرد منها سائر البوشناق، وأُنشئت فيها مراكز احتجاز خُصصت للنساء تحوّلت فعلياً إلى أماكن للعبودية الجنسية. قُتل في فوتشا وضواحيها نحو 2,700 شخص بين عامَي 1992 و1994. وقد جاءت أحكام المحكمة الجنائية الدولية اللاحقة في قضية فوتشا لتصفّ ما جرى بأوضح العبارات القانونية تكريساً لمفهوم الاغتصاب جريمةً ضد الإنسانية.
٧. مجزرة سربرنيتسا — يوليو 1995
تُمثّل مجزرة سربرنيتسا الذروة المطلقة لسياسة الإبادة في البوسنة، والجريمة الأكثر توثيقاً والأشد فداحةً في تاريخ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. تقع سربرنيتسا في الجزء الشرقي من البوسنة، قريبةً من الحدود الصربية، وكانت قد أُعلنت “منطقةً آمنة” بموجب قرار مجلس الأمن رقم 819 في أبريل 1993، وكُلّف بحمايتها جنود هولنديون من قوة حفظ السلام الأممية (UNPROFOR). [21]
التوجيه السياسي: التوجيه رقم 7
في مارس 1995، أصدر رادوفان كاراجيتش بوصفه رئيساً للقيادة العسكرية العليا لجمهورية صرب البوسنة التوجيهَ العملياتي رقم 7، الذي أمر فيه قوات صرب البوسنة بـ”خلق وضع لا يُطاق من انعدام الأمن التام، لا تبقى فيه أي أمل في الاستمرار أو الحياة لسكان سربرنيتسا وجيبَي زيبا وغورازدي”. [22] لم يكن هذا توجيهاً عسكرياً عادياً؛ كان إعلاناً صريحاً بالنية الإبادية وفق القانون الدولي.
في الثاني من يوليو 1995، أطلقت قوات صرب البوسنة تحت قيادة الجنرال راتكو ملاديتش العملية العسكرية المعروفة بـ”كريفايا 95″ (Krivaja 95)، واخترقت دفاعات الجيب البوسني في سربرنيتسا. في الحادي عشر من يوليو، دخل ملاديتش المدينة في مشهد استعراضي بثّته كاميرات التلفزيون، وهو يقول لأتباعه بثقة المنتصر: “جاء دور الانتقام من الأتراك!” — في إشارة إلى الحكم العثماني التاريخي على البلقان. [23]
التنفيذ: الفصل والإعدام الجماعي
فرّ عشرات الآلاف من البوشناق الفارين من سربرنيتسا نحو قاعدة الأمم المتحدة في بوتوتشاري شمال المدينة. وصل نحو ثلاثين ألف شخص — غالبيتهم نساء وأطفال وشيوخ — إلى محيط القاعدة الهولندية بحثاً عن الحماية، وعاشوا في أوضاع مزرية من ازدحام وجوع ورعب. بين الثاني عشر والثالث عشر من يوليو، شرع جنود صرب البوسنة في فصل الرجال والفتيان من بين اللاجئين. أُركب النساء والأطفال حافلات ونُقلوا قسراً إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة البوسنية. أما الرجال والفتيان الذين تراوحت أعمارهم بين الثانية عشرة والسبعين فقد احتُجزوا. [24]
في الرابع عشر من يوليو 1995 وما تلاه، جُمع آلاف الرجال البوسنيين المحتجزين في مواقع مؤقتة، ونُقلوا على دفعات إلى مواقع إعدام ميداني، حيث أُعدموا رمياً بالرصاص ودُفنوا في مقابر جماعية. استمرت عمليات القتل من الثالث عشر حتى التاسع عشر من يوليو 1995، وامتدت عمليات إعدام متفرقة حتى مطلع أغسطس. وقد أمر ملاديتش لاحقاً بنبش المقابر الجماعية الأولى وإعادة دفن الرفات في مواقع أكثر إخفاءً، في محاولة يائسة لطمس الأدلة. [25]
الذين فروا عبر الغابات والتلال كانوا يعلمون أنهم إن أُمسكوا فالموت مصيرهم. وكان كثير منهم يعلمون أن النساء والأطفال على الحافلات لن يرَوا آباءهم وإخوتهم أبداً.
— تقرير لجنة الأمم المتحدة التفصيلي حول سربرنيتسا، 1999
بلغ عدد الضحايا وفق التحقيقات الجنائية ما يزيد على 8,372 رجلاً وفتىً من البوشناق. [26] جرى تحديد هوية معظمهم عبر تقنيات الحمض النووي (DNA) التي يُجريها المعهد الدولي للمفقودين. حتى اليوم، لا تزال رفات بعض الضحايا مجهولة الهوية أو لم يُعثر عليها بعد، فيما تواصل عائلات الضحايا البحث عن ذويها في سبع وثمانين موقعاً للمقابر الجماعية تم اكتشافها حتى الآن في منطقة سربرنيتسا والمناطق المجاورة.
٨. موقف المجتمع الدولي وفشل الأمم المتحدة
كشفت حرب البوسنة بشكل مؤلم عن قصور بنيوي عميق في منظومة الأمن الجماعي الدولية. كانت قوات الأمم المتحدة (UNPROFOR) متواجدة على الأرض البوسنية منذ عام 1992، وأُسندت إليها مهمة تأمين المساعدات الإنسانية وحماية المناطق الآمنة المعلنة، لكنها زُوِّدت بصلاحيات شديدة التقييد وعُقدت أيديها عن التدخل العسكري الفاعل إلا دفاعاً عن النفس. [27]
في ليلة سقوط سربرنيتسا، امتثل الجنود الهولنديون المكلّفون بحماية المنطقة لأوامر ملاديتش بالتنحي، ونقلوا الرجال الذين التجأوا إلى مركزهم إلى خارج القاعدة. أثارت هذه الواقعة جدلاً قانونياً وأخلاقياً عارماً في هولندا وفي المجتمع الدولي. وفي عام 2013، قضت المحكمة العليا الهولندية بأن الدولة الهولندية تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن مقتل نحو ثلاثمئة بوسني تم تسليمهم للصرب من داخل القاعدة الهولندية. [28]
على المستوى السياسي، أحجمت القوى الغربية طويلاً عن التدخل العسكري الحاسم خشية الانزلاق في مستنقع البلقان. كانت إدارة كلينتون في واشنطن تتردد بين الإدراك المتصاعد لحجم الجرائم والحسابات السياسية الداخلية. وقد بقيت أوروبا منقسمة وعاجزة عن صياغة موقف موحد وجازم. فرض مجلس الأمن حظر الأسلحة على جميع أطراف النزاع في يوغوسلافيا السابقة، وهو إجراء طال الحكومة البوسنية بشكل غير متناسب إذ كان جيش صرب البوسنة يرث أسلحة الجيش الشعبي اليوغوسلافي الضخمة، بينما خضعت البوسنة الرسمية للحصار. [29]
التدخل العسكري لحلف الناتو
دفعت صدمة سربرنيتسا في يوليو 1995 والقصف المدفعي على سوق ماركالي في سراييفو في أغسطس من العام ذاته — الذي أودى بحياة سبعة وثلاثين مدنياً — الدول الغربية إلى الخروج من جمودها. في الثامن والعشرين من أغسطس 1995، أطلق حلف الناتو عملية “القوة المتعمدة” (Operation Deliberate Force)، وهي حملة قصف جوي استمرت نحو أسبوعين استهدفت مواقع صرب البوسنة. كان هذا التدخل هو ما كسر عملياً شوكة الجيش الصربي وأجبر قيادته على القبول بشروط وقف النار.
٩. اتفاقية دايتون وانتهاء الحرب
في الفترة الممتدة من الأول إلى الحادي والعشرين من نوفمبر 1995، عُقدت في قاعدة رايت-باترسون الجوية قرب مدينة دايتون الأمريكية مفاوضاتٌ جمعت أطراف النزاع الثلاثة الرئيسية: سلوبودان ميلوسيفيتش ممثلاً لصربيا، وفرانيو توجمان ممثلاً لكرواتيا، وعلي عزت بيغوفيتش ممثلاً لجمهورية البوسنة والهرسك. أشرف على المفاوضات الوسيط الأمريكي ريتشارد هولبروك. وُقِّع الاتفاق بالأحرف الأولى في الحادي والعشرين من نوفمبر، ثم رسمياً في الرابع عشر من ديسمبر 1995 في العاصمة الفرنسية باريس. [30]
قسّمت اتفاقية دايتون البوسنة والهرسك إلى كيانَين سياسيين: فدرالية البوسنة والهرسك التي تضمّ البوشناق والكروات البوسنيين، وتشغل 51% من مساحة البلاد؛ وجمهورية صرب البوسنة (Republika Srpska) التي تشغل 49% من المساحة وإن تشكّل جزء كبير منها من أراضٍ تطهّرت عرقياً على حساب دماء البوشناق وكروات البوسنة. [31]
وصف الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش الاتفاق بعبارات تنضح بالمرارة حين قال إنه “اتفاق غير عادل، لكن اتفاقاً غير عادل أفضل من استمرار حرب عادلة”. وأفاءت الاتفاقية على صرب البوسنة بنسبة جغرافية ضخمة بالنظر إلى أنهم كانوا المعتدين، مما جعل بعض المحللين يصفونها بأنها أضفت شرعيةً على نتائج التطهير العرقي بدلاً من عكسها. [32]
أُعقب الاتفاقية نشر ستين ألف جندي من قوات حلف الناتو (IFOR) في البوسنة لضمان احترام بنود الهدنة وتنفيذ الاتفاق. وقد أُوكلت ملاحقة مجرمي الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التي كانت قد أُسّست في لاهاي عام 1993.
١٠. المحاكمات الدولية والعدالة الجنائية
في مايو 1993، أنشأ مجلس الأمن الدولي المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) في لاهاي بهولندا؛ وهي أول هيئة قضاء دولي جنائي منذ محاكم نورنبرغ عام 1945-1946، والأولى في التاريخ التي تُحاكم تهمة الإبادة الجماعية ضمن اختصاصها. وجّهت المحكمة لوائح اتهام لأكثر من مئة وستين شخصاً خلال مسيرتها. [33]
محاكمة رادوفان كاراجيتش
رادوفان كاراجيتش، الرئيس الأول لجمهورية صرب البوسنة والقائد السياسي الأعلى خلال الحرب، ظل فاراً من العدالة لسنوات طويلة عاش خلالها بهوية مزيفة في بلغراد متنكراً في هيئة طبيب بديل يزعم شفاء الناس بالطاقة. أُلقي القبض عليه في يوليو 2008. في الرابع والعشرين من مارس 2016، أصدرت الدائرة الابتدائية الثالثة للمحكمة الجنائية الدولية حكماً بإدانته بجريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، وجرائم الاضطهاد والإبادة الجماعية والقتل والترحيل والترهيب، وصدر بحقه حكم بالسجن أربعين عاماً، رُفع لاحقاً عند الاستئناف إلى السجن المؤبد. [34]
محاكمة راتكو ملاديتش — “جزار البوسنة”
راتكو ملاديتش، القائد العسكري لجيش صرب البوسنة الملقّب بـ”جزار البوسنة”، ظل مختبئاً في صربيا لسنوات يحظى بحماية شبكات الداعمين القوميين. أُلقي القبض عليه في مايو 2011 في إحدى القرى الصربية. وفي نوفمبر 2017، صدر بحقه حكم المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بالسجن المؤبد، إثر إدانته بجريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها في مناطق عدة من البوسنة. [35]
أكدت دائرة الاستئناف في المحكمة الحكمَ عليه في يونيو 2021، ليصبح السجن المؤبد نهائياً ومبرماً في حقه. ولا يزال ملاديتش، البالغ الثامنة والسبعين من عمره، يقضي محكوميته في هولندا في ظل ظروف صحية متردية.
محكمة العدل الدولية ومسؤولية الدول
في عام 2007، أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً تاريخياً في قضية رفعتها البوسنة والهرسك ضد صربيا. أقرّت المحكمة بأن ما وقع في سربرنيتسا يُشكّل إبادةً جماعية، وأن صربيا أخفقت في الوفاء بالتزامها بمنع الإبادة، لكنها لم تحملها مسؤولية التورط المباشر في الإبادة. وقد انتقد كثير من خبراء القانون الدولي وناجي المجزرة هذا الحكم بوصفه قاصراً عن تحقيق العدالة الكاملة. [36]
في مايو 2024، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطوةً رمزية بالغة الدلالة، إذ اعتمدت قراراً برعاية ألمانيا ورواندا يُحدّد يوم الحادي عشر من يوليو من كل عام “اليوم الدولي للتأمل في إبادة سربرنيتسا وإحياء ذكراها”. [37]
١١. الإرث والتداعيات
بعد مضيّ ثلاثة عقود على انتهاء الحرب، لا تزال جراح البوسنة والهرسك مفتوحة على مصراعيها على أكثر من صعيد. على الصعيد الإنساني، تواصل المعهد الدولي للمفقودين عمله الشاق في تحديد هوية رفات الضحايا عبر تحليل الحمض النووي المستخرج من العظام وعبر مطابقتها بعينات ذوي المفقودين. حتى اليوم، تجري دفنٌ جزئية متكررة في مدفن سربرنيتسا – بوتوتشاري في ذكرى الحادي عشر من يوليو من كل عام، حيث تستلم الأسر رفات أحبائها وأجزاءً من هياكلهم العظمية تعرّفت عليها المختبرات الجنائية. [38]
على الصعيد السياسي، تعاني البوسنة والهرسك من هشاشة مؤسسية متجذرة تعود جزئياً إلى تركيبة اتفاقية دايتون المعقّدة. تعترض جمهورية صرب البوسنة باستمرار على قرارات السلطة المركزية، ويطالب قادتها — ولا سيما رئيسها ميلوراد دوديك — بمزيد من الاستقلالية وصولاً إلى التلميح بالانفصال. يصف المراقبون هذا الوضع بأنه “سلام هشّ” يبقى مرهوناً بتوازنات خارجية لا بمصالحة حقيقية داخلية.
أما على صعيد إنكار الإبادة، فثمة حركة واسعة النطاق في صربيا وبين قسم من صرب البوسنة تدأب على التشكيك في وصف ما جرى بالإبادة الجماعية أو تقليص أرقام الضحايا أو إعادة تصوير القتلى بوصفهم مقاتلين لا مدنيين. يستشهد المنكرون بحجج يرفضها الباحثون والمحاكم الدولية، غير أن هذا الخطاب يظل مؤثراً في الخطاب العام الصربي والصربي-البوسني ويُعيق المصالحة الحقيقية. [39]
الإرث التشريعي والقانوني الدولي
تركت إبادة البوسنة والهرسك أثراً دائماً في تطوير القانون الدولي الإنساني. فقد رسّخت المحاكمات المترتبة عليها مفاهيم قانونية بالغة الأهمية: تجريم الاغتصاب الممنهج جريمةً ضد الإنسانية، وتوسيع مفهوم الإبادة الجماعية ليشمل النية المحدّدة على تدمير جزء من الجماعة، وإرساء مبدأ المسؤولية الفردية للقادة العسكريين والسياسيين عن جرائم مرؤوسيهم. كذلك غذّت تجربة البوسنة النقاش الدولي حول مبدأ “مسؤولية الحماية” الذي تبنّته الأمم المتحدة رسمياً عام 2005 بهدف منع حدوث كوارث إنسانية مماثلة في المستقبل.
تبقى إبادة البوسنة والهرسك شاهداً صارخاً على أن خطاب الكراهية القومي إذا اجتمع بالإفلات من المساءلة والصمت الدولي، فإنه قادر على تحويل الجيران إلى قتلة وتحويل مدينة مسالمة إلى مقبرة في وضح النهار. وفي كل حادي عشر من يوليو، حين تتجمع أمهات سربرنيتسا عند أبواب المدفن يحملن أسماء أبنائهن وأزواجهن وإخوتهن المنقوشة على رخام الشاهدة البيضاء، لا يزال السؤال المعلّق يتردد: كيف ونحن نعلم فعلنا هذا، وسمحنا به؟
| إبادة البوسنة والهرسك | |
| المعلومات الأساسية | |
| الفترة | أبريل 1992 — نوفمبر 1995 |
| المكان | جمهورية البوسنة والهرسك |
| المنفّذون | جيش صرب البوسنة (VRS) بدعم صربي |
| المستهدفون | البوشناق المسلمون والكروات البوسنيون |
| الأرقام والإحصاءات | |
| إجمالي القتلى | > 100,000 شخص [1] |
| ضحايا سربرنيتسا | > 8,372 رجلاً وفتىً [2] |
| قتلى الحصار | 11,541 (منهم 1,601 طفل) [3] |
| المهجَّرون | > 2,000,000 شخص |
| ضحايا الاغتصاب | 20,000 – 50,000 حالة موثقة |
| حصار سراييفو | |
| المدة | 1,425 يوماً |
| البداية | 5 أبريل 1992 |
| النهاية | 29 فبراير 1996 |
| القذائف المُطلقة | > 500,000 قذيفة |
| القادة والمحاكمات | |
| الزعيم السياسي | رادوفان كاراجيتش (سجن مؤبد) |
| القائد العسكري | راتكو ملاديتش (سجن مؤبد) |
| المحكمة | ICTY — لاهاي |
| تصنيف دولي | إبادة جماعية (ICTY + ICJ) |
| نهاية الحرب | |
| اتفاقية السلام | اتفاقية دايتون |
| تاريخ التوقيع | 14 ديسمبر 1995، باريس |